التواصل البشري ونشوء اللغة 

  إن الحياة ضمن جماعة تستدعي التواصل بين أفرادها لتنظيم وإدارة العلاقات بين الأفراد , وقد استدعى ذلك السعي على استعمال القدرات والعناصر المتاحة لتحقيق تواصل مجدي يحقق ذلك .

 

 التواصل البشري ونشوء اللغة 

القاهرة ـ 'القدس العربي' ـ من محمود قرني:

أصدر الدكتور خلف طايع، الفنان التشكيلي والمصور المعروف، كتابه 'الحروف الأولى.. دراسة في تاريخ الكتابة' وذلك عن 'دار ميريت للنشر والتوزيع'.

يغطي الكتاب منطقة واسعة من التاريخ الحضاري للانسان حيث تتبع الكاتب في دراسة للحضارات المختلفة العلاقة بين الكتابة ورموزها التصويرية. وتشير مقدمة المؤلف الى أن فكر الكتابة لم يتبلور أساساً لدى شعوب هذه الحضارات الا بعد تبلور فكرة العمل وبعد استخدام الانسان للأدوات واكتشافاته الأولى للنار والزراعة، ويضيف المؤلف أن التقدم الاجتماعي والحضاري للانسان يكاد يكون مرهونا بالتطور في علاقته باللغة وتصويره لها.. بل ان درجة التعقد والنمو في لغته.

يتناول الباب الأول ما قبل الكتابة في حقب تاريخية وجغرافية مختلفة، ويبدأ المؤلف بالقول ان الكتابة تشكل جزءاً مهما من حضارتنا الحديثة، كما تعتمد الحضارة اليوم على الكتابة الى حد يتطلب من الذهن مجهوداً كبيراً لكي يتصور أي حضارة مستقلة عن الكتابة، وان استطاع الانسان أن يقضي من حياته شوطاً بلا كتابة لكنه لا يستطيع ذلك بلا لغة. ويضيف المؤلف أننا اذا أردنا تعريف الكتابة دون الوقوع في افتراضات غير حقيقية، فيمكننا أن نقول انها عملية نستخدمها في الوقت الحاضر لتسجيل وتثبيت اللغة المنطوقة حيث ان اللغة بطبيعتها متلاشية وغير ثابتة.

أما مراحل تطور الكتابة فيرصدها المؤلف بادئاً بالمشافهة والرسم مروراً بالحركات الايمائية والحبال المعقودة والفروض المنقوشة على عُصيِّ الرسائل. ويضيف المؤلف أنه خلال هذه الرحلة لتطور الكلام وجد الانسان طرقا أخرى متوازية معه.. وهو ما دفعه إلى الكشف عن العلامات أو الرموز التي سبقت الكتابة وعاش معها.. بعد اختراعها جنبا الى جنب لتحقق أغراضاً شتى.

وخلال المرحلة الثانية للكتابة يرصد المؤلف الدكتور خلف طايع حدوث بعض الاقتراب بين الكتابة واللغة الشفهية، ولكنه اقتراب لا يعني أكثر من أي علامات كتابية أو مجموعة منها تشير وتدل على جملة من الكلمات دون أن تصل الى تحديد ذلك بدقة. أما المرحلة الثالثة فهي التي رصدت تقدماً جديداً حيث يقول طايع ان العلامة أصبحت لا تفصح عن جملة وانما أصبحت تعني كلمة، ثم في المرحلة الأخيرة يرصد المؤلف التوصل الى تبسيط حاسم وذلك بعد اختصار الجمل الى كلمات ليصبح عدد الأصوات أو العناصر الصوتية التي تحتويها الكلمات أقل من الكلمات ذاتها. لذلك فان المؤلف يقول انه كان لا بد من الاستغناء عن الكلمات الكاملة والاستعاضة عنها بالمقاطع الصوتية، كذلك أمكن الاستغناء عن علامة ما باستعمال علامة واحدة مثلا لكلمتين متفقتي النطق.

يرصد بعد ذلك خلف طايع ما يسميه 'وسائل الاتصال اللحظية' التي تهدف الى تأسيس حالة اتصال سريع مع الآخرين مثل لغة الطقطقة ومعظم الهمهمات والضجيج وكذلك بعض الأصوات الناتجة عن حركات الشهيق والزفير. ويرصد طايع أن بعض القبائل الأسترالية تقر عقوبة على الأرامل بمنعهن من الكلام لمدة تصل الى شهور فكن يستبدلن ذلك بالعودة الى التحدث عبر حركات اليدين. وفي أفريقيا يتم استخدام قرع الطبول لبث الأخبار بسرعة من قرية الى أخرى وتبعاً للايقاع الناتج عن هذه الطبول.

