مثّل إدراك حقيقة أن التنوع العظيم الموجود في العالم ينتج عن حفنة من الجسيمات العنصرية الموجودة تحت تأثير مجموعة صغيرة من القوى الأساسية انتصاراً لفيزياء القرن العشرين.

 

وحتى حصل علماء الفيزياء على الفهم الأنيق للكون اليوم، تطلّب الأمر استخدام التناظر الرياضي جنباً إلى جنب مع التجارب التي حصلت في ظروف مشابهة لتلك التي وُجدت مباشرةً بعد الانفجار العظيم (Big Bang).

 

  • من البساطة إلى التنوع

في وقتٍ مبكر من ثلاثينات القرن الماضي، ظهر كامل الكون وكأنه مصنوعٌ من ثلاث لبنات بناء عنصرية هي: البروتونات (protons)، والنيوترونات (neutrons) التي تُؤلف النواة، والالكترونات (electrons) التي تُكمل الذرة.

 

صندوق الكون.صندوق الكون.

 

ترتبط الالكترونات بالذرات عبر القوة الكهرومغناطيسية لأنها تتجاذب مع الشحنة المعاكسة لبروتونات النواة، ولكن للتأكد من عدم تفكك النوى نتيجةً لقوى التنافر بين بروتوناتها تطلّب الأمر وجود قوة جديدة تعمل عند المسافات القصيرة وعُرفت بالتفاعل القوي (strong interaction).

 

لم تستمر تلك الصورة البسيطة لفترة طويلة من الزمن، فقد تنبأ العلماء بوجود الجسيمات المضادة (Antiparticles)، التي تمتلك بعض الخواص المكافئة لتلك الموجودة في الجسيمات العادية (مثل الكتلة) وتعاكسها بأخرى (مثل الشحنة).

 

بدت التجارب المتعلقة بتفكك بيتا (beta decay) -حيث يتحول عنصر ما إلى آخر عبر إصدار إلكترون- تنتهك قوانين انحفاظ الطاقة وكمية الحركة. وللحفاظ على هذه الكميات، اقترح العلماء وجود جسيم إضافي حمل اسم النيوترينو (neutrino)، وهو يصدر أثناء التفكك ليحمل كلاً من الطاقة وكمية الحركة المفقودين بعيداً.

 

الكشف عن النيوترينوهاتالكشف عن النيوترينوهات

 

لا يستشعر النيوترينو أياً من القوى الكهرومغناطيسية أو القوة الشديدة، وبالتالي فإنه يُفلت من عمليات الاكتشاف في تجارب تفكك بيتا. إذاً، لا بدّ وأنّ هذا الجسيم ينتج عن قوة أخرى قصيرة المدى، وعُرفت هذه القوة لاحقاً باسم التفاعل الضعيف (weak interaction).

 

سمحت هذه القوة للنيوترينو بالتفاعل مع أجسام أخرى مثل الأنوية، لكن ذلك التفاعل يكون ضعيفاً إلى درجة يستطيع معها النيوترينو التحرك على مسافات تصل إلى بضع سنوات ضوئية داخل معدن الحديد قبل أن يتفاعل مع إحدى نُوى الحديد، ولذلك اعتقد الكثير بعدم إمكانية اكتشاف هذه الجسيمات.

 

مع ذلك وفي خمسينات القرن الماضي، قاد تدفق هائل مكون من النيوترينوهات الناجمة عن المواد المشعة في المفاعلات النووية إلى اكتشافها. ومنذ ذلك الحين، رصد العديد من التجارب تلك الجسيمات في مصادر متنوعة مثل: المسرعات، والمفاعلات، والشمس، والسوبرنوفا SN1987A، وتفاعلات الأشعة الكونية.

 

أيضاً وفي خمسينات وستينات القرن الماضي، برهنت التجارب، التي استخدمت الأشعة الكونية ولاحقاً المسرعات الجديدة، على أنه إذا ما صدم جسيم كالبروتون نواة ما عند طاقة كافية، قد تنتج عن ذلك الحدث جسيمات جديدة عبر تحويل قسم من طاقة التصادم إلى جسيمات وفقاً لمعادلة اينشتاين الشهيرة E=Mc2.

 

كانت تلك الجسيمات غير مستقرة وتفككت بسرعة إلى أشكال أكثر استقراراً، وبلغ زمن حياتها إما 1023 ثانية عند الحديث عن التفاعلات القوية (التي قد تتسبب بالتفكك أيضاً)، أو أنها كانت أقل سرعة بالتفكك، حيث وصل طول حياتها إلى 108 ثانية أو 1010 ثانية في حالات التفاعل الضعيف.

