المحاكاة والتقليد عند البشر 

نحن كبشر نعتمد على ما هو منتشر بيننا كأساس فيما نتبنى من تصرفات وأفكار وعادات وقيم ومعارف , و نقاوم كل ما يستدعي تغيير ما تبنيناه . 

فالمحافظة وممانعة تغيير مبادئنا وعاداتنا هما أساس تصرفاتنا , ولا نقوم بتعديل أو تبديل أي منها إلا بصعوبة وببطء وبالتدريج , ونادراً ما نتقبل التغير السريع , فكلنا مقلدون وكلنا محافظون نقاوم التغيير , وهذه الممانعة أو العطالة لها ما يبررها ويستدعيها في الواقع 

إننا في كل أسس تفكيرنا وتعاملاتنا نستخدم أفكار أو معارف أو مناهج أوآليات محددة اكتسبناها وتعودنا عليها , ويصعب علينا تغييرها , حتى وإن كنا مقتنعين بأفضلية وضرورة هذا التغيير , فهذا التغيير يكون صعباً علينا ,. 

وكثيرا ًما نلجأ لتبرير ذلك بشتى الطرق المنطقية وغير المنطقية , والموضوعية وغير الموضوعية .

إن هذه الصعوبة لها أسسها في بنية جهازنا العصبي وفي آلية عمله ونموه وتناميه , فكل تعلم يتم نتيجة إشراطات معينة جديدة , وأي إلغاء أو تعديل لهذه الإشراطات التي تم اكتسابها أو بناؤها غير ممكن إلا باشراط جديد فوق الإشراطات السابقة . 

ويكون هذا على شكل نمو محاور ومشابك للخلايا العصبية وبالإضافة لآليات أخرى كهربائية و كيميائية فزيولوجية مساعدة . 

وأي محاولة لتعلم جديدة (في نفس المجال) سوف تصطدم بما هو موجود سابقاً ( متعلم سابقاً) , و لا يمكن إلغاء المحاور أو المشابك العصبية التي تم بناؤها , ويجب البناء فوقها . 

فتعديل الأفكار والعادات التي تم اكتسابها ( وخاصةً إذا كان التعلم قوي وثابت ) لا يمكن أن يحدث بسهولة , مثلما يحدث هدم بناء قديم وإقامة بناء حديث مكانه . 

إن كل ما يتم اكتسابه وتعلمه لا يمكن إزالته نهائياً , فسوف يبقى ويجري التعديل عليه فقط , ضمن حدود معينة . أو يبنى فوقه . 

والتعلم لطريقة تصرف أو تفكير جديدة صعب ولكن ليس مستحيلاً , فهو يحتاج إلى مجهود وممارسة أكثر من التعلم الأولي الذي تم بناؤه عندما كان الدماغ شاغراً . 

فتعلم اللغة الثانية بعد اللغة الأم صعب ويحتاج لمجهود مضاعف وممارسة مضاعفة , ولكن تعلم اللغة الثالثة والرابعة أقل صعوبة بكثير , وذلك نتيجة الاستفادة من الطرق والآليات المتشابهة بين اللغات , والتي يكون المتعلم قد تعلمها واكتسب مهارة في التعامل معها نتيجة تعلمه اللغة الثانية. 

إن هذا يحدث شبيه له أيضاً في المجتمعات أثناء تطورها وتشكل البنيات الاجتماعية الجديدة , فالتغير الجذري أو الثورة ليس بالأمر السهل وهو قليل جداً , فهو لا يحدث ألا بالتسلسل وأثناء النمو ونتيجة التغير التدريجي للأوضاع . 

وفي كل جيل جديد هناك إمكانية متاحة للتغيير في العادات والأفكار , ويمكن أن تحدث تغيرات سريعة في البنيات الاجتماعية , ولكن ضمن حدود معينة تسمح بها الأوضاع . 

أما التغير الجذري أو السريع للبنيات الصناعية والتكنولوجية والعمرانية فهو أسهل بكثير , ويمكن أن يحدث بسرعة في هذه المجالات .