كذلك يرصد المؤلف استخدامات مشابهة في ماليزيا حيث يتم استخدام حاسة اللمس لتوصيل المعلومة، بعد ذلك يستعرض المؤلف وسائل الاتصال الثابتة وهي المتصلة بالخطوات الأولى نحو الكتابة، والتي بدأت بممارسة أعمال الكتابة باعتبارها نوعاً من أعمال الرسم والتصوير على أسطح مستوية أو الحفر على أسطح أخرى مناسبة، وكذلك ممارسة الكتابة على انها وسيلة من وسائل الاتصال بالآخرين. ويرصد طايع بعض هذه الأشكال مثل استخدام العصا المثبتة لدى هنود الانـباكي في التفاهم فاذا وضعت عصا مثبتة بشكل مائل وفي اتجاه يدل على الطريق الذي يجب ان يسلك، واذا وضعت عصا أخرى تكوَِّن مثلثاً مع الأخرى كان معنى ذلك (أنا لن أذهب بعيداً)، واذا انتقلت العصا الثانية الى الاتجاه العكسي كان ذلك معناه (أنا ذاهب الى مكان بعيد)، أما اذا تعددت العصي الرأسية فان عددها يعني عدد الأيام التي سيتغيبها تارك الرسالة.

كذلك يرصد خلف طايع طريقة استعمال حبال من الألياف النباتية في طريقة الحساب والعد ولتسجيل مرور الوقت.

أما الفصل الثاني من الكتاب فيتناول دور الرسم والتصوير في ظهور الكتابة باعتبارهما سابقين على الكتابة نفسها في الظهور، وهو ظهور يرى خلف طايع أنه ليس مصادفة حيث ان الصور المختصرة والرسوم المعينة للذاكرة وكل التعابير التصويرية انما هي دعامة لا غنى عنها للتعبير اللفظي حسب قول المؤلف.

يتابع المؤلف الأحجار الأزيلية وما تم رسمه وهي الأحجار التي عثر عليها في كهف مادازيل في جنوب فرنسا في مقاطعة أرييج بالقرب من الحدود الإسبانية والتي اكتشفها 'بييت' عام 1887، وهي احجار ترجع الى العصر البابيوليتي، خطـّية ملونة ذات طابع هندسي يشبه حروف الكتابة التي عرفتها أبجديات البحر الأبيض المتوسط. ويشير المؤلف الى أن هذه الأحجار تمثل نوعاً من محاولة التوصل الى أسلوب لتمثيل أشكال انسانية أو حيوانية. ويرى طايع ان الكتابة لا تكتسب معناها الحقيقي الا اذا توفر لها عنصران أساسيان هما العنصر التشكيلي والعنصر المعني بالاتصال، وهو ما ينطبق ـ حسب المؤلف ـ على الكتابة التصويرية المثالية، حيث يرى أن معظم الشعوب مارست هذا النوع من الكتابة ولا زال مستخدماً الى الآن مع نوع من الاختلال، وهو ما يسمى بالكتابة التصويرية ومنها العلامات الارشادية المنتشرة بالطرقات حتى الآن.

في الباب الثاني يتناول خلف طايع الكتابة البدائية حتى الأبجدية ويبدأ بما سماه الكتاب التركيبية والتحليلية.

أما الكتابة التركيبية فهي التي يشير التأريخ ـ غير الدقيق حسب المؤلف ـ الى أنها وجدت في كتابات أمريكا القديمة في امبراطورية الأنكا (بيرو) وفي الوسط أي في المكسيك لدى قبائل (الأزتك) ولدى الماياويين في شبه جزيرة يوكاتان، أما الكتابة التحليلية فنموذجها يوجد في الكتابة الصينية والتي يعتبرها طايع أقدم طريقة للكتابة والتي لا زالت مستخدمة حتى الآن اذ لا يزال ربع سكان العالم يستخدمون هذه الطريقة التي نشأت في الصين منذ حوالي أربعة آلاف سنة ولم تتعرض للتغيير.

ويعتبر المؤلف أن الكتابة الصينية هي الشكل المثالي لكتابة الكلمات المصورة، فهي تستعمل حرفاً واحداً أو رسماً واحداً لكل كلمة، وهي في ذاتها مقطع واحد دائماً ولكل حرف في رمزه وصورته مغزى فكري وفني، وينقل المؤلف عن بعض الباحثين أنه من الأنسب تسمية هذه اللغة كتابة التصورات، وهو ما يشير الى أهمية الاعتبارات الفنية في هذه الكتابة. لذلك فإن فن الخط لدى الصينيين يعتبر أحد أهم فنون التصوير.

أما الكتابة المصرية القديمة فكانت تمثل فيها الزخارف الملونة للأواني الفخارية والأشياء الأخرى المتداولة في الاستخدام اليومي لانسان ما قبل الأسرات وسيلة التفاهم المرئي، ويرى المؤلف أن الكتابة بدأت حين أضيفت علامات مرئية فأصبح من الضروري والمحتم ترجمتها الى اصوات، وهذه العلامات الصغيرة المنعزلة يمكن تمييزها، بوضوح عما يحيط بها من رسوم وان كانت الصور واحدة في الحالتين وتعكس كل أنواع الأشياء المادية كالبشر والحيوانات والنباتات والأسلحة الصغيرة وحتى الآلهة أنفسهم.