 

وبحلول سبعينات القرن الماضي، تجاوز عدد ما يُعرف بالجسيمات العنصرية (elementary particles) عدد العناصر الكيميائية.

 

العودة إلى البساطة

لحسن الحظ فإنّ الحالة الموجودة أبسط بكثير. ويظهر لنا الآن وجود نوعين من لبنات البناء العنصرية وهي الكواركات (quarks) واللبتونات (leptons). ترتبط الكواركات بوساطة التفاعلات القوية، في حين لا يحصل المثل مع اللبتونات. وفي محيطنا العادي حيث تكون الطاقة الخاصة بكل جسيم منخفضة، سيكون لدينا اثنان من كلٍ منهما.

 

الإلكترونات والنيوترينوهات (neutrinos) عبارة عن لبتونات. مع ذلك، لم تعد جسيمات كالنيوترونات والبروتونات عنصرية أبداً، وإنما مؤلفة من نوعين أو نكهتين من الكواركات وهي معروفة بالكوارك العلوي (up) والكوارك السفلي (down).

 

يحتوي كلٌ من البروتون والنيوترون ثلاثة كواركات، فالبروتون مؤلف من كواركين علويين وواحد سفلي، في حين أن النيوترون مؤلف من كوارك علوي واثنان سفليان. تبلغ قيمة الشحنة الكهربائية +2/3 بالنسبة للكوارك العلوي، و-1/3 بالنسبة للكوارك السفلي (مقارنةً مع شحنة الإلكترون البالغة -1)؛ ولذلك وكما هو متوقع، فإنّ النيوترون غير مشحون كهربائية، ويتمتع البروتون بشحنة كهربائية مساوية لـ +1.

 

عندما تتصادم الجسيمات عند طاقات مرتفعة، وهو ما يحصل في الأشعة الكونية أو في مسرعات الجسيمات، يتكرر النمط البسيط للبتونين وكواركين، لكن لمرتين فقط مما يقود إلى الحصول على ثلاثة أجيال من الكواركات واللبتونات، كما هو موضح في الجدول التالي. أيضاً، يمتلك كل كوارك ولبتون جسيماً مضاداً (antiparticle)، ولذلك سينتهي بنا المطاف بوجود ستة كواركات، وكواركات مضادة (antiquarks)، ولبتونات ولبتونات مضادة (anti leptons).

 

تجتمع الكواركات والكواركات المضادة معاً لتشكل جسيمات مركبة تُعرف بالهادرونات (hadrons)، التي تتألف من ثلاثة أنواع هي: الباريونات (baryons) المكونة من ثلاثة كواركات، والباريونات المضادة (anti baryons) التي تجتوي ثلاثة كواركات مضادة، والميزونات (mesons) المؤلفة من كوارك واحد وكوارك مضاد. وهناك بعض الأدلة على وجود هادرونات أكثر تعقيداً ستكون مشابهة نوعاً ما لجزيئات هادرونية (hadronic molecules).

 

تتمتع الكواركات بميزة أخرى تُعرف باللون (colour)، إذ يُسند إلى الكواركات الألوان الأحمر، والأزرق، والأخضر؛ في حين تمتلك الكواركات المضادة ألواناً مضادة (anti-colours). لا علاقة لتلك الألوان بالألوان العادية التي نعرفها، وإنما هذه التسمية مفيدة فقط لأنّ كل الهادرونات عديمة اللون، والأمر مشابه لقدرتنا على إنتاج اللون الأبيض على شاشة التلفاز أو الحاسب عبر مزج بيكسلات حمراء وزرقاء وخضراء.

 

تحتوي الباريونات كواركاً أحمراً، وواحد أزرق، وآخر أخضر، في حين تتكون الميزونات من كوارك من أي لون، وكوارك آخر بلونٍ مضاد.

 

جدول يُوضح خواص الكواركات.جدول يُوضح خواص الكواركات.

 

 

  • الشعور بالقوة

نتوقع أن كل الجسيمات يُمكنها استشعار قوة الجاذبية، رغم أنها ضعيفة جداً مقارنةً بالقوى الأخرى. على سبيل المثال، فإن القوة الكهرومغناطيسية الكائنة بين بروتون وإلكترون أكبر بحوالي 1040 مرة من قوة الجاذبية بينهما.

 

تستشعر كل الجسيمات القوة الضعيفة (weak force)، وتشعر الكواركات واللبتونات المشحونة بالقوة الكهرومغناطيسية أيضاً، بالإضافة إلى شعور الكواركات بالقوة الشديدة (strong force).

