أحكام القيمة وأحكام الواقع

 

إن عبارات مثل : " هذا صحيح " , " هذا خطأ " . " هذا ليس له معنى " , " هذا ممكن " , هذا مستحيل " , . . . الخ كلها هي  حكم نقوم به ونقرر ما نعتقد أو ما نؤمن به  ويحدد المعاني التي نعتمدها . والكثير من أحكامنا نأخذها من غيرنا , والموجودة في مجتمعنا ,  وما يصل إلينا من أفكار ومعلومات , ونحن غالباً لا نستطيع التأكد من صحتها , وأغلبها  نأخذه من معارفنا  ومن  الذي نثق به . هذه الأحكام يمكن أن نصنفها .

1 -  أحكام واقع أو أحكام معرفة محايد , وقيمتها تابعة - فقد لدرجة دقتها - , فكلما كانت دقتها أعلى كانت قيمتها أعلى . وهذه الأحكام أو المعارف يعتمدها الكثيرون  وهي تملك درجة عالية من العمومية , والمعارف العلمية الدقيقة مثل المعارف الفيزيائية الآن هي مثال عليها .

أن كل حكم تابع لمن يطلقه ومعلوماته ودوافعه  وغاياته , ولكن الأحكام التي تعتمد المعارف العلمية العالية الدقة والتي يعتمدها الكثيرون وهي شبه موحدة بينهم هي المقصودة بأحكام الواقع . 

2 – أحكام قيمة , هذا الأحكام تعتمد على تقييم من يطلقها أو من يعتمدها " مرجعه  ومقياسه  وتوجهاته وغاياته " أكان فرد أم جماعة , بالإضافة طبعاً لمعلوماته وطريقة تفكيره . لذلك قيمة هذه الأحكام نسبية , وهي خاصة بفرد أو بجماعة معينة فعموميتها محدودة . 

 

قسم المفكرين المعارف و الأحكام, إلى أحكام وجود أو واقع , وأحكام قيمة . واعتبر  أن هذا التقسيم  كاف كأساس لتصنيف الأحكام , وبناء المعاني . 

ولكن إذا صنفنا الأحكام أيضاً حسب مرجعها , أي الجهة التي تطلق الحكم وهل هي فرد أم جماعة. ومرجع مقياسها أي مرجع القياس والتقييم للحكم , وحسب درجة دقتها المعتمدة إن كان هذا الاعتماد نتيجة التجربة أو الثقة بها, وحسب انتشارها, أي نسبة الذين يتبنوها أو نسبة عموميتها , عندها نكون قد كممنا أحكامنا بدرجة عالية . فالذي يهمنا هو درجة مطابقة هذه المعارف والأحكام مع الواقع الفعلي , وليس مطابقتها وانسجامها مع بعضها( أن تكون منطقية), فيمكن أن تكون هذه المعالجات منطقية ولا تتعرض للأخطاء , ومع ذلك تنتج أحكام غير دقيقة في مطابقتها مع الواقع, وذلك نتيجة الانطلاق من معلومات خاطئة . فالصحة المنطقية غير كافية لإنتاج أحكام أو معارف دقيقة في مطابقتها مع الواقع .

 

إننا غالباً نقيم ونحكم على الأوضاع والظروف ليس بعقلنا المنطقي فقط بل بعواطفنا وتوجهاتنا أيضاً . يمكن بالتربية والتعلم  تعديل برمجة دماغنا  كي يقوم بمعالجة فعالة في تحقيق تقييمات  تراعي مجالات واسعة للأوضاع , وبالتالي الوصول إلى أحكام واقعية عالية الدقة . 

ونحن نلاحظ أن أغلب التقييمات والأحكام التي تتبناها المجتمعات أو الحكومات , تحاول أن تقلل الاعتماد على العواطف , ومع هذا تبقى العاطفة والمصالح لها تأثيراتها الحاسمة . 

والأحكام والتقييمات يستمدوا  قواهم المحركة من المعنى أو الدلالة ., والقيمة تبنى بشكل كبير على الإحساس و الإدراك الواعي . وإعطاء المعنى أو الدلالة أو القيمة أو المبرر أو الدور للأفكار والأحاسيس , هو الذي ينشئ القيم والأخلاق والقوانين الذاتية والاجتماعية. 

