نظرة للمستقبل

 

إن الاتجاهات التي تعمل على تغيير العالم الآن هي المعارف والعلوم الجديدة، والتقنية أو التكنولوجيا الجديدة , ونتائجهما . وإذا أردنا أن نستشف المستقبل يجب النظر إلى دوافعنا وغاياتنا والقوى والغرائز الأساسية التي توجهنا ، بالإضافة لكافة التأثيرات التي نتعرض لها نتيجة حياتنا الاجتماعية والثقافية والعقائدية . فكل هذا هو الذي يقرر كيف سيكون المستقبل . 

من المنطقي توقع التغيرات المستقبلية في العلم بعد التغيرات الواسعة في كل مجال من مجالاته، بعض هذه التغيرات سوف يكون امتدادًا للجهود والإنجازات التي تتم في الوقت الحاضر، إلا أن بعضها الآخر سيكون عبارة عن ” تطورات جذريّة ” بما في ذلك تصميم فكرة ما يستطيع العلم أن يفسرها ويسبر غورها. ويشير كورزويل في كتابه “حين يتسامى البشر” إلى اقتراب حدوث انكسار تاريخي جذري بالغ العمق من شأنه تغيير كل ما يؤلف طبيعة الكائن البشري. فهو يتوقع نتيجة التطور السريع لقدرات الكومبيوتر والذكاء الصناعي المترافق مع التقدم هائل في مجال التحكم في المورثات، أن يؤثر ذلك على عملية التطور البيولوجية، وأن يصبح التحكم في التطور البيولوجي بيد المعارف العلمية. وكذلك كان فون نويمان قد تنبأ بأن الجنس البشرى سوف يتطور بشكل سريع وغير متوقع نتيجة نمو التكنولوجيا وتطور الكومبيوتر. وقال ستيفن هوكنج ما معناه: أدى نقل المعلومات عن طريق غير بيولوجي إلى أن يسيطر الجنس البشرى على العالم، فقد حدث منذ حوالي سبعة آلاف سنة أن أنشأ الإنسان اللغة المكتوبة وهذا يعنى انتقال المعلومات دون الاتصال المباشر أو الشفاهية، فقد توضعت المعلومات خارج عقل الإنسان وصارت هذه المعلومات تسير عبر الزمن وتنتقل إلى الآخرين بدقة وبعد موت منتجها بزمن طويل. 

نحن الآن على مشارف عصر جديد سوف نتمكن فيه من زيادة تعقيد سجلنا الداخلي من دون أن نحتاج إلى انتظار عمليات التطور البيولوجي البطيئة والتي تحتاج إلى عشرات الآلاف من السنين. ومن المرجح أننا سنتمكن من إعادة تصميم الإنسان بالكامل في الألف العام القادمة. هذا بعض ما قيل عن المستقبل . يا ترى ما هي القوى التي تتحكم بنا , وإلى أين توجه مسار الأحداث ؟؟؟ هناك أولاً القوى البيولوجية , الغرائز والدوافع والأحاسيس والانفعالات الموروثة بيولوجياُ . وهناك قوى الموروث الاجتماعي , العادات والتقاليد , والانتماءات والدوافع والغايات , والعقائد والأديان , وكل أشكال الثقافة التي يطبعها مجتمعنا فينا فتوجه غالبية تصرفاتنا. وهناك تأثيرات المنجزات في كافة مجلات العلوم والمعارف , وتأثيرات المنجزات التكنولوجية بكافة أشكالها وبشكل خاص الأجهزة الإلكترونية ومجلات الاتصالات والذكاء الصناعي . . . الخ . إن معرفة كل هذه يمكن أن يمنحنا القدرة على توجيه مسار الحوادث وبالتالي التحكم في نشوؤها , بالاعتماد على المعارف والتنبؤات المستقبلية