ملاحظات على السببية

     أقوال في السببية

إن هذا المفهوم الهام جداً والذي بحث فيه غالبية المفكرين , هو أهم آليات عمل عقلنا على الإطلاق .

فإن أي سلسلة تفكير أو أي تخطيط  . 

و " إذا كان كذا , فسوف يكون كذا " .

والسؤال من سبب بهذا , أو من فعل , أو من صنع , أو من خلق هذا ؟

يعتمدان بشكل كامل على مبدأ السببية , الذي هو ناتج عن آلية الاشراط أو الترابط بين حادثتين , يعمل حسبها الدماغ .

وهذا المبدأ ( أو الآلية) أيضاً هو الذي يجعل العقل عاجز ويستحيل عليه فهم أو تصور اللا تناهي الموجود في كافة مجالات الوجود , وهذا , لأن آلية الترابط لا يمكنها التعامل مع سلسلة من أسباب لا متناهية .

ومن المعروف أن مفهوم السببية من بين المفاهيم الأساسية التي أقيم عليها العلم التجريبي . 

 

يقول أرسطو: "إن العلم هو معرفة الأسباب"، فمن المستحيل أن يقوم الاستدلال العملي دون قيام مبدأ السببية، بل يمكن القول بأن كل المعارف البشرية قائمة على مبدأ السببية. وبدون هذا المبدأ لا يمكن للعقل البشري أن يتجاوز الانطباعات الحسية التي يكتسبها.

وقد اهتم " دافيد هيوم " كثيراً بالسببية . فهو يرى أن ما يسمى سببا وما يسمى مسبباً ، كل منهما ظاهرة منفصلة تماما عن الأخرى ، وانه لا توجد أية علاقة حقيقية بين الظاهرتين ، كل ما هنالك أن الناس لاحظوا أن الظاهرة الثانية تأتي عقب الظاهرة الأولى ، فربطوا بينهما بسبب اقترانها في الوجود زماناً ومكانا ، وهذا الربط إنما هو افتراض ذهني ذاتي قائم على تداعي المعاني ، ولا حقيقة له فالإنسان يشعل النار ، وهذه ظاهرة ، ثم يشعر بالحرارة والدفء ، وهذه ظاهرة أخرى قد جاءت عقب الظاهرة الأولى ، ولا يوجد دليل في العقل أو الواقع على ضرورة وجود الظاهرة الثانية دائما عقب وجود الظاهرة الأولى كمالا يوجد دليل على علاقة بين الظاهرتين .

وهو يضرب مثالا بكرات (( البلياردو )) التي يضرب اللاعب بإحدى الكرات لتصطدم بالكرات الأخرى وتحركها إلى حيث يريد اللاعب .. 

فيقول : إنني أرى كرة البلياردو تتحرك ، فتصادم كرة أخرى ، فتتحرك الأخرى ، وليس في حركة الأولى دليل على ضرورة تحرك الثانية حين تصطدم بها الأولى . 

إنه يرجع قانون العلية والسببية إلى قوانين التشابه والاقتران في الزمان والمكان

وهو يقصد بالاقتران في الزمان والمكان ـ أن ظاهرة السبب وظاهرة المسبب قد ألف الناس اقترانها في الوجود معاً متعاقبين في نفس الزمان والمكان . 

فقد ألف الناس أن اصطدام العصا باليد – في حالة الضرب بالعصا – تحدث شعورا بالألم ، وأن هناك اقترانا بين الأمرين أو الظاهرتين في الزمان والمكان . 

فبسبب هذا الاقتران توهموا علاقة بين الظاهرتين سموها علاقة السببية , وقد تحقق نفس الألم عقب الاصطدام بين العصا واليد ، في كل مرة يحدث ذلك ، فهناك تشابه في كل الحالات . 

أن القول بالسببية والعلية ناشئ عن هذا الاقتران والتشابه , ويسمى ذلك : قوانين التشابه والاقتران في الزمان والمكان أو قوانين تداعي المعاني . 

ويفسر قانون تداعي المعاني بما يسمى بالعلة , شيء حدث بعده تكرار حدوث شيء آخر , حتى إن حضور الشيء الأول يجعلنا – عن طريق تداعي المعاني – دائما نفكر في حضور الشيء الثاني , وأن العلم يمكن أن يقوم على مجرد القول بالتلازم الحاصل بين أجزاء الكون ، بدون استلزام ذلك القول بالسببية والعلية.

بالنسبة لهيوم كل أدوات البناء الفكرية مستخلصة من احساساتنا الخارجية منها أو الداخلية ، ومهمة العقل تنحصر في مزج و تركيب هذه الاحساسات . لقد ثبت بالتجربة أن الانطباعات البسيطة تسبق دائماً الأفكار التي تقابلها وما حدث قط العكس، فلا يمكننا أن نملك فكرة عن موضوع ما دون أن نمارس عليه تجربة أي دون أن نملك عليه انطباعاً حسياً يمثله.

يمكننا أن نحصر العلاقات الفلسفية حسب هيوم في سبع أساسية :التشابه، الهوية، المكان والزمان، العدد والكم، درجة الكيفية، التعارض والسببية.

والعلاقات الفلسفية التي تتعلق كلية بالأفكار هي : التشابه , التعارض , الكيف , والكم أو العدد. 

هذه العلاقات هي الوحيدة التي يمكن أن تكون موضوعاً للمعرفة اليقينية . 

أما التجاور في الزمان والمكان والهوية والسببية التي نتعلمها لا بتعقل مجرد بل بالتجربة فيمكن أن تتغير دون أي تغير في الموضوعات المقابلة لها , والعلاقات الأربع الأولى تنتمي إلى ميدان المعرفة أو البرهنة أما العلاقات الثلاث الأخيرة فتنتمي إلى ميدان الاحتمال.

