كل منا يختار الأسباب التي تناسبه في تفسير الحوادث ,وهذا متاح له دوماً , وهذا من أهم عوامل التناقض بيننا والتي تؤدي لتناقض الأحكام التي نطلقها مع بعضها

 

 

                     التفكير السببي والمنطقي لدى الإنسان

لقد بحث غالبية الفلاسفة والمفكرين الأوائل في قضية السببية أو مبدأ السببية , فالفلاسفة السابقين أسسوا السببية على الضرورة ، حيث اعتقدوا أن هذا المفهوم قائم على ما في الطبيعة من ضرورة , وكذلك على القوانين المنطقية والطابع المنطقي للتفكير , ثم جار هيوم ورفض مبدأ السببية وفنده , واعتبره ليس من الضرورات المنطقية . 

ففي تفسيره للسببية يقول : أن ما يجعلنا ندرك أن شيئاً ما سبب لشيء آخر هو قدرة الذهن على الربط بينهما وملاحظة أن الأول سبب ( أو مؤثر ) , والثاني مسبب أو أثر. واستخدام السببية في التفكير هو آلية ذهنية . لا ينكر هيوم هذه الوجهة في النظر، ويذهب إلى أن السببية ليست إلا انتظاماً معيناً لتسلسل ما , وعلى هذا الأساس فلا يمكننا تقديم تبرير عقلي لسبب باعتباره قادراً على إحداث نتيجة ما، لأن السببية بذلك سوف تكون مجرد تتابع لأحداث، وليس في هذا التتابع أي ضرورة منطقية , وكل ما تؤكده الخبرة هو ارتباط سبب بنتيجة في الماضي . أما الانتقال إلى " حتمية " هذا الارتباط في المستقبل فلا يمكن تبريره . فبناءً على أحداث الماضي لا يمكن التنبؤ بأحداث المستقبل إلا بشكل " احتمالي " ويمكن أن يكون بدرجة دقة عالية جداً ولكن ليس حتمي , وما كان منتظماً في الماضي يمكن ألا يكون منتظماً في المستقبل , ودون الوقوع في أين تناقض عقلي .

و يتابع فيقول :

" وإذا لم يكن من الممكن تقديم حجة من الخبرة على ضرورة السببية ، فإن هذا يفسر على أنها نتيجة " استعداد ما في العقل البشري "، وهذا الاستعداد هو العرف والعادة , طالما أنتج كل تكرار لفعل أو عملية  نفس النتيجة ، دون تدخل من استدلال أو عملية تخيلية يقوم بها الفهم، فنحن نقول أن هذا التوجه هو أثر للعادة . وباستخدامنا لهذا المصطلح لا نهدف تقديم سبب نهائي لهذا التوجه. "

فالسببية لا يمكن ملاحظتها لكن فقط تصدق على أساس العادات السببية هي حالة أو موقف تحدث تأثيراً معيناً. إنها تتعامل مع العلاقة ما بين السبب وتأثيراته . 

إنه باستثناء الخبرة ، لا يمكن لنا أن نستدل على صلة ما بين السبب وتأثيره : عندما نتمعن في مسألة معينة ونأخذ في اعتبارنا فقط أي هدف أو سبب كما تبدو للذهن ، مستقلة عن كل الملاحظات ، فإنها لا يمكن أن تدلنا على فكرة أو رأي واضح ، مثل تأثيراتها .

ويستنتج هيوم : هذا لأننا لا يمكن أن نعرف، ( كافة) أسباب سقوط صخرة من أعلى، وأيضًا لا يمكن لنا نعرف أسباب العالم .

 

ومبدأ السببية عند هيوم ليس سوى ربط ما بين تأثيرات متتالية. فمن خلال العادة والعرف ( نتوقع ) أن يحدث هذا التتابع؛ ولكن في عالم الواقع لا يوجد ارتباطات ضرورية حتمية بل احتمالية . ويمكن أن تكون عالية الدقة جداً كالقوانين الفيزيائية . 

