الكائنات الفكرية ...

 

إن الكائنات الفكرية ( أو الأفكار )هي بنيات غير مادية , فالأفكار هي شكل متطور من أشكال الكائنات الفكرية . ويمكن اعتبار الكائنات الفكرية الآن هي البنيات الأكثر تطوراً في هذا الكون , فهي على قمة سلسلة البنيات التي تشكلت حتى الآن . 

والأفكار كائن حي بأتم معنى الكلمة , فالحياة ليست خصائص الكائنات البيولوجية فحسب , وإنما هي من خصائص الكائنات الفكرية أيضا . والكائنات الفكرية لا تموت بسهولة فهي تسعى بشكل دائم لإستمرار الحياة والبقاء الدائم ما أمكن .

 

 

إن كافة الأفكار والمعارف هي بمثابة كائنات فكرية , فهي تتفاعل مع بعضها ضمن الدماغ , فتتطور وتتشكل أفكار جديدة , وهذه الكائنات تسعى للخروج من الدماغ الذي تكونت فيه والدخول إلى الأدمغة الأخرى .

وتتطور الافكار وتنشأ أفكار جديدة مثلما تتطور وتنشأ البنيات الحية , والأفكار تولد وتموت مثل الكائنات الحية . والأفكار تدافع عن نفسها وتحافظ عليها .

 

ويمكن تشبيه الأفكار أيضاً بالجينات أوالفيروسات , فهي تنتقل من عقل لآخر ( كما تنتقل الفيروسات من جسم لآخر ) وبذلك تنتشر في العقول , وهي تحمي وتدافع عن نفسها , وتتنافس و تتصارع مع الأفكار الأخرى .

نحن نعطي للمفاهيم ( أو الأفكار ) التي تدل على الأشياء أو الأسماء , الحياة , ونجعلها تملك إرادة وتفعل , ولها دوافع وأحاسيس وانفعالات وغايات وقيم , وهي تولد وتعيش وتموت .

 

وغالبية الكتاب والمفكرين يعاملون البنيات الفكرية الشيئية ( أوالأسماء ) على أنها كائنات حية لها أهداف وغايات وعندها خير وشر وتخطئ وتصيب ......الخ, وهذا ناتج عن التطور اللغوي والاجتماعي والنفسي والعصبي المرتكز على الأسس البيولوجية والفزيولوجية والاجتماعية. فالتواصل بين البشر في هذه الأوضاع فرض ذلك ، وجعل التعامل مع المفاهيم التي تصف وتمثل الأشياء ( الأسماء أو الهويات) كأنها كائنات حية , فتوصيل المفاهيم والمعاني والأفكار للآخر يكون أسهل وأسرع وأفضل عندما تحمل مضامين الأحاسيس والمفاهيم والمعاني البشرية .

 

لننظر إلى ما يكتبه أغلب المفكرين فنشاهد أمثلة واضحة على ذلك ( تحميل البنيات الفكرية الاسمية الخصائص الفكرية والنفسية والمعاني البشرية ) 

أمثلة : فشل العلم في تحقيق كذا - نجحت المدرسة كذا في تحقيق كذا – تفوق العلم على الأدب - تشارك الأدب مع الفن في إنجاز كذا وكذا ......وهناك الكثير, الكثير.

وهذا ناتج في الأساس عن اعتمادنا اللغة في التفكير , فهناك الإسم , والفعل , والفاعل , والمفعول به . وكل اسم يمكن أن يقوم بفعل ويصبح فاعل أو مسبب ويحدث التأثيرات .

 

نشوء الكائنات الفكرية لدينا

 كيف تشكلت الأفكار . وكيف تنمو وتتطور ؟

مثلما نشأت الكائنات الحية من العناصر والمركبات الكيميائية بعد أن تفاعلت حسب القوى والآليات والقوانين الفيزيائية  . كذلك نشأت الكائنات افكرية في الأجهزة العصبية لدى الكائنات الحية , وكان نشوؤها بالتدريج , إلى أن وصلت إلى ماهي عليه لدينا في الوقت الحاضر .

