العلم أم الفن 

أيهما أهم بالنسبة لنا :

المعرفة , أم الإحساس والمشاعر والعواطف ؟  

المفيد , أم الممتع ؟

ماذا يريد كلٍ منا؟

قبل كل شيء لا يمكن الانطلاق إلا من" الذات " أي يجب البدء من ماذا تريد "الأنا " أو ماذا تريد كل " ذات ". فأساس ومنطلق تفكيرنا وأحكامنا وتقييماتنا هو أحاسيسنا الذاتية  .

إن كل " الذات" تريد بالدرجة الأولى تحقيق أحاسيس معينة وتحاشي أحاسيس معينة أي تريد شعور وأحاسيس التي ترغب بها , والجنة ( إن كانت في الدنيا أو الآخرة ) وما تنتجه من أحاسيس هي هدف الأغلبية . هذا هو الطلب الأول أو الدافع الأول لي ولكل منا " الأحاسيس الممتعة" . 

إن غياب الشعور والوعي هو غياب الذات أو الأنا , وبالتالي غياب المرجع وانعدام كل شيء , فإذا أطفئ الوعي وبقيت جميع التفاعلات والتأثيرات فإنه لن يكون هناك شيء بالنسبة لهذا الوعي .

إن المرجع الأساسي لكل منا هو الوعي والشعور الفردي الذاتي , وهذا مقيم وله اتجاه وله أفضلية ودرجات وأشكال , فهناك أحاسيس مطلوبة يتم السعي إليها , وأحاسيس مكروهة يتم تحاشيها.

فالأحاسيس بالنسبة لكل منا هي في مرجع قياس وتقييم كل شيء , وكافة الأحكام أو المعارف, تبنى غالباً بالاعتماد على الأحاسيس – والإدراك والوعي هما أحاسيس- , ولا يمكن بناء و تقييم الأحكام إذا لم تكن واعية , والموجود بالنسبة لكل منا يجب أن يكون محسوساً, حتى وإن كان فكرة, فالأحكام هي أفكار محسوسة واعية , ولا يمكن أن توجد بالنسبة لنا إلا إذا أحسسنا بها و وعيناها. والكثير من الموجودات بالنسبة لنا هي في أساسها موجودات فكرية تم إدراكها والوعي بها . وليس ضرورياً أن يكون هناك مقابلاً مادياً مطابق لها, فوجودها كفكرة محسوسة كاف لكي تصبح موجودة لدينا ,

الأحاسيس والإدراك والوعي هم هدفنا الأساسي 

صحيح أن أرادتنا ودوافعنا تحدد وتقرر منحى تصرفاتنا وحياتنا , ولكن في النهاية المهم بالنسبة لنا ما نعي وندرك ونشعر من أحاسيس وعواطف وانفعالات , فنحن نسعى للممتع ونتحاشى المؤلم . فالأم التي تعاني الأمرين وتضحي بالكثير في سبيل رعاية وحماية أولادها , يكون هدفها نجاحها في تحقيق ذلك ووعي والشعور بهذا النجاح , فهذه مكافأتها على كل ماعاناته . والذي يضحي بحياته في سبيل عقيدة , يموت راضياً , فهو مؤمن أنه سوف يحصل ( لاحقاً ) مقابل ذلك على الممتع . 

أننا نسعى لتحقيق المفيد ( إن كان لنا أو لغيرنا أو للمجتمع ) من أجل تحقيق الممتع لنا , والوقائع تثبت ذلك . والوقع يثبت أفضلية الأحاسيس عن المعارف بالنسبة لنا , فهي التي ندفع أكثر للحصول عليها , وهي التي نهتم أكثر بإنتاجها وتسويقها , فهي مطلوبة أكثر بكثير من المعارف . 

فنحن نهتم أكثر بالموسيقى والأغاني ومصادر اللهو والترفيه وباقي مصادر الأحاسيس الممتع , أكان أنتاجاً وتسويقاً أم ممارسة وتمتع . 

