قوة الأفكار . . كيف يصنع المستقبل 

إن ما يعتقده الناس أنه سيحدث له تأثير حاسم على ما سوف يحدث فعلاً، وقد أوضح أحد البنائين ذات يوم كيف أنه من المهم جداً أن يجعل الناس يعتقدون أنه سيبنى فعلاً بناية، وآنذاك سوف يحصل على الأموال من البنك وعلى رصيد من الممولين، وستشيّد البناية فعلاً. وهكذا، فصورة المستقبل التى يحملها الناس فى عقولهم تلعب دوراً حاسماً فى تقرير المستقبل فعلاً، وهناك الكثير من الأمثلة التى تؤيد ذلك، وقراءة الطالع يمكن أن تكون مثالا.

 

إن الأفكار عن عالم المستقبل، التى يشار إليها أحياناً بتصورات المستقبل، قد تكون مهمة جداً، فالناس يرون أن أعمالهم مبنية على أحداث ماضية ووقائع حالية، ولكن تصوراتهم للمستقبل ربما تلعب دوراً أكثر دقة وحسماً. إن المؤرخين مولعون بالقول إن دراسة الماضى يمكن أن تساعدنا فى التنبؤ للمستقبل، ويوافق المستقبليون على ذلك، ويبينون أن أفكارنا وتصوراتنا جميعها عن المستقبل قد جاءت بالضرورة من معرفة ودراسة الماضي، فما حدث فى الماضى ويحدث الآن هو مصدر إرشادنا إلى ما قد يحدث فى المستقبل.

ويمكن تعريف المستقبليات بأنها "التاريخ التطبيقي" فهى تنشط وتتقوى حيث يتوقف التاريخ، والمستقبليون لا يقنعون بمجرد فهم ما حدث فى الماضي، فهم يريدون أن يستخدموا معرفتهم لتنمية فهم المستقبل، ويؤكدون أن المستقبل، لا الماضي، هو بؤرة الفعل الإنساني، وأن قيمة الماضى هى امكان استخدامه لإنارة المستقبل.

 

إن أبسط التوقعات أو التصورات للمستقبل هى أنه سيبقى مثل الماضي، والافتراض التالى هو أن الأمور سوف تتغير بالطرق نفسها التى تغيرت بها فى الماضي، أى أن التغيير الذى لوحظ فى الماضى سوف يستمر فى المستقبل على نفس الشكل والوتيرة. فإذا عرف أن عدد سكان مدينة يتزايد بمعدل 2% سنوياً نفرض أنه سيستمر كذلك فى المستقبل، أى نسقط طريقة تغير الأحداث التى حدثت فى الماضى سوف تكون نفسها فى المستقبل، ولقد ظهر أن هذه الطريقة غير دقيقة.

 

والمبدأ الثانى الذى يمكن أن ندعوه "مبدأ القياس"، وهو مبنى على ملاحظتنا أن نماذج معينة من الأحداث تتكرر أو تتشابه من وقت لآخر "الاستقراء والتعميم" أى ان هناك مؤشرات رئيسية تدل على ما سيحصل مثل: حين حدوث انخفاض فى مقياس الضغط الجوى نتنبأ أن عاصفة قادمة. ونحن جميعنا نستخدم القياس فى تكهناتنا وتنبؤاتنا اليومية. وبعض المجتمعات وبخاصة فى الشرق بالنموذج الدوراتى - أى تكرار دورات الحوادث أو التاريخ باستمرار.

