في المقال السابق (السببية .. أهم آليات عمل عقلنا على الإطلاق) قمت بنظرة سريعة على بعض ما قيل عن مفهوم السببية , وكنت ذكرت أن لي بعض الملاحظات , والآن أقوم بذكرها .

إن غالبية ما قيل في مفهوم السببية هو كان عن السببية البسيطة أو المختزلة . وهذه أهم خصائصها .

إن هدف ودور المعرفة هو استباق نتائج الأحداث بهدف التحكم بها وتعديلها بما يناسبنا . فالتنبؤ الذي هو أساس المعارف هو الذي ينتج السببية .

فالسببية هي : تحديد وتعيين واختصار أو اختزال للعوامل والمؤثرات الكثيرة , فهي تعتمد على اختزال العوامل والمؤثرات والتي هي بمثابة أسباب بسبب واحد , من أجل القيام بتحديد وتعيين الاستجابات المناسبة . فالأسباب تختزل بسبب واحد أو عدد قليل من الأسباب ويتم التركيز على سبب أساسي واحد .

وهذا ناتج عن التوقع الذي يقوم على آليات الاشراط العصبي التي يعمل بها دماغنا . والتوقع أو التنبؤ هو الذي يفرض ويحدد مجال ومنحى سير التفكير أو المعالجة الفكرية ، وهو بالتالي يعين ويحدد الاستجابات والأهداف . وهذا هو أساس السببية البسيطة .

 

وإن اعتماد أهم العوامل والمؤثرات , وجعلها السبب في الحوادث , هو أهم عمل لعقلنا .

والتحكم بالأسباب والعوامل هو ما نعتمده في كافة تصرفاتنا , من أجل تحقيق دوافعنا وغاياتنا . فنحن نريد أن نتحكم بأهم وأقوى الأسباب . ومهمة المعارف والعلوم هي تحديد هذه الأسباب .

فيقولون فتش عن السبب وتحكم به في تغيير مجرى الحوادث .

وسؤال لماذا حدث هذا أو كيف حدث , يعني : ما هي الأسباب الرئيسية التي أدت لحدوثه

وهذا الاختصار ليس تابع فقط للتفكير المنطقي السببي وآليات عمل دماغنا , بل هو تابع أيضاً للدوافع والغايات والأمور النفسية كالانفعالات والعواطف والانتماءات .

لذلك نحن نشاهد الاختلافات بين الأشخاص والجماعات الكبيرة في تفسير الحوادث باختيار أو اعتماد كل منهم أسبابه الخاصة به والمختلفة عن أسباب الآخرين , ويتم تجاهل العوامل والأسباب الأخرى وإن كانت هامة .

ومفهوم الحرية مرتبط بالسببية . أنا , لأنني حر , أردت أن أفعل كذا وكذا , وفعلت , وأنا المسبب بما حصل . فالتحكم بالأسباب هو ممارسة الحرية .

والأفعال تصبح بمثابة مسببات أو أسباب .

والسببية البسيطة هي دوماً احتمالية .

وسلسلة التفكير تابعة لسلاسل الأسباب , وموجهة من قبلها .

هل دوماً نفس السبب ( أو عدد معين من الأسباب ) يؤدي إلى نفس النتيجة ؟

في الواقع إن كافة الأحداث أو الوقائع لا تحدث نتيجة سبب أو عدد معين من الأسباب , بل هي نتيجة عدد كبير من الأسباب .

نلاحظ : أنه إذا تفاعلت ( أو تبادلت التأثير ) البنية أ مع البنية ب , وكان نتيجة ( أو سبب هذا ) دوماً تكوٌن أو حدوث الواقعة ج , عندها يمكن أن نطلق تنبؤاً صحيحاً بصورة مطلقة على كل مرة تتفاعل بها –أ- مع – ب- , بأن هذا يسبب تكون الواقعة –ج -

ولكن ليس هناك فقط البنية أ والبنية ب داخلة في التفاعل, فهناك حتماً بنيات أخرى كثيرة مشاركة في هذا التفاعل وهي تهمل عادةً لضعف تأثيرها .

وأيضاً البنية- أ – والبنية- ب - ليستا ثابتتان ومحددتان تماماً, فهما حتماً في تغير ذاتي خلال الزمن , وهذا يهمل أيضاً لأنه غالباً صغير جداً.

