النمو وخصائصه

إن نمو يمكن أن يشمل كافة أنواع البنيات ومستوياتها , وله عناصره وآلياته الأساسية . فهناك نمو النبات ونمو الحيوان ونمو المدن ونمو الرأسمال ونمو السكان ونمو المعارف ...الخ . والنمو يمكن أن يكون موجباً زيادة وتوسع , ويمكن أن يكون سالباً تناقص وضمور . والتطور نوع من النمو وهو نمو في التعقيد . ولكل نمو خصائصه وآلياته . 

الخصائص الأساسية لكل أشكال النمو   

1 - هناك حدود لكل نمو ولا يمكن أن يستمر أي نمو إلى ما لانهاية , فلكل نمو حدود إذا تم تجاوزها يحدث تفكك أو انقسام . 

2 - كل نمو تابع لخصائص عناصره وآليات تفاعل هذه العناصر. 

3 - لكل نمو زمن معين يستغرقه ولا يمكن اختصار هذا الزمن إلا بنسبة محدودة . 

4 - لا يمكن حدوث نمو دون عناصر وقوى تستمد من الوسط الخارجي 

5 - يعتمد النمو بشكل أساسي على السيالات , وعلى الخزانات لتجميع السيالات التي تحدث النمو, وهو يحتاج إلى قوى محركة , وكذلك يحتاج لآليات تنظم التحكم بالنمو واستمراره .

وإن لكل بنية مهما كانت بداية أو ولادة أو نشوء , ثم فترة نمو وتطور أو عمر , ثم ضمور أو تفكك واضمحلال أو موت . أن ثالوث الولادة والنمو والموت يشمل كافة بنيات الوجود . 

عناصر نمو أي بنية هي :

1ً – سيالات المواد أو البنيات اللازمة للنمو 

2ٌ – حافظ أو خزان يحدث النمو فيه , أو البنية نفسها هي التي تنمو

3ٌ – آليات وأنظمة تدير عمليات النمو , أي آليات وأنظمة هضم وتمثل المواد ( البنيات ) التي تضاف للبنية لكي تنمو 

4ٌ-- قوى محركة لتحريك المواد وإجراء التفاعلات اللازمة للنمو 

5ٌ– وجود تبادل تأثير مع الوسط الخارجي , واستمداد المواد والقوى اللازمة للنمو من هذا الوسط .

وللنمو أنواع ومستويات متعددة , فهناك النمو الكمي والنمو الكيفي أو النوعي , والنمو في المكان والنمو في الزمان . 

ويجب أن نميز بين النمو من جهة وتشكل البنيات من جهة أخرى , فمفهوم النمو يتضمن المحافظة - ضمن حدود معينة- على البنية وخصائصها الأساسية . وعندما يحدث تغير للبنية أثناء النمو ضمن هذه الحدود نقول أنه يحدث تطور وبالتالي تغير جزئي  لهذه البنية , والتطور المستمر وإن كان متدرجاً وبسيطاً يمكن أن يؤدي إلى تشكل بنيات جديدة ومختلفة عن البنيات الأساسية  وإن كانت استمراراً لها . 

نمو أي بنية يمكن أن يؤثر على البنيات الأخرى 

إن نمو أي بنية يكون نتيجة عناصر وقوى وتفاعل مع البنيات الموجودة معها , فعناصر وقوى النمو لأية بنية تؤثر على البنيات المجاورة لها , وتؤثر كذلك على البنيات الداخلية لهذه البنية . 

فعناصر وقوى نمو الرأسمال أو نمو مؤسسات الدولة أو نمو الأسرة.... مثلاً , يمكن أن تؤثر على البنيات المجاورة , فنمو بنية ما قد يجرف معه ويدمر الكثير من البنيات الأخرى .

السيالات الخزانات والبوابات , وطرق النقل , وعلاقتها بالنمو

إذا أردنا نقل أو تمرير سائل أو غاز أو أية كمية من المواد من مكان إلى آخر, فإن هذا النقل يكون تابعاً لخصائص هذه المواد وكميتها, وتابعاً لخصائص وسائل النقل, وخصائص البنية المنقول منها , وظروفها وأوضاعها والبنية المنقول إليها , بالإضافة إلى العناصر الموجودة المؤثرة . 

فيمكن مثلاً أن يحدث ارتداد أو توقف لحركة النقل , أو أن يمتلئ المكان أو الخزان المنقول إليه أو تتغير خصائصه , ويمكن أن يفرغ الخزان المنقول منه أي تنتهي مصادر المواد المنقولة .

