كيف نقيم ونبني أحكامنا 

إن كافة التأثيرات و القوى التي نتعرض لها وتنشئ فينا أحاسيس و دوافع واستجابات , نقوم بتقييمها والحكم عليها والقيام بالاستجابة عليها بناء على ذلك , وهذا يتم بالاعتماد على ما يلي : 

1_ المرجع الحسي أي الممتعة أوالمؤلمة , الجميلة أو القبيحة .

2_ مرجع إفادتها أو ضررها لنا أو لمن يهمونا .

3_ مرجع  صحتها أو خطأها , وذلك حسب المعارف والمعلومات التي نعتمدها .

فهذه الطرق الأساسية الثلاثة للتقييم تحدد القوى المحركة لاستجاباتنا كافة ، إن كانت أعمالاً أو أفكار أو أحاسيس أو انفعالات . 

فالأفعال التي نقوم بها يمكن أن نقيمها أو نقيم نتائجها , بناء على فائدتها أو ضررها لنا . ويمكن أن نقيم نفس فعل بناء على أنه ممتع لنا أو مؤلم ودرجة ذلك , وكذلك يمكن أن نقيم نفس هذا الفعل بناء على صحيح أو خاطئ  .

إن أحكامنا نبنيها بالاعتماد على معارفنا و تقييماتنا , وحسب دوافعنا , فنحن نحكم على عمل أو استجابة ما بأنه ممتع أو مفيد أو صحيح ، وكذلك يمكن أن نحكم كذلك على أحاسيس معينة ، أو أي استجابة لنا إن كانت فكرية أم حسية أم عملية, بناء على هذه المراجع الثلاث , الممتع أو المؤلم , المفيد أو الضار , الصحيح أو الخاطئ . 

وكذلك نستبق الزمن ونحكم على الأوضاع قبل حدوثها بأنها مفيدة أو ممتعة أو صحيحة .

ونحن نلاحظ أن الممتع لا يكون ارتباطه بالمفيد أو الصحيح ضرورياً . فهذه المراجع الثلاثة  هي منفصلة عن بعضها كمراجع للقياس والتقييم ، و يمكن أن نجري هذه التقييمات  معاً . لذلك إذا أردنا تقييم أي وضع أو حادث حصل أو سوف يحصل ، يجب علينا إعطاؤه ثلاثة تقييمات منفصلة وهي : 

1_ نقيم ونحدد ونقيس درجة فائدته إن كان مفيداً ، أو درجة ضرره إن كان ضاراً ، أو إن كان محايداً ليس له فائدة أو ضرر . 

2 _ نحدد مقدار إمتاعه ، أو مقدار ألمه . 

3_ نحدد هل هو صحيح أم خاطئ    . 

أن كافة الأفعال أو الاستجابات يمكن أن تصنف وتقيم وتقاس ويحكم عليها حسب هذه المراجع الثلاث

ولكن هذا لا يكفي لتوضيح الأمور ، فيجب تحديد مرجع  ونوعية الإفادة أو الضرر ، فيمكن لعمل أن يكون مفيداً للفرد وضاراً بالمجتمع أو العكس ، أو يكون مفيداً لإنسان وضاراً بإنسان آخر .

ومفهوم المفيد فعّال عند استعماله في تحقيق الأهداف أو المشاريع وبناء المعارف والأحكام الدقيقة ، إذا استعمل بشكل واضح ومحدد ودقيق (أي مكمم بشكل دقيق) , وهو المعتمد الآن في أغلب تقييمات المعارف والعلوم النظرية والعملية ، وفي كافة المجالات السياسية والاجتماعية والحياة العملية .

أما مفهوم اللذيذ والمؤلم أو الجميل والقبيح , فهو يظهر أن كافة التقييمات مهما كانت تراعي الواجب أو المنفعة أو غيرها من التقييمات , يجب تحديد إن كانت ممتعة أم مؤلمة في النهاية . فكافة أحكامنا عن أهدافنا أو غاياتنا يجب  في النهاية توضح مقدار أللذة أو الألم الذي سوف يحصل في النهاية , فأحاسيسنا هي المرجع النهائي دوماً . يمكن أن نتحمل بعض الآلام في بعض الأوقات أو الأوضاع ، ولكن في النهاية يجب أن تتفوق الأحاسيس الممتعة على المؤلمة , إذا لم تكن بالنسبة للفرد فيجب أن تكون للجماعة , وكذلك يجب تعيين مرجع الممتع والمؤلم إذا كان تأثير العمل أو الاستجابة تقع على شخص أو عدة أشخاص , والممتع والمؤلم خاص بالكائنات الحية فقط  . 

