الغائية 
إن الغائية بالنسبة لنا مرتبطة بالتنبؤ المستقبلي , وهذا لا يتم إلا فكرياً , فاستباق الحاضر لا يتم إلا فكريا ً, لذلك الغائية مرتبطة بالتفكير .
وكذلك ترتبط الغائية بالتخطيط والتحكم بالحوادث للوصول إلى الهدف الموضوع مسبقاً. 
و عندما نعرٌف الغائية بهذه الطريقة , يمكننا عندها أن نوضح الفرق بين العشواء وحصول الانتظام . 
فقد كان أرسطو يقول أن غاية الأجسام هي دافعها الذاتي الانجذاب نحو الأسفل , ويقول أيضاً إن غاية صنع العين هي الرؤيا , وكذلك غاية صنع الأذن السمع , والرجلان للمشي . . . . 
وهذا يعني أن وجود الهدف أو الغاية سابق على تشكل العضو , وأن هناك تخطيط فكري مستقبلي قد جرى , وبناءً علية تم تشكيل العضو . فبنأً على وجود الحاجة للعضو جري "التخطيط الفكري" لصنع العضو ثم صنعه . وهذا غير دقيق فليس هناك أي تخطيط فكري مسبق لأن الحياة لا تفكر مثلنا . 
نحن نستطيع تفسيرسقوط الأجسام نحو مركز الأرض , وتفسير كيف يشكل النهر مجاره , وكيف تشكلت الأرجل والأعين والآذان . . الخ دون تخطيط "فكري" مسبق , وذلك بالاعتماد فقط على العناصر الموجودة والآليات - القوانين الفيزيائية والكيميائية - التي تتفاعل بها . 
فكافة أنواع وأشكال التفاعلات في هذا الوجود أساسها تفاعلات فيزيائية , ويمكننا إرجاع أي تفاعل مهما كان إلى تفاعلات فيزيائية , فحتي التفاعلات الفكرية والنفسية والاجتماعية يمكن إرجاعها إلى أسسها الفيزيائية. 
فكل بنية تتشكل يكون تشكلها حسب البنيات الأولية الموجودة , وحسب التفاعلات التي تجري وحسب الوضع أي الزمان والمكان الموجودين فيه. 
ونحن نستطيع تفسير تشكل أي بنية مهما كانت بنأً على ذلك , فبالاعتماد على خصائص البنيات المتفاعلة وعلى الأوضاع الموجودة وبالتالي التفاعلات التي سوف تحدث , نستطيع تفسير تشكل كافة أنواع وأشكال البنيات الموجودة , فكل بنية موجودة يفرض وجود عناصر وآليات تشكلها . 
فنحن نستطيع تفسير تشكل البنيات الحية وأجهزتها وأعضاؤها العين والأذن والقلب والمعدة والدماغ والأيادي والأرجل.....- فقط بالعتماد على العناصر ( أي البنيات ) والأوضاع الموجودة , بالإضافة لطرق التفاعل التي تجري وتشكلها. 
فتشكل الانتظام من العشواء يحدث نتيجة تشكل دارات تفاعل متكررة خلال زمن قصيرأو طويل , فهذا ينشئ البنيات المستقرة التي تحافظ على ترابطها واستمرارها لفترة زمنية كبنية محددة , وتكون متوافقة مع الأوضاع والتأثيرات الموجودة فيها. 
فالدارات تفاعل البنيات الفيزيائية الأولية " الأوتار الفائقة "المتكررة كونت البنيات الذرية الأولية وهي الكواركات واللبتونات , وهذه بتفاعلها مع بعضها ضمن الأوضاع الموجودة فيها كونت الجسيمات الذرية , ثم تكونت الذرات الأولية الهيدروجين والهليوم , ثم تكونت المجرات والنجوم , ثم العناصر الكيميائية الأخرى , ثم المركبات العضوية , فالبنيات الحية , فالبنيات الفكرية , فالبنيات الاجتماعية. . . 
