العوالم الأربعة

هناك أربع عوالم تختلف عن بعضها في عدة خصائص , وهذه العوالم :

العالم الأول : 

هو العالم المادي الذي يعرفه الجميع وهو يضم الكون المادي كواكب وأقمار ونجوم ومجرات وكافة العناصر والقوى المادية , فيضم كل ما يوجد على الأرض من جبال وبحار وبركين وعواصف . . , ويضم كافة العناصر والمركبات الكيميائية وما ينتج عنها , ويشمل أيضاً كافة المنتجات المادية التي صنعها الإنسان أو الحيوان , وهذا العالم المادي أصبحنا الآن ندركه بشكل أوسع مما كان يدركه المفكرون والفلاسفة السابقين , فنحن الآن نعرّف العالم المادي الآن بالعالم الفيزيائي الذي يشمل المادة والطاقة معاً وأنه يمكن أن تتحول إحداهما إلى الأخرى .

العالم الثاني : 

هو عالم الكائنات الحية أي كافة أشكال الحياة إن كانت نباتات أو حيوانات صغيرة أم كبيرة , ويشمل كافة خصائص هذه الكائنات , مثل الغرائز والعواطف ....., وكذلك المجتمعات أو البنيات التي تتكون من عدد من الكائنات الحية .

لقد كان جهد وفكر الإنسان الأول موجه نحو معرفة وفهم هذا العالم , وقد ميز عالم الكائنات الحية عن عالم المادة وكان يعتبر أن للكائنات الحية روح . وإن كان في كثير من الأحيان يتصور أشياء العالم المادي كأنها كائنات حية , أي كان يخلط بين العالمين المادي و الإحيائي .

العالم الثالث : 

هو عالم الأفكار أو عالم الكائنات الفكرية وهو يشمل الأفكار التي تشكلت في عقول الكائنات الحية وبشكل خاص الإنسان , ويشمل أيضاً الأفكار والمعارف المتوضعة خارج العقول  في الكتب وغيرها .

هذا العالم لم يميزه الإنسان بوضوح إلا متأخراً . لقد ميز الإنسان خصائصه النفسية أو الروحية والفكرية عن باقي الموجودات وأعطى لنفسه خصائص شبيهة بخصائص الآلهة التي ابتدعها , ولاحظ أن هناك اختلاف جذري بينه وبن الكائنات الحية الأخرى , نتيجة امتلاكه تلك الخصائص , والآن بدأت تظهر بوضوح صفات وخصائص هذا العالم " عالم الفكر" .

ويمكننا إضافة عالم رابع :

وهو عالم التكنولوجيا , و يضم كافة أشكال المنجزات البشرية المادية المصنوعة , من الفأس والسكين والمحراث إلى المحطات الفضائية . . . , والكومبيوترات و روبوتات . . .  , ومنجزات الثورة البيولوجية , وكافة المنجزات الحضارية من منشآت ومؤسسات وبنيات اجتماعية .

وهناك تأثيرات متبادلة بين هذه العوالم الأربعة تؤدي لنشوء أشياء وبنيات جديدة لا مثيل لها ولا يمكن أن تخطر على فكر . 

هل يمكن أن يتوقع أو يصدق إنسان عاش قبل 1500 سنة إلى أين وصلنا الآن ؟ 

وكذلك لا يمكننا أن نتصور ما سيحدث بعد بضع مئات من السنين . 

 

لقد نظر " كارل بوبر" إلى هذا الوجود بوصفه مكوناً من أربع عوالم وتداخلاتها وعلاقاتها وهذه العوالم الثلاث هي : 

العالم الأول : هو العالم الفيزيقي المادي . 

والعالم الثاني : هو عالم الكائنات الحية

والعالم الثالث : هوعالم الوعي والشعور والمعتقدات والميول النفسية أي العالم الذاتي . 

والعالم الرابع : هو عالم الفكر والفلسفة والعلم والفن والنظم السياسية والتقاليد والأعراف والقيم . . . إنه العالم المحتوى في الكتب والمتاحف والكومبيوتر . . , فهو باختصار عالم الحضارة الإنسانية , وأهم مكوناته اللغة .

لقد ميز بوبر بين جزأين من عالم الفكر وجعلهم عالمين , وفي رأيي هذا غير ضروري ,, وكان تركيزه على عالم الفكر 

– بعكس برغسون الذي ركز مجهوده على عالم الكائنات الحية - .

