إن الحدس هو المعالجة غير الواعية للأفكار , وهذه المعالجة غير الواعية تتم لمجموعة أفكار في نفس الوقت , أي تتم معالجتها بالتوازي وفي وقت واحد , وليس بالتسلسل واحد بعد الآخر كما في المعالجات الفكرية الواعية . 
وهذا ما جعل الحدس يظهر وكأنه انبثاق لأفكار ليس لها أساس , و كأنها أتت من وحي خارجي .
فالحدس هو أساس كل إبداع ( أدبي أو علمي أو موسيقي . . ) ينبثق دون تفكير واعي ودون جهد 

والذي يقوم بعملية الحدس هو الدماغ الزواحفي والدماغ الحوفي , وكان يقوما بذلك قبل نشوء الدماغ الحديث بما فيه اللحاء . 
لقد كان الدماغ الزواحفي يقوم بمعالجة مجموعة مدخلات في نفس الوقت أي بالتوازي, وليس واحد بعد الآخر, فقد كان لهذا الدماغ القدرة على معالجة كافة المدخلات في نفس الوقت. 
فالدماغ في أول نشأته كانت مهمته معالجة كافة المدخلات الحسية في نفس الوقت أي بالتوازي , والمثير الأقوى والأهم هو الذي يقرر الاستجابة , وذلك بعد مقارنة كافة المثيرات الداخلة للمعالجة مع بعضها في نفس الوقت . 
ثم بعد ذلك صارت بعض المدخلات تأخذ أهمية ليس لقوتها أو تأثيرها الحاضر ولكن لتأثيرها المستقبلي الهام , وهذا حدث نتيجة تشكل آليات الإشراط أو ترابط المثيرات مع بعضها نتيجة التجاور المكاني أو الزماني أو معانيها . 
ثم حدث تطور آخر وتشكلت الاستجابات على بعض المثيرات تورث للأبناء .
ولكن بعد نشوء الدماغ الحديث بما فيه اللحاء وتطور باقي بنيات الدماغ وتكاملها , وتشارك الدماغ الحديث مع الدماغ الحوفي وباقي بنيات الدماغ في معالجة المدخلات الحسية والأفكار, ونشوء سبورة الوعي , صار بالامكان القيام بالمعالجة المتوازية مع المعالجة المتسلسلة في نفس الوقت . 
فالمعالجة الواعية التي تجري على سبورة الوعي تكون معالجة بالتسلسلة , وفي نفس الوقت تجري معالجة بالتوازي في الدماغ الزواحفي والدماغ الحوفي وتكون غير واعية , ويتم إرسال نتائج هذه المعالجة إلى سبورة الوعي , فالدماغ الحوفي ينظم دخول المثيرات والأفكار بعد أن يعالجها بالتوازي إلى سبورة الوعي , فتشارك في تحديد الاستجابة .
والشيء المهم أن المقارنة اللازمة لإجراء القياس والحكم يلزمها معالجة بالتوازي , فلكي تتم مقارنة مجموعة مدخلات أو مؤثرات أو أفكار مع بعضها البعض يجب إدخالها معاً لمعالجتها دفعة واحدة , لذلك نجد الدماغ يستخدم المعالجة التسلسلية والمعالجة المتوازية . 
وهناك المخيخ وهو أقدر بنية دماغية على المعالجة المتوازية , فهو يستطيع معالجة الكثير من أعقد الأوضاع الحركية دفعة واحدة اي في نفس الوقت , وتتم هذه المعالجة غالباً دون تدخل سبورة الوعي , وعندما يتدخل الوعي تنخفض قدرات المخيخ ويصبح يعالج مسار واحد من الحركات بشكل واعي .

التفكير ألسببي والرياضي 
والتفكير المنطقي والرياضي يعتمد المعالجة بالتسلسل , وكذلك التفكير ألسببي الذي يعتمد على سبب واحد أو عدد قليل من الأسباب لأي حادثة , لذلك هو مقيد ومحدود مثل أي تفكير يعتمد سلسلة واحدة من المسببات , ولكن الواقع هو ناتج تفاعل كمية شبه لا متناهية من العناصر تفاعل بآليات متعددة الأسباب , وهنا يكمن ضعف مبدأ السببية لأنه يختصر كافة الأسباب بسبب واحد هو أهمها . 
و التفكير الرياضي نمى وتطور فاستطاع التعامل مع اللا تناهي , وكذلك استطاع التعامل مع الكثرة والتنوع , واستعمل المعالجة المتوازية .

التفكير الواعي 
أن أهم خاصية للمعالجات الفكرية الواعية هي تركيزه على سلسلة مسار واحد للتفكير ومعالجته , من ضمن المدخلات الكثير , فمن المفيد تجنب تشتيت الانتباه عند ملاحظة المثيرات الجديدة , والتركيز على تحديد الهام منها لمعالجته هو فقط , والتغاضي عن البقية , والاستمرار في ذلك المسار حتى يحدث مثير جديد وهام يستدعي قطع المعالجة الجارية والالتفات لمعالجة هذا الجديد , ريثما يحدث الأجدّ , وهكذا دوالك . 
والسوأل الهام من يحدد أفضلية الأهمية للمثيرات والأفكار ويقرر الهام منها والذي يستدعي معالجته هو بدل من غيره ؟
إن الذي يقوم بذلك هو الدماغ القديم , بالإضافة إلى اللحاء , ويمكن تشبيه ذلك بإدارة الدولة , فرئيس الدولة هو الذي يعالج وضع واحد في نفس الوقت ويتخذ القرارات ثم ينتقل إلى غيره , ومكتب الدخول هو الذي يقوم بالتحكم بما يدخل إلى الرئيس من قضايا , صحيح أن الرئيس يمكن أن يطلب من مكتب الدخول بعض القضايا أو المعلومات , ولكن هذا يحدث نتيجة ما يتم معالجته. 
ودوما الجديد يجب أن يدرس لتحدد أهميته , والذي يقوم بذلك مكتب الدخول , فهو الذي يحدد القضايا التي تستدعي إدخالها إلى الرئيس , لأنه هو المتصل مع كافة أجهزة الدولة _ الوزارات والمؤسسات وغيرها _ التي هي تتعامل مع كافة قضايا وأوضاع الدولة , وهذه الأجهزة هي أيضاً تقوم بدراسة القضايا وتحدد أهمتها, ومن يستدعي إيصاله لمكتب الدخول . 
أن ما يحدث في الدماغ يطابق هذا تماماً , فرئيس الدولة هو ممثل بمركز الوعي , وهناك مكتب دخول وهو الدماغ القديم بما فيه الدماغ الزواحفي و الدماغ الحوفي , وهناك اللحاء الذي هو بمثابة أرشيف أو مخزن للمعلومات – مثل مستشاري الرئيس .