ولكي تتوضح الغائية يجب إظهار علاقتها بالتخطيط , وعلاقة التخطيط بالإعلام . 
التخطيط 
لقد عرٌف التخطيط بشكل عام بأنه الاختيار من بين البدائل بالنسبة لهداف موضوع , أو هو اختيار من بين مسارات بديلة للتصرف المستقبلي , أي هو التعامل مع الخيارات الحالية المتاحة والخيارت المستقبلية المحتملة بناءً على ( برنامج ) موضوع , وهناك بعض الفروق بين التفكير والتخطيط . 
بالنسبة للكائنات الحية , هناك مخطط ( أو ما يعتبر هدفاً موضوع مسبقاً ) تم الوصول إلية عن طريق المحاولة والخطأ والتصحيح نتيجة الانتخاب الطبيعي والتوافق معالأوضاع والظروف , وهو على شكل معلومات أو تعليمات ( برنامج ) أو إعلام , وعن طريق التعامل مع الخيارات يسعي للوصول إليه , ويتم الاختيار حسب البرنامج الموضوع لتحقيق الهدف . 
أما التخطيط البشري فهو تعامل فكري مع الخيارات المتاحة يسبق التعام الواقعي معها , وهذا ما يميز التخطيط البشري عن تخطيط الكائنات الحية الأخرى . فتخطيط تلك البنيات يجري بالتعامل مع الخيارات المادية الموجودة , حسب البرنامج الوراثي الموضوع , ودون استباق المستقبل بشكل فكري , وخيارات الكائنات الحية تعتمد على العناصر والقوى الفيزيائية والكيميائية والحيوية الموجودة . وإن كان هناك الذاكرة فكرية فهي للماضي , ولا تتوقع أو تتنبأ للمستقبل , فالمستقبل مغلق بالنسبة لها . 
وإن حدث وقامت بعض الكائنات الحية بمشاريع مستقبلية , فيكون هذا مبرمج فزيولوجياً وعصبياً وليس فكرياً بشكل واع . 
وهذا هو الفرق الأساسي والهام جداً بين تفكيرنا وتفكير غالبية الكائنات الحية الأخرى . 
وهذا ما عرفه وشعر به كل من فكر في هذا الموضوع , فنحن نفكر ونتعامل مع الوجود بطريقة مختلفة عن باقي الموجودات . 
لأننا نستخدم البنيات الفكرية التنبؤية ( السببية واستباق المستقبل ) وخصائصها الفريدة في التعامل مع الخيارات . 
إن هذا الفرق الهام جداً هو ما يميزنا عن باقي بنيات الوجود الأخرى فنحن نتعامل مع الخيارات في زمن مفتوح ( نسبياً ) , ماض و حاضر ومستقبل , أما باقي البنيات الحية فتتعامل مع الخيارات المتاحة لها في زمن الماضي والحاضر فقط , ولا تستطيع استباق الحاضر إلى المستقبل في تعاملها مع الخيارات إلا بما برمجت عليه فزيولوجياً , وما اكتسبته من أبويها وجماعتها. 
فالتخطيط الفكري , والسببية الفكرية المتطورة هو ما يميز تفكيرنا عن باقي بنيات الوجود , فنحن فقط نستطيع أن نختار الخيار الأنسب من بين مجموعة خيارات متاحة لنا , وذلك بالاعتماد على أفضليتها المستقبلية وليس الحالية , وذلك باستعمال البنيات الفكرية التنبؤية المتطورة العالية الدقة . وكلما كانت دقتها أعلى كان تخطيطنا أكثر فاعلية في تحقيق أهدافنا الموضوعة. 
لقد توصلت بنية الحياة إلى تشكيل أعقد الأجهزة وأعقد البنيات وذلك دون تخطيط مسبق هادف . توصلت لذلك بتعاملها مع الخيارات المادية المتاحة فقط . 