الدقيقة . فننظر إلى أوضاع معينة ونتعرف على خصائصها ثم نقوم بالتنبؤ والتوقع لما ستؤول إليه مستقبلاً , ثم نسعى للتأثير على مسار تطورها لنجعله يتجه إلى الوضع الذي نريده . وتكون نتيجة عملنا هذا تابعة لدقة المعارف التي نعتمدها ولدقة التحليل الذي نجريه لبناء تصورتانا , وتابع أيضاً لمدى قدرتنا على التحكم في سير الحوادث , ولباقي الظروف والقوى الأخرى الموجودة . هناك سؤال أخر : هل يمكن أن تنشأ بنيات جديدة متطورة أكثر منا ولها خصائص جديدة مختلفة ؟ نعم ممكن . لقد تشكلت البنيات الفيزيائية فالكيميائية أولاً , ثم تشكلت البنيات الحية , ثم تشكلت البنيات الفكرية مترافقة مع تشكل البنيات التكنولوجية البسيطة , ثم تشكلت البنيات الحضارية والثقافية المتطورة مترافقة مع تشكل البنيات التكنولوجية المتطورة مثل الآلات والأجهزة والمنشأة المتطورة والذكاء الصناعي . وقد بدأ فتح الزمن منذ تشكل الأفكار والذاكرة لهذه الأفكار , فنشأ الماضي والحاضر والمستقبل وهذا بمثابة فتح للزمن . وحدث تواصل واسع للعقول وتناما وتطور . يمكن اعتبار الإنسان , والمعارف والأفكار, والبنيات التكنولوجية الآن هم البنيات الأكثر تطوراً في هذا الكون , فهم على قمة سلسلة البنيات التي تشكلت حتى الآن . فبنشوء الكائنات الفكرية المتطورة , ودخولها في التفاعلات متبادلة مع البنيات التكنولوجية المتطورة والتي يتم نشوء المتطور منها باستمرار , وبمشاركة الإنسان وما يملك من دوافع وغايات ورغبات , صار كل منهم يساعد وينمي الآخرين , وتسارع نمو وتطور الثلاثة معاً . وهذا أحدث أو سوف يحدث قفزة في سلسلة تطور بنيات الوجود لا يمكن لنا تصور أبعادها . فهذه القفزة يمكن تشبيه تأثيراتها بانفجار من حيث تأثيراتها الكبيرة , على سرعة تطور بنيات الوجود وتشكل البنيات الجديدة . وبالنسبة لنا فالمستقبل سوف يكون مختلف وهائل الاختلاف عن كل ما يمكن أن نتوقع , وعلى كافة المستويات والمجالات , ولكن غالبيتنا لا تدرك ذلك وحتى أنها لا يمكن أن تتخيله . فالسوبرمان قادم ونحن أجداده إن لم نكن آباؤه ، وهو على الأغلب لن يكون سوبرمان بيولوجي فهو سوف يكون إلكتروني-بيولوجي

 . وهذه بعض التصورات مستقبلية للمائة أو مائتين سنة القادمة . الطاقة وحل مشكلتها , باستثمار الطاقة الشمسية من الفضاء وهذا كان توقعه الكثير من المفكرين أمثال إسحاق عظيموف , أو بالدمج البارد للهدرجين وتكوين الهليوم , وهذا ما يعمل على تحقيقه الكثير من العلماء وإن كان تحقيق ذلك صعب جداً. وتصبح القضية توزيع ونقل للطاقة . التحكم بالطقس عن طريق عواكس وسواتر فضائية . غزو الفضاء واستيطان بعض كواكب وأقمار المجموعة الشمسية , واستصلاحها . تطور العلاقات التجارية والاقتصادية والسياسية . وتطور الصراعات والتنافس لكي تصبح غير خطرة على البشرية , أي تصبح كألعاب الكومبيوتر . حتمية توحيد العالم . وهذا