 

الفوتونات لا تتفاعل مع بعضهاالفوتونات لا تتفاعل مع بعضها

 

تُنقل القوى التي تتفاعل الجسيمات العنصرية عبرها بوساطة تبادل نوع آخر من الأجسام يُعرف بحاملات القوة أو البوزونات (bosons). على سبيل المثال، حاملات القوة الكهرومغناطيسية هي الفوتونات، في حين يُعتقد أن قوة الجاذبية تنتقل عبر جسيمات تُعرف بالغرافيتونات (gravitons)، لكن لم يتم إلى الآن اكتشاف هذه الجسيمات.

 

تُعرف الأجسام التي تحمل القوة الشديدة بين الكواركات وبالتالي تحافظ عليها ملتصقةً داخل الهادرونات بالغلونات (gluons). وعلى النقيض من الفوتونات، تستطيع الغلونات التفاعل مع بعضها البعض. وكنتيجةٍ لذلك، تزداد القوة مع المسافة، وبالتالي يتم احتواء الكواركات داخل الهادرونات بحيث لا يُمكن على الإطلاق رصد الكواركات منفردةً، وكان مختبر DESY في ألمانيا أول من اكتشف الغلونات عام 1979.

 

تُعرف نظرية التفاعلات القوية، وهي النظرية التي تدرس التفاعل بين الكواركات الملونة والغلونات بالديناميكا الكمومية اللونية أو الكروموديناميك الكمومي (quantum chromodynamics واختصاراً QCD). طُورت هذه النظرية بشكلٍ جيد وانسجمت دوماً مع التجارب على الرغم من صعوبة اختبارها بدقة كبيرة.

 

في البداية سرى اعتقاد بأن حامل الشحنة، المعروف بـ W هو المسؤول عن القوة الضعيفة. لكن في ستينات القرن الماضي، أنجز علماء نظريون اكتشافاً مفاجئاً عندما تمكّنوا من توحيد الكهرومغناطيسية والقوى الضعيفة في إطار رياضي وحيد.

 

في الواقع تظهر القوتان مختلفتان جداً بالنسبة لنا، إذ تتمتع المغناطيسية بمجالٍ لانهائي، في حين أن التفاعل الضعيف (عند طاقات متاحة خلال وقتٍ محدد) هي قوة ضعيفة جداً وموجودة عند مسافات دون نووية.

وحتى الآن، يُمكن النظر إلى هاتين القوتين كجانبين مختلفين لقوة كهروضعيفة أساسية (electroweak force)، ويكون التوحيد بينهما واضحاً فقط عند الطاقات المرتفعة جداً. في النظرية الكهروضعيفة، هناك أربعة أجسام وسيطة.

 

يقوم الفوتون عديم الكتلة بنقل القوة الكهرومغناطيسية وتُنقل القوة الضعيفة بوساطة ثلاثة جسيمات فائقة الكتلة وهي: الجسيم المشحونW+ والجسيم المشحون W والجسيم الحيادي Z0، حيث تمتلك تلك الجسيمات كتلة تفوق كتلة البروتون بمائة مرة.

 

القوة الجوهرية لحاملات القوى تلك متطابقة، لكن طبيعة الكتلة الفائقة لجسيمات W وZ0 تحد من مجال القوة الضعيفة وتجعلها موجودة عند مسافات قصيرة جداً فقط، وهي إحدى نتائج مبدأ الإرتياب في ميكانيكا الكم (uncertainty principle).

 

في التصادمات الحاصلة عند طاقة منخفضة نسبياً، لا تصل الجسيمات إلى مسافة قريبة من بعضها وكافية لحصول تفاعل ضعيف يُضاهي القوة الكهرومغناطيسية. مع ذلك، عند الطاقات المرتفعة جداً، تُرينا التصادمات الوحدة الحاصلة بين القوة الكهرومغناطيسية والضعيفة بشكلٍ واضح، أو ما يُعرف بالتوحيد الكهروضعيف.

 

ومن بين أكثر التجارب روعةً والتي أكّدت هذه النظرية كانت تلك التي جرت عام 1983 وأدت إلى اكتشاف جسيمات W وZ في منظمة الأبحاث النووية الأوروبية (CERN). والآن، اختُبرت النظرية الكهروضعيفة بدقةٍ عالية جداً.

 

  • التناظرات

تلعب التناظرات دوراً مهماً في فيزياء الجسيمات. نعني باستخدامنا لكلمة التناظر المناعة ضد التغير، أي بقاء مميزات نظرية ما وعمليات طبيعية تصفها ثابتةً حتى عندما تغير جانب ما من تلك العملية. على سبيل المثال، ستخضع كرة ترميها في الهواء إلى نفس قوانين الفيزياء، سواءً رميتها في لندن أو في نيويورك.