إذاً في المجال العصبي والفكري والنفسي , وكذلك الاجتماعي , لا يمكن إزالة القديم وإحلال الحديث محله , فالتغيير يجب أن يتم مع بقاء القديم , وذلك إما بالإضافة عليه أو تعديله بما يسمح الوضع . 

 

إننا الآن بلغنا مرحلة صار التطور والتغير ( في مناح كثيرة من حياتنا ) سريعين جداً وأسرع من قدراتنا البيولوجية والاجتماعية على تحمله واستيعابه والتعامل معه بكفاءة , وهذا ينتج قوى تسعى إلى تعديل الأسس البيولوجية والاجتماعية والفكرية لكي تتماشى معه . 

ولكن الأسس البيولوجية والعصبية والنفسية يستحيل تعديلها بسرعة , نعم هناك القليلون جداً ممن يملكون القدرة العصبية والنفسية على مجارات هذا الوضع وهم المجددون , وهؤلاء سيفرضون بالتدريج تأثيراتهم الفكرية والاجتماعية على الآخرين , ويجعلون الآخرين يحاكونهم ويقلدونهم . 

والمحافظون سوف يتعرضون لضغوط كبيرة ويصبحون من ثم أقلية , وسوف تنتشر أفكار وعادات ومبادئ المجددين , وهذا راجع ليس لأن المجددين أفضل , فالأفضلية نسبية ( وتابعة لمرجع التقييم ) , بل لأن تسارع التغيرات والتطورات الحاصلة في المجتمعات البشرية الآن وما نتج عنها , صار يستوجب التجديد .

 

إن غالبية الأفراد تعتبر أن كل شيء قد عرف وعين وحدد وخاصةً الأسس وهم المحافظون , فالحقيقة معروفة والخطأ معروف والحق واضح والباطل واضح وكذلك الخير والشر , وكافة المعارف والقيم الأساسية تمت معرفتها بشكل تام وفي كافة المجالات , فكل الأسس محددة ومعروفة ولا يلزم سوى تنفيذها والتقيد بها . 

إن هذا صحيح إذا كانت الأوضاع مستقرة ثابتة , وهو يحقق المطلوب بأفضل طريقة , وهذا ما جعل التقليد والنسخ منتشر في المجالات التي لا تخضع للتغير والتبدل , وكان التجديد عندها يقاوم لأنه عبث ولعب غير مجد . 

ولكن الآن وبتغير الأوضاع وفي مجالات كثيرة , لم يعد كاف و مجد اعتماد التقليد والنسخ والمحافظة . 

وهذا ما لم يقبل به الكثيرون , لأن هز الأسس أو تعديلها أو تبديلها ليس بالأمر السهل , وهو يقاوم عملياً و نفسياً و فكرياً , فتعديل أو تغيير القواعد والأنظمة والأسس له نتائجه الكبيرة والخطيرة .

 

التقليد و المحاكاة وعلاقتهما بالأنظمة والقوانين 

يمكن أن نعتبر المحاكاة والتقليد والنسخ هم نقيض الفوضى والعبث . 

فالبنيات المنتظمة لا يمكن أن تتشكل إلا بالمحاكاة والنسخ سواء كانت بنيات حية أو بنيات تكنولوجية أو بنيات فكرية أو بنيات اجتماعية , فتعليم التصرفات والعادات ونقل المعارف يعتمد بشكل أساسي على النسخ والمحاكاة . 

فالمدارس والجامعات وما شابهها تعتمد بشكل أساسي النسخ والتكرار والمحاكاة , من حيث المناهج وطرق التدريس والاختبارات والامتحانات . 

وكذلك العلاقات الاجتماعية والتجارية والقانونية , لا يمكن أن تنتظم وتستمر إلا بالنسخ والتكرار والمحاكاة , ودون الفوضى أو العبث . 

فالمحاكاة أساس الانتظام والتوحيد , فيجب أن ينتهي التجريب ( أو التجديد ) عند الوصول إلى أفضل الأوضاع , وعندها تعتمد الخيارات التي أدت إلى ذلك , ويبدأ بتقليدها ونسخها وتكرارها دون تغيير , إلى أن تتغير الأوضاع فتستدعي التغيير فعندها يبدأ السعي إلى التجديد .

إذاً التجريب والاختبار ضروريان ولا بد منهم في أول الأمر . 