توقعه ” وياز ” فقد توقع توحيد العالم في حوالي منتصف القرن 21 . تطور العقائد والأديان والانتماءات في اتجاه مجهول . ويمكن أن نتصور نشوء تكنولوجية الجديدة نتيجة الذكاء الصناعي وتطوره , مثل صناعة الوعي . وتطوير الأحاسيس والانفعالات , والفنون . إن كل منا يريد بالدرجة الأولى تحقيق أحاسيس معينة وتحاشي أحاسيس معينة أي يريد شعور وأحاسيس التي ترغب بها , والجنة ( إن كانت في الدنيا أو الآخرة ) وما تنتجه من أحاسيس هي هدف الأغلبية . هذا هو الطلب الأول أو الدافع الأول لي ولكل منا ” الأحاسيس” . فغياب الشعور والوعي هو غياب الذات أو الأنا , وبالتالي غياب المرجع وانعدام كل شيء , فإذا أطفئ الوعي وبقيت جميع التفاعلات والتأثيرات فإنه لن يكون هناك شيء بالنسبة لهذا الوعي . إن المرجع الأساسي لكل منا هو الوعي والشعور الفردي الذاتي , وهذا مقيم وله اتجاه وله أفضلية ودرجات. فالأحاسيس هي مطلب كل منا , فوعينا و ذاتنا هي أحاسيس . فالشيء الهام بالنسبة لنا نحن البشر هو الأحاسيس والمشاعر والإدراك والوعي, فالمعارف وكذلك الأحاسيس وظيفتهما خدمة بنية الجسم بشكل عام, وقد نشأت الأحاسيس أولاً, ثم تطورت ونمت وأصبحت على شكل أفكار وأحكام ومعارف ولكنها ظلت تابعة لأصلها الحسي . فالأحاسيس بالنسبة لكل منا هي في النهاية مرجع قياس وتقييم كل شيء . إن هدف الفنون هو قرع الأحاسيس والانفعالات, والناس يطلبون من الفنانين منحهم أحاسيس وانفعالات الحب والحنان والعطف والمواساة والسلوى والمرح والضحك والفخر والاعتزاز والإخاء والانتماء والتشويق والهدوء والجمال واللذة والمفاجأة, وأحاسيس الخوف والرعب المسيطر عليه . كما يطلبون التمتع بالألحان والنغمات والإيقاعات الموسيقية المرغوبة والممتعة, ويطلبون الروائح والأطعمة وكافة الأحاسيس والانفعالات الممتعة . فهدف ودور الفن الأساسي هو الممتع, ولا يهتم كثيراً بالمفيد أو الواجب, لذلك يمكن أن يلتقي الدين والسياسة والعلم مع الفن عند تعرضهم للأحاسيس والانفعالات. والأدب بشكل خاص يمتاز عن باقي الفنون في قدرته على تنويع وتوسيع الأحاسيس التي يقدمها كوجبات فنية, فالأحاسيس التي يستطيع الأدب أن يحدثها لدى متلقيه هائلة التنوع والاتساع وعالية التطور, فحتى السينما وقدراتها الهائلة لا تستطيع أن تنافس الأدب في مجالات كثيرة, وهي لابد أن تستعين بالأدب . فللأدب قدرة على كشف وتمثيل أعقد الأحاسيس والمشاعر والأفكار الإنسانية ونقلها إلى الآخرين, وقد بلغت قدرات الأدب الآن مستويات عالية جداً في إحداث الأحاسيس والمشاعر المتطورة والمعقدة, إن المشاعر والأحاسيس والانفعالات التي يخلقها الأدب لا يمكن أن تبزها أية مشاعر أخرى, فحتى الواقع الافتراضي - الآن- لا يمكنه أن يتفوق على الأدب, إلا إذا استعان بالأدب نفسه . إن قراءة رواية أو مسرحية… هو بمثابة أن نعيش ونشعر أحداثها وحياة شخصياتها , فالأدب