في كتابه بحث حول الطبيعة البشرية يلخص لنا هيوم المواقف التي اتخذها الفلاسفة القدامى ، فمن هؤلاء من فسر القوة الخفية للأسباب بالصورة الجوهرية التي تتمتع بها هذه الأخيرة، ومنهم من فسرها بالكيفيات العارضة لهذه الأسباب. ومنهم من فسرها بنوعية المادة التي تشكل الأسباب، ومنهم من فسرها بالترابط بين الصورة والكيفيات العارضة، ومنهم أخيراً من فسرها باعتبارات أخرى مختلفة، بالنسبة لهيوم ليس هناك أي أساس معقول لهذه الافتراضات، ما يسمى بالصورة الجوهرية والعرض الخ ليست كيفيات معروفة للأجسام.

إن القدرة التي نعاينها في المادة والتي توهمنا بأن هذه الأخيرة تتمتع بسلطة هي في الواقع حسب الديكارتيين موجودة خارج المادة ، أي في ذات كائن " ألاهي " أسمى يتمتع بكل صفات الكمال ومن بينها القدرة المطلقة على فعل كل شيء في نظر هيوم ، افتراض هذا الكائن الإلهي غامض أكثر من القوة الموجودة في المواد، وبما أن عنده يلزم وجوب انطباع يقابل كل فكرة ، ففكرة الكائن الإلهي هي الأخرى لابدّ لها من انطباع ، وبما أنها محرومة من الانطباع إذن هي فرضية دينية غير مفيدة لنا في تجاوز الصعوبة التي نحن بصددها.

حسب مبادئ هيوم الفلسفية من الواضح أنه انطلاقاً من حالة خاصة لموضوعين أحدهم سبب والآخر نتيجة لا نستطيع استخلاص فكرة السببية أو أية فكرة تعبّر عن ترابط ضروري أو عن قوة، ولكن بعد ملاحظة حالات مفردة متعددة يكون فيها موضوعان مترابطين دائماً، يمكن أن ندرك ترابطاً بينهما ونبدأ باستنتاج أحدهم من الآخر إن أساس هذا الترابط حسب هيوم هو تعددية الحالات المتشابهة. وهذا هو كل المعنى الممكن جملة على القوة أو الترابط الضروري المفترض وجودهم في العلاقة السببية.

إن ملاحظة هذا التشابه المتكرر تولد في أذهاننا انطباعاً جديداً يمثل النموذج الفعلي لفكرة الضرورة أو القوة. هذا هو الانطباع الذي يمثل في نظر هيوم أصل فكرة السببية.

بفضل هذه العلاقة الجديدة علاقة الترابط المستمر يمكن لنا أن تقيم استدلالاً من موضوع إلى آخر أو من وجود موضوع إلى آخر. ولكن الكشف عن هذه العلاقة لا يغير أي شيء مما قيل حول فكرة الترابط الضروري، إن تكرار انطباع في الماضي حتى إلى ما لا نهاية لن يؤدي أبداً إلى فكرة أصيلة كفكرة الترابط الضروري.

عند هيوم إن العقل البشري لا يستطيع إدراك طبيعة الترابط الأولي الذي عليه تؤسس علاقة السببية.

يخلص هيوم إلى القول بأنه في تجربة سببية لا يمكن الكشف عن أكثر من الاطراد الطبيعي بين الأسباب والنتائج، وهذا هو أساس ما يُعرف اليوم بنظرية الاطراد الطبيعي ، إن ما يسمى بالترابط المفترض وجوده بين الأشياء الممثلة للأسباب والنتائج في حالة مفردة ليس إلا وهما ، لا يمكن أن تنشأ الفكرة المقابلة لهذا الترابط إلا تشابه عدد من الحالات المفردة للوقائع السببية التي تبدو كلما حضرت مترابطة باستمرار، وكلما ظهرت واحدة من هذه الوقائع يُحْملُ العقل، بفعل العادة، على انتظار الواقعة الموالية، هذا هو الشعور الذي يخلق فينا انطباع امتلاك فكرة الترابط الضروري وهكذا ينشأ الاستدلال السببي.

لقد فكّك هيوم علاقة السببية وأرجعها إلى العادة ثمّ توقّف ، فكان أن نقل السببيّة من الظاهرة إلى الذّات ، وجعلها عادة بيولوجية وفصلها عن اللّغة ورموزها ، فلم يحلِّل العادة ، ولم يفكّ الرّمز منها ، ولم يطهرِّها من اللغة . فقد اعتبر العادة جوهراً نهائياً ونسب إليها ظاهرة السببيّة ، ووضع التكرار الآلي في أساس وجود العادة. فجعل إحتمال الأسباب هو الذي يسيطر على الناس وذلك على أساس تتابعات سابقة متجانسة حدثت الاُمور على منوالها . 

إذ إنّ توالي الحوادث وَوُقوع الحوادث المتجانسة على منوال واحد تُكوِّن لدى الإنسان عادة، وهذه العادة تصبح توقّعاً نفسيّاً لحوادث اُخرى متشابهة. وهذه العادة تزاد تثبيتاً ورسوخاً مع التكرار الآلي المتجانس ، وعليه فإنّ الإنسان يزداد وثوقاً من توقّعاته المستقبلية ، وينتقل بحكمه من مرحلة الظنّ إلى مرحلة الإحتمال البرهاني .

إنّ العلاقة السببية بين الحوادث تبدأ بالمشاهدة البسيطة ثمّ تتطور مع المشاهدة المستمرّة ومع التكرار حتّى تصل إلى حدّ الإعتقاد بوجود رابط قوي بين الحوادث ، حيث ينتقل بعدها الإنسان إلى مرحلة إحتمال البرهان وإلى مرحلة التصديق التجريبي العملي . وبهذه تتكوّن عند الفرد عادة التواتر السببي ، إذ تكفي عند ذلك أن يتلاحق شيئان مرّة واحدة ، ليربط بينهما برباط سببي ، بحيث يتوقّع النتيجة إذا وقع السبب ، لا لأنّ التكرار هو الذي أعطى ذلك ، بل لأنّ العادة أصبحت شيئاً طبيعياً عند الفرد. وبذلك تُصبح العادة قوة بيولوجية أسقطت من العالم الخارجي على الجسد .