فالكائنات الفكرية لدينا تتكون في أول الأمر ( في شكلها الخام ) في الجهاز العصبي من السيالات العصبية الكهربائية الواردة من المستقبلات الحسية . فالمتقبلات الحسية بكافة أشكالها  تحول ( ترمز )  بعض أنواع التأثيرات الفيزيائية ( ضوئية , صوتية , حرارية , ميكانيكية , كيميائية , . . . ) إلى نبضات عصبية كهربائية على شكل سيالات كهربائية عصبية , ترسل إلى مناطق الإحساس في الدماغ الذي يتعرف عليها , وتصبح بمثابة أفكارأولية خام , ويقوم بتقييمها وتصنيفها بناءً على نتائج تأثيراتها على الجسم ( أي إعطاء معني لها ), إن كانت مفيدة أو ضارة أو محايدة , ثم يقوم الدماغ  بالاستجابة بناءً على ذلك . 

لقد كانت هذه الأفكار بمثابة وسيلة إخبارية أو إعلامية ,  وتطورت ليصبح جزء منها حسي مدرك و واعي , وبهذا نشأت الأفكار الواعية البسيطة . أي أساس الأفكار هو أحاسيس مقيمة بالمفيد أو الضار , باللذة أو الألم .

فالبنيات الفكرية تتشكل في أول الأمر , من واردات الحواس . فهي تتكوٌن نتيجة  ترابط كمية معينة  من واردات الحواس مع بعضها  نتيجة تزامن حدوثها في معاً  بالإضافة إلى تكرار هذا الحدوث . فتتشكل بذلك البنيات الفكرية الأولية أو الأساسية . 

وهذا يتم بعدما تتوضع في الذاكرة وتكون على شكل بنيوي أي حدوث نمو لمشابك ومحاور الخلايا العصبية , التي تكرر مرور التيارات العصبية فيها , وعندها يصبح بالا مكان إعادة إنشائها  نتيجة وصول جزء منها , وليس كلها.

فالبنيات الفكرية تتشكل نتيجة تثبيت وتحديد مجموعة معينة من واردات الحواس التي دخلت معاً إلى الدماغ . والتثبيت يكون ناتج عن ثبات التيارات العصبية التي ترسلها المستقبلات الحسية . فهذه التيارات تكون ذات كمية وشدة وخصائص ثابتة محددة أثناء إرسالها إلى الدماغ , فهي بمثابة صورة ثابتة محددة  التقطت للواقع أثناء صيرورته .

هذا النوع من البنيات الفكرية الخام موجود لدى غالبية الكائنات الحية , فأصول الدماغ واحدة , فالفرق بيننا وبينهم هو في زيادة التخصص والتعقيد ونشوء اللغة المحكية ثم المكتوبة هو الذي أحدث تلك الفروق الكبيرة بيننا وبينهم .

ولدى الإنسان الذي يعيش ضمن جماعة تطورت هذه البنيات الفكرية  نتيجة التواصل والحياة الاجتماعية , وحدثت قفزة كبيرة عندما مثلت بعض البنيات الفكرية بإشارات ودلالات( أصوات وتعبيرات وحركات تدل عليها ) , وترابطت بسلاسل لتشكل  بنيات فكرية متطورة ,  وهذا أدى لنشوء البنيات الفكرية  اللغوية  .

و يولد الأطفال ويبدؤوا في أول الأمر بتشكيل بنياتهم الفكرية الخام , وبعد فترة  يبدؤون بتشكيل بنياتهم الفكرية اللغوية .  

كيف خرجت من الدماغ وانتقلت للأدمغة الأخرى ؟

هذه الإشارات أو الدلالات ( أو البنيات اللغوية الفيزيائية ) نتيجة التواصل  تعود وتدخل إلى الدماغ الآخر كمدخلات حسية , وهذا يتم بعد أن تتحول البنيات الفكرية اللغوية إلى بنيات فيزيائية لغوية دلالية ( مؤثرات فيزيائية إشارات وأصوات )  فإذا تلقتها حواس إنسان آخر يمكن أن تصل إلى دماغه وتتحول إلى بنيات فكرية لغوية ثم إلى بنيات فكرية خام, هذا إذا تم فك رموزها .