لذا : النتيجة هي حتماً احتمالية , وهي تابعة لمقدار تحديد وتعيين تأثيرات بقية البنيات المشاركة في التفاعل التي أهملت , وتابع أيضاً لمقدار تحديد وتعيين التغيرات الذاتية للبنيات المتفاعلة التي أهملت . وهذا يستحيل تحديده وتعيينه بصورة مطلقة . لذلك دوماً تنبؤاتنا هي احتمالية الصحة وليست مطلقة الصحة مهما حاولنا .

تأثير الدوافع والأحاسيس والانفعالات على اختيار الأسباب

إن العقل البشري عندما يعمل ويقوم ببناء تمثلاته وبالتالي أحكامه , سواء للماضي أو للحاضر أو للمستقبل , لا يراعي فقط المنطق والسببية والمنطق ، بل يراعي أيضاً تأثيرات حواسه وانفعالاته ورغباته وقيمه .

لذلك عندما ينشئ تمثلا ته و تنبؤاته و أحكامه بالاعتماد على المعلومات التي لديه , يدخل أيضاً عليها - أو تدخل عليها - تأثيرات أحاسيسه وانفعالاته ورغباته وقيمه ، فتنحرف هذه الأحكام لتلائم غاياته وأحاسيسه وقيمه ، وهو كثيراً ما يستغل المعلومات " أو الأسباب " غير الدقيقة , لكي يحقق رغباته وأحاسيسه ويتحاشى المعارف " أو الأسباب " الدقيقة والتي لا تتفق مع غاياته ودوافعه .

مثال على ذلك :

بناؤه للأساطير والقصص عن الماضي بما يناسب المعلومات التي لديه , وبعد أن يضيف عليها رغباته وأحاسيسه ، يخرج مثالاً أو صورة للماضي بناءاً على عوامل وأسباب تحقق بالدرجة الأولى رغباته ودوافعه ، والمعارف التي يملكها , ويعتبر هذه الصورة هي المرجع الذي يعتمد عليه في تصرفاته .

وهو يقوم أحياناً بتعديل لهذه الصورة أو المثال ليستوعب كل ما يصادفه من وقائع وأحداث تجري له ، فهو إما أن يعدل قليلاً من مثاله أو صورته ، أو يكيف الأحداث والأسباب ويربطها مع بعضها بما يتوافق مع مثاله الذي يعتمده ، وغالباً ما يقوم بالتحوير والتعديل للأسباب لتفسير الأحداث , وليس تعديل مثاله الذي يكون بمثابة مرجع أساسي له .

ونحن نشاهد مثالاً آخر على تأثير الأحاسيس والدوافع الذاتية على اعتماد العوامل والأسباب , عند ملاحظة تصوراتنا لأحداث وأمور تحدث لشخص نحبه , أو نكرهه , أو نغار منه... ، فإننا نجد أن أغلب السيناريوهات التي نضعها لمستقبل هذا الشخص بغض النظر عن المعلومات المتوفرة لدينا عنه وعن أوضاعه أنها سوف تخضع في المحصلة إلى رغباتنا و احساساتنا تجاهه ، فإن كنا نبغضه نرى أن نتيجة هذه السيناريوهات على الأغلب هي الضرر له ، وإذا كنا نحبه نجد أنها النجاح والسعادة ، وإذا كنا نغار منه نجد أنها الفشل والخسارة , ولكن وبعد أن تجري الأحداث وتحدث الوقائع نجد أن أحكامنا وتوقعاتنا والعوامل والأسباب التي اعتمدناها , كانت على الأغلب غير دقيقة ، فقد نجد أن عدونا الذي نكرهه نجح وفاز ، والذي نحبه ونرغب بنجاحه فشل ، والذي كنا نغار منه نجح وتقدم .

ونحن نلاحظ تأثر أحكامنا وتصوراتنا بانفعالاتنا ورغباتنا بشكل واضح عندما نكره شخصاً معيناً ، فتتكون أحكامنا وتصوراتنا وبالتالي اعتمادنا أسباب تؤيد هذا الكره ، وعندما نعود ونتصالح معه تعود وتتغير أحكامنا والأسباب التي نعتمدها بما يناسب ذلك ، مع أن الشخص نفسه وأغلب الأوضاع ما زالت متشابهة ، فالأحكام العقلية ( وكذلك الأسباب المعتمدة ) مهما كانت تسعى لتكون محايدة وموضوعية فإنها تتأثر بالأحاسيس والدوافع والرغبات التي تكون مرافقة لها

إضفاء الدوافع والأحاسيس والانفعالات والقيم البشرية على البنيات والمفاهيم الفكرية

إن غالبية الكتاب والمفكرين يعاملون البنيات الفكرية الشيئية ( الهويات والأشياء ) كما يعاملوا كائنات حية , لها أهداف وغايات وعندها خير وشر وتخطئ وتصيب ......الخ وهي التي تسبب النجاح أو الفشل , الخير أو الشر .