 

وتبقى الأحاسيس هي مطلب كل منا , فوعينا و ذاتنا هي أحاسيس . فالشيء الهام بالنسبة لنا في النهاية هو الأحاسيس والمشاعر والإدراك والوعي . 

فالمعارف وكذلك الأحاسيس وظيفتهم خدمة بنية الجسم بشكل عام . 

لقد نشأت الأحاسيس أولاً, ثم تطورت ونمت وأصبحت على شكل أفكار وأحكام ومعارف ولكنها ظلت هذه الأفكار تابعة لأصلها الحسي  . والمفيد هو المطلوب أساساً ويعبر عنه غالباً بالممتع , وأصبح هذا الممتع غالباً هو المهم. 

فالأحاسيس بالنسبة لكل منا هي في النهاية مرجع قياس وتقييم كل شيء, فكافة الأحكام أو المعارف  تبنى غالباً بالاعتماد على الأحاسيس ولا يمكن بناء و تقييم الأحكام إذا لم تكن واعية . 

والموجود بالنسبة لكل منا يجب أن يكون محسوساً, حتى وإن كان كفكرة , فالأحكام هي أفكار محسوسة واعية , ولا يمكن أن توجد بالنسبة لنا إلا إذا أحسسنا بها و وعيناها.

فالكثير من الموجودات بالنسبة لنا هي في أساسها موجودات فكرية تم إدراكها والوعي بها . وليس ضرورياً أن يكون هناك مقابلاً مادياً مطابق لها, فوجودها كفكرة محسوسة كاف لكي تصبح موجودة لدينا , أما تطابقها أو عدم تطابقها مع الواقع فهذا شيء آخر. 

وهذا يرجعنا إلى ما فكر فيه أغلب الفلاسفة, وهو أننا لا نعرف , إلا الأحاسيس والأفكار عن الوجود, أما الوجود بذاته فهو محجوب عنا ولا نستطيع الوصول إلا لمعرفة أجزاء قليلة منه , وهي ما تتأثر به حواسنا, ثم ما يبنيه تفكيرنا وتجاربنا . 

 

نحن نستطيع التلاعب بالمراجع والمنطلقات ونكيفها مع الأسباب التي اخترناها من بين عدد كبير من الأسباب المحتملة الأخرى ، وذلك لنبرر ما نريد من أفعال أو أقوال ، والذي يسمح لنا بذلك هو التعدد  مسببات لأي حادثة . لذلك التبرير لأي حكم أو رأي نتبناه مهما كان , دوما متاح لنا , فكرياً أم عاطفياً أم اجتماعياً . . فأم السارق أو المخطئ أو المجرم , غالباً تستطيع تبرير أفعال إبنها بشتى الطرق . وكذلك المحامي يوجد التبريرات والأعزار . . لموكله .

ولأننا نختار الأسس والمنطلقات التي نريد , من بين المنطلقات الكثيرة المتاحة و نعتمد مرجع القياس والتقييم الذي نريد من بين مراجع أخرى كثيرة ، لذلك عندما نقرر ونعتمد قراراً و نؤمن به , نكون قد بنينا من طلقاتنا وسلاسل أسبابنا ، ونستطيع أن نبرر ما نريد . 

ولكن هل هذه التبريرات دقيقة وواقعية ؟؟

إننا كلنا نفعل ذلك شئنا أم أبينا ، ولكن هناك فروق بيننا في تطبيق ذلك ، فالذي يراعي الكثير من الأسس والأوضاع وكمية كبيرة من الأسباب الممكنة , وبالاعتماد على العلوم والمعارف الدقيقة، ويختار الأدق بواسطة معالجة فكرية دقيقة ، ويقوم بالاختبار والتصحيح باستمرار ، فهو سوف يصل إلى تبريرات وبراهين واقعية أعلى دقة . 

والمشكلة بالنسبة لكل منا هي أن غالبية الأسس والمنطلقات يأخذها كأفكار وأحكام ومعارف من غيره ، لا يبنيها أو يستنتجها هو بناءً على اختبار ومعالجة فكرية وتصحيح ذاتي ,  فهذا مستحيل . لذلك عدم الدقة في هذه الأحكام وارد  دوماً.

