إن ألعابنا الواقعية لا يمكن لعبها دون الألعاب الفكرية فالألعاب المادية تعتمد بالأساس على الألعاب الفكرية, وعندما تكون الألعاب الفكرية المستخدمة محدودة وغير متطورة تكون الألعاب المادية ضعيفة وغير فعَالة في تحقيق الأهداف, صحيح أن اللعب و المران العملي يحسن الأداء في اللعب إلا أن تطوير الألعاب المادية بواسطة الألعاب الفكرية يكون أوسع و أسرع بكثير, فمخزون المعارف أو الأفكار الجماعية - العلم و غيره - هائل و يمكن أن يساعد في كل الألعاب. 
في كل لعبة هناك عدد معين من الأوضاع و الاحتمالات و بعض الألعاب احتمالاتها و خياراتها كثيرة جداً مثل الألعاب الفكرية الفلسفية فهي جدل فكري أو تبادل تأثير منظم يقوم به العقل, بين أفكاره المخزنة فيه. وعندما يقوم مفكر بخلق فلسفة خاصة به فهو بذلك يقوم بصنع أو خلق لعبة يكون هو أهم لاعب فيها فهو الذي يضع الأسس و القوانين و العناصر أما بقية اللاعبين فهم المفكرون وصناع الفلسفات الأخرى يأتي بهم بعد أن يختارهم و يحجم أفكارهم كما يريد, وعندما يقوم باللعب معهم يكون قد كتب وأوجد سيناريو اللعبة وأهدافها, وهذا ما فعله أفلاطون في محاوراته وكذلك يفعل أغلب الفلاسفة . فالمفكر يبني أو يخلق فلسفته بطريقته الخاصة وطبعاً له غاية وهدف فهو يريد إما أن يرضي أو يحقق دافعاً داخلياً أو يريد الرد على بعضهم أو ينقدهم أو غير ذلك, فهناك أهداف محتملة كثيرة, و بعد أن يبني فلسفة و يحاول أن ينقل أفكاره للآخرين هنا يكون أمام وضع مختلف, فلكي يقبلها الآخرون- أي تنتشر أفكاره في العقول الأخرى وتحدث تأثيرات مادية- يجب أن تفهم أولاً و تجد صدى أو ميل لتبنيها ويجب أن لا تتناقض أو تتضارب مع ما هو معتمد لديهم من مبادئ وأفكار و مع ما هو موجود من عادات وتصرفات وأوضاع مادية واقتصادية واجتماعية, وهذا يعني أن مرجع كافة الأفكار هو الواقع المادي والاجتماعي لذلك لابد أن تتوافق الألعاب الفكرية مع الواقع المادي والفكري والاجتماعي .

التفكير البشري و التفكير بشكل عام
إن التعامل مع الخيارات يتم بناءً على أحد الطرق التالية:
1 _ بناءً على تأثير البنيات الخارجية على البنية المتعاملة مع الخيارات, أي أن الخيارات تكون مفروضة مباشرة على البنية, والتفاعلات بين البنيات الفيزيائية مثال على ذلك: النهر عندما يشكل مساره أو مجراه فهو يشكله حسب العناصر والقوى أو التأثيرات - أي الخيارات الفيزيائية- التي تحدث له. 
2-بناءً على تأثير البنيات الخارجي ولكن بعد مرورها بمعالجة بسيطة أو معقدة, أي أن تأثير الخيارات يكون غير مباشر ويخضع لتعديل وتغيير حسب المعالجة التي يخضع لها , وأعقد أنواع المعالجات هي التي تتم في العقل البشري, ومن هذا المنظور نجد أن التفكير لم يعد مقتصراً على الإنسان أو الحيوان فهو موجود لدى بعض البنيات, فهو حادثة عادية طبيعية منتشرة لدى بعض البنيات , ولكن الفرق الآخر و الهام بين التفكير البشري و الحيوانات المتطورة من جهة و تفكير باقي البنيات المفكرة الأخرى من جهة ثانية هو وجود الإحساس أو الشعور المترافق مع التفكير والمتفاعل معه في نفس الوقت, وهذا الإحساس يصبح لدى الإنسان على شكل وعي متطور واسع, ويتشكل أيضاً وعي جماعي .