و هيوم لم يرفض أبداً مبدأ السببية لقد اعترف بأنه سوف يكون الأمر سخيفاً إذا تمسكنا بأن الأشياء تقوم وتحدث بدون أسباب . ما حاول أن ينكره هو تواجد طريقة فلسفية لتكوين مبدأ السببية. إذ أن مبدأ السببية ليس سوى مجرد علاقة تحليلية من الآراء ، فهو اعتقاد مؤسس على ارتباط اعتيادي لأحداث متتابعة .

نحن فقط نشير إلى مبدأ في الطبيعة الإنسانية متعارف عليه عموماً ومعروف جيداً عن طريق آثاره . وبهذه الطريقة فإن العادة والمعارف هي التي تمكننا من التنبؤ بالمستقبل بناء على الماضي ، وبالتالي نستطيع بها تحقيق أهدافنا ، ونحدث انسجاماً بين نظام الطبيعة وتتابع أفكارنا. أما الاعتقاد في وجود ( أسباب نهائية ) أو علل أولى كما يعتقد أصحاب المذاهب الفلسفية فلا مبرر له , وهو مجرد وهم .

 

في رأيي ( أو ما يمكن البرهان عليه ) هو:

أن مبدأ السببية أو التفكير السببي تكون لدينا نتيجة التفكير بواسطة اللغة التي تعتمد التفكير التسلسلي ( فعل – فاعل – مفعول به  , اي تأثير – مؤثر – نتيحة , أو سبب -  مسبب – نتيجة )

التفكير التسلسلي والتفكير المتوازي

- التفكير الأول وهو التفكير الواعي الإرادي المنطقي السببي , وهو التفكير التسلسلي . ففي حالة اللغة المحكية أو المكتوبة وفي حالات النقاش والجدل , وكذلك في حالات ذكر الحوادث والقصص يكون تفكيرنا تسلسلي . وأيضاً في حالة التفكير المنطقي والتفكير السببي والرياضيات  يكون تفكيرنا تسلسلي . وفي حالة كافة أشكال التعلم في المدارس والجامعات يستعمل التفكير التسلسلي بشكل أساسي .

- أما التفكيرالثاني فهو تفكير حدسي وغير واع وشامل , مثل الألهام والوحي والإبداع والشعر, وهو التفكير المتوازي . وألمشي والسباحة وركوب الدراجة , وكافة المهارات الجسمية والمعرفية كإلقاء الخطب والدروس المكتسبة بالتعلم تمارس بالتفكير المتوازي بشكل أساسي , مع توجيه وقيادة الفكير التسلسلي . 

أن تعلم كافة الحيوانات التصرفات والمهارات مثل تعلم الصيد من أبويها أو رفاقها , يتم بستخدام التفكير المتوازي , فهي تتعلم دفعة واحدة لكثير من الأمور , وليس خطوة خطوة , فهي لا تفكر بشكل تسلسلي مثلنا لأنها لا  تستخدم لغة متطورة تجبرها على التفكير التسلسلى .

 

إن التفكير لدينا نحن البشر يعتمد بشكل كبير على اللغة , وكان البعض يرى أنه لا يمكن التفكير دون لغة , وأن الحيوانات تتصرف غريزياً ودون تفكير . ولكن ظهر أن الثدييات تفكر وتتصرف بناءً على معالجة فكرية متوازية متطورة لما تتعرض له من ظروف ومؤثرات حسية , وبناءً على ما تعلمته أثناء حياتها . 

 

غالبيتنا نرى , أو نشعر , أن لدينا شكلين من التفكير ( وفي رايي هذا صحيح ) . الأول " تفكير العقل " , والثاني ما يطلق عليه  " تفكير القلب " . 

دور وأهمية اللغة :

كانت أهمية اختراع الكلمات في التواصل تتمثل في ابتكار أصوات محددة معينة أوضح وأدق من الإيماءات يتم تعليمها للصغار بسهولة . لقد سهلت اللغة عملية نقل الأفكار المتزايدة التعقيد .