وهذا ( في رأي ) ناتج عن التطور اللغوي والاجتماعي والنفسي والعصبي المرتكز إلى الأسس البيولوجية والفزيولوجية والغرائز وباقي الآليات الحيوية . فالتواصل بين البشر في هذه الأوضاع اللغوية والاجتماعية والنفسية والغريزية والحيوية فرض ذلك ، وجعل التعامل مع المفاهيم التي تصف وتمثل الأشياء- الأسماء أو الهويات- كأنها كائنات حية , فتوصيل المفاهيم والمعاني والأفكار يكون أسهل وأسرع وأفضل عندما تحمل مضامين الأحاسيس والمفاهيم والمعاني البشرية .

لننظر إلى ما يكتبه أغلب المفكرين فنشاهد أمثلة واضحة على ذلك- تحميل البنيات الفكرية الاسمية الخصائص الفكرية والنفسية والمعاني البشرية - أمثلة : فشل العلم في تحقيق كذا - نجحت المدرسة كذا في تحقيق كذا – تفوق العلم على الأدب - تشارك الأدب مع الفن في إنجاز كذا وكذا , قام الاستعمار باستغلال الشعوب وسبب المآسي لها , تقوم أمريكا بالسيطرة على العالم . . . وهناك الكثير.

السببية الموسعة :

لذلك سعياً إلى الدقة والموضوعية ولبناء المعارف والتنبؤات الدقيقة تم التعامل مع تعدد العوامل والأسباب والظروف , واعتماد السببية الموسعة . فهذه السببية تعتمد مراعاة أكبر كمية من العوامل والأسباب ( الدوال ) عند القيام ببناء التنبؤات والمعارف .

ولتمييز السببية البسيطة عن السببية الموسعة نورد المثال التالي :

إذا كان لدينا آلة , أو جهاز , أو حتى كائن حي , وتعطلت ولم تعد تقوم بعملها أو تغيرت خصائصها . عندها نقوم بالبحث عن السبب أو الأسباب التي أدت لذلك , أي نستعمل السببية البسيطة .

لكن في حال أردنا صنع تلك الآلة أو الجهاز أو الكائن الحي , ففي هذه الحالة يجب البحث عن كافة العوامل والأسباب التي تمكننا من صنع تلك البنيات . أي يجب علينا أن نستعمل السببية الموسعة .

فبناء جسر أو ناطحة سحاب أو حاملة طائرات أو مصنع .... يلزمه البحث عن كافة الأسباب والعوامل التي يؤدي إلى تكون البنية التي نريد صنعها . فصنع سيارة يلزمه التعامل مع كم هائل من العوامل والأسباب لكي يتم .

السببية المرتدة :

لكن الأمور لم تحل ولم يتم التوصل لبناء تنبؤات ومعارف دقيقة جداً وبالتالي تحديد الأسباب . فوجود التأثير المتبادل بين النتائج والأسباب , منع التوصل للوصول إلى تنبؤات ومعارف عالية الدقة .

فعندما تصبح النتيجة هي أيضاً عامل أو سبب وتعود وتدخل في تفاعلات الأحداث , وبالتالي تغير النتيجة , ومن ثم أيضاً تعود النتيجة وتدخل في التفاعلات . عندها نحصل على نتائج متغيرة باستمرار ولا نصل لتنبؤ معين محدد .

فوجود دارات من التفاعلات العكسية المتداخلة بين النتائج والأسباب , وتشكل دارات مغلقة من التفاعلات تجعل إمكانية التنبؤ بالأحداث صعب وغير ممكن باعتماد التفكير السببي البسيط أو الموسع .

والسببية المرتدة هي هذه الدارات من التفاعلات العكسية بين النتائج والأسباب , وهذا ما يسمى بالتغذية العكسية .

