العلم والميتافيزيقيا والدين


أهدي هذه المقالة إلى الكثير من الملاحدة واللادينيين العرب الذين يهرفون بما لا يعرفون, وإلى الكثير من المؤمنين الذين تقلقهم مقالات الكثير من هؤلاء الملاحدة.

تكمن المشكلة الميتافيزيقية أمام من يريدون القضاء عليها نهائيا إلى أنها لا تمتلك تعريفا واحدا يتفق عليه الجميع, فالكل يعرفها من الزاوية المعرفية والمذهبية التي يراها 1 , ولكن الدارس المتمعن في التناول الفلسفي لقضية الميتافيزيقيا يستطيع أن يقدم تصورا مقبولا لها عند الأغلبية. ويرى البعض أن بديهية وبساطة المواضيع التي تدرسها الميتافيزيقيا هي التي تشكل الصعوبة الرئيسية في تعريفها 2. 

العلم هو " التفكير المنهجي الذي نوجهه نحو اكتشاف الارتباطات التي تنتظم وفقا لها مختلف تجاربنا الحسية" 3.

وأعتقد أنه من خلال الجوانب المختلفة للميتافيزيقيا يمكننا فهمها على نحو جيد, هناك ثلاثة جوانب للميتافيزيقيا نحصرها فيما يلي :

أ التخمينات التأملية Speculative Conjectures .
ب الفروض الأساسية المسبقة Basic presupposition .
ج الاعتقادات الصوفية Mystical Beliefs .

وللعلم فإن هذه الجوانب لا يمكن الفصل بينها بطريقة قاطعة فهي متداخلة, فمثلا بالرغم من أن التخمينات التأملية قد تصبح نظريات تجريبية فإنه يمكن اعتبارها فروضا أساسية مرحلية, وإذا كان من الممكن رفض الاعتقادات الصوفية على أنها خالية من المعنى فمن الممكن قبولها على أنها فروض أساسية مسبقة 4. 

يرى كارل بوبر أن التخمينات التأملية التي تتعلق بعالَمنا حينما لا يمكن أن تخضع لمبدأ قابلية التكذيب " Falsifiability " فإنها تكون نظريات ميتافيزيقية, ويرى بوبر أن مبدأ قابلية التكذيب يمنحنا معيارا Criterion , يمكننا أن نميّز به القضايا العلمية من القضايا غير العلمية. ولعلي أشرح مبدأ قابلية التكذيب بأنه بخصوص أي فرضية ما فيجب أن يكون هناك حالات يمكن اختبارها علميا تؤدي إلى تكذيب هذه الفرضية, وكون الفرضية تقبل وتحوي امكان التكذيب هذا فهي فرضية علمية يحتمل أن تجتاز اختبار التكذيب بنجاح فتصبح نظرية علمية لها مقدار من احتمالية الصدق, ولكن إن كانت الفرضية لا تقبل التكذيب أساسا ولا يمكن تهيئة حالات لاختبار معيار التكذيب فهي نظرية ميتافيزيقية.5 

أما عن المثال السافر للفروض الأساسية المسبقة فهي مصادرات المنهج العلمي نفسه. يقول ماكس بلانك ( ت 1947 ) :" إن قانون السببية مجرد فرض لكنه فرض أساسي نعتبره قاعدة لكل الفروض العلمية". وقد كتب أينشتاين الى ماكس بورن قائلا : " إننا نبدأ دائما ببعض العقائد الأساسية حتى في البحث العلمي ومنها السببية والموضوعية والانسجام في الظواهر وبساطة قوانينها", وحتى برتراند رسل فيقول : " إن المنهج العلمي يجب أن يقوم على بعض مصادرات ( فروض ) لا يتم اشتقاق صدقها من أي تجربة وإنما نعتقد بها منذ البدء ويضع أمثلة لهذه المصادرات وهي مبدأ السببية واطراد الحوادث ( أي أن الأحداث الطبيعية في نفس الشروط الأولية سوف تسلك دائما نفس الطريق لإحداث نفس النتائج), وسريان القانون في العالم الطبيعي ( أي أن هناك قوانينا طبيعية تستطيع أن تمثل جميع الحوادث الطبيعية ), وهذه الفروض الأساسية هي التي تزودنا بالإطار التي نفسر ضمنه تجاربنا وخبراتنا الحسيّة, كما أنها تقوم بتقديم وصف واقعي للعالم. 6