وبهذ استطاعت البنيات الفكرية أن تنتقل من دماغ إنسان إلى أخر , وتصبح مهيئة لكي تتوضع فيه .أي يمكن أن تتحول البنيات الفيزيائية الدلالية أواللغوية , إلى بنيات فكرية عصبية , وتتوضع في دماغ المتلقي .

إن الأفكار تنتقل من عقل إلى آخر , فيتم نسخها وانتشارها في أدمغة ( عقول ) البشر , وهذا يشبه توالد وانتشار البنيات الحية التي تنسخ وتنتشر بالتوالد .

ولكي تنتقل وتنسخ وتنتشر في العقول لابد من توفر عوامل وظروف معينة لكي يتم ذلك , وأهم هذه العوامل هي :

أولاً : الاتصال بين العقول , لكي يتم انتقال الأفكار, وذلك بحدوث النقل والتلقي , وبالتالي التبني , والتوضع أو التخزين . وذلك بوجود أي نوع من اللغة أشارات بصرية  أو إشارات صوتية . . وبالاضافة إلى جاهزية الحواس والعقل , للتواصل والتلقي المناسب .

ثانياً : عدم وجود ما يمنع من تبني الأفكار, فوجود أفكار سابقة يؤثر على الانتقال والتبني للأفكار. وكذلك عدم جدوى هذه الأفكار .

ثالثاً : المحاكاة والتقليد التي يملكها الإنسان, تؤثر بشكل كبير على انتشار الأفكار .

وهذا لا يحدث  إلا إذا وجدت بيئة مناسبة لها , فيجب أن تنسجم وتتوافق مع الأفكار الموجودة , ولا تناقضها . وهذا إذا تم فهمها ( أي تم تمثيلها ببنيات فكرية مناسبة ) . 

وليس ضرورياً أن تكون  البنية الفكرية المتكونة مطابقة للأصل الذي كانت عليه في دماغ المرسل , أي يعاد تشكيلها حسب قدرات وخصائص الدماغ المتلقي , لذلك هي غالباً ما تتعرض للتعديل والتغير عندما تنسخ في عقل المتلقي .

توريث البنيات الفكرية , نتيجة الحياة الاجتماعية

إن الأفكار والعقائد والأحاسيس والانفعالات البشرية , تنتقل نتيجة العلاقات الاجتماعية , وبشكل خاص عن طريق العلاقات الأسرية , وبالذات عن طريق الأم , فللأم الدور الأكبر( بالاضافة للأب) في نقل البنيات الفكرية . وتنقل أيضاً التقيمات الأساسية التي تحدد المفيد أو الضار. فهي التي تعلم طفلها كيفية اختيار طعامه , وكيفية تعامله مع الأوضاع التي تصادفه . بتعليمه أسس تقييم هذه الأوضاع من ناحية فائدتها أو ضررها له . فهي بالإضافة لأفراد أسرته والمتعاملين معه , يزرعون في عقله , أو يبرمجون عقله . فهم ينقلون له الأفكار والمعارف والعقائد والمشاعر ..., التي هم توارثوها أيضا من أسرهم و مجتمعهم .

صحيح أنه الآن يوجد الإعلام , الممثل بالمدارس وباقي طرق التعليم , بالإضافة إلى الراديو والتلفزيون وكافة وسائل الإعلام . وهي غالباً ما تساعد على توحيد ما يتم نشره في أغلب العقول . ولكن يبقى الكثير من الاختلافات التي ينشرها هذا الإعلام الموجه , مع ما يكتسب من الأسرة والمحيط القريب الموجود فيه الفرد.    