ولننظر إلى المطبوعات والكتب , وما يبث على شاشات التلفزيون , فالمطلوب أكثر ومن قبل الغالبية هو ما يمنحنا الأحاسيس , أكان كتب دينية  أو أدبية , والبرامج الترفيهية أو كوميدية , أوكتب أو برامج طبخ , أو الملبوسات وأدوات التجميل , . . . ألخ

والفنون بكافة أنواعها هي من أهم مصادر الأحاسيس . والفنون موجود لدى الكثير من الكائنات الأخرى , مثل رقصات التزاوج , وبناء الأعشاش والمسكن , والغناء أو إصدار الأصوات , والتباهي بالجمال . . . فالفن نشأ لأنه مرتبط بشكل مباشر بالحياة والأحاسيس وباللذة والألم , وبالجميل والقبيح , وبالتناسق , وبالمحبوب والمكروه . . .

فالفن لدينا يسعى لتذوق مجالات الوجود والحياة , وإلى تصويرها وتمثيلها , وإظهار أبعادها ومعانيها .

وبمساعدة  العلوم والتكنولوجيا يستطيغ الفن بناء أو خلق تذوقات لأحاسيس جديدة لأبعاد الحياة  والوجود .

ومثلما هناك فن الحياة , هناك فن الحب , وفن الطبخ , وفن العمارة , وفن العلاقات العامة . . . وهذه الفنون تشمل تذوق الأحاسيس والمعاني لهذه المجالات .

إن هدف الفنون هو قرع الأحاسيس والانفعالات الممتعة , والناس يطلبون من الفنانين منحهم أحاسيس وانفعالات الحب والحنان والعطف والمواساة والسلوى والمرح والضحك والفخر والاعتزاز والإخاء والانتماء والتشويق والهدوء والجمال واللذة والمفاجأة...., وأحاسيس الخوف والرعب المسيطر عليه . كما يطلبون التمتع بالألحان والنغمات والإيقاعات الموسيقية المرغوبة والممتعة . ويطلبون الروائح الجميلة , والأطعمة اللذيذة وكافة الأحاسيس والانفعالات الممتعة.... , فهدف ودور الفن الأساسي هو الممتع, ولا يهتم كثيراً بالمفيد أو الواجب, لذلك يمكن أن يلتقي الدين والسياسة مع الفن عند تعرضهم للأحاسيس والانفعالات.

فالفن هو كل الأعمال البشرية التي تحدث الأحاسيس والانفعالات المرغوبة أي كل جميل وممتع أومرغوب , وينشئه الإنسان بدافع ممارسة وتذوق الأحاسيس والمشاعر أوالأفكار, وذلك نتيجة دوافع فكرية ومادية ذاتية واجتماعية . وهدف الفن في المحصلة هو إحداث الأحاسيس المرغوبة للذات أو للآخرين , والفن بذلك ينمي و يوسع الأحاسيس والمشاعر والوعي  والإدراك للذات والوجود .

ويمكن أن نقول أن الفن الأكثر ممارسة وتذوقاً لدى كافة الشعوب هو الموسيقى والغناء , فالكل يستطيع تذوق الموسيقى والتمتع بها , والموسيقى والغناء يمكن أن يصل تأثيرهم ألى مستوى عالي  كغناء أم كلثوم مثلاً , وذلك لترافق الألحان مع الصوت الجيد وكلمات الشعر ومعانيها .  

 

إن الإنسان الفنان يستخدم كافة العناصر والإمكانيات المتاحة له ليشكل إنتاجه الفني فهو يستخدم إما الأصوات والنغمات  والإيقاعات  أو الخطوط والأشكال والألوان أو المأكولات أو الكلمات والمعاني أو المنشآت والمباني ... وكل ما ينتج أحاسيس الممتعة لديه ولدى الآخرين , وأي انتاج فني لا يمكن الإحساس به و تذوقه من قبل الآخرين ,  إلا إذا كانوا قادرين على تلقي رموزه وإشاراته وتأثيراته ويستطيعون الاستجابة لها وتمثل ما تحدثه من أحاسيس , فهناك ما يشبه الإرسال والاستقبال في عملية تلقي الفن وتذوقه , فيجب أن تراعى خصائص المستقبل وقدراته . 

كان لتنوع وتطور الأحاسيس دوراً كبيراً في تنوع الفنون البشرية فتذوق كافة أنواع الفنون يشمل كافة مناحي وجودنا الواعي- الشعور والإحساس- , بالإضافة إلى مجمل حاجات جسمنا .