وبالإضافة لذلك فإن الممتع أوالمفيد ليس ثابتاً ، ويمكن أن يتغير ويتبدل حسب الأوضاع والظروف ، فالمفيد في بعض الأوضاع يمكن أن يكون ضاراً في أوضاع أخرى ، وكذلك الممتع في بعض الأوقات أو الظروف يمكن أن يكون مؤلماً في ظروف وأوضاع أخرى , لنحاول توضيح مفهوم الخير والشر بناء على ذلك . 

إن مفهوم الخير يمكن أن يضم المفيد وهذا ما يكون غالباً ، ويمكن أن يضم الممتع أو المؤلم أحياناً ، وهذا تصنيف غير دقيق في التحديد ، لأنه يمكن أن يخلط بين الممتع والمؤلم مع المفيد ، فيمكن أن يكون المؤلم هو الخير في النهاية أحياناً .

والشر غالباً ما يطلق على المؤلم والضار ، ويمكن أن يكون هذا المؤلم في كثير من الأحيان هو المفيد ومع ذلك يصنف على أنه شر مع أنه ليس كذلك .

لذلك استعمال تصنيف الممتع والمفيد والصحيح أفضل في تحديد أحكامنا ، وبالتالي تكون درجة دقتها أعلى . 

لقد اعتبر الخير هو الجمال والحق هو الجمال والصحيح هو الجميل , وهذا غير دقيق , فيمكن أن يكون القبيح هو المفيد أو هو الخير, وليس ضرورياً أن يكون الحق أو الصحيح, جميل فمفاهيم الحق والخير والجميل مفاهيم غير واضحة .

الأحاسيس والمعاني 

إن الأحاسيس والمشاعر الواعية هي القوى المحركة لغالبية المعالجات الفكرية والنفسية. فالتقييم و إصدار الأحكام , يستمدوا قواهم المحركة من المعنى أو الدلالة والقيمة التي تبنى بشكل كبير على الإحساس و الإدراك الواعي , وإعطاء المعنى أو الدلالة أو القيمة أو المبرر أو الدور للأفكار الواعية هو الذي ينشئ القيم والأخلاق والقوانين الذاتية والاجتماعية . 

والإنسان عندما يتأثر بمثيرات لها علاقة بدوافعه ورغباته الفزيولوجية والنفسية الأساسية  غير الواعية , إن كانت موروثة أو مكتسبة , تضخم هذه المثيرات وتحدث أحاسيس قوية تناسب تلك الدوافع الدفينة , فالجائع تؤثر فيه بقوة أحاديث أو منظر أو رائحة الطعام وكذلك العطشان وكذلك الراغب بالحب , أو الراغب بالمال أو المجد أو الانتقام .

فمعاني المؤثرات تضخم وتحور أحياناً نتيجة الدوافع والرغبات القوية غير الواعية(الدفينة).

الواجب 

إن لدينا مفهوم الواجب ، وهو مفهوم يدل على آلية تصرف مكتسبة بالتربية والتعلم و أنه يجب ممارسة هذه الآلية لأنها الأفضل أو الأصح وهي المعتمدة  دون الالتفات إلى غيرها من التصرفات . ومفهوم الواجب ( وكذلك المقدس ) يدل على التعلم والبرمجة الصارمة ، والمفروض نتيجة التربة والتعلم وتأثيرات المجتمع.

الممتع والمفيد والصحيح وعلاقتهم بالتقييم 

كما ذكرنا يجب فصل الأحكام وتقييمات الممتع أو المؤلم عن أحكام وتقييمات المفيد أو الضار ، أي فصل تقييمات الأحاسيس عن تقييمات المعارف والتنبؤات ، و اعتبارهم  صنفين مختلفين , وهذا يسمح بوجود الممتع وهو الضار ، وكذلك المفيد وهو المؤلم في نفس الوقت , نتيجة وجود حكمين منفصلين دون حدوث تناقض . 