فالتجارب والاختبارات والمقارنات والتقييمات تكون الأساس في أول الأمر , ولكن بعد التوصل للمناسب أو المطلوب يتم اعتماده ويتوقف الاختبار والتجريب , ويبدأ دور المحاكاة والنسخ , والتوحيد والانتظام ضمن خيارات محددة معينة ثابتة . 

وهذا يعني المحاكاة أو نسخ ما تم الوصول إليه والمحافظة عليه بتكراره . 

 

هناك مجالات و أوضاع يكون اللعب (الذي يمثل التجريب والاختبار ومن ثم التجديد ) فيها مطلوباً أكثر , كما في الفنون كافة , وهناك مجالات وأوضاع يكون المطلوب فيها المحافظة أوالمحاكاة والتكرار أكثر , كما في الصناعة والتجارة والعلاقات الاجتماعية , فاللعب شبه محرم وخاصة في مجال القوانين .

لننظر إلى بنية الحياة أين تلعب وأين تكون محافظة ( تقلد وتنسخ ) إنها في عملية التوالد تعتمد المحاكاة والنسخ بشكل أساسي وبدقة عالية , وتدع جزءاً صغيراً للعب والعشواء ( الطفرات وغيرها ) وهذا ما يسمح بالتطور , فهي تلعب في كل كائن حي . 

ولننظر إلى الإنسان ( والكثير من الكائنات الحية ) أثناء حياته إنه يعتمد اللعب ( أو التجديد ) بشكل أساسي في بداية حياته , ثم يبدأ بالمحاكاة ويتناقص اللعب إلى أن ينتهي ويصبح محافظ . 

بعكس الحشرات التي تعتمد المحاكاة ( المبرمجة والمنسوخة وراثيا ) في تصرفاتها أثناء حياتها . 

وتطور الكائنات الحية كان باتجاه تزايد مجالات اللعب مع بقاء المحاكاة والتقليد والنسخ في المجالات الهامة والضرورية . والغرائز والانفعالات هي مثال على المحاكاة والنسخ المبرمج المتوارث , وكذلك العادات والتقاليد واللغة هم مثال على المحاكاة والنسخ نتيجة الحيات الاجتماعية .

إن التقليد والمحاكاة في حياتنا أكبر مما نتصور , فكما تكتسب اللغة بالمحاكاة والتقليد , كذلك تكتسب أيضاً بالتقليد والمحاكاة أغلب تصرفاتنا وعاداتنا وأفكارنا وعقائدنا . 

فالمحاكاة تشمل كافة مناحي عمل فكرنا الواعي وغير الواعي , فانتشار العادات والتقليد والعقائد والأديان , وحدوث ما يشبه توارثها ناشئ عن المحاكاة والتقليد والنسخ .

 

نظرية " التقليد – التجديد "

تعني نظرية " التقليد – التجديد" بتعريف وقياس أسلوبين من أساليب عملية صنع القرارات , وباختلاف أسلوب تفكير الأفراد , مع الإشارة بصفة خاصة إلى الأمور المتعلقة بالإبداع والقدرة على حل المسائل . 

يظهر التقليديون – بوضوح – نزوعاً إلى الاكتفاء بالأفكار التي تعتمد بصورة وثيقة على التعاريف القائمة والمتفق عليها للمسألة وحلولها المحتملة مع عدم استبعاد التوسيع لهذه التعاريف . 

وهم ينظرون بتفصيل إلى هذه التعاريف ويباشرون مهماتهم ضمن الأعراف والعادات الراسخة ( نظريات , سياسات , ممارسات ) الخاصة بمنظماتهم . 

كما أن الكثير من مجهودهم التجديدي ينصب على هدف التحسين , والإنجاز بصورة أفضل .

أما المجددون فهم على الأرجح يسعون إلى التغيير بإعادة بناء المسألة , بمعزل عن أنماط التفكير والصيغ ووجهات النظر المألوفة والمحيط بها , وهم يطلعون بحلول مغايرة للحلول المتوقعة . 