 

من حيث الأصل يمكن إرجاع مبدأ السببية إلى اعتبارات انثروبومورفانية، فالسبب والنتيجة يُفْهمان وكأنهما طرفان في علاقة بين كائن ذكي وفعل يصدر عن هذا الكائن بإرادة ، فهو إذن مسؤول عنه ، وانطلاقاً من هذه الاختبارات يمكن اعتبار كل الكائنات الطبيعية عاملة بإرادة وكل الظواهر الطبيعية تُرجع إلى أسباب وهذا هو مبدأ السببية.

 

يماثل " كانط " بين مبدأ السببية وما يسميه بالمبدأ الثاني للتجربة . 

أما " لالاند " فيعتبر مبدأ السببية من بين المسلمات الأساسية للفكر . 

ويعتبره " فولكي " مبدأ غير أولي ، بل مشتق من مبدأ السبب الكافي. 

أما " ما يرسون " فيجعله مشتقاً من مبدأ الذاتية ، ويقول إن مبدأ السببية ليس إلا مبدأ الذاتية مطبقاً على وجود الأشياء في الزمان.

وادخل العالم " كلود بيرنار " الفرنسي مفهوم الحتمانية ومعناها "كل ظواهر الكون هي نتائج حتمية لظواهر أخرى سبقتها " .

ويمكن القول بترادف السببية والحتمانية ، والتعبير عن السببية في ألفاظ تعني الحتمانية , أي نفس الظروف تولّد نفس الأسباب وبالتالي نفس النتائج . أي أن حالة أولية لنسق مادي ما معروف عن التأثيرات الخارجية تحدد حتماً كل الحالات اللاحقة.

وعلى العكس ، هناك بعض العلماء يرون التمييز بين السببية والحتمانية ، فالعالم الفرنسي " ديتوش " يعتبر الحتمانية خاصة للسببية . 

أما " فان لير" فيعتبر مبدأ الحتمانية مجرد تطبيق أو نتيجة لمبدأ السببية ، حسب هذا الفيلسوف من الخطأ مماثلة المبدأين .

يضفي أغلب الفلاسفة والعلماء على علاقة السببية نوعاً من الضرورة ، أحياناً فيزيائية وأخرى منطقية... ففي المدرسة الكانطية مثلاً تعتبر الضرورة التي تلحق بالسببية تعبيراً ذاتياً لمقولة قبلية . بينما عند بعض الفلاسفة الآخرين مثل " ستوت " تعتبر هذه الضرورة تعبيراً موضوعياً منبعه الواقع الفيزيائي . 

أما التجريبيون فلا يقبلون أية صورة من صور الضرورة هذه ، بالنسبة لهؤلاء تعتبر التجربة المصدر الوحيد لمعارفنا وبما أن هذه التجربة لا تسمح لنا بمعرفة سوى التتالي المطرد للظواهر، فإن الضرورة الملحقة بعلاقة السببية لا يمكن أن تكون إلا وهماً أو حدثاً نفسياً.

 

هل تعبر الألفاظ , سبب , سببية , حتمانية , الخ عن وقائع فيزيائية أم هي فقط مجرد أفكار ؟

منذ عهد أرسطو إلى القرن الثامن عشر كان الناس يفسرون بواسطة السببية ، فكان يوجد ربط بين التفسيرين بمعنى مطلق , والتفسير السببي . أي بين السبب بمعنى Cause والسبب بمعنى Raison. و أن الوضعيين المناطقة  رفضوا مفهوم التفسير والتصور الكلاسيكي للأسباب . 

فالمشتغل بالعلم يصف الطبيعة ولا يفسرها ، وهذا الوصف مبني على الاطرادات للأحداث وليس على الأسباب وانطلاقا من الاطرادات وبفضل الرياضيات الدقيقة يمكن صياغة القوانين العلمية ثم النظريات.

 

مبدأ السببية الميكانيكية.

لاشك أن فيزياء نيوتن أو ما نسميه عادة الفيزياء الكلاسيكية قائمة على السببية الميكانيكية ، فكل حركة وكل تغير وكل عملية , بل وحتى حالة العطالة في حاجة إلى سبب أو إلى سبب كافٍ لتفسيرها ، وتقوم هذه السببية الميكانيكية على التتالي المستمر الذي تحدثنا عنه قبل حين.

يعتبر ميدان الحركة من أهم الميادين التي تم فيها التعبير عن الحتمانية بشكل صارم. ففي النظرية الكلاسيكية للحركة تتجلى واقعية القوى المادية في إطار حقل . 

وتبدو الحتمانية مجزأة إلى سلسلة من الأفعال الفرعية يؤثر بعضها في بعض عن طريق التجاوز في الزمان والمكان.

 

لقد ألح " ماخ " على التخلي عن مفهومي السبب والنتيجة بمعناهم التقليدي وتعويضهم بمفهوم الدالة , كما هو وارد في الرياضيات " لقد بين التحليل بأن ما يسمى بالسبب ليس إلا عنصراً مكملاً لمركب معقد من الظروف التي تحدد مجتمعة النتيجة .

يعتبر " ماخ " أن أبسط مكون للوجود هو " العلاقة " وليس " العنصر المفرد " . 

فلا يمكن إدراك عناصر الطبيعة ألا من خلال العلاقة . 