إن هذه الظاهرة هي من أهم أسباب الاختلافات والتناقضات الفكرية والعقائدية بين البشر , وذلك نتيجة توسع العلاقات البشرية لتشمل مجال واسع , من الجماعات مختلفة بالأفكار والعقائد والقيم, وهي التي تولد الآن أكثر الصراعات بين البشر .

 

كما ذكرنا إن الأفكار هي بمثابة كائنات فكرية وهي بنيات غير مادية وهي تكون عالم الفكر , ومثلما نشأت الكائنات الحية من العناصر والمركبات الكيميائية بعد أن تفاعلت حسب القوى والآليات الموجودة , كذلك نشأت الكائنات الفكرية في الأجهزة العصبية لدى الكائنات الحية , وكان نشوؤها متسلسل ومتطور , إلى أن وصلت إلى ما هي عليه لدينا في الوقت الحاضر .

 

فالأفكار أو الكائنات الفكرية تتكون في أول الأمر - أوفي شكلها الخام - في الجهاز العصبي من السيالات العصبية الكهربائية الواردة من المستقبلات الحسية . فالمتقبلات الحسية بكافة أشكالها تحول - أو ترمز - بعض أنواع التأثيرات الفيزيائية - ضوئية , صوتية , حرارية , ميكانيكية , كيميائية , إلى نبضات عصبية كهربائية على شكل سيالات كهربائية عصبية , ترسل إلى الدماغ الذي يقوم بتقييمها وتصنيفها بناءً على نتائج تأثيراتها على الجسم , إن كانت مفيدة أو ضارة أو محايدة , ثم يقوم بالاستجابة بناءً على ذلك لقد كانت وسيلة إعلامية , وكذلك وسيلة تنفيذية تقوم بالاستجابات إن كانت استجابات كيميائية فزيولوجية , أو حركية , وتطورت ليصبح جزء منها حسي واعي .

 

ولدى الإنسان الذي يعيش في مجتمع تطورت هذه البنيات الفكرية العصبية , فترابطت سلاسل لتشكل بنية فكرية متطورة . وقد حدثت قفزة كبيرة عندما مثلت بعض البنيات الفكرية بإشارات - أصوات وتعبيرات وحركات ومن ثم كلمات تدل عليها , وهذا أدى لنشوء البنيات الفكرية اللغوية .

 

فهذه الدلالات - أو البنيات اللغوية الفيزيائية - عادت ودخلت إلى الدماغ كمدخلات حسية , و تحولت من جديد لبنيات فكرية خام وأصبحت بنيات فكرية دلالية أو لغوية , فهي ترمز أفكار تم إرسالها من إنسان لآخر . وبذلك نشأت وسيلة تستطيع بها هذه البنيات الفكرية الخروج من الدماغ أو العقل الذي نشأت فيه الانتقال إلى دماغ أو عقل آخر , وهذا يتم بعد أن تتحول البنيات الفكرية اللغوية إلى بنيات فيزيائية لغوية دلالية - مؤثرات فيزيائية إشارات وأصوات وحركات وإيماءات - فإذا تلقتها حواس إنسان آخر يمكن أن تصل إلى دماغه وتتحول إلى بنيات فكرية لغوية ثم إلى بنيات فكرية , هذا إذا تم فك رموزها .

و بهذ استطاعت البنيات الفكرية أن تنتقل من دماغ إنسان إلى آخر , وتصبح مهيأة لكي تتوضع فيه . أي يمكن أن تتحول البنيات الفيزيائية الدلالية أو اللغوية , إلى بنيات فكرية عصبية .

 

كيف خرجت من الدماغ وانتقلت للأدمغة الأخرى ؟

 

إن الإشارات أو الدلالات ( أو البنيات اللغوية الفيزيائية ) نتيجة التواصل تعود وتدخل إلى الدماغ الآخر كمدخلات حسية , وهذا يتم بعد أن تتحول البنيات الفكرية اللغوية إلى بنيات فيزيائية لغوية دلالية ( مؤثرات فيزيائية إشارات وأصوات ) فإذا تلقتها حواس إنسان آخر يمكن أن تصل إلى دماغه وتتحول إلى بنيات فكرية لغوية ثم إلى بنيات فكرية خام, هذا إذا تم فك رموزها .