إن الفنان يبدع  أو يحضر ويصنع  فنه بدافع ذاتي وأيضاً من أجل الآخرين , وهو يستهدف غالباً عند صنع أوإبداع عمله الفني , الأحاسيس والأفكار والدوافع المشتركة بينه وبين هؤلاء الذين يقدم لهم إنتاجه الفني  . فبواسطة فكره و قدراته , والعناصر والآليات التي يستعملها , يقوم بإنتاج عمله الفني , فإذا أحدثت التأثيرات المطلوبة أوأي تأثيرات مرغوبة لدى الذين تلقوها وتناولوها وتذوقوها , يكون عندها نجح في إنتاج فنه وانتشاره , بالإضافة إلى أنه يكون حقق دوافعه الذاتية التي كانت سبباً ودافعاً لإنتاج هذا الفن. 

والفنان المبدع المتمكن من فنه وصنعته- بوعي وإدراك وعلم  أو بدون ذلك- هو المتمكن من معرفة أو حدس خصائص الأحاسيس لديه ولدى الآخرين , بالإضافة لتمكنه من العناصر والآليات التي يستعملها في فنه ويوظفها بفاعلية جيدة, فهو متمكن من قرع- أوعزف- الأحاسيس المطلوبة والمرغوبة  في عقول الذين يستهدفهم بفنه . ويمكن أن يفشل الفنان في جعل الآخرين يتأثرون ويتذوقون فنه مع أنه أنتج فناً يمكن أن يحدث الأحاسيس الجميلة واللذيذة, وذلك لأنه لم يقدم إنتاجه للذين يستطيعون فهمه والقدرة على تذوقه , أو لأن الذين يستطيعون تذوق فنه قلائل جداً, وهذا يجعل إنتاجه غير صالح للانتشار, وبالتالي يهمل .

                                        الفن والأدب 

يمكن اعتبار الأدب قمة الفنون , فتذوق الأدب غير متاح إلا  للنخبة المثقفة والتي تملك القدرة على القراءة والقدرات الفكرية اللازمة لفهمه وتذوقه , وقد اعتبرت الفلسفة من ضمن الأدب .

إن الأدب بشكل خاص يمتاز عن باقي الفنون في قدرته على تنويع  وتوسيع الأحاسيس التي يستطيع أن يقدمها , فالأحاسيس التي يستطيع الأدب أن يحدثها لدى متلقيه هائلة التنوع والاتساع وعالية التطور, فحتى السينما وقدراتها الهائلة لا تستطيع أن تنافس الأدب في مجالات كثيرة , وهي لابد أن تستعين بالأدب . 

فللأدب قدرة على كشف وتمثيل- ترميز- أعقد الأحاسيس والمشاعر والأفكار الإنسانية ونقلها إلى الآخرين, وقد بلغت قدرات الأدب الآن مستويات عالية جداً في إحداث الأحاسيس والمشاعر المتطورة والمعقدة, إن المشاعر والأحاسيس والانفعالات التي يخلقها الأدب لا يمكن أن تبزها أية مشاعر أخرى, فحتى الواقع الافتراضي – الآن- لا يمكنه أن يتفوق على الأدب, إلا إذا استعان بالأدب نفسه . 

إن قراءة رواية أو مسرحية... هو بمثابة أن نعيش ونشعر أحداثها وحياة شخصياتها, أما قراءة نقد أدبي متطور فهو بمثابة أن نعيش ونشعر ونعي وندرك حياة البشر والعلاقات في هذا الوجود. 

إن الفن وكذلك الأدب  ليس هدفه الأساسي المعرفة أوالإصلاح والإرشاد فهو يتجاهل الكثير من المعارف الأساسية في أحيان كثيرة, وذلك في سبيل عزف الأحاسيس والانفعالات المطلوبة لدى متلقيه.

إن الدين من أهدافه أيضاً عزف الأحاسيس الجميلة والسعيدة ولكن ليس هذا هدفه الأساسي فهدف الدين الأساسي هو الخير والمفيد للفرد وللمجتمع , وهذا يجعل الدين يتفوق على الأدب في إقبال الناس عليه وهذا ما نلاحظه بوضوح .

هناك فن بدأ يتشكل وينمو بسرعة إن هذا الفن سوف يمكننا مستقبلاً- وهذا ليس ببعيد- من تذوق وعي وأحاسيس تماثل ما نعيشه أثناء الأحلام ولكن في المجالات التي نريد ونرغب بها وبالخصائص والمقدار والشدة التي نريد , فالأحاسيس التي يتم تذوقها من قراءة أو سماع قصص ألف ليلة وليلة أو غيرها من القصص والملاحم والأساطير  وكذلك ما يمكن تذوقه من أحاسيس ومشاعر وانفعالات من ممارسة كافة هذه الأنواع   بالإضافة إلى أحاسيس الأحلام , كل هذا سوف يكون متاحاً مثله , وأكثر بواسطة فن الواقع الافتراضي . 