 

إن معرفة الماضى لا تصبح آلياً معرفة للمستقبل، فهذه الثانية يجب أن ينشئها استخدام المعطيات المتوفرة عن الماضى كمادة خام لصياغة أفكار وتنبؤات عن المستقبل، ونحن نستخدم من أجل هذه الصياغة عددا من الأدوات العقلية وخبرتنا فى استخدام تلك الأدوات وهى المفاهيم والنظريات. وتلعب رغباتنا دوراً رئيسياً فى تشكيل أفكارنا عن المستقبل، فنحن نشعر بالعطش ونطور فكرة للحصول على الماء، ونحس بالملل ونطور فكرة للقيام بنزهة، وكثيراً ما تخفض مرتبة التفكير بما يسرّنا إلى مرتبة أحلام اليقظة، ولكن أحلام اليقظة يمكن أن تساعدنا على كشف ما نريد، فهى بذلك قد تلعب دوراً رئيسياً فى مساعدتنا على اتخاذ القرارات الصائبة، إذ باستكشاف الأفكار المرضية السارة وغير السارة قد ننمى مفهوماً عن الأهداف التى نريد تحقيقها.

 

      

المستقبل يُصنع

إن كل مفكر أو كل إنسان يستطيع السير بالتفكير، بسرعة أكبر من السرعة التى تجرى فيها الأحداث فى الواقع، فانه يتخيل أو يتوقع المستقبل، وكذلك يستطيع السير إلى الماضى عن طريق عكسه الأحداث أو التحليل، فهو يستطيع أن يعرف "أى يتنبأ" بالأحداث أو نتائج تفاعلات بين أشياء أو بين بنيات، حدثت فى الماضى أو سوف تحدث فى المستقبل، وكذلك يستطيع أن يتنبأ بحوادث أو تفاعلات لم يتأثر إلا بجزء قليل منها، فهو يكمل ما ينقصه ويضع تصور لتلك الحوادث. فهو يقوم بوضع سيناريو لما يمكن أن يكون حدث، أو ما سوف يحدث، وتزداد دقة سيناريو الذى يضعه للمستقبل أو للماضى باستمرار لتقترب من الواقع الفعلى لهذا المستقبل أو ذلك الماضي. والسيناريو شائع جداً، فهو ببساطة سلسلة من أحداث التى نتصورها تجرى فى المستقبل.

ويمتلئ تفكيرنا اليومى باقتحامات بسيطة لغامض عالم الغد أو الأسبوع التالى أو السنة الآتية، وهى جميعها سيناريوهات وإن كانت سيناريوهات بسيطة مختزلة. ويبدأ السيناريو حين نسأل مثلاً: "ماذا يحدث إذا وقع هذا أو ذاك؟"، أو "ماذا سيحدث إذا ذهبنا المساء إلى المسرح؟" ونحن ما أن نطرح السؤال نبدأ نتصور شتى نتائج الحدث. وفى عقولنا ربما نطور عدداً كبيراً من السيناريوهات فى كل مرة نفكر فى مشروع أو قضية. فالسيناريو أو التفكير المستقبلى يمكن أن يمنحنا فرصة النجاة من وضع سيء محتمل، أو تحقيق فرصة رائعة.

إن هذا التنبؤ أو السيناريو الذى تم تصوره يمكن أن يكون له تأثير كبير، فكل تنبؤ مستقبلى يكون له تأثيرات على الحاضر، فهذا المستقبل المتصور أو المتخيل وإن كان أفكار يتفاعل مع الحاضر ويؤثر فيه، فالتفكير والتنبؤ المستقبلى تأثيراته أكبر مما نتصور.

فالفلسفات والعقائد والأديان كان تأثيرها الكبير نتيجة الرؤيا المستقبلية، وهى أفكار ومبادئ وتوجهات التى قامت ببنائها، وفرضها أو نقلها إلى عقول المتلقين. فهذه الأفكار راحت تعمل إما على دفع الأحداث لتسير حسب السيناريو المتخيل وتساهم فى تحقيقه، أو تعمل العكس، أو تدفع الأحداث لتسير فى اتجاه آخر، نتيجة تأثيراتها على توجهات الذين يتبنونها.

ونحن إذا نظرنا إلى غالبية هذه السيناريوهات التى وضعت للمستقبل المتخيل أو المتوقع نجد أن من قام ببنائها اعتمد على ما اكتسبه من معارف ومعلومات من مجتمعه وعلى دوافعه ورغباته وآماله، وهذه كانت تأثراتها الأهم فى تشكيل الأفكار والتخيلات المتوقعة للمستقبل.