وتعتبر الدالة الوسيلة الأكثر ملاءمة من غيرها للتعبير(أو لتمثيل) عن ظواهر الطبيعة باعتبارها علاقات , شريطة أن نتمكن من وصف وقائع الطبيعة بواسطة مقادير قابلة للقياس .

 

ويقول " شليك"  : ينبغي للعلم الحديث أن يتبنى العمل بفكرة العلاقة الدالية بين الكيفيات القابلة للقياس , وان يتخلى عن فكرة العلاقة السببية التقليدية , وبهذا الاعتبار يصبح الهدف من قانون الطبيعة هو صياغة الطريقة التي بها تتعلق قيم الكيفيات القابلة للقياس , في زمان ومكان معينين , بقيم وكيفيات أخرى تم قياسها في أمكنة وأزمنة مختلفة . 

إن السببية في العلم هي باختصار إمكانية التعميم . 

وعملية حساب القيم المستقبلية هي بالضبط ما يسمى عادة بالتنبؤ . 

ويمكن الحصول على تنبؤات دقيقة إذا كان لدينا قوانين علمية دقيقة .

 

فالسببية تعتمد على الاستقراء ومن ثم بناء الاستنتاجات والتنبؤ , وإذا لم يعتمد على استقراء لعدد كبير جداً من الحالات التي تبني عليه السببية أو الترابط والتلازم بين الحوادث , تكون السببية غير دقيقة . فالسببية هي دوماً تنبؤ له درجة دقة ليست مطلقة , و يمكن أن يكون هذا التنبؤ عالي الدقة بشكل كبير جداً جداً كما في العلوم الفيزيائية , ويمكن أن يكون متواضع الدقة عندما يبنى على استقراء واحد , كما في حالات اعتماد قصة أو حادثة واحدة في استنتاج تعميم , وبناء تنبؤ يعتمد أسباب معينة  يتم اعتماده .

 

هذا بعض ما قيل في السببية .

وفي رأي يمكن أن نضيف بعض الملاحظات , وسوف أتكلم عنها لاحقاً وهي :  

التنبؤ والاحتمالات والحتمية والسببية .

الأصول العصبية والفكرية للسببية . ودور وتأثير الاختزال , و الإشراط العصبي , والترابط المكاني والزماني , والدوافع والانفعالات على السببية . 

إضفاء السببية والإرادة والحياة  على الأشياء والأفكار .

السببية الموسعة , وهي التي تراعي كافة الأسباب والعوامل

التغذية العكسية وتأثيرها الهام على السببية 

 

 

 

 

السببية (2) 

في المقال السابق قمت بنظرة سريعة على بعض ما قيل عن مفهوم السببية , وكنت ذكرت أن لي بعض الملاحظات , والآن أقوم بذكرها . 

إن غالبية ما قيل في مفهوم السببية هو كان عن السببية البسيطة أو المختزلة . وهذه أهم خصائصها .

إن هدف ودور المعرفة هو استباق نتائج الأحداث بهدف التحكم بها وتعديلها بما يناسبنا . فالتنبؤ الذي هو أساس المعارف هو الذي ينتج السببية . 

فالسببية هي : تحديد وتعيين واختصار أو اختزال للعوامل والمؤثرات الكثيرة , فهي تعتمد على اختزال العوامل والمؤثرات  والتي هي بمثابة أسباب بسبب واحد , من أجل القيام بتحديد وتعيين الاستجابات المناسبة . فالأسباب  تختزل بسبب واحد أو عدد قليل من الأسباب ويتم التركيز على سبب أساسي واحد . 

وهذا ناتج عن التوقع الذي يقوم على آليات الاشراط العصبي التي يعمل بها دماغنا . والتوقع أو التنبؤ هو الذي يفرض ويحدد مجال ومنحى سير التفكير أو المعالجة الفكرية ، وهو بالتالي يعين ويحدد الاستجابات والأهداف . وهذا هو أساس السببية البسيطة . 

وإن اعتماد أهم العوامل والمؤثرات , وجعلها  السبب في الحوادث , هو أهم عمل لعقلنا .

والتحكم بالأسباب والعوامل هو ما نعتمده في كافة تصرفاتنا , من أجل تحقيق دوافعنا وغاياتنا . فنحن نريد أن نتحكم بأهم وأقوى الأسباب . ومهمة المعارف والعلوم هي تحديد هذه الأسباب . 

فيقولون فتش عن السبب  وتحكم به في تغيير مجرى الحوادث . 

وسؤال لماذا حدث هذا أو كيف حدث , يعني : ما هي الأسباب الرئيسية التي أدت لحدوثه

وهذا الاختصار ليس تابع فقط للتفكير المنطقي السببي وآليات عمل دماغنا , بل هو تابع أيضاً للدوافع والغايات والأمور النفسية كالانفعالات والعواطف والانتماءات . 

لذلك نحن نشاهد الاختلافات بين الأشخاص والجماعات الكبيرة في تفسير الحوادث باختيار أو اعتماد كل منهم أسبابه الخاصة به والمختلفة عن أسباب الآخرين , ويتم تجاهل العوامل والأسباب الأخرى وإن كانت هامة . 

ومفهوم الحرية مرتبط بالسببية . أنا , لأنني حر , أردت أن أفعل كذا وكذا , وفعلت , وأنا المسبب بما حصل . فالتحكم بالأسباب هو ممارسة الحرية . 

والأفعال تصبح بمثابة مسببات أو أسباب .

والسببية البسيطة هي دوماً احتمالية .

وسلسلة التفكير تابعة لسلاسل الأسباب , وموجهة من قبلها .

هل دوماً نفس السبب ( أو عدد معين من الأسباب ) يؤدي إلى نفس النتيجة ؟

في الواقع إن كافة الأحداث أو الوقائع لا تحدث نتيجة سبب أو عدد معين من الأسباب , بل هي نتيجة عدد كبير من الأسباب .