وإن خصائص حركة السيالات , يمكن أن يحدث في المجال الفيزيائي و الحيوي و الاجتماعي و الاقتصادي وحتى الفكري بطرق واحدة. 

هناك أمثلة كثيرة وواضحة في المجال الفيزيائي , السيالات الغازية والمائية و الصلبة و الكهربائية , مثال : 

نجم أو كوكب كبير يجذب- أو يبتلع- كل مادة تقترب منه , إن له بوابة دخول واسعة وقدرة هائلة على الابتلاع . هل يستمر إلى ما لا نهاية بابتلاع المواد ؟ 

طبعاً لا. 

يمكن أن يقترب منه كوكب أو نجم ويتجاذبان , يحاول كل واحد ابتلاع الآخر , فيتصادمان ويمكن أن ينفجر أحدهما أو كلاهم. 

ويمكن أن يستمر نمو النجم إلى أن يصل إلى عتبة حدية معينة تابعة لخصائص النجم والعناصر المكون منها , فيحدث خلل في تماسكه نتيجة نشوء قوى جديدة- قوى التحام نووي جديدة- تكون أكبر من قوى التماسك الناتجة عن قوى الجاذبية , وعندها يحدث انفجار جزئي أو كلي يفتت هذا النجم.

مثالاً آخر لكائن حي 

ليكن لدينا أحد الحيوانات (هر) مثلاً وأردنا تمرير الطعام إلى معدته عبر فمه , يجب أولاً أن يكون في حالة جوع , أي هناك قوى تعمل على القيام بالعملية , وأن يكون الهر قادراً علي تناول الطعام . فإذا رمينا له الطعام ببطء فسوف يلتهمه بسرعة ودون ضياع شيء منه , وإذا استمرينا بإلقاء الطعام له فسوف يستمر بالتهامه حتى يصل إلى الاكتفاء والشبع وعندها يتوقف عن تناول ما يلقى إليه ويتراكم الطعام وتتوقف عملية نقل الطعام لمعدته , ولا يمكن أن تعود إلا بعد هضم الطعام الذي تم تناوله , وإحساسه بالجوع مرة أخرى .

مثال آخر:

أغلب الناس إن لم يكن جميعهم يجمعون النقود , ويمكنهم جمع أية كمية تتاح لهم , ولا تتوقف عملية الجمع طالما كان الإنسان حياً وقادراً . ولكن ليس إلى ما لا نهاية فمصادر النقود محدودة وهناك جذب لها من باقي الناس( الصراع والتنافس عليها) ويمكن أن تؤخذ بدل من أن تجمع , ونتيجة لذلك يحدث تجمع وتراكم لهذه النقود لدى لأفراد والجماعات حسب الأوضاع والقوى العاملة . فتتجمع وتتشتت  لدى الأفراد والجماعات . أي يكون دوماً هناك ما يشبه الخزانات الصغيرة والكبيرة تملأ وتفرغ باستمرار, وتتشكل أيضاً خزانات جديدة وتلغى خزانات قديمة , وذلك حسب عناصر وآليات معقدة كثيرة 

مثال آخر: 

الحيوانات أثناء تطورها ونموها كأفراد وكأنواع تخضع لعناصر وآليات النمو, فالنمو لأي جماعة منها لن يستمر إلى ما لا نهاية لأن العناصر والظروف والآليات محددة ولا تسمح بنموها المستمر . مثال نمو الذئاب والأرانب والحشائش , هناك نمو متغير لكل منها, ولكنه مرتبط بنمو الأخيرين. 

النمو والنضوج

إن الكثير من أشكال نمو البنيات يمكن أن تكون على شكل نضوج أي وصول إلى مرحلة معينة مستقرة للبنية , وتكون على الأغلب هي ذروة النمو, وتتم في هذه المرحلة التغيرات الأساسية التي تنتج عن النمو, وغالباً يعقب هذه المرحلة بعد زمن قصير أو طويل التقهقر والانحلال والتفكك , وهذا ليس دائماً  فيمكن أن يحدث تطور ملائم يؤدي إلى مراحل نضوج جديد وبالتالي استمرار بقاء البنية ولكن بشكلها الأكثر تطوراً وبالتالي أكثر تكيفاً مع الأوضاع , وهذا يسميه البعض الارتقاء . 