فهذا الفن سوف يمكننا من عزف الأحاسيس والمشاعر والانفعالات التي نريد  لدى أي إنسان, فالجهاز العصبي للإنسان  والقدرات الهائلة على الإحساس والوعي التي يملكها تمكننا من ذلك , إذا كنا نملك القدرات اللازمة للتحكم بالمداخل الحسية الذاهبة إلى دماغه.

إن الأحاسيس والانفعالات التي يتذوقها المتصوف أو المتعمق في الدين والإيمان ,أوالفيلسوف , أوالفنان , أوالعالم ...., سوف لن تكون مستحيلة التناول في الواقع الافتراضي , صحيح أن الأدب والسينما استطاعا عزف كمية هائلة من أنواع الأحاسيس والانفعالات لدى المتلقين, ولكن  الآتي أعظم بكثير . وبالإضافة إلى كل ذلك فسوف يتم توسيع و تنويع  جديد لأحاسيسنا وانفعالاتنا التي نملكها الآن بواسطة التقدم الذي سوف يحصل في العلوم الفسيولوجية والتكنولوجية, فسوف يخفف الألم وتتم السيطرة عليه وتلغى أشكاله القوية, وسوف تصنع أو تشكل أحاسيس جديدة بواسطة التحكم الفسيولوجي والعصبي - في المستقبل - .

 

إننا الآن نتذوق الفنون من طبخ وحب وموسيقى وأدب وسينما....الخ  بالإضافة إلى تذوقنا للعلاقات الاجتماعية من صداقة  وتعاطف وانتماء  وحب تملك وحب سيطرة.... و الكثير منا يحصر مجال تذوقه في وجبات معينة ويدمن عليها, فهناك من يجمع المال أو أي نوع من جمع الممتلكات ويتذوق لذة الجمع هذه وهو على الأغلب سوف يعاني ألم الخسارة التي لا بد من حصولها غالباً , وهناك من يسعى لتذوق أحاسيس السيطرة والتحكم والفوز بالصراعات والتنافسات فهو دوماً بين قطبي اللذة والألم الربح والخسارة وحياته الحسية مبنية على ذلك. 

ولكن تذوق الأدب و الفنون يكون غالباً في مجال اللذة والسعادة بكميات غير محدودة ولا تقيدها آلية الشحن والتفريغ , كما في حالة إرواء الدوافع والغرائز الأساسية - مثل لذة الطعام المحدودة بالجوع والشبع-, و ليست خاضعة لضرورة الارتفاع المستمر في المستوى أو الشدة للاستمرار في الحصول على اللذة والسعادة , فالفنون بتنوعها وكثرة مجالاتها تسمح بتجاوز الإشباع والتحديد للأحاسيس .

 

                                  المعرفة والعلم

المعرفة هي تنبؤ نستخدمه لتوجهنا للمفيد وتحاشي الضار . والمعارف لها درجة صحة أو درجة دقة ولا توجد معارف مطلقة الصحة . والمعارف عالية الدقيقة هي بمثابة مفاتيح تسمح لنا بفتح الزمن واستباق الواقع , ومعرفة مراكز التوازن أو الاستقرار لدارات تفاعل البنيات ونتائج صيرورتها, وبالتالي تسمح لنا بتحقيق الأهداف بأسرع وأسهل طريقة , لأنها تسمح لنا بتحديد المطلوب الصحيح فوراً. 

نسبية المعرفة وتبعيتها للعارف وارتباطها به , لذلك لا توجد معارف مطلقة , وارتباط المعرفة وتبعيتها لخصائص وقدرات الحواس البشرية أشكال تأثرها بالوجود و خصائصها , ورتباطها بقدرات وخصائص العقل البشري . لذا فإن المعرفة البشرية مختصرة ولا تشمل إلا جزءاً ضئيلاً من وقائع الواقع اللا متناهية .  وترتبط المعرفة بزمان ومكان وقدرات وخصائص الإنسان العارف الذي هو مرجع هذه المعارف, لذلك  تختلف المعارف باختلاف الأشخاص واختلاف الأزمان , وهي نتيجة التواصل الفكري بين البشر.