 

وبشكلٍ مشابه، لا يوجد أي فرق جوهري بين اليسار واليمين في الميكانيك، والكهرومغناطيسية، وفي فيزياء التفاعلات القوية، فالعملية وصورتها المرآتية يحصلان عند نفس المعدلات. وستحصل العمليات القابلة للرصد عند نفس الاحتماليات فيما لو تمّ تحويلها جميعها إلى الجسيمات المضادة لها.

 

عند المستوى الميكروي غير العياني، يجب أن تكون القوانين الحاكمة لعملية ما والعملية المعاكسة لها زمنياً متكافئة. وبالنسبة للأنظمة العيانية الماكروسكوبية، لا يصمد عكس الزمن، ولكنّ ذلك ناجمٌ عن استحالة إحصائية وليس عن قوانين أساسية.

 

في خمسينات القرن الماضي، وُجد أن أول تناظرين -تناظرات اليمن : اليسار وتناظرات الشحنة- لا يصمدان بالنسبة للتفاعلات الضعيفة. في الحقيقة، هي تناظرات خاطئة قدر الإمكان!

 

لا يُمكن رصد الصورة المرآتية لتفكك بيتا مالم تقوم الجسيمات والجسيمات المضادة بالتبادل في الوقت نفسه. يتسبب ذلك في ظهور تناظر جمعي يُعرف بـ CP، لكنّ هذا التناظر يُنتهك أيضاً في بعض الحالات. ذلك الانتهاك غير مفهوم، لكن يعتقد الكثير من العلماء أنه أحد الأسباب الأساسية الكامنة وراء الوفرة الشديدة للمادة العادية مقارنةً مع المادة المضادة في الكون.

 

  • جمع كل الأجزاء معاً

دُمجت النظرية الكهروضعيفة ونظرية QCD، التي تصف القوة النووية الشديدة، معاً فيما يُعرف بالنموذج القياسي لفيزياء الجسيمات (standard model of particle physics).

 

حدث تم تسجيله من قبل كاشف ATLAS في العام 2012 ويُوضح مميزات متوقعة لبوزون هيغز. Image ATLAS.حدث تم تسجيله من قبل كاشف ATLAS في العام 2012 ويُوضح مميزات متوقعة لبوزون هيغز. Image ATLAS.

 

تطلّبت النظريات الابتدائية أن تكون جميع الجسيمات عديمة الكتلة، مما طرح مشكلةً لأن الكواركات واللبتونات وجسيمات Z وW تمتلك كتلة. ونتيجةً لذلك وفي العام 1964، اقترح علماء الفيزياء روبرت بروت (Robert Brout) وفرانسوا انغلرت (François Englert) وبيتر هيغز (Peter Higgs) وجيرالد غورالينك (Gerald Guralnik) وكارل هاغين (Carl Hagen) وتوم كيبل (Tom Kibble) آليةً تفسر كيف حصلت تلك الجسيمات على كتلها.

 

اقترح أولئك العلماء وجود حقل يُعرف بحقل هيغز (Higgs field). ينتشر هذا الحقل في كل مكان، وستتحرك الأجسام التي لا تتفاعل معه دون أي إعاقة وبسرعة تصل إلى سرعة الضوء، وهذه الجسيمات هي الفوتونات التي لا تمتلك كتلة. في حين أنه سيتم إعاقة الجسيمات الأخرى بمقاديرٍ مختلفة مما يؤدي إلى تحركها بسرعاتٍ أبطأ، وبالتالي تحصل على كتلٍ مختلفة.

 

يُعرف الجسيم الحامل لهذا الحقل ببوزون هيغز (Higgs boson)، ونتيجة لذلك حصل الفيزيائيون الست السابقين على جائزة ساكوري للفيزياء عام 2010. لقد كان اكتشاف بوزون هيغز في العام 2012 من قبل تعاونٍ دولي انتصاراً للفيزياء -يُعرف ذلك التعاون بـ ATLAS وCMS وهما موجودان في مصادم الهادرونات الكبير في CERN.

 

وصلت كتلة بوزون هيغز إلى 125 GeV/c2، وحصل كلٌ من انغلرت وهيغز على جائزة نوبل في الفيزياء لعام 2013 -لم يحصل بروت على الجائزة لأنه تُوفي ولا يُمكن مشاركة جائزة نوبل بين أكثر من ثلاثة أشخاص.

 

وصلت طاقة البروتونات المتصادمة في المصادم إلى 4 غيغا الكترون فولط للشعاع الواحد (أي 8 غيغا الكترون فولط في مركز الكتلة)، وأنتج المصادم العديد من النتائج الأخرى. أُغلق مصادم الهادرونات الكبير لمدة عامين بقصد إجراء تحسينات، وعاد إلى العمل هذا الصيف بطاقة مركز كتلة ستصل إلى 13 غيغا الكترون فولط.