 

أوصاف المجددين والتقليديين حسب تصنيف " كيرتون"

المجدد

- يوصف بأنه يكتشف المسائل والطرق المؤدية إلى حلها

- يخضع ما تنطوي عليه المسائل من فرضيات للتساؤل أو يطلق اليد في المسائل

- هو عامل محفز للجماعات الهادئة والمستقرة ولا يوقر وجهات النظر الموافقة لهذه الجماعات , ينظر إليه على أنه لاذع وباعث على التنافر

- ينظر إليه على أنه غير صائب وغير عملي , غالباً ما يصطدم بمعارضيه

- في سعيه لتحقيق الأهداف لا يعير أهمية للوسائل المقبولة

- قادر على العمل التفصيلي المنظم ( إدامة النظام ) بدفقات قصيرة , ويسارع إلى إنتداب الآخرين للقيام بالمهمات الروتينية

- يميل إلى أخذ زمام الأمور في الأوضاع التي تفتقر إلى التنظيم

- يبدو قليل الشك بنفسه عندما يولد أفكاره , وهو لا يحتاج إلى الإجماع لكي يحافظ على يقينه في مواجهة معارضيه

- هو نموذجي في المؤسسة عندما تتعرض إلى أزمات غير متوقعة , بل هو أكثر فائدة في تجنب الأزمات 

- عندما يشترك مع التقليديين يقدم توجيها للمهمات وانفصاماً عن الماضي والنظريات المقبولة

- يبدو غير حساس إزاء الناس وهو غالباً ما يهدد تماسك المجموعة وتعاونها

- يوفر الديناميكيات التي تحقق تغيراً جذرياً دورياً والذي تميل بدونه المؤسسات إلى التحجر

التقليدي

- يتصف بالدقة والكفاءة والانتظام والحرص والانضباط والتوافق

- يهتم بحل المسائل أكثر من اهتمامه بالبحث عنها

- يقلص المسائل بالتحسين وبكفاءة أعظم , مع الحد الأعلى من الاستمرارية والثبات

- ينظر إليه على أنه حصيف ومتوافق ومأمون ويعول عليه

- عرضة لتحول الوسائل إلى غايات

- يبدو غير قابل للاختراق بالضجر ويبدو قادراً على الاحتفاظ بدقة عالية أثناء نوبات العمل التي تتضمن تفاصيل كثيرة

- هو مرجع ثقة ضمن التنظيمات المحددة

- من النادر أن يتحدى القواعد ويميل إلى شك زائد بنفسه عندما يحصل على ضمان بالمساندة ويستجيب للانتقاء بالنزوع إلى التوافق مع الآخرين , سريع التأثر بالضغوط الاجتماعية والسلطة , مطاوع

- هو أساسي دائماً لسير عمل المؤسسة ولكنه يحتاج أحياناً إلى نزعه عن نظمه

- عندما يشترك مع المجددين , يقدم الاستقرار والنظام والاستمرارية للعمل المشترك

- حساس إزاء الناس , ويحافظ على تماسك المجموعة وتعاونها

- يوفر قاعدة مأمونة لعمليات المجددة التي تتصف بالمجازفة

- يتناول المهمات من الزوايا غير المشكوك فيها - 

 

الاعتراضات على الأفكار الجديدة. 

لقد كانت الفكرة الجديدة غالباً ما تتعرض للإحباط رسمياً بسلسلة من الاعتراضات المبرهنة جيداً و المعقلنة والتي كان يستمر تأييدها إلى أن يحدث ثمة حادثة حرجة ( أو مستعجلة ) بحيث ينعدم بعدها سماع أي من تلك الحجج المعارضة السابقة.

إن الحلول التقليدية هي تلك الحلول التي تعتمد بصورة مباشرة وواضحة على مقولات متفق عليها عموماً وهي في الوقت نفسه أكثر سهولة للإحاطة العقلية بها ومن ثم فهي تقبل بسرعة أكبر من قبل التقليديين . وعلى النقيض التام من هذا , تواجه الأفكار والحلول التجديدية بشدة أكبر , كما لو أن مبدعيها عرضة لأن يعاملوا بصورة يكونون فيها موضع شك ( بل وحتى موضع سخرية ) وذلك لكونهم على غير صلة وثيقة بالمجموعة السائدة وبالمعايير المتبعة.