والنضوج يعني أيضاً تشكل ونمو البنيات التحتية اللازم والضروري , والتي تكسب البنية خصائصها الأساسية . 

وهذا كما قلنا يحصل لكافة أنواع البنيات المادية أو الحية أو الفكرية أو الاجتماعية أو الصناعية أو الاقتصادية. 

الجمع والتملك والنمو بالنسبة لنا

إن ظاهرة جمع المال , التحف, الحلي والذهب , الطوابع , تملك الأراضي , المعلومات والأفكار,  الحسنات..... الخ . موجودة لدى غالبية الناس, ويمارسونها برغبة وهوس شديدان , وهم يشعرون بسعادة ولذة كلما جمعوا وازداد ما جمعوه . فهم غالباً يعطون هذا الجمع الأولوية , وهو يستغرق ويشمل أغلب دوافعهم وتوجهاتهم في الحياة , ويطغى على باقي مناحي حياتهم, وهم يرون الحياة بمنظار هذه الرغبة الشديدة في الجمع والتملك , وهم غالباً لا يرتوون ولا يشبعون .

إن وجود هذه الظاهرة وانتشارها الكبير, واستمرار وجودها لدى البشر, يوجب أن يكون لها دور ووظيفة حيوية واجتماعية هامة . ونحن نلاحظ ظاهرة الجمع لدى الكثير من الأحياء , فالنمل والنحل والكثير من القوارض وبعض المفترسات تقوم بجمع الطعام , فالتركيز على جمع مادة أو مواد هامة وأساسية لحياة الكائن الحي , موجود لدى الكثير من أنواع الكائنات الحية . وهي تكون مبرمجة وراثياً على ذلك . 

ولكن وجودها لدى الإنسان يأخذ وضعاً مختلفاً, فأحياناً لا تكون المادة التي تجمع لها دوراً ضرورياً أو حيوياً , ومع ذلك يسيطر دافع التملك على الإنسان ويوجهه نحو جمع هذه المادة وتملكها , ربما يكون لها دور اجتماعي أو نفسي أو فكري مكتسب وهذا يختلف عن باقي الكائنات الحية . 

وظاهرة التفوق , والإنجاز الأكبر, أو الأفضل , هم نوع من الجمع, و يهدفوا إلى رفع المكانة . فالسعي إلى التفوق في القوة الجسمية أو في المهارات الجسمية أو العقلية . و كافة أشكال الرياضة والمهارات العملية والعقلية والاجتماعية , هم نوع  من الجمع أو التملك والنمو للمهارات أو القوى أو المعارف . وهذا يظهر دور ووظيفة دافع الجمع والتملك الهام والضروري للفرد والجماعة . ودافع الجمع والتملك هو أيضاَ_ كما نشاهد_ مولداً للتنافس والصراع .

نواتج دوافع التملك 

ملكي , لي , ملكتها , حصلت عليها , حققتها , أوجدتها , بنيتها..... , كلها تتضمن الحصول على شيء وضمه لبنية الفرد . وكذلك السيطرة على شيء والتحكم في شيء والتصرف به , مثل التحكم بالمال أو غيره وتوظيفه في خدمة بنية الفرد , هو نوع من التملك . وكذلك الوصول للمركز الاجتماعي أو السياسي أو الثقافي . . . , هو نمو , ويهدف للتوسع في تحكم بالخيارات لخدمة الفرد .

وامتلاك الأشياء , أو المال , أو القدرات , أو المكانة . . , من قبل إنسان ما , هو توسع أو نمو له , فمجال ومقدار تأثير هذا الإنسان يكبر ويزداد ( ينمو) . وهذا يعني أن هناك بنيات أو قوى انضمت إليه . ويمكن أن نقول أنه تكوًن إنسان مختلف عن السابق نتيجة هذا النمو .

إن تملكي شيئاً , أي أن يصبح لي  يعني أن يتصل بي أو ينضم إلي ويصبح جزءاً مني , وبالتالي يصبح علي المحافظة عليه ورعايته وحمايته لأنه أصبح جزءاً مني , وإذا حدث ضرر له أو فقدته فإن هذا يشعرني بأنني فقدت جزءاً من ذاتي , وهذا يؤلم أو يحزن مثال : ملك عندما يفقد جزءاً من بلاده يشعر كأن جزءاً منه قد فقد أو انتزع.