إن هذا التوضيح للتفكير البشري يسٌهل فهمه, ويساعد في التعامل معه لبناء معارف عالية الدقة , وبالتالي يسهل التعامل مع الأوضاع لتحقيق الأهداف والدوافع , فإذا اعتبرنا أن التفكير هو التعامل مع الخيارات المتاحة واختيار المناسب (أي معالجتها كما في الكومبيوتر) بناءً على طرق وآليات معتمدة سابقاً وذلك للوصول إلى أوضاع محددة سلفاً, و إذا جعلنا الأحاسيس والإدراكات والوعي هي مرافقة للتفكير وليست من أساس التفكير فهي مستقلة عنه ولكنها مساعدة , فإننا نجد أن الكائنات الحية الأولية- وحيدة الخلية- تفكر ولكن بعناصر وآليات فزيولوجية و كيميائية, و أن هناك الكثير من البنيات تفكر فتعالج الخيارات المتاحة وتختار وتصحح وتعود وتختار للوصول للأنسب لها, ووجدنا أن التفكير ليس مرتبطاً بالجهاز العصبي فقط كما يظن أغلبنا, فنحن نربط التفكير بالأحاسيس والانفعالات والمعالجات الفكرية المنطقية مع أن كل منهم له عناصره وآلياته الخاصة به لكنهم يعملون معاً وهذا يجعل نتائج عملهم معقدة متشابكة ويصعب فهمها, فيجب تحليل ناتج عملهم لكي يتوضح لنا عمل كل منهم, وكل تفكير يعتمد التعرف والذاكرة, ولكي يتم التعرف لا بد أولاً من التأثر بالمراد التعرف عليه, ثم لا بد من الاحتفاظ – الذاكرة- , و تصنيف هذه التأثرات وذلك بالاعتماد على تمييز تأثيرات كل منها عن الآخر, وهذا يتم بمقارنتها مع بعضها لتمييز الفرو قات بينها, فالتعرف يتضمن التمييز, وللتمييز لا بد من المقارنة, لذا فالتعرف ليس عملية بسيطة وهو الأساس الذي يبنى عليه كل تفكير - أو المعالجة الفكرية- , والتعرف بالنسبة للعقل البشري يتم ببناء الهويات أو المفاهيم التي ترمز الأشياء التي تم التعرف عليها, وبناء على ذلك يمكن أن نعتبر كل بنية تقوم بالتعرف هي بنية تستطيع أن تفكر إذا قامت بمعالجة ما تعرفت عليه من لكي تحقق أوضاعاً محددة , وهذا التعريف للتفكير يسمح لنا بتصنيف الكثير من البنيات على أنها تقوم بالتفكير. 
ومن هذا المنظور يمكن اعتبار حتى البنيات الاجتماعية هي بنيات مفكرة مثلما وحيدات الخلية هي بنيات مفكرة, ويمكن إرجاع كل تفكير مهما كان متطوراً ومعقداَ سواء كان هو أو البنيات التي تقوم بهذا التفكير يمكن إرجاعه إلى أسسه الفيزيائية, وإذا أخذنا التفكير البشري كمثال فإننا نجد أنه يعتمد بشكل أساسي على البنيات اللغوية الفكرية ومعالجتها , والتي يمكن إرجاعها إلى البنيات الفكرية العصبية والتي بدورها يمكن إرجاعها إلى البنيات الفزيولوجية, والتي ترجع إلى البنيات الكيميائية التي ترجع إلى البنيات الفيزيائية. و تتفاعل البنيات اللغوية مع البنيات الاجتماعية عبر الناس الذين يستعملونها وهذا يعقد الوضع كثيراً. 