نلاحظ : أنه إذا تفاعلت ( أو تبادلت التأثير ) البنية  أ  مع البنية ب , وكان نتيجة ( أو سبب هذا ) دوماً  تكوٌن أو حدوث الواقعة  ج , عندها يمكن أن  نطلق تنبؤاً صحيحاً بصورة مطلقة على كل مرة تتفاعل بها –أ-  مع – ب- ,  بأن هذا يسبب  تكون الواقعة –ج - 

ولكن  ليس هناك فقط البنية أ والبنية ب  داخلة في التفاعل, فهناك حتماً بنيات أخرى كثيرة مشاركة في هذا التفاعل وهي تهمل عادةً لضعف تأثيرها .

وأيضاً البنية- أ – والبنية- ب -   ليستا ثابتتان ومحددتان تماماً, فهما حتماً في تغير ذاتي خلال الزمن , وهذا يهمل أيضاً لأنه غالباً صغير جداً.

لذا : النتيجة هي حتماً احتمالية , وهي تابعة لمقدار تحديد وتعيين تأثيرات بقية البنيات المشاركة في التفاعل التي أهملت , وتابع أيضاً لمقدار تحديد وتعيين التغيرات الذاتية للبنيات المتفاعلة التي أهملت . وهذا يستحيل تحديده وتعيينه  بصورة مطلقة . لذلك دوماً تنبؤاتنا هي احتمالية الصحة وليست مطلقة الصحة مهما حاولنا . 

تأثير الدوافع والأحاسيس والانفعالات على اختيار الأسباب 

 إن العقل البشري عندما يعمل ويقوم ببناء تمثلاته وبالتالي أحكامه , سواء للماضي أو للحاضر أو للمستقبل , لا يراعي فقط المنطق والسببية والمنطق ، بل يراعي أيضاً تأثيرات حواسه وانفعالاته ورغباته وقيمه . 

لذلك عندما ينشئ تمثلا ته و تنبؤاته و أحكامه بالاعتماد على المعلومات التي لديه , يدخل أيضاً عليها - أو تدخل عليها -  تأثيرات أحاسيسه وانفعالاته ورغباته وقيمه ، فتنحرف هذه الأحكام لتلائم غاياته وأحاسيسه وقيمه ، وهو كثيراً ما يستغل المعلومات " أو الأسباب " غير الدقيقة , لكي يحقق رغباته وأحاسيسه ويتحاشى المعارف " أو الأسباب " الدقيقة والتي لا تتفق مع غاياته ودوافعه . 

مثال على ذلك : 

بناؤه للأساطير والقصص عن الماضي بما يناسب المعلومات التي لديه , وبعد أن يضيف عليها رغباته وأحاسيسه ، يخرج مثالاً أو صورة للماضي بناءاً على عوامل وأسباب تحقق بالدرجة الأولى رغباته ودوافعه ، والمعارف التي يملكها , ويعتبر هذه الصورة هي المرجع الذي يعتمد عليه في تصرفاته . 

وهو يقوم أحياناً بتعديل لهذه الصورة أو المثال ليستوعب كل ما يصادفه من وقائع وأحداث تجري له ، فهو إما أن  يعدل قليلاً من مثاله أو صورته ، أو يكيف الأحداث والأسباب ويربطها مع بعضها بما يتوافق مع مثاله الذي يعتمده ، وغالباً ما يقوم بالتحوير والتعديل للأسباب لتفسير الأحداث , وليس تعديل مثاله الذي يكون بمثابة مرجع أساسي له .

ونحن نشاهد مثالاً آخر على تأثير الأحاسيس والدوافع الذاتية على اعتماد العوامل والأسباب , عند ملاحظة تصوراتنا لأحداث وأمور تحدث لشخص نحبه , أو نكرهه , أو نغار منه... ، فإننا نجد أن أغلب السيناريوهات التي نضعها لمستقبل هذا الشخص بغض النظر عن المعلومات المتوفرة لدينا عنه وعن أوضاعه أنها سوف تخضع في المحصلة إلى رغباتنا و احساساتنا تجاهه ، فإن كنا نبغضه نرى أن نتيجة هذه السيناريوهات على الأغلب هي الضرر له ، وإذا كنا نحبه نجد أنها النجاح والسعادة ، وإذا كنا نغار منه نجد أنها الفشل والخسارة , ولكن وبعد أن تجري الأحداث وتحدث الوقائع نجد أن أحكامنا وتوقعاتنا والعوامل والأسباب التي اعتمدناها , كانت على الأغلب غير دقيقة ، فقد نجد أن عدونا الذي نكرهه نجح وفاز ، والذي نحبه ونرغب بنجاحه فشل ، والذي كنا نغار منه نجح وتقدم .

ونحن نلاحظ تأثر أحكامنا وتصوراتنا  بانفعالاتنا ورغباتنا بشكل واضح عندما نكره شخصاً معيناً ، فتتكون أحكامنا وتصوراتنا وبالتالي اعتمادنا أسباب تؤيد هذا الكره ، وعندما نعود ونتصالح معه تعود وتتغير أحكامنا والأسباب التي نعتمدها بما يناسب ذلك ، مع أن الشخص نفسه وأغلب الأوضاع ما زالت متشابهة ، فالأحكام العقلية ( وكذلك الأسباب المعتمدة ) مهما كانت تسعى لتكون محايدة وموضوعية فإنها تتأثر بالأحاسيس والدوافع والرغبات التي تكون مرافقة لها 

إضفاء الدوافع والأحاسيس والانفعالات والقيم البشرية على البنيات والمفاهيم الفكرية  

إن غالبية الكتاب والمفكرين يعاملون البنيات الفكرية الشيئية ( الهويات والأشياء ) كما يعاملوا كائنات حية , لها أهداف وغايات  وعندها خير وشر وتخطئ وتصيب ......الخ وهي التي تسبب النجاح أو الفشل , الخير أو الشر . 