ودافع التملك القوي لدى الإنسان يجعله أحياناً يضم إليه أو يربط به أشياء ليست ضرورية له أو هو ليس بحاجة إليها. فالإنسان خلال حياته يسعى بكل قواه وقدراته إلى تنمية بنيته بواسطة التملك والسيطرة, فهو كما ذكرنا مبرمج على ذلك غريزياً وفكرياً واجتماعياً , فكل الناس تسعى للتملك سواء كان مادياً أو معنوياً - نفسي أو فكري أو اجتماعي- , وهذا نتيجة دوافع مغروزة فيهم .

إذاً التملك هو توسيع لبنية الإنسان , ونحن نسعى للتملك بدوافع غريزية من أجل توسيع خياراتنا وإمكانياتنا والاحتياط للظروف السيئة أو الضارة , وجعل الخيار البديل متوفر لدينا دوماً. 

والتملك دون معرفة وتبصر يجعل الإنسان يربط - أو يضم- لبنيته أشياء ليس بحاجة إليها , أو هي ضارة وقد تعيق نموه , ويكون في الوقت نفسه ملزماً بالمحافظة عليها . والمعارف والأحكام الدقيقة تخفف كثيراً من سعينا للتملك غير المجدي أو الضار.

مثال: شخص حقق نمواً وتملك الكثير من المال الذي مكنه من امتلاك بضعة سيارات ومنازل فاخرة بالإضافة إلى امتلاك الكثير من المواد الاستهلاكية الفاخرة, إنه سوف يتفاخر بنجاحه وتفوقه وقدرته على التملك وسوف يحصل على اللذة والسعادة , وسوف تتسع دائرة نفوذه وتحكمه . ولكن سوف يفرض عليه المحافظة على ما يملك , وسوف يتعرض للغيرة والحسد والكراهية أحياناً , وكذلك سوف يتعرض لضغوط أخرى من قبل البقية . فالأفراد المنتمون إليها أصدقاءه وأقرباءه سوف يفرحون بنجاحه , ولكن سوف يطالبون بجزء من هذا النجاح, وبالتالي سوف تترتب عليه التزامات وضغوط , أما أعداؤه ومنافسوه فسوف يحسدونه ويكرهونه ويسعون لإعاقته والإضرار به . أي أن هذا الشخص سوف يتعرض إلى ضغوط من قبل الجميع نتيجة نموه وتملكه الزائد .

ونحن نشاهد أنه كلما زاد النمو والتوسع زادت صعوبة المحافظة عليه , وزادت كلفة هذه المحافظة , وكذلك زاد الهدر والضياع . وهذا يشبه زيادة الضغط في الغازات أو السوائل الناتج عن نموها حجماً وكماً , الذي يؤدي لزيادة صعوبة المحافظة عليه, بالإضافة إلى زيادة التسرب و الهدر.

إن التركيز على النمو والتملك وزيادته دون حدود هو ليس فقط نتيجة دوافع الفرد الذاتية, بل هو أيضاُ من دوافع بنية المجتمع الأساسية , إن بنية المجتمعات البشرية بشكل عام تشجع النمو والتملك الفردي لأهميتها في نمو وتطور المجتمع ككل . 

وهذا ما أعطى الضوء الأخضر للعمل والنمو والتملك الفردي , فالفرد يجمع ويبني بأقصى طاقته عندما يعمل لذاته , ولكن يظل المرجع النهائي لما تملك وجمع يعود لبنية المجتمع لأنه سوف يموت ويبقى ما جمع للمجتمع.

نمو البنيات الزائد وتأثيراته 

يحدث أن يستمر نمو بعض البنيات بقوة وبقدر كبير ولفترات طويلة , فيحدث نمو مفرط زائد تكون له تأثيراته على باقي البنيات المجاورة . وبالنسبة لنا نحن البشر يمكن أن تنمو بعض قدرات أو ممتلكات فرد أو جماعة نتيجة ظروف داخلية أو خارجية مناسبة إلى درجة كبيرة . وهذا يؤدي لحدوث تأثيرات على باقي الأفراد والجماعات المجاورة . 

فالإنسان أصبح الآن يملك قدرات ودوافع كثيرة لكي يسعى ويحقق النمو المفرط في بعض المجالات, وهذا نشأ نتيجة التنافس والصراع المستمر بين الأفراد ومع الظروف, فالأكثر قوة والأكثر ذكاء أو الأكثر توالداً أو تملكاً أو مكانة أو سلطة  غالباً ما يكون هو الفائز وهو الذي يورث خصائصه . 