 

العلم يسعى للوصول للمعارف الدقيقة , للحوادث وكيفية حدوثها , وكيف تتشكل البنيات والأشياء , ومعرفة كيفية التحكم بهم . وهو يسمح لنا ببناء التكنولوجيا بكافة أشكالها . ويمكن للعلم أن يوصلنا إلى فهم عالي الدقة الوجود , تاريخه الماضي , وتوقع الاحتمالات المستقبلة لتطوره بدقة لا بأس بها . 

لقد كان رأي غاليليه و فرنسيس بيكون , أن تحسين ظروف الحياة لا يتم إلا عن طريق المعارف الدقيقة , أي العلم  . فالهدف هو المعرفة الدقيقة للأسباب , ومعرفة الحركات الخفية للأشياء , والعمل على إطلاق القدرات البشرية إلى أقصى الحدود .

ويقول بوبر:

" إن إحدى المهام الأساسية للعقل البشري هي أن يجعل الكون الذي نحيا فيه مفهوماً وتلك هي مهمة العلم . 

وإن النظريات مهمة ولا غنى عنها لأننا من دونها لن نستطيع أن نيمم جهودنا شطر العالم , لن نستطيع أن نعيش . وحتى ملاحظاتنا يتم تأويلها بمعونة النظريات . فالنظريات والقوانين ليست شيئاً غير سلاسل من القواعد تربط سلسلة من الظواهر القابلة للملاحظة بأخرى .إن احتياجنا للنظريات ملح , فالنظريات العلمية لا تقتصر على مجرد وصف الواقع , بل أنها تكشف المجهول بقدرتها على التنبؤ.

فالمعارف العلمية تقدم لنا صورة عن الواقع المتغير باستمرار , فلا يوجد ما هو مستقر , ما هو دائم , في تأكيدات العلم , فالمعارف العلمية دوماً قابلة للتطور والتجديد نحو الأدق والأصح . "

فمهمة العلم هي صياغة النظريات والقوانين صياغة رياضية منظمة تسهل علينا التعامل مع الواقع , وتمكننا من التنبؤ المستقبلي للحوادث, واستقراء الواقع وبناء التعميمات التي هي نظريات وقوانين . "

ويقول آلان شالمرز :  

" القوانين والنظريات بوصفها أجهزة تنبؤية وتفسيرية , وإحدى سمات العلم الكبرى هي قدرته على التفسير والتنبؤ , فالعلم لا يهتم بمعرفة جوهر أو ماهية الأشياء بل بكيفية تكون الأشياء وكيفية حدوث الوقائع  وصياغة النظريات و القوانين لها .

فهدف العلم هو إنتاج نظريات وقوانين تكون أجهزة أو أدوات صالحة وميسرة للربط بين سلسلة من الوضعيات القابلة للملاحظة بسلسلة أخرى مماثلة , من أجل وصف العالم بصورة دقيقة وقابلة للفهم . "

                                 خصائص المعارف العلمية 

العلم في مفهومه الحالي يتمثٌل بالمعارف العالية الدقة , والمتوضعة في الكتب والوثائق وغيرها . فالعلم هو كمية هائلة من المعارف المترابطة في سلاسل وأنساق , ومنتظمة في بنية واحدة تقريباً . وهذه المعارف عالية الدقة وتنطبق بدرجة عالية على الواقع الذي نعيشه , وهي خاضعة للاختبار والتأكد من دقتها دوماٌ .

والذي يميز المعارف العلمية عن باقي المعارف , مثل المعارف العادية , كالأمثال والمعارف الشعبية والعقائدية والفنية والفلسفية وغيرها هو :

أولاً : المعارف العلمية تعتمد النظريات والقوانين الدقيقة التي تبنى بالقياس الكمي الدقيق , والرياضيات هي أداتها

ثانياً : درجة دقة تنبؤاتها العالية وانطباقها على الواقع بشكل كبير . فقد تم اعتمادها بعد اختبار وتجريب واسع جداً .

ثالثاً : تترابط هذه المعارف مع بعضها في سلاسل وأنساق , فهي مترابطة بشكل كبير في بنية واحدة متماسكة ولا يوجد تناقض بينها .