ويرى المؤلف أن الكتابة المصرية بدأت تغيرها من الكتابات القديمة، اي كتابة تصويرية باستعمال صور للتدليل على أشياء وأفكار لا كلمات، ثم أصبحت هذه الصور مصطلحات مبسطة ومعقدة مربوطة في النهاية على كلمات منطوقة، فأصبحت كل صورة تعبر عن كلمة معينة، ويضيف المؤلف أنه قد تذهب الفكرة الأصلية وتحتفظ الصورة بقيمتها الصوتية واستعملت في كتابة كلمات ذات أصوات واحدة وبخاصة في كلمات أسماء الأشخاص أو الكلمات ذات الدلالة المعنوية التي لا يمكن تأديتها عن طريق الصور، وبمرور الزمن استعملوا بعض الرموز للدلالة على العلامات الصوتية الساكنة.

يتناول المؤلف بعد ذلك بدايات الكتابة المصرية القديمة بداية من الهيروغليفية والهيراطيقية والديموطيقية والقبطية، ثم يتناول المؤلف حل الرموز الهيروغليفية بعد العثور على حجر رشيد عام 1799 ثم قيام شامبليون عام 1821 بكشف رئيسي حيث أحصي النقوش الهيروغليفية على حجر رشيد والكلمات المقابلة لها في النص الاغريقي وواصل عملياته البحثية حتى فتح الباب للفهم الكامل للرموز المصرية القديمة.

يتناول المؤلف بعد ذلك أنواع العلامات الهيروغليفية مثل العلامات التصويرية والمخصصات والعلامات المساعدة والعلامات الصوتية والعلامات الهجائية ثم يتناول اتجاه الكتابة من حيث علامات التبجيل والاحترام وتناسق المظهر، ثم ارتباط الكتابة المصرية بالرسوم.

بعد ذلك ينتقل المؤلف الى الكتابة الصوتية التي نشأت مع الكتابة المسمارية على أرض الرافدين بين دجلة والفرات ثم الكتابة الحيثية التي يتم تصنيفها مع مجموعة من كتابات شرق البحر الأبيض المتوسط، ثم ينتقل الى الكتابة الصوتية والأبجدية ثم الأبجدية الفينيقية والسامية .

وفي الفصل الثالث يتناول المؤلف تأثير الخامة والأسطح والوظيفة في رسم الخطوط وذلك عبر استعراضه لألواح الطين السومرية ثم الكتابة على أوراق البردى، وصناعته وتحويله الى لفائف ثم يتناول أدوات الكتابة.

بعد ذلك ينتقل المؤلف خلف طايع الى الفصل الرابع حيث يتناول تنظيم العلاقة بين الصورة والكتابة وذلك بدءاً بالآثار القديمة ودور الكتب المصورة التي وصلت في شكل لفائف من البردى والتي ترجع الى 1800 سنة قبل الميلاد، وهي لفائف مصرية، وكذلك الألواح الخشبية التي اكتشفت في الصين قبل 1380ـ 1400 قبل الميلاد. بعد ذلك يتناول المؤلف في السياق نفسه الكتب الشرقية وعلى رأسها المخطوطات الاسلامية ثم يتناول المدرسة المغولية للتصوير في العراق وايران ومدرسة التصوير التيمورية في ايران في القرن الخامس عشر وهي المنسوبة لتيمورلنك، ثم المدرسة التصويرية الصفوية التي ظهرت في ايران في القرنين السادس عشر والسابع عشر، وهي المنسوبة لأسرة الشاه اسماعيل الصفوي، ثم التصوير الهندي والتركي، وكذلك يتناول المؤلف المخطوطات الاسلامية والعبرية والصينية واليابانية.

بعد ذلك ينتقل خلف طايع الى تطور الطباعة الأوروبية منذ ان انتقلت أوروبا من العصور الوسطى الى عصر النهضة وبداية الثورة ضد بطريركية الكنيسة.

ويرصد المؤلف انطلاقة الطباعة في الصين باستخدام القوالب الخشبية، حتى جاء يوحنا غوتنبرغ وقدم المطبعة للبشرية، وقد بدأت الطباعة بالحروف المنفصلة، ثم تطورت في أشكال مختلفة يتناولها المؤلف مع الحروف العربية واللاتينية.

بقي القول ان الكتاب يقع في 227 صفحة من القطع الكبير، وصدر عن 'دار ميريت للنشر والتوزيع' وقد زوده المؤلف بعدد هائل من اللوحات والصور والنقوش الدالة والتي تخدم ما يتوجه اليه هذا الكتاب المهم لتاريخ الحرف في العالم.