أما في حالة تصنيف الأحكام الذي يجعل الممتع والمفيد في حكم واحد , فيكون لدينا تناقضاً عند استعمال هذا التصنيف ، أو ضعف في درجة دقة الحكم .

إن التصنيفات والتنظيمات والترتيبات للأحكام يجب أن تأتي أولاً ، و بناء عليها يجري التقييم , أي أننا لا نستطيع نحكم وتقييم على أي فعل أو أي شيء إلا بعد أن نصنفه و حسب مرجع  محدد معين . وكافة المراجع تعود إلى مقدار وطبيعة وخصائص التأثير للشيء الذي نصنفه ، أي أن التصنيف الأساسي لكل شيء أو حادثة هو تصنيف لتأثيراته على شيء آخر أو أشياء أخرى ، وهذا يعني أنه لا يكفي تحديد وتصنيف التأثيرات ، بل يجب تحديد وتصنيف مكان التأثير، وعلى من يحدث هذا التأثير.

كما قلنا هناك ثلاثة مجالات لمراجع القياس والتقييم والمقارنة : 

1_ التقييم الحسي بناء على درجة الممتع أو درجة المؤلم بالنسبة لفرد معين ، أو مجموعة أفراد معينين .

2_ التقييم بناء على درجة المفيد أو درجة الضار بالنسبة لفرد معين أو مجموعة أفراد معينين ، أو بالنسبة لبنية أو مجموعة بنيات معينة , أو بالنسبة لهدف أو غاية معينة 

3_ المقارنة والقياس والتقييم , بناء على صحة أو خطأ الحكم واتفاقه مع الواقع . 

إن أهم الأولويات ومراجع القياس بالنسبة لكل فرد هو الممتع والمؤلم الحالي والمستقبلي بالنسبة له ، ثم يأتي المفيد أو الضار بالنسبة له ، ثم يأتي بعد ذلك المفيد والضار بالنسبة لباقي أفراد مجتمعه ، وكذلك الممتع والمؤلم بالنسبة لغيره . هذا بشكل عام فيمكن أن تتغير هذه الأولويات حسب الأوضاع والظروف . 

والقيمة يمكن أن تكون إما للممتع أو للمفيد أو للاثنين معاً ، وتكون للصحيح دوماً .

العلاقة بين الممتع و المفيد والصحيح ومحاولة التوفيق بينهم

إن العلاقات والتأثيرات المتبادلة بين الممتع والمفيد والصحيح متشابكة ومتضاربة في كثير من الأحيان ، فكثيراً ما يكون المفيد هو المؤلم ، أو الصحيح هو المؤلم ، أو الممتع هو الضار . 

هناك قوى ودوافع للتوفيق بين الثلاثة لكي يصبح الصحيح هو المفيد وهو الممتع ،أو الممتع هو المفيد , ودوماً يسعى ليكون المفيد الذاتي هو المفيد الجماعي ، فهناك غالباً عدم تطابق بين المفيد للفرد والمفيد للآخرين أو للمجتمع , فالقوانين والأنظمة والقيم الأخلاقية والاجتماعية والعقائد والأديان .., هي تسعى وتهدف إلى المفيد للجماعة بالإضافة إلى المفيد للأفراد ، ولكن أغلب الدوافع والغرائز والرغبات والأحاسيس هي تسعى للمفيد الذاتي . 

الممتع

الممتع هو اللذيذ الجميل السعيد المفرح والأحاسيس والمشاعر اللذيذة والمرغوبة والمطلوبة ، والتي نسعى بكل جهدنا وفكرنا للحصول عليها وجعلها تحدث لنا , وهو غالباً هدفنا الأساسي . إن الممتع يتحول بالتدريج منذ ولادتنا إلى هدف نسعى إليه بعد أن نعيشه ونستمتع به ، إنه يتحول فيصبح بمثابة المفيد لنا . 

إن تناول وجبة لذيذة بعد جوع ، أو الذهاب برحلة سياحية ، أو سماع أغنية أو لحن يحدث الأحاسيس الرائعة ، وكذلك  قراءة قصة من الروائع ، أو مشاهدة فلم جيد ، أو رقصة سعيدة .......الخ تبقى من المتع المطلوبة لدينا , فالفن بكافة أشكاله هو مصدر المتعة لنا ، وقد أصبح يشمل أغلب أحاسيسنا من طعام وشراب وموسيقى ورقص وحب وأدب وممارسة شعائر دينية أو اجتماعية . . . 