فزيادة الطلب على النمو وخاصة التملك المالي والعيني والحصول على المكانة العالية والسلطة الكبيرة الواسعة , وباستخدام كافة الوسائل المتاحة سواء كانت مادية أو فكرية أو اجتماعية , يشمل كل البشر وإن كان بدرجات متفاوتة. ونحن نشاهد كيف يسعى البعض للحصول على المال والممتلكات والمكانة بشتى الطرق وباستعمال كافة ألإمكانيات المتاحة, إنهم يشبهون البالوعة التي تجذب وتبتلع كل سائل يقترب منها إنهم يبتلعون الأموال والممتلكات . .  ويهضمونها وينمون نتيجة لذلك , في القوة والمكانة والسيطرة التي بدورها تسمح لهم بزيادة قدرتهم على الابتلاع والنمو, وهذا يجعلهم ينمون إلى درجة كبيرة جداً . فالاسكندر , وهتلر, وملوك الصناعة , وملوك التجارة والمال الكبار...... هم من هؤلاء , وقد كان تأثيرهم كبيراً. وقد ذكرنا تأثير الأقوياء على خلق وفرض الانتماءات .

السيالات والمجالات أو الحقول , وخصائص كل منهما .

إن آليات وقوانين عمل السيالات متشابهة في كافة أنواع السيالات, فسيالات الكهربائية و سيالات السوائل و سيالات المواد أو البضائع أو النقود و سيالات المعارف أو المعلومات , كلها ذات آليات متشابهة بشكل كبير. 

ويمكن أن تتشكل دارات مغلقة تسير فيها السيالة بشكل مستمر. 

إن جريان أي سيالة مهما كان نوعها يعتمد على فرق القوة أو فرق الجهد أو فرق الضغط  أو فرق الحاجة أو الدافع , فيلزم لكي تبدأ السيالة بالجريان قوة كافية للتغلب على المقاومة التي تعترضها , وإذا أريد استمرار جريان سيالة في دارة يجب أن تؤمن قوة محركة كافية للتغلب على مقاومات عناصر هذه الدارة .

إن الكثير من التفاعلات التي نلاحظها في هذا الوجود تحدث نتيجة تفاعل السيالات , ولكن ليست كافة التفاعلات تعتمد على السيالات, فهناك تأثيرات وتفاعلات المجالات. والمجال هو حيز مكاني- فضاء- صغير أو كبير تنتشر فيه قوى أو تأثيرات خلال زمن صغير أو كبير, والآليات أو القوانين التي تجري فيها تفاعلات المجالات تختلف عن الآليات التي تجري فيها تفاعلات السيالات . 

وكافة التفاعلات في الوجود هي إما تفاعلات بين بنيات أو تفاعلات بين مجالات أو ضمن مجالات أو تفاعلات بين سيالات أو ضمن سيالات , أو بين المجالات والسيالات والبنيات, فالإلكترون يتفاعل مع البروتون أو الإلكترون المماثل له عن طريق تفاعل المجال الكهرطيسي , ففي الذرة تتشكل دارات معقدة مغلقة من سيالات كهرطيسية- فوتونات- بين الإلكترونات مع بعضها , وبين الإلكترونات والنواة, وتنتظم هذه السيالات لتشكل طبقات الإلكترونات حول النواة وتتماسك بنية الذرة نتيجة لذلك, وكذلك تنتقل الإلكترونات من ذرة إلى أخرى عبر الأسلاك والعناصر الكهربائية ضمن الدارات الإلكترونية لتشكل دارات من السيالات الإلكترونية . 

والفرق بين المجال و السيالة هو أن المجال شامل لحيز مكاني وخلال زمن , أما السيالة فهي جزء محدد وموجه من مجال يكون على شكل تيار له خصائصه وشدته واتجاهه ,ويمكن أن يجري بين بنيات محددة أو في الفراغ , ففي الغازات والسوائل يتوضح لنا الفرق بين المجال  السيالة أو التيار  ففيهما نجد المجالات والسيالات بشكل واضح ففي الأجواء والبحار هناك المجالات والسيالات معاً . والمجالات تتفاعل مع بعضها وكذلك تتفاعل مع التيارات التي ضمنها أو التي خارجها , وهذا ما يعقد التفاعلات التي تجري فيهما بشكل كبير جداً.