وقال أن من المهام الأساسية للعقل البشري أن يجعل العالم الذي نحيا فيه مفهوماً لنا , وتلك هي مهمة العلم أيضاً وفي هذا المشروع ثمة عنصران مكونان مختلفان وعلى قدم المساواة من الأهمية .

العنصر المكون الأول : 

هو الإبداعية الشعرية , أي سرد الأقصوصة أو نسج الأسطورة : ابتداع الأقاصيص التي تفسر العالم , والسعي لوضع أو تخيل سيناريو لما حدث في الماضي وما سوف يحدث في المستقبل , ومحاولة تفهم العالم , وحياة الإنسان وموته .

إن الأهمية القصوى لهذا العنصر المكون الأول , والذي كان قديماً قدم اللغة البشرية ذاتها . ويبدو أنه مبدأ عمومي : كل القبائل وكل الشعوب لها مثل هذه الأقاصيص التفسيرية , ويبدو أن ابتداع التفسيرات والأقاصيص التفسيرية إحدى الوظائف الأساسية التي اضطلعت بها اللغة البشرية .

أما العنصر المكون الثاني :

فهو العقلانية فذو تاريخ حديث نسبياً وهو نشأ عندما سعى الإنسان لكشف البنيات المحددة والثابتة , المضمرة في الوجود , وبناء النظريات التي تفسر صيرورة حوادث الوجود , وتمثيلها ببنيات لغوية فكرية أو مفاهيم يتم تداولها بين الناس .

وهنا نجد ضرورة الاتفاق على هذه النظريات وتوحيدها , لتحقيق تعامل الجميع بها , وإلى ضرورة أن تكون هذه لها درجة تطابق عالية مع الواقع لكي تحقق الغاية منها .

إن النظريات مهمة ولا غناء عنها لأننا من دونها لن نستطيع أن نعيش , وحتى ملاحظاتنا يتم تأويلها بمعونة هذه النظريات .

                                  عالم الفكر

إن عالم الفكر أو عالم البنيات الفكرية هو الأفكار والمفاهيم والمعارف والإبداعات الفكرية والفنية , ويضم الفلسفة و المنطق والعقائد و غالبية الفنون و كافة العلوم , وهو عالم موازي العالم الواقعي المادي ومنبثق عنه , ولكنه له عناصره و قوانينه و آلياته و خصائصه التي تختلف عن العالم المادي الفيزيائي اختلافات هامة , منها أن عالم الفكر لا يخضع للقوانين الفيزيائية و الطبيعية المادية بشكل كامل , فالمكان و الزمان , و كذلك التفاعلات يمكن أن تجري فيه بطريقة مختلفة و حسب آليات و قوانين مختلفة عن التي في العالم المادي .

ففي عالم الفكر يمكن السير عبر الزمن ذهاباً وإياباً , إلى الماضي أو إلى المستقبل وبذلك يمكن السير بسرعة أكبر من سرعة الضوء , ويمكن إجراء تفاعلات كثيرة لا يمكن أن تجرى في الواقع الفيزيائي .

إن هذا يجعل عالم الفكر أوسع و أشمل و صيرورته أسرع من العالم المادي بكثير 

ففي عالم الفكر يمكن التحرر من أسر الواقع المادي وتفاعلاته المحدودة بالمكان و الزمان و القوانين الفيزيائية , والانطلاق عبر الزمان ( عبر التاريخ ) و القيام بتفاعلات وتجارب فكرية يستحيل إجراؤها مادياً أو واقعياً .

والتفاعلات الفكرية يمكنها أن تستبق تفاعلات الواقع الفيزيائي بواسطة التنبؤات و التصورات أو التخيلات المرتكزة على العلوم الوضعية والواسعة والمتطورة . 

و إمكانيات عالم الفكر في المساعدة في تحقيق الأهداف و الغايات و المشاريع و الدوافع الفردية و الجماعية هائلة جداَ , مثال : الفكر الديني و هو جزء من عالم الفكر , يقوم بدور كبير و فعَال للكثير من الناس .

و وجودنا , هو وعينا , وهو موجود في عالم الفكر .أي نحن كشعور ووعي موجودين في عالم الفكر فقط . 

                              الكائنات الفكرية أو الأفكار   

إن الكائنات الفكرية أو البنيات الفكرية هي : بنيات غير مادية والأفكار هي شكل متطور من أشكال الكائنات الفكرية , وهي تكون عالم الفكر. 