والأهمية الكبرى لللغة والتي كانت العامل الأساسي في تطور الذكاء البشري بشكل جعل تفكيره ومعالجة المعلومات المدخلة لدماغه مختلفة ومميز عن باقي الكائنات الحية , حتى التي دماغها أكبر بكثير من دماغه , هي أنها سمحت لكافة مركز الاستقبال الحسية أكانت سمعية أم بصرية أم شمية . . الخ  بالترابط مع بعضها بواسطة اللغة , التي استطاعت تمثيل الكثير من تأثيرات المدخلات الحسية برموز صوتية لغوية , وذلك عن طريق مناطق الارتباط الغوية في الدماغ , وهذه المناطق التي تشكلت واتسعت بشكل كبير هي الأساس الذي حقق لنا الذكاء المتميز عن كافة الكائنات الحية . فنحن الوحيدين من بين الكائنات الحية الذين نستطيع تمثيل غالبية الأحاسيس بواسطة رموز لغوية فكرية  وهي الكلمات .

لقد تطورت كثيراً طرق وأساليب الترميز والتمثيل لدينا نتيجة نشوء اللغة المحكية , فبواسطة اللغة التي هي " ترميز ثاني " للرموز الحسية الخام ( البصرية والصوتية وغيرها ) تم تمثيل أو ترميز واردات الحواس المختلفة بلغة أو رموز واحدة . فبواسطة اللغة المحكية ( أي الصوتية ) أو المقروءة , تم ترميز الكثير من واردات الحواس المختلفة , وأيضا تم تمثيل أحاسيسنا وعواطفنا وأفكارنا بتلك اللغة , وهذا ما سمح لنا أن  " نفكر في تفكيرنا " وهذ هام جداً . 

وكان يحدث تدقيق وتصحيح  لتلك التمثيلات أو التشبيهات أو النماذج التي يبنيها دماغنا كي يكون التمثيل أدق وأكثر مطابقة للواقع . فاختراع الكلمات وسع حدود العقل والوعي . 

"" وفي رأيي إن أهمية اللغة ليس فقط أنها سهلت التواصل وسمحت بتمثيل وترميز غالبة الأشياء والأفعال , بل هناك أمرآخر هام جداً , وهو أنها جعلتنا نفكر ونعالج الأفكار بشكل مختلف عن باقي الكائنات الحية , فنحن أصبحنا نفكر بشكل تسلسلي  واعي  سببي , ومنطقي . ""

فبناء اللغة واستعمالها يعتمد التفكير السببي المنطقي التسلسلي . فهناك الإسم -  والفعل – والصفات -  والحالات . . , لتمثيل وترميز الأشياء ومجريات الأمور . 

وكذلك يستخدم الفعل-  والفاعل -  والمفعول  لتمثيل السببي والمنطقي  لتسسل الحوادث وتطوها والتنبؤ لها , فلابد لكل فعل أو حادثه  من فاعل لها ( أي سبب لها ) , وهذا من أهم ما ميز طريقة تفكيرنا عن باقي الكائنات الحية , والدور الأساسي والأهم الذي جعل تفكيرنا مختلف ومميز عن باقي الكائنات الحية .

المعالجة التسلسلية والمعالجة التفرعية أو المتوازية للأفكار . 

نحن فقد من بين كافة الكائنات الحية نعتمد التفكير الإرادي ومعالجة الأفكار بطريقة تسلسلية نتيجة التفكير بواسطة اللغة , وبالإضافة للطريقة التفرعية التي تفكر بها غالبية الكائنات الحية . والذي يقوم بعملية المعالجة المتوازية للمدخلات الحسية هو الدماغ القديم الزواحفي والدماغ الحوفي , وكان يقوما بذلك قبل نشوء الدماغ الحديث بما فيه اللحاء . 