عالم المادة وعالم الفكر
هناك من جهة الواقع المادي- الفيزيائي- والتفاعلات المادية العملية مع الناس, هذا الواقع المادي يمتص أغلب قدرات و أوقات الناس و يستغرق أغلب حياتهم و يمنعهم من فهم و استيعاب الحياة والو جود بصورة أوسع و أشمل. 
وهناك من جهة أخرى عالم الفكر أو عالم البنيات الفكرية أي الأفكار المعارف مثل الفلسفة و المنطق و الرياضيات و التاريخ و الأدب و كافة العلوم , وهو عالم موازي لذلك العالم الواقعي المادي و له عناصره و قوانينه و آلياته و خصائصه التي تختلف عن العالم المادي الفيزيائي اختلافات هامة, منها أن عالم الفكر لا يخضع للقوانين الفيزيائية و الطبيعية المادية, فالمكان و الزمان , و التفاعلات فيه تجري بطريقة مختلفة و حسب آليات و قوانين مختلفة, ففي عالم الفكر يمكن السير عبر الزمن ذهاباً وإياباً, و كذلك يمكن السير بسرعة أكبر من سرعة الضوء, و يمكن إجراء تفاعلات كثيرة لا يمكن أن تجرى في الواقع الفيزيائي, و هذا يجعل عالم الفكر أوسع و أشمل و أسرع من العالم المادي بكثير ففي عالم الفكر يمكن التحرر من أسر الواقع المادي و تفاعلاته المحدودة بالمكان و الزمان و القوانين الفيزيائية و الانطلاق عبر الزمان ( عبر التاريخ ) و القيام بالتفاعلات و التجارب الفكرية المستحيل إجراؤها مادياً, فالتفاعلات الفكرية تستبق تفاعلات الواقع الفيزيائي بواسطة التنبؤات و التصورات أو التخيلات المرتكزة على العلوم الوضعية المتطورة والواسعة , و إمكانية عالم الفكر في المساعدة في تحقيق الأهداف و الغايات و المشاريع و الدوافع الفردية و الجماعية هائلة جداَ, فالفكر الديني و هو جزء من عالم الفكر يقوم بدور كبير و فعَال لأغلب الناس و يحقق المطلوب .

إنتاج المعلومات والأفكار 
إن إنتاج البنيات الفكرية أو إنتاج التنبؤات أو المعارف يتم عن طريق تحريك ومفاعلة البنيات الفكرية الأولية - واردات الحواس وغيرها- مع بعضها، فالمعلومات تنتج أو تصنع في العقول البشرية وبمساعدة البنيات الفكرية الموجودة خارج العقول- المتوضعة في الكتب والمراجع- وأيضاً صار الكومبيوتر يساهم في صنع المعلومات فصناعة المعلومات هي الأساس الآن, والتكنولوجيا والبنيات المادية المتاحة أصبحت في خدمة صناعة المعلومات.
تستطيع الكثير من البنيات الفكرية أن تتحول إلى بنيات مادية بوجود هذه الخيارات المتاحة - التكنولوجيا وغيرها-, فاللعب بالأفكار أو المعلومات وإنتاجها هو الأساس الآن أما تنفيذ مضمون الأفكار وتحويله إلى واقع مادي فهو سهل نسبياً نتيجة توفر الإمكانيات التكنولوجية الهائلة, والتفاعلات الحاصلة بين المعلومات والبنيات التكنولوجية والمادية، وبين البنيات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية أصبحت معقدة ومتداخلة ولا يمكن أن يتم التعامل معها بفاعلية إلا بالاعتماد على البنيات الفكرية والمعلومات، والاعتماد بشكل خاص على البنيات الفكرية الرياضية وقدرات الكومبيوتر الهائلة, لذا غدا إنتاج وإدارة المعلومات والأفكار هو المهم في الدرجة الأولى حالياً.