وهذا ( في رأي ) ناتج عن التطور اللغوي والاجتماعي والنفسي والعصبي المرتكز إلى الأسس البيولوجية والفزيولوجية والغرائز وباقي الآليات الحيوية . فالتواصل بين البشر في هذه الأوضاع  اللغوية والاجتماعية والنفسية والغريزية والحيوية فرض ذلك ، وجعل التعامل مع المفاهيم التي تصف وتمثل الأشياء- الأسماء أو الهويات- كأنها كائنات حية , فتوصيل المفاهيم والمعاني والأفكار يكون أسهل وأسرع وأفضل عندما تحمل مضامين الأحاسيس والمفاهيم والمعاني البشرية . 

لننظر إلى ما يكتبه أغلب المفكرين فنشاهد أمثلة واضحة على ذلك- تحميل البنيات الفكرية الاسمية الخصائص الفكرية والنفسية والمعاني البشرية - أمثلة :  فشل العلم في تحقيق كذا -  نجحت المدرسة كذا في تحقيق كذا – تفوق العلم على الأدب -  تشارك الأدب مع الفن في إنجاز كذا وكذا , قام الاستعمار باستغلال الشعوب وسبب المآسي لها , تقوم أمريكا بالسيطرة على العالم . . . وهناك الكثير. 

السببية الموسعة :

لذلك سعياً إلى الدقة والموضوعية ولبناء المعارف والتنبؤات الدقيقة تم التعامل مع تعدد العوامل والأسباب والظروف , واعتماد السببية الموسعة . فهذه السببية تعتمد مراعاة أكبر كمية من العوامل والأسباب ( الدوال ) عند القيام ببناء التنبؤات والمعارف .

ولتمييز السببية البسيطة عن السببية الموسعة نورد المثال التالي :

إذا كان لدينا آلة , أو جهاز , أو حتى كائن حي  , وتعطلت ولم تعد تقوم بعملها أو تغيرت خصائصها . عندها نقوم بالبحث عن السبب أو الأسباب التي أدت لذلك , أي نستعمل السببية البسيطة .

لكن في حال أردنا صنع تلك الآلة أو الجهاز أو الكائن الحي , ففي هذه الحالة يجب البحث عن كافة العوامل والأسباب التي تمكننا من صنع تلك البنيات . أي يجب علينا أن نستعمل السببية الموسعة . 

فبناء جسر أو ناطحة سحاب أو حاملة طائرات أو مصنع .... يلزمه البحث عن كافة الأسباب والعوامل التي يؤدي إلى تكون البنية التي نريد صنعها .  فصنع سيارة يلزمه التعامل مع كم هائل من العوامل والأسباب لكي يتم . 

 

السببية المرتدة :

لكن الأمور لم تحل ولم يتم التوصل لبناء تنبؤات ومعارف دقيقة جداً وبالتالي تحديد الأسباب . فوجود التأثير المتبادل بين النتائج والأسباب , منع التوصل للوصول إلى  تنبؤات ومعارف عالية الدقة . 

فعندما تصبح النتيجة هي أيضاً عامل أو سبب وتعود وتدخل في تفاعلات الأحداث , وبالتالي تغير النتيجة , ومن ثم أيضاً تعود النتيجة وتدخل في التفاعلات . عندها نحصل على نتائج متغيرة باستمرار ولا نصل لتنبؤ معين محدد .  

فوجود دارات من التفاعلات العكسية المتداخلة بين النتائج والأسباب , وتشكل دارات مغلقة من التفاعلات تجعل إمكانية التنبؤ بالأحداث صعب وغير ممكن باعتماد التفكير السببي البسيط أو الموسع .     

والسببية المرتدة هي هذه الدارات من التفاعلات العكسية بين النتائج والأسباب , وهذا ما يسمى بالتغذية العكسية .

و مفهوم التغذية العكسية أو المرتدة بشكله الواضح لم يكن موجوداً قبل القرن الثامن عشر , وقد بدأ في الظهور أولاً في المجال العملي عندما استعمل " جيمس واط " منظمه لسرعة عمل آلته البخارية . هذا المنظم كان مؤلفاً من كرتين معدنيتين معلقتين بزراعين تدوران حول محور , وحسب سرعة هذا الدوران ترتفعان إلى أعلى نتيجة القوة النابذة , وحسب شدة هذا القوة يتم إغلاق جزئي لمرور البخار الذي يحرك الآلة , فإذا تباطأت سرعة الآلة تتباطأ سرعة دوران الكرتين فتنخفضان وهذا يؤدي إلى زيادة فتحة البخار فيتسارع عمل الآلة , وهذا بدوره يؤدي إلى تباطؤها , وهكذا دواليك حتى يحدث توازن في وضع معين . وهذا كان نموذجاً مثالياً لطريقة عمل آلية التغذية العكسية , فالخرج يعود فيؤثر في الدخل بشكل سالب ( معكوس ) , أي النهاية تتحكم بالبداية.

ويمكن التعرف على التغذية العكسية بشكلها الكهربائي , من خلال أجهزة الاستقبال اللاسلكية , ففي دارة تنظيم قوة الصوت كهربائياً نأخذ جزءاً من خرج دارة تكبير الإشارة ونعود وندخله مع الإشارة الداخلة , ولكن بعد عكس اتجاهه , وذلك لتخفيف قوة الإشارة, وبذلك تقل قوة الإشارة الخارجة وبالتالي يقل الجزء المستعمل في التغذية العكسية وهذا يؤدي إلى تقوية الإشارة , فتعود وتزداد قوة التغذية العكسية وهكذا دواليك إلى أن تنتظم قوة أشارة الخرج عند حد معين , ويحدث هذا بسرعة كبيرة جداً.