وآتي الآن الى الاعتقادات الدينية التي تندرج تحت الاعتقادات الصوفية والتي تزودنا بقضايا تتجاوز التجربة الحسية, مثل أن هذا الكون وجد لغاية ولم يوجد عرضا, وأن هناك حياة بعد الموت, وأن البشر أحرار في القيام بأفعالهم, وأن هناك إله صنع هذا العالم وما إلى ذلك من مثل هذه القضايا. وهذا الجانب الثالث ( الاعتقادات الصوفية ) هو اكثر الجوانب التي تعرضت لحملة هجوم عنيفة فديفد هيوم يقول : " إقذف بها في النار, لأنها لا تتضمن سوى سفسطة وأوهام", وعندما تبدأ في الجدل مع المعايير المزدوجة أو الكيل بمكيالين في التعاطي مع الفروض الأساسية, فتكون التبريرات هي تبريرات براغماتية نفعية أن الفروض الأساسية للمنهج العلمي مفيدة جدا لتبرير النشاط العلمي الذي لا تخفى أهميته على أحد !!!!. ومن قال أن الفروض الصوفية ليست لها فوائد ومنافع قيمية وتبريرات لنشاطات إنسانية وحتى تبريرات تصبح في مصلحة البحث العلمي ؟؟!!. فمثلا الاعتقاد القائل أن الله صاحب القدرة المطلقة قد خلق العالم وأن الانسجام والتناغم يسري في الكون, فإن هذا الاعتقاد يشكل سندا للفرض القائل بمبدأ السببية وبسريان القانون في العالم الطبيعي, والاعتقاد بأن الله خير مطلق يدعم اعتقادا آخر بأن الله لا يخدع الإنسان وهذا يشكل مبررا للفرض الذي يقول بأن تجارب الإنسان الحسية يمكنها أن تزودنا بمعلومات يمكن الوثوق بها حول العالم 7 . والاعتقاد القائل بأن الانسان حر في أفعاله وأن أفعاله تسهم بلا شك في العواقب التي يواجهها ليجعل الإنسان يؤمن بذاته وبقدرته على التغيير نحو الأفضل والسعي نحو مستقبل مشرق خلافا لمذهب يرى أن الإنسان دمية تسيّرها الطبيعة كيفما تشاء, أو حسب المذهب الميكانيكي الذي يعتبر الإرادة الإنسانية والاختيار الانساني وهما ليس متحققا أصلا.

يقول كارل بوبر : " أنه من الحقائق المسلم بها أن الأفكار الميتافيزيقية البحتة – ومن ثم الأفكار الفلسفية – ذات أهمية قصوى في الكوزمولوجيا. فمن طاليس إلى أينشتاين, ومن الذرية القديمة إلى تأملات ديكارت عن المادة, ومن تأملات جلبرت ونيوبتن وليبنتز وبسكوفيك عن القوى إلى تأملات فارادي وأينشتاين عن مجالات القوى, أضاءت الأفكار الميتافيزيقية معالم الطريق" 8 .

إن أولئك الذين ينكرون الميتافيزيقيا يمارسون هم أنفسهم سراً, في الأعم الأغلب , ميتافيزيقيا خاصة بهم 9. وإن المعرفة الحسّية لا تمثل الأشياء كما هي في ذاتها, بل كما تؤثر فقط هذه الأشياء في حواسنا. وبالتالي فهي تنقل إلى الذهن مجرد الظواهر ليفكر فيها وليس الأشياء في ذاتها 10. فالألوان مثلا هي مجرد رسم ذهني يقوم به الدماغ وليس هناك في الواقع. ومن هذه القضية ننطلق إلى تبرير فلسفي وعلمي مقنع لنحافظ على قضايا فوق حسيّة يتعالى عليها العقل وتتعالى عليها الميتافيزيقيا, ويتعالى الله فيها على الجميع.

.................................................. .................
المراجع:
1 الدكتور حسين علي, الأسس الميتافيزيقية للعلم, ص 15.
2 . Taylor. A.E. Elements of Metaphysics.p3
3 الدكتور حسين علي, الأسس الميتافيزيقية للعلم, ص 27.
4 Trusted, Jennifer, physics and Metaphysics, P.IX.
5 Popper.K.R. The Logic of Scientific Discovery.p19.
6 محمود زيدان, مناهج البحث في العلوم الطبيعية المعاصرة, 1990 , ص 67.
7 Trusted, Jennifer, physics and Metaphysics, P.XI-XII. .
8 Popper.K.R. The Logic of Scientific Discovery.p19..
9 ماكوري, الوجودية, ترجمة د. إمام عبد الفتاح, 1982 , ص 346 .
10 كانط, مقدمة لكل ميتافيزيقا, ص 224.