رابعاً: اعتمادها من قبل أغلبيةً كبيرة أي عموميتها وتوحيدها , وهذا يجعل تداولها بين الشعوب المختلفة سهلاً . هذا إذا لم تصطدم وتتعارض مع المعارف العقائدية أو المقدسات المعتمدة . وهي بعكس المعارف الشعبية والعقائدية وباقي المعارف التي يصعب تداولها بين الجماعات التي تتبنى كل واحدة منها معارف خاصة بها , فالمعارف غير العلمية هائلة جداً وهي في كل المجالات  ولقد تنوعت وتعددت مصادرها وأصولها , وهذا ما جعلها متواضعة الدقة وغير منسقة ومتناقضة مع بعضها في أغلب الأحيان .

خامساً: المعارف العلمية لا تحمل قيمة إلا مقدار درجة دقة انطباقها على الواقع , فهذا الذي يعطيها قيمتها , مثال  " كل المعادن تتمدد بالحرارة " هذه معلومة علمية , وليس المهم أن يكون هناك فائدة أو ضرراً لهذا التمدد , فالمهم هو أن كافة المعادن تتمدد بالحرارة باحتمال شبه مطلق . فقيمة المعارف العلمية تأتي من دقة تنبؤها العالية وانطباقها على الواقع .

سادساً: هذه المعارف متسلسلة في درجة دقتها , فالمعارف الرياضية الهندسة والحساب والجبر والتفاضل.. تأتي في القمة ودقتها تامة أي مطلقة . تليها المعارف الفيزيائية ودرجة دقتها تتجاوز 10 قوة 12 . تليها المعارف الكيميائية , ثم المعارف البيولوجية , ثم المعارف الاجتماعية . . . , والمعارف العلمية تنمو وتتوسع وتزداد دقة باستمرار .

 

لقد اعتمد العلماء في تشكيل المعارف العلمية على التجريب والاختبار والاستقراء الواسع وقاموا بوضع النظريات والقوانين , وكانت العلوم الفيزيائية والكيميائية هي المجال المناسب لتطبيق منهجهم والوصول لمعارف عالية الدقة بشكل كبير . واعتمدت العلوم الفيزيائية  كأساس  تبنى عليه باقي العلوم , فيتم تشكيل القوانين والنظريات والمعارف الكيميائية الدقيقة بالانطلاق من القوانين والنظريات الفيزيائية , ثم تبنى العلوم الفزيولوجية والبيولوجية وباقي العلوم . 

صحيح أن المنهج العلمي الآن يواجه صعوبات كثيرة للوصول للمعارف الدقيقة في كافة المجالات , نتيجة اتساع هذه المجالات التي نتعامل معها , بالإضافة لتعقيدها الكبير , وخاصة المجال النفسي والاجتماعي والاقتصادي . ولكن يظل الكثيرون يؤمنون أن اعتماد المنهج العلمي والمعارف الفيزيائية الدقيقة التي تم التوصل لها , هو الأفضل للوصول إلى معارف عالية الدقة في تلك المجالات .

يقول " جون بروكمان " في مقال عن " الإنسانيين الجدد " :

تتمثل المستحدثات في ظهور بيولوجيا جديدة عن العقل وتحقيق تطورات مهمة تعتبر بمنزلة طفرة واسعة في ميادين البيولوجيا العصبية والذكاء الصناعي والشبكات العصبية وغيرها من الإنجازات العلمية التي تؤلف تحدياً للافتراضات القديمة عن الطبيعة البشرية وعن معنى الإنسانية .

لقد أصبح مركز الفعل العقلي – حسب تعبيره – في أيدي العلماء والمفكرين ذوي الميول العلمية , وهؤلاء هم الذين يؤلفون ( الإنسانيين الجدد ).

" فالعلم الطبيعي الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا ... "هو إذاً مركز الثقل في الثقافة الجديدة على عكس ما كان عليه الوضع في الماضي غير البعيد , فلم تعد معرفة الشخص لآراء مفكرين كبار من أمثال فرويد وماركس أو الإحاطة باتجاهات الحداثة مؤهلاً أو مسوغاً كافياً لاعتبار ذلك الشخص مثقفاً لأن هذه الثقافة (لا أمبيريقية) تغفل العلم , بل إنها على أفضل الأحوال مجرد شروح على شروح أو تعليقات على تعليقات سابقة , ولا تأخذ في اعتبارها عالم الواقع بشكل دقيق , فهي ثقافة تعتمد معلومات متواضعة الدقة .