وكان يحدث دوماً تضارب وتناقض بين الممتع والمفيد ، فلا يمكن أن تكون الأحاسيس اللذيذة هي المفيدة دوماً فهي يمكن أن تكون ضارة ومدمرة للفرد أو الجماعة ، وكان التوفيق بين الممتع والمفيد (كما قلنا) هو الهدف الأول للفكر والعمل البشري ، فيجب التوفيق بين الممتع والمفيد , وجعل المفيد ممتع إن أمكن ، وجعل الضار مؤلم ، فيجب التوفيق بين المفيد المتمثل بالنمو والمحافظة على الذات والمجتمع ، والممتع المتمثل بالأحاسيس التي تحدث لنا , والتي لها خصائصها و آليات حدوثها . 

وقد كانت المشكلة الأساسية ناتجة عن آلية الإشراط (وهي أهم الآليات العصبية ), والتي تبنى أغلب أحكامنا الفكرية عليها ، وهذه يمكن أن تجعل الضار هو الممتع في كثير من الأحيان نتيجة الإشراط أو الاقتران . 

إن السعي إلى الأحاسيس الممتعة ، وتحاشي الأحاسيس المزعجة والمؤلمة ، له دور أساسي وكبير في كافة تصرفاتنا ، فالبحث عن السعادة ، والسعي إلى ما يحقق السعادة واللذة من الأولويات بالنسبة لأغلبنا (إن لم نكن كلنا ) ، فالأحاسيس بالنسبة لنا هي المرجع الأساسي لكافة أفعالنا وأحكامنا ، فنحن غالباً ما نقيم أفعالنا وأهدافنا حسب الأحاسيس التي تنتجها أو تؤدي إليها . 

ونحن لا نستطيع تقييم إلا الأفعال والأحاسيس التي نعيها وندركها أو نحس بها ، فهذه فقط نستطيع إعطاء المعنى والدلالة لها ( أي تقييمها ) ، فالأفعال والأحاسيس تقيم ويحكم عليها بعد أن تدرك ويتم وعيها ، وكذلك المؤثرات من كافة الأشكال والأنواع لا يتم تقييمها أو إعطاء دلالة أو معنى لها إذا لم تدخل ساحة الشعور الواعي لدينا .

ونحن نجد أن الأحاسيس والعواطف و الانفعالات وما تنتجه من تأثيرات , قد نشأت وتطورت لأنها حققت فاعلية في التكيف والتوافق مع البيئة الطبيعية والبيئة الاجتماعية, فالغضب والخوف والكراهية والشجاعة والغيرة والتنافس على المكانة وعلى التفوق وغيرها , لهم الدور الهام والفعال في التكيف مع البيئة والأوضاع الاجتماعية.

ولكن البيئة وخاصة الأوضاع الاجتماعية تتغير , وهذا جعل الكثير من الانفعالات والعواطف غير مناسبة للأوضاع الجديدة , وهي بحاجة إلى تعديل أو إلغاء , وإيجاد ما هو مناسب للأوضاع الجديدة, والكثير من الناس ينتقدون ويهاجمون هذه الانفعالات (التي هي غريزية) ويعتبرونها حيوانية وسيئة ويجب القضاء عليها وهم محقون في أغلب الأحيان , إلا أن بعضها لا زال يؤدي وظيفة ودور في التكيف والتطور, فالمنافسة والغيرة والصراع وغيرهم لا زال لهم دور هام في تطور البنيات الاجتماعية , وطبعاً مع الزمن سوف تطور الكثير من الانفعالات والعواطف لتلائم الأوضاع والتطورات الاجتماعية . 

والفرق الأساسي بين الممتع والمفيد هو أن الممتع هو ذاتي و يحدث الأحاسيس والمشاعر اللذيذة السعيدة والمريحة بشكل مباشر. أما المفيد فهو يحتاج إلى معالجة فكرية لكي يظهر لنا , وهو الذي يحقق لنا الممتع في المستقبل ، وهو أيضاً الصحيح ويؤدي إلى المحافظة علينا وعلى الآخرين والمجتمع ، فالمفيد ليس فقط الذي يحقق الممتع في المستقبل ، بل هو أيضاً ما يحقق البقاء والاستمرار والنمو كافة الأفراد ونمو وتطور المجتمع ككل ، فهو الضروري فعله للمحافظة على الفرد وعلى المجتمع , فهناك المفيد للفرد وهناك المفيد للمجتمع . 