وكذلك عندما نعتمد ونتبنى أسس ومنطلقات وأحكام ، يصبح صعب علينا تعديلها ، لأسباب راجعة لخصائص عمل عقلنا ، ودوماً مشاعرنا وعواطفنا تحرف أحكامنا . فنحن بشكل أساسي نعتمد أحكام قيمة وليس أحكام واقع .

فالذي يقرر ما نعتمد من أفكار ومعارف ، ليس مقدار دقتها ، فهناك الكثير من العوامل التي تتحكم في ما نتبناه ونؤمن به . 

وهذا ربما يكون ميزة وليس سيئة ، فالوجود لا متناهي ، والمعارف عنه لا متناهية ، ولا يوجد معارف مطلقة الصحة ، وكل شيء ممكن . لذلك يفضل التعامل مع أكبر كمية من الخيارات المتاحة إن كانت دقيقة أو حتى غير دقيقة إن كانت مفيدة ، لأن هذا هو الذي يوسع قدراتنا على الاختيار.

والمهم بالدرجة الأولى بالنسبة لنا هو المفيد والممتع لنا، فالمعارف المؤلمة نتحاشاها ما أمكننا، حتى وإن كانت دقيقة ، فنحن نسعى للممتع ونتحاشى المؤلم .

 

فالمعارف عالية الدقة لاتهمنا لأنها عالية الدقة ، بل لأنها تمكننا من الوصول لما نريد بأفضل الطرق ، لذلك نبحث دوماً في المجالات التي توصلنا إلى ما نريد ، أو تبرر لنا ما نعتمده من أفكار وعقائد .

فالمعارف الدقيقة ليست هدفنا الأول ، بل هي هدف مرحلي لهدفنا الأول الذي هو سعادة كثيرة وشقاء قليل , فنحن في النهاية برغماتيين شئنا أم أبينا.

فالعقل البشري عندما يعمل ويقوم ببناء تمثلاته وأحكامه  سواء للماضي أو للحاضر أو للمستقبل لا يراعي فقط المنطق والسببية  ، بل يراعي أيضاً تأثيرات حواسه وانفعالاته ورغباته وقيمه ، لذلك عندما ينشئ تمثلا ته أو أحكامه بالاعتماد على المعلومات التي لديه  يدخل أيضاً عليها - أو تدخل عليها - أيضاً تأثيرات أحاسيسه وانفعالاته ورغباته وقيمه ، فتنحرف هذه الأحكام لتلائم غاياته وأحاسيسه وقيمه ، وهو كثيراً ما يستغل المعلومات غير الدقيقة لكي يدخل تأثيرات رغباته وأحاسيسه المتفقة معها ويتحاشى المعارف الدقيقة والتي لا تتفق مع غاياته ودوافعه.  مثال على ذلك :

 بناؤه للأساطير والقصص عن الماضي بما يناسب المعلومات التي لديه , وبعد أن يضيف عليها رغباته وأحاسيسه ، ويخرج مثالاً أو صورة للماضي تحقق بالدرجة الأولى رغباته ودوافعه ، ويعتبر هذه الصورة هي المرجع الذي يعتمد عليه في تصرفاته ، وهو يقوم دوماً بتعديل لهذه الصورة أو المثال ليستوعب كل ما يصادفه من وقائع وأحداث تجري له ، فهو إما أن  يعدل قليلاً من مثاله أو صورته ، أو يكيف الأحداث ويربطها مع بعضها بما يوافق مثاله الذي يعتمده ، وغالباً ما يقوم بالتحوير والتعديل لتفسير الأحداث وليس تعديل مثاله الذي يكون بمثابة مرجع أساسي له .

 

( إن غالبية المفكرين تعتمد أحكام القيمة كموجه أساسي لمعالجاتهم الفكرية ولا تهتم أو تركز على أحكام الواقع إلا من خلال أحكام القيمة )  

في رأي أن هذا تسرع في بناء أحكام القيمة ويعيق وصولنا إلى أحكام قيمة عالية الدقة , فيجب أولا أن نحدد دوافعنا وأهدافنا وما نريد وما لا نريد , عن طريق أحكام الواقع المرتكزة على التجارب الواقعية , ونسعى للوصول إلى أكبر كمية من أحكام الواقع الدقيقة , ثم بعد ذلك نقوم ببناء أحكام القيمة حسب تلك الأحكام الواقعية , وأثناء تطبيقها نقوم بالتصحيحات إن استدعى الأمر ذلك لتتفق أحكام القيمة مع أحكام الوقع بأكبر قدر ممكن .