و مفهوم التغذية العكسية أو المرتدة بشكله الواضح لم يكن موجوداً قبل القرن الثامن عشر , وقد بدأ في الظهور أولاً في المجال العملي عندما استعمل " جيمس واط " منظمه لسرعة عمل آلته البخارية . هذا المنظم كان مؤلفاً من كرتين معدنيتين معلقتين بزراعين تدوران حول محور , وحسب سرعة هذا الدوران ترتفعان إلى أعلى نتيجة القوة النابذة , وحسب شدة هذا القوة يتم إغلاق جزئي لمرور البخار الذي يحرك الآلة , فإذا تباطأت سرعة الآلة تتباطأ سرعة دوران الكرتين فتنخفضان وهذا يؤدي إلى زيادة فتحة البخار فيتسارع عمل الآلة , وهذا بدوره يؤدي إلى تباطؤها , وهكذا دواليك حتى يحدث توازن في وضع معين . وهذا كان نموذجاً مثالياً لطريقة عمل آلية التغذية العكسية , فالخرج يعود فيؤثر في الدخل بشكل سالب ( معكوس ) , أي النهاية تتحكم بالبداية.

ويمكن التعرف على التغذية العكسية بشكلها الكهربائي , من خلال أجهزة الاستقبال اللاسلكية , ففي دارة تنظيم قوة الصوت كهربائياً نأخذ جزءاً من خرج دارة تكبير الإشارة ونعود وندخله مع الإشارة الداخلة , ولكن بعد عكس اتجاهه , وذلك لتخفيف قوة الإشارة, وبذلك تقل قوة الإشارة الخارجة وبالتالي يقل الجزء المستعمل في التغذية العكسية وهذا يؤدي إلى تقوية الإشارة , فتعود وتزداد قوة التغذية العكسية وهكذا دواليك إلى أن تنتظم قوة أشارة الخرج عند حد معين , ويحدث هذا بسرعة كبيرة جداً.

والتغذية العكسية يمكن أن تكون موجبة وعندها يتسارع النمو مثال انتشار النار , وانتشار الأفكار المناسبة للمتلقين , يكون في أول الأمر بطيء , ولكن يخضع لتغذية عكسية موجبة فيتسارع . وإذا استمرت التغذية العكسية الموجبة فيمكن في بعض الحالات أن تؤدي إلى الانفجار أو الإخلال بالتوازن .

ويمكن أن تكون التغذية العكسية سالبة وعندها يتباطأ النمو ويحدث تناقص واضمحلال .

ويمكن أن تكون التغذية العكسية قسم منها موجب وقسم منها سالب , وفي هذه الحالة يمكن أن يحدث توازن واستقرار عند نقاط معينة , وغالبية دارات التغذية العكسية المستخدمة في التحكم هي من هذا النوع , فهذه أهم خاصية للتغذية العكسية .

إن كافة أجهزة التحكم تعتمد مبدأ التغذية العكسية , وآلية التغذية العكسية موجودة في كافة مجالات الطبيعة . ولضبط أي عمل غائي ( أي موجه نحو هدف ) يجب أن تتشكل حلقة أو دارة تأثيرات بين النتائج والمقدمات ( حلقة إعلام أو تعرف ) تساعد على التوجيه نحو الهدف , وعلى تلاؤم النتائج مع المقدمات . وهذه الخاصية يجب أن تكون موجودة في أي جهاز تسديد على هدف مهما كان نوعه أو طبيعته .

وهذه الآلية موجودة في كافة أعمال الجملة العصبية الموجهة , وهي موجودة في العلاقات الاجتماعية والاقتصادية .. والعلم الذي يدرس آليات وقوانين دارات التغذية العكسية هو السبيرنية , وهو يعتمد على الرياضيات ( نظرية الدارات ) بشكل أساسي .

عندما نريد إصابة أو تحقيق أي هدف مهما كان , لابد من أن نستعمل التغذية العكسية , و إلا كانت محاولاتنا عشوائية , وبالتالي احتمال تحقيق المطلوب تابع للصدفة فقط . فلابد من أن تجري دارة من التأثيرات المتبادلة , وهي بمثابة رسائل متبادلة , أو تبادل إعلام , بيننا وبين الهدف . وطبيعة هذه التأثيرت المتبادلة , أو هذا الإعلام المتبادل بين الطرفين (أي نحن والهدف) هي التي تحدد النتائج . وهذا يحدث بين أي بنيتين تحدث بينهما دارة تأثيرات متبادلة .

إن النظر إلى المشاريع على أنها منظومات سبيرنية , يسهل معرفة سلوكها وتطورها , وبالتالي التنبؤ لها بدقة عالية . وكذلك يسهل معرفة حدود النمو أو التطور لأي بنية أو مشروع .