مثلما نشأت الكائنات الحية من العناصر والمركبات الكيميائية بعد أن تفاعلت حسب القوى والآليات الموجودة , كذلك نشأت الكائنات الفكرية في الأجهزة العصبية لدى الكائنات الحية . وكان نشوؤها متسلسل ومتطور , إلى أن وصلت إلى ما هي عليه لدينا في الوقت الحاضر

فالكائنات الفكرية تتكون في أول الأمر - أوفي شكلها الخام - في الجهاز العصبي من السيالات العصبية الكهربائية الواردة من المستقبلات الحسية . 

فالمتقبلات الحسية بكافة أشكالها  تحول - أو ترمز -  بعض أنواع التأثيرات الفيزيائية - ضوئية , صوتية , حرارية , ميكانيكية , كيميائية , إلى نبضات عصبية كهربائية على شكل سيالات كهربائية عصبية , ترسل إلى الدماغ الذي يقوم بتقييمها وتصنيفها بناءً على نتائج تأثيراتها على الجسم , إن كانت مفيدة أو ضارة أو محايدة , ثم يقوم بالاستجابة بناءً على ذلك .  

لقد كانت هذه البنيات بمثابة وسيلة إعلامية , وكذلك وسيلة تنفيذية تقوم بالاستجابات أن كانت استجابات كيميائية فزيولوجية , أو حركية , وتطورت ليصبح جزء منها حسي واعي .

ولدى الإنسان الذي يعيش في مجتمع تطورت هذه البنيات الفكرية العصبية , فترابطت سلاسل لتشكل  بنية فكرية متطورة - العقائد والفلسفات والعلوم . . . - . 

لقد حدثت قفزة كبيرة عندما مثلت بعض البنيات الفكرية بإشارات - أصوات وتعبيرات وحركات تدل عليها , وهذا أدى لنشوء البنيات اللغوية . فهذه الدلالات - أو البنيات اللغوية الفيزيائية - عادت ودخلت إلى الدماغ  كمدخلات حسية , و تحولت من جديد  لبنيات فكرية خام وأصبحت بنيات فكرية دلالية أو لغوية , فهي ترمز أفكار تم إرسالها من إنسان لأخر . 

وبذلك نشأت وسيلة تستطيع بها هذه البنيات الفكرية الخروج من الدماغ أو العقل الذي نشأت فيه الانتقال إلى دماغ أو عقل آخر , أي نشأت وسيلة  للتواصل بين الناس . 

وهذا يتم بعد أن تتحول البنيات الفكرية اللغوية إلى بنيات فيزيائية لغوية دلالية - مؤثرات فيزيائية إشارات وأصوات وحركات وإيماءات -  فإذا تلقتها حواس إنسان آخر يمكن أن تصل إلى دماغه وتتحول إلى بنيات فكرية لغوية ثم إلى بنيات فكرية , هذا إذا تم فك رموزها . 

و بهذ استطاعت البنيات الفكرية أن تنتقل من دماغ إنسان إلى أخر , وتصبح مهيأة لكي تتوضع فيه . أي يمكن أن تتحول البنيات الفيزيائية الدلالية أو اللغوية , إلى بنيات فكرية عصبية , وتتوضع في دماغ المتلقي - وكانت هناك أفكار كثيرة بقيت في عقول صانعيها ولم تخرج وماتت معهم - , وهذا لا يحدث إلا إذا وجدت بيئة مناسبة لها , فيجب أن تنسجم وتتوافق مع البنيات الموجودة , ولا تناقضها . 

هذا إذا تم فهمها - أي تم تمثيلها ببنيات فكرية مناسبة - , وليس ضرورياً أن تكون  البنية الفكرية المتكونة مطابقة للأصل الذي كانت عليه في دماغ المرسل , أي يعاد تشكيلها حسب قدرات وخصائص الدماغ المتلقي , لذلك هي غالباً ما تتعرض للتعديل والتغير عندما تنسخ في عقل المتلقي .

إن الأفكار تنتقل من عقل إلى آخر , فيتم نسخها وانتشارها في أدمغة الكائنات الحية المتطورة وليس الإنسان فقط  , وهذا يشبه توالد وانتشار البنيات الحية التي تنسخ وتنتشر بالتوالد . 

وكذلك تتطور الأفكار وتنشأ أفكار جديدة مثلما تتطور وتنشأ البنيات الحية , والأفكار تولد وتموت مثل الكائنات الحية , والأفكار تدافع عن نفسها وتحافظ عليها . 