الكتابة والتأليف أهم الألعاب الفكرية 
إن الكتابة من الألعاب الصعبة جداً والتي يلزمها الكثير من القدرات والمهارات والعناصر ولا يستطيع الكثيرون لعبها حتى وإن كانوا يملكون المعارف والمعلومات الكثيرة, فلكي يستطيع الإنسان أن يلعب هذه اللعبة بمهارة وإتقان يجب أن يملك بالإضافة إلى المعارف خصائص وقدرات معينة, وعليه أن يجتاز الكثير من العقبات, وعليه معرفة القوى الممانعة أو المعاكسة وكذلك القوى المساعدة ومصادرها, وعليه معرفة المجال الذي يريد الكتابة فيه بشكل جيد وأن يعرف قدرات وخصائص الذين يكتبون في هذا المجال وهل يملك القدرة على مجاراتهم وأن يحسب الحساب لردهم وتأثيرهم, وأهم شيء عليه الحصول على موافقة الناشر (فللناشر تأثير كبير على مدى وسرعة نجاح وانتشار الكتاب, والنشر الذاتي غالباً ما يكون ضعيفاً) لذلك يجب التوجه إلى الناشر المناسب, فعليه أن يعرف خصائصه (صفاته وقدراته) وما هي أهدافه وغاياته وكيف يقيم ويحكم وما هي المجالات التي يفضلها, فهناك الكثير ممن كتبوا ولكن لم يستطيعوا أن ينشروا شيئاً أو نشروا ولكن فشلوا في تسويق ونشر أفكارهم . 
وإننا نشاهد أن أغلب الذين يكتبون وينشرون هم إما تراجمة أو نقاد أو معدون والقليل مؤلفون, وهم يكتبون بالمتعارف عليه وحسب الأصول والمناهج والطرق المتعارف عليها, لأن كل تغيير أو شذوذ عن الأصول سوف يقاوم على الأغلب و يضعف إمكانية النشر, فالقراء دوماً بالمرصاد, ويجب أن تتكلم عن شيء مثير ومفيد وضمن المتعارف عليه إذا أردت تَقَبُل ما تكتب بسهولة وسرعة, فعندما يجد القارئ أن ما تقوله يعرفه فإنه سوف يستخف بك وبما تكتب لأنهُ يعرفه مثلك أو يعرفه أفضل منك, ويجب أن تنقل أفكارك بأفضل و أسهل و أوضح البنيات اللغوية المشتركة بينك وبين القارئ, وبشكل مناسب وجميل يتم تقبله بسهولة ورغبة, فالشكل هام جداً والمضمون يأتي لاحقاً. فسقراط و أفلاطون والمفكرون والخطباء البارعون كانوا متمكنين من لعبة بث ونشر الأفكار والمعارف, لقد كان سقراط يعطي في أول الأمر معارف تملك درجة عالية من الصدق ويعرفها أغلب مستمعيه فيجذبهم و يجهزهم لمتابعته ثم يأتي بمعارف أعلى في الدقة و الصحة فيعجب مستمعيه و يتم جذبهم أكثر ثم أيضاً يأتي بمعارف أعلى دقة وصدقاً من سابقيها و هنا يتوصل إلى أعلى درجة من تقبل المستمعين, فقد كان أسلوبه إنَّ هذا صحيح و لكن هناك أصح منه وهناك أيضاً أصح من هذا, وقد كان يزيد من صحة و صدق معارفه بالتلاعب بمراجع القياس و تنوعها في أغلب الأحيان, وهذا يشبه كثيراً طريقة عمل السفسطائيين الذين يهاجمهم. 
ونحن نجد أن الذي يحوز على ثقة الناس أو القراء بامتلاكه المعارف الكثيرة العالية بدقتها وصحتها سيكون من السهل عليه دوماً نقل الكثير من المعارف بغض النظر عن صحتها و دقتها – إنه مثل التاجر الذي اكتسب صفة الأمين والصادق والمستقيم فسوف يشتري منه أغلب الناس دون تدقيق أو تشكك , فالذي حقق ثقة القراء يكون قد فتح خطاً منخفض المقاومة يمكنه من التواصل معهم وإرسال أن ما يريد من أفكار وأحاسيس بسهولة وفاعلية .