غالباً ما يقولون خير الأمور الوسط . إن آلية التغذية العكسية هي التي استدعت هذا القول . ففي أغلب دارات ( والأوضاع المتزنة ) مهما كان نوعها , هناك منطقة أو مجال يحدث فيه التوازن أو الاستقرار , وينهار هذا التوازن بالابتعاد عن هذه المنطقة , إن كان ابتعاد بالزيادة , أو بالنقصان . وهذا يعني أن الوسط أو منطقة التوازن هي المطلوبة .

السيالات والمجالات أو الحقول , وخصائص كل منهما .

ولكي نتعامل مع دارات التغذية العكسية بفاعلية يجب علينا إن نتعرف على آليات وقوانين وخصائص السيالات وهي متشابهة في كافة أنواع السيالات, فالسيالات الكهربائية و سيالات السوائل و سيالات المواد أو البضائع أو النقود و سيالات المعارف أو المعلومات , كلها ذات آليات متشابهة بشكل كبير.

إن جريان أي سيالة مهما كان نوعها يعتمد على فرق القوة أو فرق الجهد أو فرق الضغط أو فرق الحاجة أو الدافع , فيلزم لكي تبدأ السيالة بالجريان قوة كافية للتغلب على المقاومة التي تعترضها , وإذا أريد استمرار جريان سيالة في دارة يجب أن تؤمن قوة محركة كافية للتغلب على مقاومات عناصر هذه الدارة .

إن الكثير من التفاعلات التي نلاحظها في هذا الوجود تحدث نتيجة تفاعل السيالات , ولكن ليست كافة التفاعلات تعتمد على السيالات, فهناك تأثيرات وتفاعلات المجالات. والمجال هو حيز مكاني- فضاء- صغير أو كبير تنتشر فيه قوى أو تأثيرات خلال زمن صغير أو كبير, والآليات أو القوانين التي تجري فيها تفاعلات المجالات تختلف عن الآليات التي تجري فيها تفاعلات السيالات .

وكافة التفاعلات في الوجود هي إما تفاعلات بين بنيات , أو تفاعلات بين مجالات أو ضمن مجالات , أو تفاعلات بين سيالات أو ضمن سيالات , أو بين المجالات و السيالات والبنيات في نفس الوقت .

فالإلكترون يتفاعل مع البروتون أو الإلكترون المماثل له عن طريق المجال الكهرطيسي , ففي الذرة تتشكل دارات معقدة مغلقة من سيالات كهرطيسية ( فوتونات ) بين الإلكترونات مع بعضها , وبين الإلكترونات والبروتونات الموجودة في النواة, وتنتظم هذه السيالات لتشكل طبقات الإلكترونات حول النواة وتتماسك بنية الذرة نتيجة لذلك .

وكذلك تنتقل الإلكترونات من ذرة إلى أخرى عبر الأسلاك والعناصر الكهربائية ضمن الدارات الإلكترونية لتشكل دارات من السيالات الإلكترونية .

والفرق بين المجال و السيالة هو أن المجال شامل لحيز مكاني وخلال زمن , أما السيالة فهي كمية محددة من البنيات تكون على شكل تيار له خصائصه وشدته واتجاهه , يجري ضمن دارة معينة .

وفي الغازات أو السوائل أو التيار الكهربائي يتوضح لنا الفرق بين المجال و السيالة ( أو التيار ) ففيهم نجد المجالات و دارات السيالات بشكل واضح , ففي الأجواء والبحار يوجد المجالات , و يمكن أيضاً أن توجد السيالات أو التيارات .

والمجالات تتفاعل مع بعضها , وكذلك تتفاعل مع التيارات التي ضمنها أو التي خارجها , وهذا ما يعقد التفاعلات التي تجري فيهما بشكل كبير جداً.

التعامل الفكري مع البنيات والمجالات و السيالات و داراتها

إن العقل البشري في تعامله مع حوادث الوجود والتنبؤ لها يقوم بتشكيل الأحداث باعتماد آلية السببية البسيطة المختزلة . فالعقل البشري لا يستطيع التعامل مع السببية الموسعة والصيرورة والجدل أو التأثير المتبادل , الموجود في حوادث الوجود بدون الرياضيات والعلوم والتكنولوجيا . فالعقل البشري بقدراته الذاتية قاصر عن التعامل مع تفاعلات المجالات, و دارات السيالات .