وقد حققت كل ذلك نتيجة وجود العناصر وتفاعلاتها المادية خلال ثلاثة ونصف مليار سنة , وقد كانت تقوم بعملها بتشكيل البنيات المتماسكة المستقرة ودون تخطيط مسبق , فمثلاً شكلت الرؤيا بعدة طرق مختلفة , وكذلك شكلت آلية الطيران بعدة طرق , وذلك حسب العناصر والتفاعلات الموجودة المتاحة . وشكلت أنواعاً متعددة من الكائنات الحية التي تستخدم آليات تفاعل وطاقة مختلفة الضوء , أو طاقة البراكين , أو حرق المواد العضوية . وشكلت مليارات الأنواع من الكائنات الحية . 
وأهم من هذا كله شكلت البنيات الفكرية . وكل ذلك دون تخطيط مسبق . 
ونحن الآن بالإمكانيات المتاحة لنا نستطيع تقليد بنية الحياة في صنع البنيات , ولكن بسرعة أكبر بمليون مرة من سرعة بنية الحياة إن لم يكن أسرع . فعندما تشكلت لدينا البنيات الفكرية اللغوية حدثت قفزة نوعية كبيرة تماثل أو تفوق تشكل بنية الحياة ذاتها , لذلك ما هو آت رهيب . 
فنحن أنتجنا البنيات الفكرية العامة المتطورة( أي العلوم عالية الدقة) . وصنعنا البنيات التكنولوجية المتطورة وفي عدة مجالات , في الصناعة , وفي البيولوجيا, وفي الإلكترونيات والكومبيوتر.., في فترة لا تزيد عن بضعة آلاف من السنين أي في لحظة لا تذكر من عمر بنية الحياة أو بنية الكون . 
وكان هذا نتيجة استعمال البنيات الفكرية اللغوية المحكية ثم المكتوبة , وهذا ما فتح لنا الخيارات , كافة الخيارات. 
إنه انفجار رهيب في تسارع تشكل البنيات الجديدة المتطورة . ففي المئة سنة القادمة نتوقع أن تظهر بنيات كثيرة متطورة , ولكن هل نستطيع تصور تلك البنيات التي سوف تظهر بعد مليون سنة أو بعد مليار سنة ؟؟؟, فالمليار سنة في عمر الوجود زمن عادي.
يقول ستيفن هوكنج 
" .... حيث إن التطور البيولوجي هو أساساً مسيرة عشوائية في فضاء كل الممكنات الوراثية , فإنه يحدث ببطء شديد, ويكون مدى التعقيد أو عدد " بتات" المعلومات المشفرة في د. ن. آ هو تقريباً عدد القواعد التي في الجزيء . ولابد من أن سرعة زيادة التعقيد في أول بليوني سنة أو ما يقرب, كانت بمعدل " بتة" معلومات لكل مائة سنة. ثم ارتفع تدريجياً معدل تزايد تعقد د. ن. أ ليصل إلى ما يقرب" بتة" واحدة في سنة عبر الملايين المعدودة الأخيرة, وعلى أنه منذ حوالي ستة آلاف أو ثمانيةآلاف عام حدث تطور رئيسي جديد. أنشأنا اللغة المكتوبة. ويعني هذا أنه يمكن تمرير المعلومات من جيل إلى الجيل التالي من دون حاجة إلى انتظار تلك العمليات البطيئة جداً للطفرات العشوائية والانتخاب الطبيعي لتشفير المعلومات في تتابعات دنا . وزاد التعقيد زيادة هائلة. أدى نقل المعلومات هكذا من خلال وسائل خارجية غير بيولوجية إلى أن يسيطر الجنس البشري على العالم. على أننا الآن على مشارف عصر جديد, سوف نتمكن فيه من زيادة تعقيد سجلنا الداخلي , أي د. ن .آ, من دون أن نحتاج إلى انتظار عمليات التطور البيولوجي البطيئة , لم يحدث أي تغير مهم في دنا البشري في آخر عشرة آلاف عام, إلا أن من المرجح أننا سنتمكن من إعادة تصميم هذا الدماغ بالكامل في الف عام القادمة " من كتاب الكون في قشرة جوز. 