إن كافة الأساطير والعقائد والفلسفات هى ناتج التصورات المستقبلية التى قامت بها عقول مميزة، وقام رفاقهم بتبنيها واعتمادها. إن غالبية المفكرين أو الكتاب "إن لم يكن كلهم" يميلون أو يسعون إلى فرض رؤياهم الخاصة عن المستقبل على غيرهم، إما أن يقولوا أن المستقبل سوف يكون رائعاً، أو مريعاً، أو غير ذلك، ويقوما بحشد البراهين التى تدعم وجهة النظر التى تبنوها، ويضعوا السيناريو الذى يدعم رؤياهم، ويفرضونه على المتلقين. فيقوم كل من هؤلاء بتبنى ما يتفق مع ميوله ودوافعه وقيمه ويرفض ما لا يتفق معها، وغالباً يسعى لتحقيق السيناريو الذى اقتنع به وتبناه.

إن الناس قسمان، الأول، هم المحافظون وهم الذين يحافظون على الموروث الفكرى أى كان ويعطونه الأولوية فى قراءة الحاضر والمستقبل، ويكون مفهومهم للحاضر والمستقبل منحازا للماضي.

والثاني، هم المجددون والمطورون وهم يسعون دائما للتغيير والتطور، ويكون مفهموهم للحاضر منحازا للمستقبل الذى يتصورونه، وحتى هذا المستقبل المتصور نفسه فانهم يغيرونه ويطورونه أحياناً. إن المستقبليين، وهم مقتنعون تماماً أن الأفكار تستطيع إزاحة الجبال، مهتمون جداً بالتنمية المنهجية للأفكار.

فتصورات المستقبل هى المخططات التى نستخدمها فى بناء حياتنا، وقد تكون أهم من المواد التى نعمل بها " أجسامنا وأسرنا ومواردنا....." فى تقرير نجاحنا وسعادتنا. فكما يمكن إشادة بناء إذا اعتقد الناس أنه سيشاد، فانه يمكن أيضاً إقامة عالم مستحب مرغوب فيه إذا أمكن تصوره بشكل صحيح. ويمكن للريادة المستقبلية أن تمنح الناس مجموعة مفيدة من المفاهيم يمكن أن تساعدهم فى التعامل مع عالم سريع التغيّر، وتشمل هذه المفاهيم على:

ا - المستقبل ليس ثابتاً فهو يشمل على مجموعة منوعة من البدائل نستطيع منها اختيار ما نريد أن ندركه ونفهمه،

ب - التغيرات الصغيرة تصبح بمرور الوقت كبيرة،

ج - عالم المستقبل على الأرجح مختلف جذرياً من نواحى عديدة عن عالم الحاضر،

د - الأساليب والطرق الناجحة فى الماضى ربما لا تفيد فى المستقبل بسبب الظروف المتغيرة. يمر العنصر البشرى الآن بأسرع تغيير فى تاريخه، إلا أن ثمة القليل من الاتفاق على "أين يقود هذا التغيير" أو "ماذا قد يكون معناه ونتيجته النهائية".

ولكننا نعلم مؤكداً، فقط، أن إعصاراً من التغير يجتاح المؤسسات الإنسانية كافة، وليس ثمة من قوة معروفة تستطيع إيقاف التحول الشامل.

 

إن التغير الهائل فى حياة الناس يبين سرعة هذا التحول. والكثير من المفكرين يعون وعياً تاماً أن الحياة الإنسانية تتغير الآن تغيراً جذرياً.

 

 

 

 

 

بعد نشر كتاب ألفين توفلر "صدمة المستقبل" عام 1970 دخلت ظواهر التغير الجذرى وعى الكثير من الناس فى جميع أنحاء العالم، ولكن الآن يظهر أن التغير الحاصل أكبر وأسرع وأشمل مما تصوره توفلر، فالتغير يتوالد ويتكاثر بنفسه، فيتسابق أسرع وأسرع فى حياتنا. واليوم يبدو التغير أنه الشيء الثابت الوحيد فى حياتنا. وباختصار، فإن التغير عملية تتغذى على نفسها، فكل تغير يقود إلى المزيد من التغيرات.