 

وبهذ استطاعت البنيات الفكرية أن تنتقل من دماغ إنسان إلى آخر , وتصبح مهيئة لكي تتوضع فيه .أي يمكن أن تتحول البنيات الفيزيائية الدلالية أواللغوية , إلى بنيات فكرية عصبية , وتتوضع في دماغ المتلقي .

إن الأفكار تنتقل من عقل إلى آخر , فيتم نسخها وانتشارها في أدمغة ( عقول ) البشر , وهذا يشبه توالد وانتشار البنيات الحية التي تنسخ وتنتشر بالتوالد .

 

ولكي تنتقل وتنسخ وتنتشر في العقول لابد من توفر عوامل وظروف معينة لكي يتم ذلك , وأهم هذه العوامل هي :

 

أولاً : الاتصال بين العقول , لكي يتم انتقال الأفكار, وذلك بحدوث النقل والتلقي , وبالتالي التبني , والتوضع أو التخزين . وذلك بوجود أي نوع من اللغة إشارات بصرية أو إشارات صوتية . . وبالاضافة إلى جاهزية الحواس والعقل , للتواصل والتلقي المناسب .

ثانياً : عدم وجود ما يمنع من تبني الأفكار, فوجود أفكار سابقة يؤثر على الانتقال والتبني للأفكار. وكذلك عدم جدوى هذه الأفكار .

ثالثاً : المحاكاة والتقليد التي يملكها الإنسان, تؤثر بشكل كبير على انتشار الأفكار . وهذا لا يحدث إلا إذا وجدت بيئة مناسبة لها , فيجب أن تنسجم وتتوافق مع الأفكار الموجودة , ولا تناقضها , هذا إذا تم فهمها ( أي تم تمثيلها ببنيات فكرية مناسبة ) . 

وليس ضرورياً أن تكون البنية الفكرية المتكونة مطابقة للأصل الذي كانت عليه في دماغ المرسل , أي يعاد تشكيلها حسب قدرات وخصائص الدماغ المتلقي , لذلك هي غالباً ما تتعرض للتعديل والتغير عندما تنسخ في عقل المتلقي .

توريث البنيات الفكرية نتيجة الحياة الاجتماعية

 

إن الأفكار والعقائد والأحاسيس والانفعالات البشرية , تنتقل نتيجة العلاقات الاجتماعية , وبشكل خاص عن طريق العلاقات الأسرية , وبالذات عن طريق الأم , فللأم الدور الأكبر( بالاضافة للأب) في نقل البنيات الفكرية , وتنقل أيضاً التقييمات الأساسية التي تحدد المفيد أو الضار, فهي التي تعلم طفلها كيفية اختيار طعامه , وكيفية تعامله مع الأوضاع التي تصادفه , بتعليمه أسس تقييم هذه الأوضاع من ناحية فائدتها أو ضررها له . وهي بالإضافة لأفراد أسرته والمتعاملين معه , يزرعون في عقله , أو يبرمجون عقله وينقلون له الأفكار والمعارف والعقائد والمشاعر ..., التي هم توارثوها أيضا من أسرهم و مجتمعهم .

 

صحيح أنه الآن يوجد الإعلام , الممثل بالمدارس وباقي طرق التعليم , بالإضافة إلى الراديو والتلفزيون وكافة وسائل الإعلام , وهي غالباً ما تساعد على توحيد ما يتم نشره في أغلب العقول . ولكن يبقى الكثير من الاختلافات التي ينشرها هذا الإعلام الموجه , مع ما يكتسب من الأسرة والمحيط القريب الموجود فيه الفرد.

 

إن هذه الظاهرة هي من أهم أسباب الاختلافات والتناقضات الفكرية والعقائدية بين البشر , وذلك نتيجة توسع العلاقات البشرية لتشمل مجالا ً واسعاً , من الجماعات مختلفة بالأفكار والعقائد والقيم, وهي التي تولد الآن أكثر الصراعات بين البشر .