كل إنسان يمكن أن ينتمي إلى الكثير من البنيات الاجتماعية ( أسرة – عشيرة – مصنع – شركة- حزب – دولة ......الخ ) ، وعند انتمائه لأي بنية اجتماعية يصبح بنية جزئية فيها ، وتفرض عليه التأثيرات وبالتالي التصرفات التي تفيد هذه البنية الاجتماعية ، أي الآليات والقوانين والقوى التي تساهم في تشكيل واستمرار ونمو هذه البنية . 

لذلك كل إنسان يعيش في مجتمع وضمن بنيات اجتماعية يفرض عليه ما يفيد هذه البنيات ، وهذا يتعارض في أغلب الأحيان مع ما يفيده أو ما يمتعه ، فيجب التوفيق بين هذين المفيدين , المفيد للفرد والمفيد للبنيات الاجتماعية .

إن المفيد للمجتمع غالباً ما يكون مفروض على الفرد , و يمكن أن يكون تأثيره على الفرد أقوى من تأثير المفيد (الذاتي ) لديه ، ونحن نلاحظ أمثلة كثيرة على ذلك مثل : تحمل الآلام والتضحية وبذل الكثير, وأحياناً الموت في سبيل  الأولاد أو الأسرة أو الوطن أو الدين ... ، مع أن هذا يكون في سبيل المفيد للبنيات الاجتماعية وليس المفيد للفرد . 

فيجب أن يكون أخذ وعطاء مجدي بين المفيد للمجتمع والمفيد للفرد، أي يجب أن يحقق المفيد لكليهما , ويحقق التوافق بينهم ، هذا إذا أريد تطور ونمو واستمرار المجتمع وأفراده في نفس الوقت ، فالتضارب في التأثيرات والدوافع والأهداف المفيدة للفرد مع التي هي مفيدة لبنيات المجتمع يؤدي إلى ما هو ضار أو معيق لبنيات المجتمع وللأفراد معاً .

ويجب أن نلاحظ أن من يفعل ما يضر بالمجتمع , ليس ضرورياً أو حتمياً أن يضر نفسه ، فيمكن أن لا يرد المجتمع على ذلك ، لضعف استشعاره بهذا الضرر ، أو لضعف الرد عليه ( نقص القوانين والأنظمة أو محدوديتها أو ضعف تنفيذها ) .

ونحن نلاحظ دور العقائد والأديان والأخلاق الهام جداً في التوفيق بين المفيد للفرد والمفيد للمجتمع ( مع أنها أصبحت غير كافية الآن ) ، فالتلوث الذي يحدثه الأفراد لم يستشعر المجتمع ضرره ( لم يظهر هذا الضرر إلا بعد زمن ) لذلك لم يرد عليه ، ولكن عندما ظهر تأثيره الضار حدث الرد ، وذلك بإحداث قوانين وأنظمة تمنع أو تحد من التلوث .

وهذا معناه أن المجتمع وبنياته تستشعر ( أو تحس ) ما يفيدها وما يضرها وذلك بطرق وآليات خاصة بها وهي ترد بقوى وتأثيرات على ذلك ، ونحن نشاهد مجتمعات متطورة استطاعت المحافظة على نفسها وتطورها ونموها نتيجة كونها تطورت بشكل ملائم وفعال ، ومجتمعات مازالت متخلفة في تماسك وتطور بنياتها وقوانينها وأنظمتها .

علاقة المفيد والضار بالتغذية والنمو.

أن أي نمو لبنية ( مهما كانت طبيعتها ) نتيجة تناول تغذية ( أي إضافة مواد وقوى لها ) يمكن أن يؤدي إلى إخلال في توازن هذه البنية , ويتطلب معالجته للمحافظة على توازن هذه البنية , وهذه يكون على شكل مواءمة وتمثل (أو هضم ) لما تم تناوله , فإذا لم تتم هذه العمليات بشكل مناسب , فكل تغذية يجب تمثلها ومواءمتها بشكل مناسب وجعلها تنتظم وتتزن ضمن البنية , أو يعاد إخراجها , و إلا يختل توازن تلك البنية . 