وهذا هو أسلوب المنهج الهندسي , أولاً تحديد الأهداف, ثم دراسة وبحث وتقييم , ثم تنفيذ ومراقبة وإجراء التصحيحات اللازمة باستعمال إعادة الدراسة والقياس والمقارنة والتقييم.

 

يقول علي عقلة عرسان : يجب أن  نؤمن بالعلم ( أي أحكام المعرفة الدقيقة ) كحقيقة تتركب في ضوء معطياتها مصالحنا، لا أن نركب العلم في ضوء المصلحة، حيث أدهى الأخطار على نمو المعرفة. وان أكبر تهديد لنمو المعرفة هو أن نضع مصالحنا واعتباراتها مقياساً رئيسياً في تقويم المعرفة وتوجيه مسالكها. وحينما يكون الأمر كذلك فسوف نفسد على العلم نموه، ونوقع في المصلحة أشد الأضرار. 

أما إذا ركنا إلى العلم في فهم مصالحنا وتحديد الأولويات فيها فسوف تركن مصالحنا إلى سند وثيق، وسيحفظ للعلم حياده، فيفتح الباب أمام نموه وازدهاره.

فالنزعة التجريبية هي الاحتكام إلى الحس والخبرة والتجربة في المعرفة والتقييم، وبالتالي فهي رفض لأية سلطة خارجية باستثناء سلطة التجربة والملموس والمشاهد• وبالتالي فهي الفلسفية الحديثة والحداثية حقا• 

أما الوضعية فهي فلسفة الفصل بين الذات والموضوع فصلا مطلقا، وبين أحكام الواقع وأحكام القيمة أي الأحكام الوصفية عن الأحكام الذاتية، وبالتالي فهي فلسفة أقرب إلى روح الحداثة• 

أما الفلسفة البراغماتية فهي الفلسفة التي تعطي الأولوية للفعل و للصيرورة بدل الغايات، معيارها النجاعة والفائدة• وبالتالي فليس هناك حاجة إلى إقامة الأحكام والمواقف على مرتكزات ثابتة أو على أسس وغايات قصوى• 

أما الوجودية فهي فلسفة تقوم على أن الأحكام والحقائق لا تقوم على أساس موضوعي بل على اختيار شخص وحميمي، ومن ثمة طابعها الجائز واللا مبرر•  

والماركسية فلسفة تاريخيا نية ترجع كل الوقائع والأفكار إلى محدداتها الاجتماعية والاقتصادية رافضة أية فكرة قبلية وأية غائية موجهة للتاريخ وهي فلسفة الحداثة بامتياز•

قوانين الطبيعة.. وقوانين البناء

في الرياضيات والفيزياء، تقف القوانين والعلاقات الرقمية الدقيقة والمعادلات والنظريات لتشكل بمجموعها بيئة متسعة متماسكة لا يُسمح بمخالفتها أو نقضها ولا يجوز تخطي ما رسّخته من أسس ومعطيات، ولذلك يبني اللاحق من العلماء على هدي السابق منهم إلا إذا نقضه بعلم، وتنمو العلوم والمعارف وتنتج عن نموها زيادة مذهلة في التطور التقني والكشف العلمي والتقدم في المنجزات الهائلة التي جعلت من العقل البشري عقلاً معجزاً لما حققه من نتائج باهرة.

أما إذا ساء تطبيق القوانين وناقضت الأحكام الواقع مع الوقائع , واختلت الموازين وكان صوت الغوغائية أعلى من صوت العقل والمنطق، وأصبحت الميليشيات هي الحاكمة بوسائلها وأساليبها المريضة المدمرة التي يرفضها المنطق وتجر على المجتمعات والدول والنهضة في كل مجال من مجالات الحياة دماراً وفساداً يؤدي إلى المزيد من الدمار، فإن الخطورة تكون عظيمة على كل بنية وبناء وبنّاء، على العلم والأدب والفن، على الإبداع والحضارية والعدالة، ويتهافت معها الإنسان القيمة وقيمة الإنسان. 

