الذَرَّة

 

 

 

 

الذرة atom هي الجوهر الأساس الذي تبنى منه المادة، إذ تتركب كل المواد في الطبيعة من تجمعات متباينة من الذرَّات. والذَّرة هي أصغر جزء من عنصر كيميائي - غير قابل للتجزئة - يتمتع بالصفات الكيميائية الخاصة بذلك العنصر. ولا يكاد يبلغ طول مئة مليون ذرة عامة، سنتمتراً واحداً.

 

يُعد فهم الذرَّات مفتاحاً لفهم العالم. وثمة أكثر من مئة نوع من الذرات موجود في الطبيعة، لكل منها بنية تميزها من غيرها. وتتفاعل الذرَّات فيما بينها أو تتحد بطرائق مختلفة ليتشكل منها عدد غير محدود من المركبات الكيميائية. وتسمى جزيئة[ر] molecule ما ينتج من اتحاد ذرتين فأكثر، فجزيئة الماء مثلاً H2O تتكون من اتحاد ذرة أكسجين مع ذرتي هدروجين.

 

 

بنية الذرَّة

 

 

بنية الذرَّة

 

تتركب الذرَّة من جسيمات أصغر هي الإلكترونات والبروتونات والنترونات. وفي الحقيقة تأخذ الذرة شكل غمامة من الإلكترونات تحيط بنواة صغيرة كثيفة من البروتونات والنترونات.وللإلكترونات والبروتونات خاصة تدعى الشحنة الكهربائية، وهي خاصة تحدد كيفية تآثرها فيما بينها ومع الجسيمات المشحونة الأخرى. ويحمل الإلكترون شحنة سالبة، في حين يحمل البروتون شحنة موجبة، وتتجاذب الشحنات المتباينة فيما بينها في حين تتدافع الشحنات المتماثلة.

 

ويعود الفضل في تماسك الذرة معاً إلى تجاذب الإلكترونات مع البروتونات. وتكون الذرة عادة معتدلة كهربائياً، بمعنى أن الشحنة السالبة التي تحملها الإلكترونات تساوي شحنة البروتونات.

 

وتشتمل النواة على كامل كتلة الذرة تقريباً، إلا أنها تشغل حيزاً صغيراً جداً داخل الذرة.ويبلغ قطر نواة نموذجية 1×10-14 متراً، أي ما يعادل جزءاً من مئة ألف جزء من قطر الذرة. وتشغل الغمامة الإلكترونية الحجم الإجمالي للذرة. ونورد فيما يأتي المزيد من التفصيلات بمكونات الذرة.

 

أ - الإلكترونات:

 

جسيمات تحمل شحنة تساوي واحدة الشحنة السالبة. والإلكترون هو أحد الجسيمات الأولية[ر] الخفيفة ذات الكتلة المحددة. ويعتقد أنه عصي على التجزئة وأن أبعاده مهملة.

 

تسلك الإلكترونات سلوكاً مغايراً لسلوك الأجسام المألوفة، إذ إنها تستطيع أن تسلك سلوك جسيمات وسلوك أمواج معاً لضآلة أبعادها. وهي تدور حول نواة الذرة. واستناداً لسلوكها الموجي فإنها لا تتبع مساراً محدداً كما يفعل كوكب حول الشمس، وإنما تشكل مناطق تحمل شحنة سالبة حول النواة تدعى أشباه المدارات orbitals، تشغل مناطق من الفضاء حيث يكون احتمال وجود الإلكترونات فيها أعظمياً. ولأشباه المدارات هذه أبعاد وأشكال مختلفة وذلك بحسب طاقة الإلكترونات التي تشغلها.

 

ب - البروتونات والنترونات

 

اكتشف الفيزيائي البريطاني جيمس شادويك James Chadwick عام 1932 جسيم النترون، وكان لاكتشافه هذا دور هام في فهم الذرة. والنترون جسيم معتدل كهربائياً وتقارب كتلته كتلة البروتون، وهو مكوِّن من مكونات النواة.وقد حاز تشاوديك عام 1935 جائزة نوبل في الفيزياء لاكتشافه هذا، وكان يُظن قبل هذا الاكتشاف أن النواة الذرية تتألف من مزيج بروتونات وإلكترونات موزعة هنا وهناك.