لقد كان الدماغ الزواحفي يقوم بمعالجة مجموعة مدخلات في نفس الوقت أي بالتوازي, وليس واحد بعد الآخر, فقد كان لهذا الدماغ القدرة على معالجة كافة المدخلات في نفس الوقت . فالدماغ في أول نشأته كانت مهمته معالجة كافة المدخلات الحسية في نفس الوقت أي بالتوازي , والمثيرات الأقوى والأهم هي التي تقرر الاستجابة , وذلك بعد مقارنة كافة المثيرات الداخلة للمعالجة مع بعضها في نفس الوقت . ثم بعد ذلك صارت بعض المدخلات تأخذ أهمية ليس لقوتها أو تأثيرها الحاضر ولكن لتأثيرها المستقبلي الهام , وهذا حدث نتيجة تشكل آليات الإشراط أو ترابط المثيرات مع بعضها نتيجة التجاور المكاني أو الزماني أو معانيها ( أي التعلم ) . 

أن أهمّ خاصية للمعالجات الفكرية الإرادية الواعية لدينا والتي تميزنا عن باقي الكائنات الحية , والتي تشكلت  نتيجة استعمالنا للغة محكية وتعتمد السببية والمنطق , هي التركيزه على سلسلة مسار حوادث واحد للتفكير فيه ومعالجته من ضمن المدخلات الكثير , فمن المفيد تجنب تشتيت الانتباه عند ملاحظة المثيرات الجديدة , والتركيز على تحديد الهام منها لمعالجته هو فقط والتغاضي عن البقية , والاستمرار في ذلك المسار حتى نصل إلى نتيجة أو يحدث مثير جديد وهام يستدعي قطع المعالجة الجارية والالتفات لمعالجة هذا الجديد . فالتفكير السببي والمنطقي والرياضي يعتمدوا المعالجة بالتسلسل , لذلك هم مقيدين ومحدودين بسلسلة واحدة من الأفكار .

إن المعالجات الفكرية الإرادية الواعية لدينا  تكون معالجة بالتسلسلة , وفي نفس الوقت تجري لدينا معالجة بالتوازي في الدماغ الزواحفي والدماغ الحوفي وتكون غير واعية , ويتم إرسال نتائج هذه المعالجة إلى سبورة الوعي , فالدماغ الحوفي ينظم دخول المثيرات والأفكار بعد أن يعالجها بالتوازي إلى سبورة الوعي , فتشارك في تحديد الاستجابة . فالشيء المهم أن المقارنة اللازمة لإجراء القياس والحكم يلزمها معالجة بالتوازي , فلكي تتم مقارنة مجموعة مدخلات أو مؤثرات أو أفكار مع بعضها البعض يجب إدخالها معاً لمعالجتها دفعة واحدة , لذلك نجد الدماغنا يستخدم المعالجة التسلسلية والمعالجة المتوازية في نفس الوقت  .

إن الواقع هو ناتج تفاعل كمية شبه لا متناهية من العناصر وتتفاعل بآليات متعددة الأسباب . وهنا يكمن ( ضعف أو قوة ) التفكير الإرادي الواعي الذي يعتمد تسلسل الأفكار مقارنة بالتفكير الحدسي الذي يعتمد التفكير المتوازي للأفكار في نفس الوقت , لأنه يعتمد سلسلة واحدة من الأفكار . ولكن من أهم ميزات التفكير التسلسلي دقته العالية ووضوحه ( لأنه واعي ) أكثر من التفكير المتوازي الحدسي . 

ونحن نجد المخيخ مثال على التفكير الامتوازي , فهو أقدر بنية دماغية على المعالجة المتوازية , فهو يستطيع معالجة الكثير من أعقد الأوضاع الحركية دفعة واحدة اي في نفس الوقت مثل المشي مع المحافظة على التوازن أو ركوب دراجة . . , وتتم هذه المعالجة غالباً دون تدخل الوعي , وعندما يتدخل الوعي تنخفض قدرات المخيخ ويصبح المخيخ يعالج مسار واحد من حركات الجسم وعندها يصعب تنفيذ الحركات المتزامنة في نفس الوقت ويختل نظام أداء العمل  .