والتغذية العكسية يمكن أن تكون موجبة وعندها يتسارع النمو مثال انتشار النار , وانتشار الأفكار المناسبة للمتلقين , يكون في أول الأمر بطيء , ولكن يخضع لتغذية عكسية موجبة فيتسارع . وإذا استمرت التغذية العكسية الموجبة فيمكن في بعض الحالات أن تؤدي إلى الانفجار أو الإخلال بالتوازن .

ويمكن أن تكون التغذية العكسية سالبة وعندها يتباطأ النمو ويحدث تناقص واضمحلال .

ويمكن أن تكون التغذية العكسية قسم منها موجب وقسم منها سالب , وفي هذه الحالة يمكن أن يحدث توازن واستقرار عند نقاط معينة , وغالبية دارات التغذية العكسية  المستخدمة في التحكم هي من هذا النوع , فهذه أهم خاصية للتغذية العكسية .  

إن كافة أجهزة التحكم تعتمد مبدأ التغذية العكسية , وآلية التغذية العكسية موجودة في كافة مجالات الطبيعة . ولضبط أي عمل غائي ( أي موجه نحو هدف )  يجب أن تتشكل حلقة أو دارة تأثيرات بين النتائج والمقدمات ( حلقة إعلام أو تعرف ) تساعد على التوجيه نحو الهدف , وعلى تلاؤم النتائج مع المقدمات . وهذه الخاصية يجب أن تكون موجودة في أي جهاز تسديد على هدف مهما كان نوعه أو طبيعته . 

وهذه الآلية موجودة في كافة أعمال الجملة العصبية الموجهة , وهي موجودة في العلاقات الاجتماعية والاقتصادية .. والعلم الذي يدرس آليات وقوانين دارات التغذية العكسية هو السبيرنية , وهو يعتمد على الرياضيات ( نظرية الدارات ) بشكل أساسي . 

عندما نريد إصابة أو تحقيق أي هدف مهما كان , لابد من أن نستعمل التغذية العكسية , و إلا كانت محاولاتنا عشوائية ,  وبالتالي احتمال تحقيق المطلوب تابع  للصدفة فقط . فلابد من أن تجري دارة من التأثيرات المتبادلة , وهي بمثابة رسائل متبادلة , أو تبادل إعلام , بيننا وبين الهدف . وطبيعة هذه التأثيرت المتبادلة , أو هذا الإعلام المتبادل بين الطرفين (أي نحن والهدف) هي التي تحدد النتائج . وهذا يحدث بين أي بنيتين تحدث بينهما دارة تأثيرات متبادلة .

إن النظر إلى المشاريع على أنها منظومات سبيرنية , يسهل معرفة سلوكها وتطورها , وبالتالي التنبؤ لها بدقة عالية . وكذلك يسهل معرفة حدود النمو أو التطور لأي  بنية أو مشروع .

غالباً ما يقولون خير الأمور الوسط  . إن آلية التغذية العكسية هي التي استدعت هذا القول . ففي أغلب دارات  ( والأوضاع المتزنة ) مهما كان نوعها , هناك منطقة أو مجال يحدث فيه التوازن أو الاستقرار , وينهار هذا التوازن بالابتعاد عن هذه المنطقة , إن كان ابتعاد بالزيادة , أو بالنقصان . وهذا يعني أن الوسط أو منطقة التوازن هي المطلوبة .

السيالات والمجالات أو الحقول , وخصائص كل منهما .

ولكي نتعامل مع دارات التغذية العكسية بفاعلية يجب علينا إن نتعرف على آليات وقوانين وخصائص السيالات وهي متشابهة في كافة أنواع السيالات, فالسيالات الكهربائية و سيالات السوائل و سيالات المواد أو البضائع أو النقود و سيالات المعارف أو المعلومات , كلها ذات آليات متشابهة بشكل كبير.

إن جريان أي سيالة مهما كان نوعها يعتمد على فرق القوة أو فرق الجهد أو فرق الضغط  أو فرق الحاجة أو الدافع , فيلزم لكي تبدأ السيالة بالجريان قوة كافية للتغلب على المقاومة التي تعترضها , وإذا أريد استمرار جريان سيالة في دارة يجب أن تؤمن قوة محركة كافية للتغلب على مقاومات عناصر هذه الدارة .

إن الكثير من التفاعلات التي نلاحظها في هذا الوجود تحدث نتيجة تفاعل السيالات , ولكن ليست كافة التفاعلات تعتمد على السيالات, فهناك تأثيرات وتفاعلات المجالات. والمجال هو حيز مكاني- فضاء- صغير أو كبير تنتشر فيه قوى أو تأثيرات خلال زمن صغير أو كبير, والآليات أو القوانين التي تجري فيها تفاعلات المجالات تختلف عن الآليات التي تجري فيها تفاعلات السيالات .

وكافة التفاعلات في الوجود هي إما تفاعلات بين بنيات , أو تفاعلات بين مجالات أو ضمن مجالات , أو تفاعلات بين سيالات أو ضمن سيالات , أو بين المجالات و السيالات والبنيات في نفس الوقت . 

فالإلكترون يتفاعل مع البروتون أو الإلكترون المماثل له عن طريق المجال الكهرطيسي , ففي الذرة تتشكل دارات معقدة مغلقة من سيالات كهرطيسية ( فوتونات ) بين الإلكترونات مع بعضها , وبين الإلكترونات والبروتونات الموجودة في النواة, وتنتظم هذه السيالات لتشكل طبقات الإلكترونات حول النواة وتتماسك بنية الذرة نتيجة لذلك . 

وكذلك تنتقل الإلكترونات من ذرة إلى أخرى عبر الأسلاك والعناصر الكهربائية ضمن الدارات الإلكترونية لتشكل دارات من السيالات الإلكترونية .