 

قوى الكائنات الفكرية : 

 

إن البنيات الفكرية تستخدم عقل الإنسان لحمايتها , فبعد أن تتوضع في دماغه , تدفعه للدفاع عنها والسعي لنشرها في العقول الأخرى , وهي تقاوم البنيات الفكرية الأخرى , وتسعى لمنعها من الدخول إلى الدماغ الموجودة هي فيه .

فالفكرة متى دخلت العقل وتوضعت فيه , تمنع الأفكار الأخرى من الدخول والتوضع إذا لم تكن متسقة معها أوتناقضها . فهي تقبل دخول الأفكار التي تؤيدها أو التي تنسجم معها ولا تخالفها .

 

و كذلك تتصارع البنيات (أوالكائنات ) الفكرية مع بعضها , وهي تشكل مجموعات ( أحزاب ) متعاونة مع بعضها , وتتصارع مع الأحزاب الأخرى , فيهزم بعضها , ويتراجع انتشار بعضها , ويزداد انتشار المنتصر , ويمكن أن تقضي على منافسها أوتوقف انتشاره . 

وهي تموت مع موت الدماغ الحامل لها , ولكن يمكن أن يبقى نسخ منها في عقول أخرى . وهذا يشبه ما يحصل للغات عندما تنتشر أو تنحسر أو تموت , لأن اللغات هي في أساسها صورة أو ممثل للبنيات الفكرية .

فكل بنية فكرية تسعى لكي تتوالد وتنتشر في العقول , وتسعى إلى منع غيرها من البنيات الفكرية من الانتشار في العقول , وهي تدافع عن بقائها وانتشارها تجاه الأفكار الأخرى . وهي تستخدم في صراعها هذا كافة قدرات الإنسان الفكرية والمادية والاجتماعية والاقتصادية ...

 

والملاحظ أن انتصار الأفكار وانتشارها في العقول , مرتبطة بالقدارات التي يملكها الذين يتبنوها ويدافعون عنها , وعددهم في المجتمع . وذلك بغض النظر عن صحة أو دقة أو فائدة هذه الأفكار . وإذا حدث جدال فكري ( أو صراع بين البنيات الفكرية) بين شخصين أو فريقين , فالنصر سوف يكون للذي يملك قدرات أكثر ويستخدمها في هذا الصراع , وسوف يكون لعدد أفراد الفريق تأثير كبير في تحقيق النصر , وذلك بغض النظر عن دقة أو فائدة الأفكار المنتصرة .

وهذا ينطبق على كافة أشكال البنيات الفكرية , إن كانت عملية , أو عقائدية , أو علمية ..

 

فالذي يقرر بقاء البنيات الفكرية , وانتشارها في أكبر كمية من عقول أفراد المجتمع , هو ما يلي :

 

1 – عدد الذين يتبنوها في المجتمع , فمهما كانت الأفكار دقيقة أو مفيدة , ولكن الذين يتبنوها قلائل جداً , فهي لن تنتشر .

2 – ارتباطها مع بعضها ومع المنتشر في المجتمع , فكل الأفكار التي تناقض أو لا تنسجم مع ما هو موجود سوف تقاوم وتمنع من الانتشار , وبغض النظر عن دقتها أو فائدتها .

3 – كمية القدرات الفكرية والمادية والاجتماعية التي يملكها من يدافع عنها ويسعى لانتشارها .

4 – توافقها مع الأوضاع والظروف المادية والاجتماعية والاقتصادية الموجودة في المجتمع .

 

لذلك عندما تتغير الأوضاع والظروف , يصبح احتمال انتشار أفكار جديدة أكثر لأن الأوضاع الجديدة تؤدي إلى ظهور ضعف وعدم جدوى الأفكار غير المفيدة المنتشرة في العقول , وهذا يساعد في نمو وانتشار الأفكار الأصح والأفضل , للأفراد وللمجتمع ككل .