ويمكن تشبيه الأفكار أيضاً بالجينات أو الفيروسات , فهي تنتقل من عقل لآخر , كما تنتقل الفيروسات من جسم لآخر .

وكما ذكرنا , لكي تنتقل وتنسخ وتنتشر الأفكار في العقول لابد من توفر عوامل وظروف معينة , وأهم هذه العوامل هي :

أولاً : الاتصال بين العقول , وذلك بحدوث النقل والتلقي أو التواصل , وبالتالي التوضع أو التخزين , وذلك بوجود أي نوع من اللغة -  إشارات شمية , أو أشارات بصرية , أو إشارات صوتية . ., بالإضافة إلى جاهزية الحواس والعقل , للتواصل والتلقي المناسب . 

ثانياً : عدم وجود ما يمنع من تبني الأفكار, فوجود أفكار سابقة يؤثر على الانتقال والتبني للأفكار. وكذلك عدم جدوى هذه الأفكار  .

ثالثاً : المحاكاة والتقليد والتي تملكها غالبة الكائنات الحية , تؤثر بشكل كبير على انتشار الأفكار لدينا.

                                      قوى الكائنات الفكرية

إن الكائنات الفكرية تستخدم عقل الإنسان لحمايتها , فبعد أن تتوضع في دماغه , تدفعه للدفاع عنها والسعي لنشرها في العقول الأخرى , وهي تقاوم الكائنات الفكرية الأخرى , وتسعى لمنعها من الدخول إلى الدماغ الموجودة هي فيه . 

فالفكرة متى دخلت العقل و توضعت فيه , تمنع الأفكار الأخرى من الدخول و التوضع , إذا لم تكن متسقة معها أو تناقضها . فهي تقبل دخول الأفكار التي تؤيدها أو التي تنسجم معها ولا تخالفها . 

" إن عدداً لا يحصى من البشر منذ العصور القديمة حتى العصور الحديثة , على استعداد لأن يعيشوا ويموتوا من أجل اقتناعاتهم , من أجل الأفكار – الأفكار التي يعتقدون أنها صحيحة . ويمكن القول إن الإنسان لا يبدو حيوانا عاقلاً أكثر منه حيوانا أيديولوجياً ."

إذاً الأفكار والمفاهيم والمعارف تتفاعل مع بعضها ضمن الدماغ , فتتطور وتتشكل أفكار جديدة , و تسعى للخروج من الدماغ الذي تكونت فيه والدخول إلى الأدمغة الأخرى .

وكما قلنا تتصارع هذه الكائنات الفكرية مع بعضها , وهي تشكل مجموعات - أحزاب - متعاونة مع بعضها , وتتصارع مع الأحزاب الأخرى . فيهزم بعضها , ويتراجع انتشار بعضها , ويزداد انتشار المنتصر . ويمكن أن تقضي على منافسها أو توقف انتشاره , وتموت مع موت الدماغ الحامل لها , ولكن يمكن أن يبقى نسخ منها في عقول أخرى . وهذا يشبه ما يحصل للغات عندما تنتشر أو تنحسر أو تموت , لأن اللغات هي  في أساسها صورة أو ممثل للبنيات الفكرية  .

إن الأفكار والعقائد والأحاسيس والانفعالات البشرية , تنتقل نتيجة العلاقات الاجتماعية , وبشكل خاص عن طريق العلاقات الأسرية , وبالذات عن طريق الأم , فللأم الدور الأكبر( بالإضافة للأب) في نقل البنيات الفكرية , وتنقل أيضاً التقييمات الأساسية التي تحدد المفيد أو الضار. فهي التي تعلم طفلها كيفية اختيار طعامه , وكيفية تعامله مع الأوضاع التي تصادفه . بتعليمه أسس تقييم هذه الأوضاع من ناحية فائدتها أو ضررها له . فهي بالإضافة لأفراد أسرته والمتعاملين معه , يزرعون في عقله أو يبرمجون عقله . فهم ينقلون له الأفكار والمعارف والعقائد والمشاعر ..., التي هم توارثوها أيضا من أسرهم و مجتمعهم . 

