ليس هناك من أفكار شائعة خاطئة في علم النفس المختص بعالم الأعمال كالّتي تقول أنّ ارتفاع الثقة بالنّفس هو مفتاح النّجاح في الحياة المهنيّة. حان الوقت لدحض هذه الأسطورة! ففي الواقع، يبدو أنّ انخفاض الثّقة بالنفس يزيد من إحتمال بلوغنا النجاح.

بعد سنوات عديدة من البحث والتشاور، إستنتجت أنّ الثّقة بالنّفس مفيدة فقط عندما تكون نسبتها منخفضة. من الأكيد أنّ الثّقة بالنفس المنخفضة جداً أو الشبه معدومة لا يمكن أن تكون مفيدة: فهي تمنع الأداء الصحيح من خلال مشاعر الخوف والقلق والإجهاد التي تسبّبها، والّتي قد تدفع النّاس إلى الإستسلام في نهاية المطاف. لكنّ الثّقة المنخفضة بما فيه الكفاية وبدرجة مقبولة تساعدك على إعادة تقويم أهدافك بحيث تكون (أ) أكثر واقعية و (ب) قابلة للتحقيق .

إذا كانت ثقتك بنفسك منخفضة، بنسبة غير مبالغ بها، فرصتك بالنجاح أفضل مما قد تكون لو أنّ ثقتك بنفسك عالية جداً. وهناك ثلاثة أسباب رئيسيّة لذلك:

1- إنخفاض الثّقة بالنّفس يجعلك تبدي اهتماما لردود الفعل السلبية الّتي تتلقاها من غيرك ويدفعك إلى النقد الذاتيّ: معظم النّاس ينحازون إلى تفاؤلهم المبالغ bih، فيميلون إلى الاستماع إلى ردود الفعل الإيجابية وتجاهل الإنتقادات السلبيّة. على الرغم من أنّ هذا قد يساعدهم على الظهور واثقين أمام الآخرين، غير أنّ كلّ عمل نقوم في أيّ مجال من مجالات الإختصاص (التعليم، والأعمال التجاريّة، والرياضة، أو الفنون المسرحيّة) هو بنسبة 10٪ أداء و 90٪ إعداد مسبق . لذلك، فإنّ وعينا المسبق بنقاط ضعفنا يساعدنا على إنجاز أداء ناجح.

قد يحولك إنخفاض الثّقة بالنّفس إلى شخص متشائم، لكنّ التشاؤم الممزوج بالطموح ينتج في غالب الأحيان أداء مميز. لتكون بأفضل حالتك وأدائك في أيّ عملٍ تقوم به، سوف تحتاج إلى أن تكون النّاقد الأكثر قسوة على نفسك، ما هو مستحيل عندما تبدأ بعمل مع ثقة عالية بنفسك. فالأشخاص الذين قاموا بإنجازات إستثنائيّة بدؤوا دائماً بمستويات منخفضة من الثّقة بالنّفس، ثم تدرّبوا بجديّة ومارسوا عملهم باستمرار حتّى وصلوا إلى مستوى مقبول من الكفاءة. ففي الواقع، النّجاح هو أفضل دواء لانعدام الثّقة والشعور بالأمان.

2- قلّة الثّقة بالنّفس تدفعك إلى العمل بجديّة وإعداد أكبر: إذا كنت جاداً في أهدافك، سيدفعك نقصك سيدفعك نقصك بالثقة في قدراتك إلى العمل بجديّة أكبر. ففي الواقع، قلّة الثّقة بالنفس محبطة فقط عندما يكون الإنسان غير جديّ في أهدافه.

معظم النّاس يحبّون أن يكونوا إستثنائيّين ومميّزين، لكن ليس بما فيه الكفاية لبذل ما يلزم من الجهد لتحقيق ذلك. فمعظم النّاس يريدون أن يكونوا نحفاء وبصحة جيّدة و جذابين و ناجحين، لكن قليلون هم المستعدون على بذل ما يلزم لتحقيق ذلك – ما قد يوحي بأنّهم لا يرغبون بهذه الأمور بقدر ما يعتقدون. كما يقول أردن بول الأسطوري (المدير السابق في ساتشي أند ساتشي Saatchi&Saatchi): ” كلمة أريد تعني: إذا أردت شيئاً بما فيه الكفاية سأحصل عليه. الحصول على ما تريد هو إتخاذ القرارت المناسبة التي ستوصلك إلى ما تبتغي”. . إذا كنت تريد حقاً ما تتحدث عنه، ثقتك بنفسك المنخفضة لن تجعل عملك إلا أكثر جديّة – لأنّها سوف تشير إلى وجود تباين بين الهدف المطلوب وحالتك الحاضرة.

3-إنخفاض الثّقة بالنّفس يقلّل من إحتمال أن تكون متعجرفاً أو مخدوعاً بنفسك. على الرغم من أنّنا نعيش في عالم يحبّ هؤلاء الذين يعبدون أنفسهم – من دونالد ترامب إلى ليدي غاغا و آخر “نجمة” تلفزيون الواقع – عواقب الغطرسة لم تعدّ محلّ للنّقاش. فوفقاً لمعهد غالوب، أكثر من 60٪ من الموظفين لا يحبّون أو يكرهون وظائفهم، والسبب الأكثر شيوعاً هو أن لديهم روؤساء نرجسيين. ولو كان هؤلاء الروؤساء أقلّ تعجرفاً، لخفّت نسبة الموظفين الّذين يمضون ساعات عملهم على الفيسبوك، و لارتفعت إنتاجيتهم.

إنخفاض الثّقة بالنّفس، لا يقلّل فقط من إحتمال التعجرف ولكن أيضاً من الوقوع في الوهم. ففي الواقع، الأشخاص ذوي الثّقة بالنّفس المنخفضة هم أكثر عرضة للإعتراف بأخطائهم – بدلاً من إلقاء اللوم على الآخرين – ونادراً ما يستغلون إنجازات الآخرين لأنفسهم. هذا حتماً أهمّ فائدة لانخفاض الثّقة بالنّفس لأنّه يشير إلى أنّ هذا الإنخفاض يمكن أن يحقّق النّجاح، ليس فقط للأفراد بل أيضاً للمنظمات والمجتمعات بأكملها.

باختصار، إذا كنت جاداً في أهدافك، يمكن لانخفاض ثقتك بنفسك أن يكون أكبر حليف لك في إنجازها. سيكون ذلك دافعاً لك للعمل بجديّة، ويساعدك على معرفة حدودك ونقاط ضعفك، ويمنعك من الوقوع في الوهم وكونك مدعاة للسخريّة. لذا فقد حان الوقت للقضاء على الأسطورة: فإرتفاع الثّقة بالنّفس ليس بنعمة، وانخفاض الثّقة بالنّفس ليس بلعنة! وفي الواقع، العكس صحيح