التعامل الفكري مع البنيات والمجالات والسيالات و داراتها 

إن العقل البشري في تعامله مع حوادث الوجود والتنبؤ لها يقوم بتشكيل الهويات وتحريكها باعتماد آلية السببية البسيطة المختزلة . 

فالعقل البشري لا يستطيع التعامل مع السببية الموسعة والصيرورة والجدل أو التأثير المتبادل , الموجود في حوادث الوجود بدون الرياضيات والعلوم والتكنولوجيا . 

لقد استخدمت الرياضيات وكانت طريقة المعادلة فعالة جداً في التعامل مع المسائل الحسابية والجبرية والرياضية المعقدة , وعندما أكتشف التحليل والتفاضل والتكامل أمكن التعامل مع السببية الموسعة , فبواسطة المعادلات التفاضلية أمكن حساب نتائج تفاعلات عدد كبير من البنيات الفيزيائية مع بعضها.

أما الجدل والتأثيرات المتبادلة وخاصةً دارات التغذية العكسية فقد تم مؤخراً التعامل معهم بفاعلية باستعمال الرياضيات المتطورة والكومبيوتر.

كما ذكرنا لقد نشأ مفهوم المجال أو الحقل للقوى أو التأثيرات حديثاً في الفيزياء أولاً , وكان مفهوم السيالات أو التيارات موجود سابقاً, أما مفهوم دارات السيالات وقوانين وآليات عملها فقد نشأ حديثاً أيضاً .

والعقل البشري بقدراته الذاتية قاصر عن التعامل مع تفاعلات المجالات, و دارات السيالات, و دارات التغذية العكسية. 

ولكن بعد نشوء اللغة وتطورها ثم نشوء الرياضيات والعلوم وخاصة الفيزيائية , ثم نشوء التكنولوجيا المتطورة والكومبيوتر, وما تم معرفته وإيضاحه من خصائص الواقع . صار بإمكان العقل البشري و بمساعدة الرياضيات والكومبيوتر والتكنولوجيا المتطورة التعامل مع بعض تفاعلات السيالات و داراتها والتنبؤ لها بدقة عالية. 

وكذلك استطاع العقل البشري التعامل مع بعض الحقول أو المجالات التي استطاع تعيينها وتحديدها مثل حقول قوى المجالات الفيزيائية والتنبؤ لها بدقة عالية جداً . أما المجالات والحقول البيولوجية, والبيئية, والاجتماعية, والاقتصادية, والثقافية فكان تنبؤه لها تابع لمقدار ما حقق لها من تعيين وتحديد, وكان هذا متواضعاً غالباً وبالتالي كانت تنبؤاته لتفاعلاتها متواضعة الدقة . 

أما عندما أراد التعامل مع التفاعلات التي تجري بين البنيات والسيالات و دارات السيالات والمجالات معاً فقد وقف شبه عاجز. فهذه التفاعلات أوسع وأعقد بكثير من أن يستطيع بالقدرات التي يملكها الآن التعامل معها بفاعلية والتنبؤ لها ولو حتى بدقة مقبولة , فتأثير المجالات والتي هي من أنواع متعددة وخصائص مختلفة على السيالات وبالتالي على البنيات التي تكونها هذه السيالات أعقد من أن يستطيع التعامل معها مثال على ذلك:

تأثير المجال النفسي والثقافي على السيالات الاقتصادية أو البنيات الاقتصادية , وهذا لم ينتبه له أغلب الاقتصاديين سابقاً, فقد كانوا ينظرون إلى الأمور بشكل بسيط ومختزل جداً وبالاعتماد على السببية البسيطة, ولم تراعى تأثيرات الكثير من البنيات والكثير من المجالات . ومن الأساس لم توضح السيالات والبنيات الاقتصادية و داراتها الكثيرة المتشعبة والمتداخلة مع بعضها فهي تشبه الدارات الإلكترونية في الأجهزة الإلكترونية المعقدة . وكذلك لم توضح الكثير من الأمور مثل الخصائص والدوافع البشرية الأساسية , وكذلك الخصائص الأساسية للبنيات الاجتماعية والثقافية لم توضح بشكل جيد, وكذلك مجال تأثيرات الاجتماعية والنفسية والعلوم والتكنولوجيا والكومبيوتر والذكاء الاصطناعي لم يحسب بشكل مناسب , فحدوث تغيير أو اختراع أساسي في أحد هذه المجالات يمكن أن يغير النتائج كثيراً .