صحيح أنه الآن يوجد الإعلام , الممثل بالمدارس وباقي طرق التعليم , بالإضافة إلى الراديو والتلفزيون وكافة وسائل الإعلام . وهي غالباً ما تساعد على توحيد ما يتم نشره في أغلب العقول . ولكن يبقى الكثير من الاختلافات التي ينشرها هذا الإعلام الموجه , مع ما يكتسب من الأسرة والمحيط القريب الموجود فيه الفرد.    

إن هذه الظاهرة هي من أهم أسباب الاختلافات والتناقضات الفكرية والعقائدية بين البشر , وذلك نتيجة توسع العلاقات البشرية لتشمل مجال واسع , من الجماعات مختلفة بالأفكار والعقائد والقيم, وهي التي تولد الآن أكثر الصراعات بين البشر. 

فالبنيات الفكرية تتصارع مع بعضها , فكل بنية فكرية تسعى لكي تتوالد وتنتشر في العقول , وتسعى إلى منع غيرها من البنيات الفكرية من الانتشار في تلك العقول , وهي تدافع عن بقائها وانتشارها تجاه الأفكار الأخرى . وهي تستخدم في صراعها هذا كافة قدرات الإنسان الفكرية والمادية والاجتماعية والاقتصادية ... , 

والملاحظ  أن انتصار الأفكار وانتشارها في العقول , مرتبطة بالقدارات التي يملكها الذين يتبنوها ويدافعون عنها , وعددهم في المجتمع . وذلك بغض النظر عن صحة أو دقة  أو فائدة هذه الأفكار .

فإذا حدث جدال فكري ( أو صراع بين البنيات الفكرية) بين شخصين أو فريقين , فالنصر سوف يكون للذي يملك قدرات أكثر ويستخدمها في هذا الصراع , وسوف يكون لعدد أفراد الفريق تأثير كبير في تحقيق النصر . وذلك بغض النظر عن دقة أو فائدة الأفكار المنتصرة . 

وهذا ينطبق على كافة أشكال البنيات الفكرية , إن كانت عملية , أو عقائدية , أو علمية .....  

فالذي يقرر بقاء البنيات الفكرية , وانتشارها في أكبر كمية من عقول أفراد المجتمع , هو ما يلي :

1 – عدد الذين يتبنوها في المجتمع , فمهما كانت الأفكار دقيقة أو مفيدة ولكن الذين يتبنوها قلائل جداً , فهي لن تنتشر .

2 – ارتباطها مع بعضها ومع المنتشر في المجتمع , فكل الأفكار التي تناقض أو لا تنسجم مع ما هو موجود سوف تقاوم وتمنع من الانتشار , وبغض النظر عن دقتها أو فائدتها .

3 – كمية القدرات الفكرية والمادية والاجتماعية . . , التي يملكها من يدافع عنها ويسعى لانتشارها .

4 – توافقها مع الأوضاع والظروف المادية والاجتماعية والاقتصادية . . . , الموجودة في المجتمع . لذلك عندما تتغير الأوضاع والظروف , يصبح احتمال انتشار أفكار جديدة أكثر , لأن الأوضاع الجديدة تؤدي إلى ظهور ضعف وعدم جدوى الأفكار غير المفيدة المنتشرة في العقول . وهذا يساعد في نمو وانتشار الأفكار الأصح والأفضل , للأفراد وللمجتمع ككل .

 

إن هذه الكائنات الفكرية معنا منذ زمن وهم يقودوننا ويتحكمون بنا ويفرضون علينا تأثيراتهم وقواهم , وفي كافة مجالات حياتنا , صحيح إنهم لن يقضوا علينا , ويمكنهم أن يساعدوننا في كافة المجالات  , و يستطيعوا أن يساعدوننا في حل أهم مشكلة بالنسبة لنا وهي الموت ويستطيعوا أن يفتحون لنا الكثير من مجالات الوعي والإحساس , وكذلك ممكن أن يحدث العكس .

 

والدكتور المنصف المرزوقي يقول عن الكائنات الفكرية :

" إن الإيديولوجيا كائن حي بأتم معنى الكلمة . فالحياة ليست خصائص الكائنات البيولوجية فحسب , وإنما هي من خصائص الكائنات الفكرية أيضا . 

والكائنات لا تموت بسهولة , وإنما تقضي جزءا هائلا من الحياة في محاولة يائسة للبقاء الدائم إذا أمكن . 

لذلك سنرى أن كل إيديولوجيا تسخر كل ما يمكن تسخيره من ناس وفكر وعنف للسيطرة والديمومة , لكن قانون الكون الأول لا يسمح لأي حي بالخلود لأن قانونه هو التغير الدائم . 