إن تشكّل البنيات الفكرية وانتشارها سمح بالسير عبر الزمن إن كان للماضي أو للمستقبل , وهذا سمح بتفاعل ( أو بحدوث تأثير ) بين الماضي والحاضر وبين المستقبل والحاضر , فهذا كان لا يمكن حدوثه لدى البنيات الفيزيائية , نعم الماضي يكوّن الحاضر , والحاضر يكوّن المستقبل , ولكن حسب الآليات الفيزيائية التي تتفاعل بها البنيات الفيزيائية .

 

أما تأثير البنيات الفكرية فهو يسمح بحدوث تفاعلات جديدة تختلف عن التفاعلات الفيزيائية وبالتالي تكون النتائج مختلفة عن النتائج التي كانت تحدث بوجود تأثير تفاعلات البنيات الفيزيائية فقط .

صحيح أن البنيات الفكرية تكوّنت من البنيات الفيزيائية , وهي تشكلت نتيجة تطور سلاسل تفاعلات البنيات الفيزيائية التي كونت البنيات أو الكائنات الحية , ثم تطورت البنيات الحية فكونت البنيات الفكرية الفزيولوجية , ثم نتيجة حياة الإنسان الاجتماعية وتواصله مع غيره , استطاعت البنيات الفكرية اللغوية أن تخرج من العقل وتنتقل إلى العقول الأخرى , وبالتالي تبقى بعد موت صانعها .

 

ثم نتيجة استخدام الرموز والكتابة استطاعت تلك البنيات أن تخرج من الأدمغة وتتوضع خارجها , وبهذا استطاعت أن تبقى وتنتقل عبر أزمان طويلة , فبنشوء الكائنات الفكرية حدثت قفزة جديدة في سلسلة تطور بنيات الوجود .

تأثير الأفكار وخاصةً الموروثة اجتماعياً والتي تم ترسيخها هو الموجه الأساسي لاستجاباتنا وتصرفاتنا . إننا نشاهد كيف تؤثر الأفكار والعقائد المتبنات في تصرفات الناس . فالأفكار والمعارف والعقائد ( أي الكائنات الفكرية ) هي التي تتحكم في قدرات وتصرفات البشر فهي توظفها لتحميها ولتحقق انتشارها , وعندما تتصارع الأفكار مع بعضها يكون التفوق والانتصار للأفكار التي وظفت قدرات وقوى بشرية أكثر, وذلك بغض النظر عن صحة أو خطأ تلك الأفكار, وانتصار أفكار على أفكار أخرى يؤدي إلى انحسار الأفكار المهزومة وانتشار الأفكار المنتصرة .

 

إن الأفكار والعقائد والمبادئ التي يتبناها كل منا ( أي التي دخلت عقله وتوضعت فيه ) أوحى له الآخرون بها , فصار ملزم بخدمتها وتنفيذ مضمونها حتى وإن تعارضت مع أقوى الدوافع البيولوجية مثل المحافظة على الذات , فهو يمكن أن يضحي بنفسه من أجل الأفكار التي تبناها .

 

إننا نرى أن المؤثرين الأساسيين أو المتحكمين فينا , هم مبدعون وخالقون هذه الأفكار ( فجلجامش وحمورابي وهوميروس وسقراط وأفلاطون وأرسطو وبوذا و كونفوشيوس و زراتشت وابن عربي وابن رشد وكانت وهيوم وماركس وفرويد وأينشتاين . . . والآلاف غيرهم ) هم الذين خلقوا الأفكار وزرعوها في العقول ..

 

سوف يقول الكثيرون : أن الدوافع والغايات هي الأساس , وليس الأفكار والثقافة التي يكتسبها الإنسان من مجتمعه لأنها هي التي تستخدم تأثيرات الأفكار والإيحاءات والإعلام لتحقق نفسها , إن هذا هو الواقع فعلاً . ولكن الغالبية العظمى من هذه الدوافع والغايات , صنعتها الأفكار والثقافة والعقائد المنتشرة في المجتمع .