والفرق بين المجال و السيالة هو أن المجال شامل لحيز مكاني وخلال زمن , أما السيالة فهي كمية محددة من البنيات تكون على شكل تيار له خصائصه وشدته واتجاهه , يجري ضمن دارة معينة . 

وفي الغازات أو السوائل أو التيار الكهربائي يتوضح لنا الفرق بين المجال  و السيالة ( أو التيار )  ففيهم نجد المجالات و دارات السيالات  بشكل واضح , ففي الأجواء والبحار يوجد المجالات , و يمكن أيضاً أن توجد السيالات أو التيارات  . 

والمجالات تتفاعل مع بعضها , وكذلك تتفاعل مع التيارات التي ضمنها أو التي خارجها , وهذا ما يعقد التفاعلات التي تجري فيهما بشكل كبير جداً.

التعامل الفكري مع البنيات والمجالات و السيالات و داراتها

إن العقل البشري في تعامله مع حوادث الوجود والتنبؤ لها يقوم بتشكيل الأحداث باعتماد آلية السببية البسيطة المختزلة . فالعقل البشري لا يستطيع التعامل مع السببية الموسعة والصيرورة والجدل أو التأثير المتبادل , الموجود في حوادث الوجود بدون الرياضيات والعلوم والتكنولوجيا . فالعقل البشري بقدراته الذاتية قاصر عن التعامل مع تفاعلات المجالات, و دارات السيالات .

ويمكن أن تحل هذه المشكلة باستعمال الرياضيات المتطورة ونظرية الدارات, بالإضافة إلى الاستعانة بقدرات الكومبيوتر .

لقد استطاع العقل البشري التعامل مع بعض الحقول أو المجالات التي استطاع تعيينها وتحديدها مثل حقول قوى المجالات الفيزيائية والتنبؤ لها بدقة عالية جداً . 

أما المجالات والحقول البيولوجية, والبيئية, والاجتماعية, والاقتصادية, والثقافية فكان تنبؤه لها تابع لمقدار ما حقق لها من تعيين وتحديد, وكان هذا متواضعاً غالباً وبالتالي كانت تنبؤاته لتفاعلاتها متواضعة الدقة .

فهو عندما أراد التعامل مع التفاعلات التي تجري بين البنيات و السيالات و دارات السيالات والمجالات معاً فقد وقف شبه عاجز. فهذه التفاعلات أوسع وأعقد بكثير من أن يستطيع بالقدرات التي يملكها الآن التعامل معها بفاعلية والتنبؤ لها ولو حتى بدقة مقبولة , فتأثير المجالات والتي هي من أنواع متعددة وخصائص مختلفة على السيالات وبالتالي على البنيات التي تكونها هذه السيالات أعقد من أن يستطيع التعامل معها .

مثال على ذلك:

تأثير المجال النفسي والثقافي على السيالات الاقتصادية أو البنيات الاقتصادية , وهذا لم ينتبه له أغلب الاقتصاديين سابقاً , فقد كانوا ينظرون إلى الأمور بشكل بسيط ومختزل جداً وبالاعتماد على السببية البسيطة , ولم تراعى تأثيرات الكثير من البنيات والكثير من المجالات . ومن الأساس لم توضح السيالات والبنيات الاقتصادية و داراتها الكثيرة المتشعبة والمتداخلة مع بعضها , فهي تشبه الدارات الإلكترونية في الأجهزة الإلكترونية المعقدة . وكذلك لم توضح الكثير من الأمور مثل الخصائص والدوافع البشرية الأساسية . وكذلك الخصائص الأساسية للبنيات الاجتماعية والثقافية لم توضح بشكل جيد . ومجال تأثيرات الاجتماعية والنفسية والعلوم والتكنولوجيا والكومبيوتر والذكاء الاصطناعي لم يحسب بشكل مناسب . فحدوث تغيير أو اختراع أساسي في أحد هذه المجالات يمكن أن يغير النتائج كثيراً.

 

فالمهم والمطلوب هو إيجاد مناطق ونقاط اتزان دارات التفاعلات والتنبؤ الدقيق بها . وقدرات وآليات عمل عقلنا غير كافية لذلك , فالسببية البسيطة والسببية الموسعة التي يعتمدهم عقلنا والمنهج العلمي الكلاسيكي غير كافيين , وكذلك المنطق غير كافي للوصول لتنبؤات علية الدقة  فهو يعتمد السببية البسيطة , ولابد من استعمال الرياضيات وقدرات الكومبيوتر للتعامل مع السببية المرتدة . 

فيجب إيجاد مراكز ونقاط التوازن لدارات التفاعلات بواسطة الرياضيات والكومبيوتر . وهذا يكون بالحساب الدقيق والمطلق الصحة , ويبقى عدم الدقة ينتج فقط عن الفروق بين الأرقام والبيانات المستخدمة وما تمثله في الواقع . ففي حالة الدارات الإلكترونية  تنتج عدم الدقة عن نسبة الخطأ والتغيرات في قيم المقاومات والمكثفات والملفات والترانزستورات والجهود .... المستخدمة في الحساب وهي عادة تكون صغيرة جداً جداً في حالة الأجهزة الدقيقة .

ملاحظة أخيرة 

هناك دورات في الطبيعة تشمل المجال الطبيعي والحيوي , فهي مؤلفة من البيئة والغذاء والكائنات الحية . , وهذه الدورات تتزن بالتأثير المتبادل بين حلقاتها , وإذا اختلت أحدى الحلقات يمكن أن تنهار الدورة كلها .

وهناك تدوير المواد أو النفايات أو غيرها , وإعادة استخدامها , فبالنسبة للكائنات الحية التي تموت يعاد تدويرها فتتغذى عليها كائنات حية أخرى .

هذه ملاحظات موجزة وسريعة ومتواضعة على موضع هام وأساسي وواسع جداً