لذلك أقول أن على المرء أن لا يتعجل الطبخة وأن لا يحاول التصدي لها , فقوانين الكون الجبارة سارية المفعول على أجسامنا ومعتقداتنا مهما تشبثت بالحياة . 

ومن ثمة , فإنني أجزم أن الصراع بين الأصالة والتفتح , الإيمان / والإلحاد , والعقل / النقل , والمعقول / و اللامعقول وسائر ما يطلق من التسميات لوصف بعض المضاعفات الفكرية والسياسية هنا وهناك الناتجة عن التطاحن التكنوإيديولوجي لحضارتين مختلفتين سيتواصل زمنا لا يمكن تحديده بالضبط وأن نفس العملية ستجدد على مر العصور كلما تغيرت المعطيات التكنولوجية , وأن قوى التحرر والاستبداد ستستمد دوما أسلحتها من هذا الصراع وتشارك فيه بهذه الأسلحة . 

هل يعني هذا أننا مسيرون لا مخيرون لا من قبل قوة غيبية قاهرة ولكن من طرف قوة تكنولوجية , إيديولوجية . وأن علينا أن نكتفي بمحاولة الطفو على سطح هذا المحيط المضطرب الذي تتحرك في أعماقه طبقات جيولوجية جبارة لا قبل لنا بالتعرض لها , والقول أننا دورنا على تواضعه في دفع المشروع التحرري إلى الأمام يقتضي منا دوما أن نحاول إضافته إلى ما يغلى في قدر التاريخ دون أن نجزم بشيء . 

يصبح السؤال عندئذ ما الذي يمكن أن نضيفه من تصورات وأفكار تكون في خدمة التحرر بعد أن اقتنعنا بالنصف الآخر للمعادلة أي ضرورة هضم البديل التكنولوجي والعمل دوما على تطويره ؟ 

لنركز من جديد على أن الثورة التكنولوجية تولد الثورة الإيديولوجية وتتولد عنها في إطار العلاقة الدائرية والترابط الوثيق الذي يجب أن لا نغفل عنه لحظة واحدة ."

 

يمكن اعتبار الإنسان , والبنيات الفكرية , والبنيات التكنولوجية الآن هم البنيات الأكثر تطوراً في هذا الكون , فهم على قمة سلسلة البنيات التي تشكلت حتى الآن . 

فبنشوء الكائنات الفكرية المتطورة ودخولها في التفاعلات متبادلة مع البنيات التكنولوجية المتطورة والتي يتم نشوء المتطور منها باستمرار , وبمشاركة الإنسان وما يملك من دوافع وغايات ورغبات , صار كل منهم يساعد وينمي الآخرين , وتسارع نمو وتطور الثلاثة معاً , وهذا أحدث أو سوف يحدث قفزة في سلسلة تطور بنيات الوجود لا يمكن لنا تصور أبعادها . 

فهذه القفزة يمكن تشبيه تأثيراتها , لا بانفجار "سوبر نوفا" بل بانفجار "كوزار" من حيث تأثيراتها الكبيرة , على سرعة تطور بنيات الوجود وتشكل البنيات الجديدة .

وبالنسبة لنا فالمستقبل سوف يكون مختلفاً وهائل الاختلاف عن كل ما يمكن أن نتوقع , وعلى كافة المستويات والمجالات , ولكن غالبيتنا لا تدرك ذلك وحتى أنها لا يمكن أن تتخيله .

 

المصادر

 

أسطورة الإطار ( في الدفاع عن العلم والعقلانية) تأليف  كارل ر . بوبر سلسلة عالم المعرفة العدد 292

سجن العقل  للدكتور المنصف المرزوقي

قوى الإقناع ** ديفيد ويلتش   ترجمة د. شعبان عبد العزيز عفيفي مجلة الثقافة العالمية العدد 100

تأملات في الحروب الثقافية ** يوجين جودهارت  ترجمة عاطف أحمد  مجلة الثقافة العالمية العدد 100

الدماغ والفكر**   .  تشالز  فيرست    ترجمة د. محمود سيد رصاص      دار المعرفة دمشق 1993

اللعبة والصفقة والوجبة  تأليف نبيل حاجي نائف     الناشر الأهالي للنشر والتوزيع   2005

الدماغ واللغة*    ر.ا. دماسيو ه. دماسيو مجلة العلوم الكويت م 10 عدد 5