 

تحمل البروتونات شحنة موجبة مساوية تماماً لشحنة الإلكترون بالقيمة المطلقة. إن خلو النواة من النترونات يمزق النواة بسبب تدافع البروتونات فيما بينها. فنواة الهليوم مثلاً تشتمل على بروتونين، وإذا خلت النواة من النترونات، فسوف يمزقها تدافع البروتونين فيما بينها. تلعب النترونات دوراً مهماً في الحفاظ على تماسك النواة من خلال قوى نووية شديدة strong forces ذات مدى قصير من رتبة 2×10-15 متراً أو 2فيرمي. ويتطلب استقرار ذرة الهليوم نتروناً واحداً أو نترونين. إن معظم الذرات في الطبيعة مستقرة ولا تتغير بمرور الزمن، إلا أن بعضها الآخر غير مستقر ويتفكك إلى ذرات أخرى.

 

تتركب البروتونات والنترونات من جسيمات أصغر تدعى الكواركات. ويعرف الفيزيائيون اليوم ستة أنواع منها. وتتميز الكواركات من الجسيمات الأولية[ر] في أنها تحمل شحنات كهربائية هي كسور من واحدة الشحنة الكهربائية، في حين تمتلك الجسيمات الأولية الأخرى شحنات معدومة أو مضاعفات صحيحة من واحدة الشحنة الكهربائية الموجبة أو السالبة.

 

خصائص الذرة

 

تتصف الذرات بعدة خصائص يمكن تمييز إحداها عن الأخرى، وهي تحدد كيفية سلوكها في الظروف المختلفة، وهذه الخصائص هي:

 

أ - العدد الذري (z)

 

تحتوي نواة كل عنصر على عدد محدد من البروتونات يسمى العدد الذري، ويرمز له بـ Z، ولما كانت الذرات في العادة معتدلة كهربائياً، فإن العدد الذري يحدد كذلك عدد الإلكترونات في الذرة. إن عدد الإلكترونات هذا يحدد الكثير من خواص الذرة الكيميائية والفيزيائية. فالعدد الذري لأخف الذرات على الإطلاق وهو الهدروجين يساوي الواحد. وتحتوي ذرة الهدروجين على بروتون وحيد. وإذا كانت الذرة معتدلة فهي تحتوي على إلكترون وحيد كذلك. والعدد الذري لأثقل العناصر المستقرة في الطبيعة وهو البزموت يساوي 83. توجد في الطبيعة عناصر أثقل من البزموت، إلا أنها عناصر غير مستقرة، وتتفكك بمرور الزمن متحولة إلى عناصر أخرى. كما قام العلماء بإنتاج عناصر غير مستقرة أثقل مما هو موجود في الطبيعة في مخابرهم.

 

ب - العدد الكتلي (A)

 

يمثل مجموع عدد البروتونات والنترونات في نواة ذرة ما العدد الكتلي لها ويرمز له بـ (A) الذي يميز كتلة الذرة. ولا تسهم الإلكترونات إلا قليلاً في كتلة الذرة، وعليه فلا يحسب لها حساب في الكتلة الذرية. فالعدد الكتلي للهليوم المستقر يمكن أن يكون ثلاثة (بروتونين ونترون) أو أربعة (بروتونين ونترونين). وفي نواة البزموت83 بروتوناً و126 نتروناً فعدده الكتلي هو 209 أي مجموع البروتونات والنترونات.

 

ج - الكتلة الذرية والوزن الذري

 

يقيس العلماء كتلة الذرة عادة بواحدة تعرف باسم واحدة الكتلة الذرية atomic mass unitويرمز لها اختصاراً بـ amu. وتعرف واحدة الكتلة الذرية أنها تساوي 1/2 من كتلة ذرة الكربون التي تحوي 6 بروتونات و6 نترونات. ووفقاً لهذه الواحدة فإن كتلة البروتون تساوي1.00728 واحدة كتلة ذرية في حين تساوي كتلة النترون 1.00866 واحدة كتلة ذرية.وتكون كتلة الذرة بواحدة الـ amuمساوية للعدد الكتلي تقريباً. وبالطبع فإن العلماء يستطيعون قياس كتل الذرات مباشرة باستخدام مقياس الطيف الكتلي[ر].

 

يشير وزن جسم عادة إلى فعل قوة الثقالة الأرضية فيه، إلا أن الوزن الذري ليس إلا وسيلة أخرى للتعبير عن الكتلة الذرية. ويقدر الوزن الذري لعنصر ما بالغرام، وهو يمثل كتلة مولmoleواحد من ذلك العنصر، أي كتلة عدد من الذرات يساوي 6.02×2310 ذرة. إن الكتلة الذرية والوزن الذري متساويان عددياً إلا أن أولهما يقدر بواحدة الكتلة الذرية وثانيهما بالغرام.