 

واليوم يعانى أناس كثيرون من صدمة المستقبل بسبب وتيرة التغير السريع، فهم انسحبوا من عالم بات غريباً عليهم ويستحيل فهمه "ماضيهم الموروث" وباتوا، إلى حد كبير، غير أكفاء للتعامل مع عالم اليوم، فإذا تسارعت وتيرة التغير "كما يبدو محتملاً جداً" فإن المزيد من الناس قد يصبح إلى حد ما غير كفؤ فى التعامل مع الحياة.

لذلك على الناس كى يعيشوا حياة ناجحة أن يتعلموا تقبّل حقيقة أن المجتمع يتغير، وأن الريادات المستقبلية وسائل فعل ذلك، فجعل الناس يألفون الأشياء التى قد يواجهونها مستقبلاً يساعد على توفير التهيئة النفسية.

 

دور التكنولوجيا

ويعزى التغير الشامل والسريع الذى نتعرض له الآن إلى تقدم التكنولوجيا. وكثيراً ما يظن أن التكنولوجيا تتألف من أشياء مثل الآلات والكيماويات، ولكنها، وبالمعنى الأوسع، تشمل كل المعرفة العلمية ومنها معلومات عن أى النباتات هى الأصلح للأكل، وأى الحشرات تحمل أمراضاً، وكذلك الكلمات والبنى القواعدية التى نتواصل بها، ونماذج الواقع التى نفكر بها، و الترتيبات الاجتماعية التى وجدناها فعالة. وبالمعنى الأوسع يمكن تعريف التكنولوجيا بأنها القدرة على فعل الأشياء، ولا يستثنى إلا المعرفة غير العلمية وقيمنا وتقييماتنا.

 

لقد كانت المهن التى يزاولها الإنسان بضع مهن، وكان يرثها من آبائه وأجداده، وصارت تتزايد خلال الزمن، وكان نشوء مهن جديدة قليل الحدوث، ويتم كل بضع عشرات من السنين أو حتى كل مئة سنة، فصار زمن نشوء المهن الجديد يتناقص وتزايد هذا التناقص، ونشأت وظائف متعددة والاختصاصات فى كافة المجلات، والآن أصبحت سرعة نشوء المهن الحديثة يستلزم أن يقوم العامل أو المهنى بتطور نفسه بواسطة التعلم والدورات كل بضع سنين ليواكب التغيرات السريعة الجارية إن تأثيرات التقنية أدت لتغير الكثير من المهن وخلقت مهن جدية لا حصر لها، فالنمو السريع فى التغيرات التقنية يجعل المهن القديمة شيئاً من الماضى لأن هناك مهناً جديدة ستحل محلها، وفى المتوسط سيغير الناس مهنهم أو يطوروها كل عشرة أعوام، وهذا لم تستوعبه الكثيرون منا، فما زالوا يعتمدون المفاهيم القديمة عن المهن التى يعرفونها.

 

يبدو أن العالم الآن مندفع إلى حالة يمكن أن يوصف فيها بأنه محفوف بالمخاطر.

وكثيراً ما يوصف العالم الحالى بأنه خرج على السيطرة، أو بأنه حالة فوضى عالمية، وهذه الرؤى المفزعة تبدو منحازة، لأننا نشهد أيضاً زيادة مستمرة فى التقدم التكنولوجى وفى مستوى التعليم على نطاق العالم، وكذلك نشهد تقدم بمستوى دخل الفرد بشكل عام، وثقة محدودة بالهياكل الاجتماعية المحددة، وصعود العقلانية فى تنظيم العمل والتمويل والسياسة والأخلاق والدين. وكان استخدام المنتجات التكنولوجية المختلفة على مستوى العالم هو اتجاه لتشكل ظاهرة العولمة التى باتت تحيط بكل شيء.