 

العرب بين أحكام القيمة وأحكام الواقع , يقول : د.إسماعيل نوري الربيعي

ما الذي يحدد معيار القيم في المجال العربي؟ 

هذا بحساب الوقوف على المعطى الذي تتوقف عنده الجماعات أو الأفراد، عند المثال المحدد الذي يخضع له السلوك وطريقة التفاعل مع الواقع، والذي يتم من خلاله تثبيت الحسن والقبيح، الصالح والطالح ضمن منظومة المحددات التي يتم تداولها في النطاق الاجتماعي . ولعل السؤال المباشر يتعلق بهذا الترابط الملفت بين المثال، الذي يتحول إلى قيمة مباشرة يتم تصنيعها اجتماعيا من خلال السلوك والتصرف ، حيث الاستحضار القيمي الذي يتم فرضه على مختلف الأنساق الجمالية والأخلاقية والثقافية. 

السابق واللاحق 

في طريقة استحضار المعنى الاجتماعي، تتبدى للعيان مسألة حضورية القيمة في صلب الواقع المعاش، حتى ليكون التعبير وقد اتخذ بعدا أساسيا لا يمكن التغاضي عنه، أو حتى الإفلات من هيمنته واشتراطاته التي تصل في الكثير من الأحيان، إلى تعزيز مجال الكبح والتحديد، بل أن وسائل التعبير كثيراً ما تكون واقعة تحت إسار أحكام القيمة، حتى وإن كانت هذه الأحكام متقاطعة مع المزيد من الظواهر الاجتماعية. ومن هذا الترابط العميق الذي تتجلى به القيمة في البنية الاجتماعية، تبرز شرعنة المثال وتأصله كقيمة أساسية في صلب طريقة النظر إلى التفاصيل التي يزخر بها الواقع. حيث تبلور طريقة الانتماء داخل المنظومة الاجتماعية، ومستوى التفعيل لهذا المثال؛ انتماء واحتراما، وتقديسا في الكثير من الأحيان. 

كيف يمكن تحديد مجال النظر نحو الواقع برمته، إن تساؤلا مثل هذا يقود إلى أهمية النظر نحو النسبي والمطلق الذي تخوض فيه منظومة المواقف، وعلى الصعيدين الفردي والجمعي. ولعل التوقف عند الوقائع المحددة، يكشف عن تجل لعلاقات محددة، يتم من خلالها إفراز مواقف محددة، يتم من خلالها ترسيم موقف يكون بمثابة الدلالة على هذا الواقع وتحديد نوعيته التي يتمثل بها. فعنصر التشخيص هنا يتبدى حاضراً، انطلاقاً من هيمنة وسطوة الحدث، الذي يكون تأثيره مباشراً على الواقع، هذا بحساب الوقوف على نوعية أحكام القيمة،والتي تبقى مستمدة أهميتها من الكيف والنوع الذي تتبدى عليه. 

بين الأصول والفروع تبقى أحكام القيمة تستمد حضورها وأهميتها من منظومة القيم السائدة، ومن واقع الانتقاء والتحديد الذي يتم تطبيقه يكون المجال العربي واقعا تحت إسار هيمنة هذه الانتقائية المفرطة، والتي تبقى فاغرة فاها نحو حالة التوزيعات والتجزءات التي تفرضها حسابات المصالح والمنافع، والتي تشير بالعادة نحو القوى المهيمنة والمسيطرة، والساعية نحو تثبيت نفوذها، من خلال تكريس هذه المنظومة، والتي تتبدى رجراجة لا تقر إلى قرار. بل ان الخلط والتجاوز سرعان ما يكون بمثابة الحاضر الأهم وسط لوثة الاحتراب والتقاطع، بل والتصعيد الذي لطالما يكون سلاحاً مشرعاً من قبل القوى المحافظة، من أجل إبقاء القديم على قدمه، تحت دعوى المحافظة على القيم والأصالة والدفاع عن الميزان الاجتماعي.