ليس هدفه الأساسي المعرفة أو الإصلاح والإرشاد فهو يتجاهل الكثير من المعارف الأساسية في أحيان كثيرة, وذلك في سبيل عزف الأحاسيس والانفعالات المطلوبة لدى متلقيه. والدين من أهدافه أيضاً عزف الأحاسيس الجميلة والسعيدة . هناك فن بدأ يتشكل وينمو بسرعة إن هذا الفن سوف يمكننا مستقبلاً- وهذا ليس ببعيد- من تذوق وعي وأحاسيس تماثل ما نعيشه أثناء الأحلام ولكن في المجالات التي نريد ونرغب بها وبالخصائص والمقدار والشدة التي نريد , فالأحاسيس التي يمكن تذوقها من عيش قصص ألف ليلة وليلة أو غيرها من القصص والملاحم والأساطير وما يمكن تذوقه من أحاسيس ومشاعر وانفعالات من ممارسة الأحلام , كل هذا سوف يكون متاحاً مثله وأكثر بواسطة فن الواقع الافتراضي . فهذا الفن سوف يمكننا من عزف الأحاسيس والمشاعر والانفعالات التي نريد لدى أي إنسان . فالجهاز العصبي للإنسان والقدرات الهائلة على الإحساس والوعي التي يملكها تمكننا من ذلك , إذا كنا نملك القدرات اللازمة للتحكم بالمداخل الحسية الذاهبة إلى دماغه. وإن الأحاسيس والانفعالات التي يتذوقها المتصوف أو المتعمق في الدين والإيمان ,أو الفيلسوف , أو الفنان , أو العالم …., سوف لن تكون مستحيلة في الواقع الافتراضي , صحيح أن الأدب والسينما استطاعا عزف كمية هائلة من أنواع الأحاسيس والانفعالات لدى المتلقين, ولكن الآتي أعظم بكثير . وبالإضافة إلى كل ذلك فسوف يتم توسيع و تنويع جديد لأحاسيسنا وانفعالاتنا التي نملكها الآن بواسطة التقدم الذي سوف يحصل في العلوم الفسيولوجية والتكنولوجية, فسوف يخفف الألم وتتم السيطرة عليه وتلغى أشكاله القوية, وسوف تصنع أو تشكل أحاسيس جديدة بواسطة التحكم الفسيولوجي والعصبي في المستقبل. 

لقد بحث الكثيرون عن إكسير الحياة وبذلت ملايين من ساعات التفكير والعمل والتجارب , ضمن الخيارات المتاحة المتواضعة للوصول إلى إكسير الحياة وقهر الموت ولم يتحقق شيء, والآن ما زال الكثيرون يعتبرون أن الموت يمكن تأجيله أو القضاء عليه, فقد جرب التبريد للاحتفاظ بالجسم أو الدماغ فقط , لمدة طويلة دون تلف ريثما يتم التوصل إلى معالجة أسباب الموت, وفكر آخرون بنقل وعي وأحاسيس وذاكرة الإنسان إلى الأجهزة والبنيات الإلكترونية التي يمكن إصلاحها أو تبديل الذي يتلف منها وبالتالي الإبقاء على ذات الإنسان متوضعة ضمن هذه الأجهزة وإلى أزمان غير محددة . والكثير من علماء البيولوجيا يعتبرون أن الموت له دور ووظيفة هامة يؤديها وأنه كان من الممكن أن لا تموت الكائنات الحية أو تعيش لأي فترات طويلة, وقد لوحظ أن غالبية الكائنات الحية تعيش فقط للفترة الكافية للنضوج والإنجاب والكافية لاستمرار النوع, وكذلك وجد أن الخلايا الحية تموت بعد فترة زمنية محددة فهي مبرمجة فزيولوجياً على ذلك, ويمكن من الناحية النظرية التحكم بهذه البرمجة وجعلها تعيش لفترات زمنية غير محدودة