 

النظائر

 

تسمى نظائر كل الذرات العائدة لعنصر ما والتي تختلف فيما بينها بالعدد الكتلي. ولما كانت ذرات عنصر ما تحتوي على العدد ذاته من البروتونات في نواها، فينبغي أن تختلف النظائر إذن بعدد نتروناتها. فالعدد الذري للهليوم مثلاً 2 لأن نواته تحتوي على بروتونين، إلا أن للهليوم نظيرين مستقرين تحتوي نواة أولهما على نترون وحيد وعدده الكتلي ثلاثة، ويحتوي الآخر على نترونين وعدده الكتلي أربعة. ويسمى النوع الأول هليوم - ثلاثة ويرمز له بـ  في حين يسمى الآخر هليوم - أربعة ويرمز له بـ .

 

ويوجد الهليوم في الطبيعة على هيئة مزيج من النظيرين  و. وتسمى النسبة المئوية لكل نظير بالوفرة النسبية isotopic abundance. فالنسبة المئوية للـ هي 0.00014في حين أن النسبة المئوية للـ هي 99.99986.

 

توجد لكل العناصر نظائر مشعة[ر] أي غير مستقرة، إذ تتفكك متحولة إلى عناصر أخرى. ويستخدم مصطلح عمر النصف half life للتعبير عن معدل تفكك نظير ما، وهو بالتعريف الزمن اللازم كي يتفكك نصف عدد ذرات النظير المعني.

 

إن الصفات الكيميائية العائدة لنظائر عنصر ما متماثلة تقريباً وكذلك شأن الصفات الفيزيائية، إلا أنها تختلف في الكتلة بالطبع، فكتلة ذرة الـ هي 3.016واحدة كتلة ذرية، في حين أن كتلة ذرة الـ هي 4.003 واحدة كتلة ذرية.

 

لقد اعتاد العلماء التعبير عن الوزن الذري لعنصر ما على أنه مساو وسطي جميع نظائره الموجودة في الطبيعة، آخذين في الحسبان الوفرة النسبية لكل نظير.

 

هـ - دراسة الذرة وتطبيقاتها

 

يستعين العلماء في دراستهم للذرة بوسائل عديدة منها: المجهر الإلكتروني[ر]، المسرعات[ر]، مقياس الطيف الكتلي[ر]، الأشعة السينية[ر] ومصائد الجسيمات Particle Traps.

 

لعل أهم تطبيق يرتبط بدراسة الذرة يعود إلى اكتشاف ظاهرتي الانشطار النووي Fission والاندماج النووي Fusion. ففي عام 1938اكتشف الباحثون أن قذف نواة اليورانيوم 235 بنترون يسبب انشطارها إلى جزأين، ويرافق عملية الانشطار هذه تحرير طاقة كبيرة وانطلاق نترونات إضافية. وقد سخرت هذه الظاهرة في صنع قنبلة ذرية[ر] تتكرر فيها عملية الانشطار فيما يسمى تفاعلاً متسلسلاً، وقاد ذلك إلى تحرير طاقة تعادل ما تحرره عشرات الأطنان من المواد شديدة الانفجار. واستخدمت أول قنبلة من هذا النوع عام 1945 في اليابان، كما استخدمت قنبلة أخرى تعتمد على انشطار البلوتونيوم 239، الأمر الذي وضع حداً لنهاية الحرب العالمية الثانية.

 

وفي الخمسينيات من القرن العشرين بدأ الحديث عن القنبلة الهدروجينية[ر] التي تفوق مقدرتها التدميرية أضعافاً مضاعفة مقدرة القنبلة الذرية. وهي قنبلة يستخدم لإشعال فتيلها قنبلة ذرية فتتولد درجة حرارة عالية تكفي لاندماج نظيري الهدروجين والأمر الذي يحرر المزيد من الطاقة التدميرية.

 

كما استخدمت ظاهرة الانشطار هذه في تصميم مفاعلات[ر] لتوليد الطاقة الكهربائية وذلك بفضل التحكم بمعدل انشطار نوى الذرات فيها، وكان أول هذه المفاعلات يعتمد على نوع خاص من اليورانيوم هو اليورانيوم 235، ويسعى العلماء من جهة أخرى للتحكم في ظاهرةالاندماج النووي بهدف توليد الطاقة الكهربائية، ولازال الطريق لتحقيق ذلك عملياً طويلاً بعض الشيء رغم توافر وسـائل حديثـة كالليـزر[ر] وغيره.