النظرية من وجهة نظر كارل بوبر وحل مشكلة الإستقراء 

كتبها: ناجح سلهب

هذه المقالة لأفي بوعدي للأصدقاء الذين طلبوها قبل الرحيل.

يعرف لالاند النظرية: هي إنشاء تأملي للفكر يربط نتائجا بمبادئ، وقد وضع عدة معان للنظرية يمكن حصرها فيما يلي : أن النظرية تقابل الممارسة والتطبيق، تقابل المعرفة العامية و تقابل المعرفة اليقينية والنهائية لأن النظرية هي بناء فرضي استنباطي يعكس رؤية العالم حول قضية متنازع حولها، كما أنها تقابل المعرفة الجزئية على اعتبار أن النظرية تركيب كلي يسعى إلى تفسير عدد من الظواهر، ويسلم بها كفريضة تحتمل التصديق أو التكذيب من طرف العلماء.

مثلا : إن الملاحظ لحركة الأجسام الساقطة نحو الأرض يفترض أن هناك قوة في جسم الأرض تجذب الأجسام نحوها, وهذا ما يسبب في سقوط الأجسام, ومن هنا تنشأ نظرية الجاذبية.

ومن هنا نجد الاستقراء ( الانتقال من قراءة قضايا جزئية يساعد في بناء الفرضية أو النظرية ( كقاعدة عامة للتفسير) ), إن ملاحظة أن طائر البجع أبيض اللون يؤدي بك إلى الافتراض أن كل البجع أبيض اللون, وهذه النظرية وهي ( كل البجع أبيض اللون ) تحمل فائدة تنبؤية فأنت تفترض حين مصادفتك لأي بجعة أن تكون بيضاء اللون, ولكن كارل بوبر يشير إلى مشكلة الاستقراء هنا المؤدي إلى صياغة النظرية, حيث أن زيادة المشاهدات لبجعة بيضاء هنا وهناك لا يستغرق كل قطاعات المكان والزمان الممكنة وبذلك فهذا التعميم لا يحمل قيمة صدق يقينية ومبرر بشكل كافٍ. ويكفي مثلا أن نجد بجعة سوداء هنا أو هناك لكي تكذّب هذه النظرية فإن كل القضايا المؤيدة لا تستطيع أن تحصن النظرية من النقد ولكن قضية مكذبة واحدة قد تنسفها.

ومن هذه التأملات والتحليلات العميقة قال بوبر أنه ليس من المفيد ملاحقة المزيد من القضايا الجزئية ( التحقيق الاستقرائي), وعليه فعلينا أن نتوصل للقضايا الكلية بالاستنباط Deduction والتكذيب Falsification, ومن ثمّ فإن البحث عن قضايا كلية صادقة يجب أن يتقدم من خلال حذف القضايا الكاذبة.

ولذلك فكلما اجتازت النظرية ( الفرضية ) اختبارات تكذيب أكثر, فهذا يمنحها تعزيزا Corroboration ويمنحها مظهر صدق أكبر Verisimilitude. وليس يعني ذلك أنها صادقة فقد يتم تكذيبها في المستقبل بل يعني أنها " أقرب إلى الصدق " من منافساتها ( التفسيرات الأخرى ) أي أنها تتمتع بدرجة أكبر من " مظهر الصدق ", فمن الممتنع في العلم أن تعرف أننا اكتشفنا الحقيقة رغم وجود مثل هذه الحقيقة. إنها فكرة مرشدة أننا نحاول الاقتراب ولكن لا نستطيع التيقن من الوصول.

ويتبيّن معنا أن كارل بوبر قد قام بحل مشكلة الاستقراء العويصة بمقاربة في غاية الدقة كما يؤكد على ذلك المئات من فلاسفة العلوم.

ومن الكارثة المعرفية أن يزعم أحد العلماء العرب نفاقا أن أحد علماء الطائفة الفلانية قد قام بحل مشكلة الاستقراء لينافق لأبناء هذه الطائفة وينال عندهم حظوة, فويل لأمة لا تكرم إلا أهل النفاق وتضحي بالحقيقة على مذابح المجاملات.

المراجع :
موسوعة لالاند الفلسفية
موسوعة ستانفورد الفلسفية 
منطق الكشف العلمي ( كارل بوبر )
تخمينات وتفنيدات ( كارل بوبر )
رد مع اقتباس