التعامل مع الخيارات, والتوجيه , والانتخاب, والتكيف مع الأوضاع. 
وَِيقول كارل بوبر عن فكرتا التوجيه والانتخاب : 
أنهما موجودتان في المستويات الثلاثة: المستوى الجيني والمستوى السلوكي والمستوى الكشف العلمي , إن جوهر آلية التكيف هو ذاته في المستويات الثلاث : البنية الجينية للكائن الحي يناظرها في المستوى السلوكي , المخزن الفطري من أنماط السلوك المتاحة( الخيارات المتاحة) للكائن الحي , و يناظرها في المستوى العلمي , الحدوس الافتراضية أوالنظريات العلمية السائدة . ودائماً تنتقل هذه البنيات عن طريق التوجيه (التعامل مع الخيارات المتاحة) في المستويات الثلاثة جميعها : عن طريق تكاثر البنية (بالنسخ) الجينية المشفرة في المستويين الجيني والسلوكي , وعن طريق التقاليد الاجتماعية والمحاكاة في المستويين السلوكي والعلمي . و يأتي التوجيه من صميم البنية في المستويات الثلاثة جميعها . أما إذا حدثت طفرات أو تحولات أو أخطاء , فثمة توجيهات جديدة (تغذية عكسية تصحيحية) , هي الأخرى تنشأ عن صميم البنية , أكثر من أن تنشأ من خارجها, من البيئة. ويوجز أطروحته فيقول: 
نحن نعمل ببنيات متوارثة في سائر المستويات الثلاثة التي وضعناها في الاعتبار , المستوى الجيني والمستوى السلوكي والمستوى العلمي , هذه البنيات المتوارثة عن طريق التوجيه , إما من خلال الشفرة الجينية أو من خلال التقاليد. 
تنشأ في المستويات الثلاثة جميعها بنيات جديدة وتوجيهات جديدة عن طريق محاولة التغيير النابعة من صميم البنية : عن طريق المحاولات المبدئية , الخاضعة للانتخاب الطبيعي أو لاستبعاد الخطأ . وعلى هذا النحو نستطيع أن نتحدث عن التكيف بواسطة "منهج المحاولة والخطأ ". 
وعلينا أن ننتبه إلى أننا بشكل عام لا نصل أبداً بأي من تطبيقات منهج المحاولة واستبعاد الخطأ , أوعن طريق الانتخاب الطبيعي إلى حالة من التكيف ثابتة ومتوازنة تماماً , وذلك. 
1 - لأنه من غير الممكن الظفر بمحاولة مكتملة و مثلى لحل المشكلة. 
2 - وهو الأهم- لأن بزوغ بنيات جديدة أو توجيهات جديدة يتضمن تغيرأً في الموقف البيئي , قد تصبح عناصر جديدة في البيئة ذات علاقة بالكائن الحي , وبالتالي , قد تنشأ ضغوط جديدة وتحديات جديدة ومشاكل جديدة كنتيجة لتغير البيئة الذي نشأ عن صميم الكائن الحي . من كتاب اسطورة الإطار 
إن سرعة الدارات التفاعلات المصححه لبنية الكائنات الحية , لكي تتوافق مع الأوضاع والظروف الموجودة ضمنها , بطيئة جداً , فهي تستغرق آلاف أو عشرات الآلاف السنين . أما في حالات تشكل البنيات الاجتماعية , فتقدر سرعة الدارات المصححة للتفاعلات بعشرات أو مئات السنين . وأما في الصناعة فهو يستغرق أشهر أوسنين .