ويمكن أن تحل هذه المشكلة باستعمال الرياضيات المتطورة ونظرية الدارات, بالإضافة إلى الاستعانة بقدرات الكومبيوتر .

لقد استطاع العقل البشري التعامل مع بعض الحقول أو المجالات التي استطاع تعيينها وتحديدها مثل حقول قوى المجالات الفيزيائية والتنبؤ لها بدقة عالية جداً .

أما المجالات والحقول البيولوجية, والبيئية, والاجتماعية, والاقتصادية, والثقافية فكان تنبؤه لها تابع لمقدار ما حقق لها من تعيين وتحديد, وكان هذا متواضعاً غالباً وبالتالي كانت تنبؤاته لتفاعلاتها متواضعة الدقة .

فهو عندما أراد التعامل مع التفاعلات التي تجري بين البنيات و السيالات و دارات السيالات والمجالات معاً فقد وقف شبه عاجز. فهذه التفاعلات أوسع وأعقد بكثير من أن يستطيع بالقدرات التي يملكها الآن التعامل معها بفاعلية والتنبؤ لها ولو حتى بدقة مقبولة , فتأثير المجالات والتي هي من أنواع متعددة وخصائص مختلفة على السيالات وبالتالي على البنيات التي تكونها هذه السيالات أعقد من أن يستطيع التعامل معها .

مثال على ذلك:

تأثير المجال النفسي والثقافي على السيالات الاقتصادية أو البنيات الاقتصادية , وهذا لم ينتبه له أغلب الاقتصاديين سابقاً , فقد كانوا ينظرون إلى الأمور بشكل بسيط ومختزل جداً وبالاعتماد على السببية البسيطة , ولم تراعى تأثيرات الكثير من البنيات والكثير من المجالات . ومن الأساس لم توضح السيالات والبنيات الاقتصادية و داراتها الكثيرة المتشعبة والمتداخلة مع بعضها , فهي تشبه الدارات الإلكترونية في الأجهزة الإلكترونية المعقدة . وكذلك لم توضح الكثير من الأمور مثل الخصائص والدوافع البشرية الأساسية . وكذلك الخصائص الأساسية للبنيات الاجتماعية والثقافية لم توضح بشكل جيد . ومجال تأثيرات الاجتماعية والنفسية والعلوم والتكنولوجيا والكومبيوتر والذكاء الاصطناعي لم يحسب بشكل مناسب . فحدوث تغيير أو اختراع أساسي في أحد هذه المجالات يمكن أن يغير النتائج كثيراً.

فالمهم والمطلوب هو إيجاد مناطق ونقاط اتزان دارات التفاعلات والتنبؤ الدقيق بها . وقدرات وآليات عمل عقلنا غير كافية لذلك , فالسببية البسيطة والسببية الموسعة التي يعتمدهم عقلنا والمنهج العلمي الكلاسيكي غير كافيين , وكذلك المنطق غير كافي للوصول لتنبؤات علية الدقة فهو يعتمد السببية البسيطة , ولابد من استعمال الرياضيات وقدرات الكومبيوتر للتعامل مع السببية المرتدة .

فيجب إيجاد مراكز ونقاط التوازن لدارات التفاعلات بواسطة الرياضيات والكومبيوتر . وهذا يكون بالحساب الدقيق والمطلق الصحة , ويبقى عدم الدقة ينتج فقط عن الفروق بين الأرقام والبيانات المستخدمة وما تمثله في الواقع . ففي حالة الدارات الإلكترونية تنتج عدم الدقة عن نسبة الخطأ والتغيرات في قيم المقاومات والمكثفات والملفات والترانزستورات والجهود .... المستخدمة في الحساب وهي عادة تكون صغيرة جداً جداً في حالة الأجهزة الدقيقة .

ملاحظة أخيرة

هناك دورات في الطبيعة تشمل المجال الطبيعي والحيوي , فهي مؤلفة من البيئة والغذاء والكائنات الحية . , وهذه الدورات تتزن بالتأثير المتبادل بين حلقاتها , وإذا اختلت أحدى الحلقات يمكن أن تنهار الدورة كلها .

وهناك تدوير المواد أو النفايات أو غيرها , وإعادة استخدامها , فبالنسبة للكائنات الحية التي تموت يعاد تدويرها فتتغذى عليها كائنات حية أخرى .

هذه ملاحظات موجزة وسريعة ومتواضعة على موضع هام وأساسي وواسع جداً