يمكن أن يتحقق توازن جديد نتيجة انتظام جديد(تكيف) مع البنيات المضافة , وهذا هو النمو والتطور. 

وهناك حالة أخرى للتغذية وهي أن البنيات المضافة تقوم بوظيفة معينة محددة ومعزولة عن باقي التفاعلات , ثم يعاد إخراجها . وبذلك يستفاد من بعض خواصها(أي تقوم بدور معين ثم تخرج) كما في وقود السيارة . أو الطعام الذي يحرق(مثل السكريات وغيرها) للاستفادة من الطاقة ومثل الماء الذي يتم تناوله..., إن هذه البنيات الداخلة في تفاعلات . لا تدخل في التفاعلات الأساسية أو تدخل ولكن بشكل محدود و مسيطر عليه , فهي مساعدة ولها وظيفة محددة تقوم بها . الذي أريد قوله هو أن أي تغذية يمكن أن تهدد البنية التي تناولتها إذا لم يتم تمثل ومواءمة مناسبة لمواد هذه التغذية . 

وهذا نلاحظه لدى الكائنات الحية فنراها تسعى لتناول وتتغذى بمواد مناسبة لها , وتكون قادرة على هضمها وتمثلها , وتتحاشى تناول المواد التي لا تستطيع هضمها أو التي تهدد بنيتها(تضرها) . 

ومن هنا يظهر المفيد والضار بالنسبة لهذه البنية , وكل بنية حية تضيف إلى نفسها بنيات جديدة يجب أن تكون مفيدة لها و غير ضارة بها , أي يمكن ضمها ومواءمتها وتمثلها ضمن بنيتها, و إلا تصبح ضارة بها , وهذا أساس المفيد والضار لأي بنية مهما كانت , إن كانت بنية حية أو بنية اجتماعية أو بنية آلة....

يمكن اعتبار كل مصنع أو ورشة عمل تنتج سلع, إن كانت صغيرة أو كبيرة مثل الأدوات أو الآلات(سيارات وغيرها)أو الأبنية والمنشآت...,يمكن اعتباره بنية تتغذى بمواد أولية, تناسب تصنيع السلع المطلوبة, فتعالج(فتهضم) وتشكل منها السلعة المطلوبة(أي تمثل على شكل سلع) , وتخرج أو تنفصل عن البنية المنتجة. 

هنا نجد أن التغذية التي تم تناولها لم تمثل بإضافتها للبنية , فالبنية ( أي المصنع) التي تناولت الوجبات لا تنمو, بل يكون التمثل على شكل منتجات مستقلة . مثال مصنع الورق يتناول خشب الأشجار ومواد أخرى في فيعالجها وتخرج منه على شكل ورق , وكذلك مصنع السيارات, وكذلك الورشة التي تبني بناء أو جسر..., فهي لا تحقق النمو للبنة التي تتناولها , بل تحقق إنتاج سلع(بنيات) مختلفة عن التي تناولتها مع بقاء البنية المصنعة شبه ثابتة , ويمكن أن تتم التغذية لنمو البنية المصنعة ببنيات مختلف مناسب, تحقق ذلك .

فالإنتاج متعلق بالتغذية والنمو والبناء وتصنيع الأشياء المادية أو الفكرية ، وهو يمكن أن يكون إنتاج للممتع أو المفيد ، وكذلك يمكن أن يكون للمؤلم أو الضار .

والإنتاج الفني هو إنتاج للممتع بالدرجة الأولى ، أما الإنتاج العلمي والصناعي فهو إنتاج للمفيد غالباً . ويجب تحديد وتعيين مرجع الإفادة أو مرجع الممتع .

الممتع والمفيد والصحيح في نشر المعارف 

إن التحصيل المدرسي هو مفروض لأنه يعتبر مفيد للفرد وللمجتمع ، وإذا جعلناه ممتعاً نكون قد حققنا الكثير في نشر المعارف والعلوم ، ونحن نلاحظ صعوبة في تحقيق ذلك ، فالمدارس والجامعات تحقق تعليم الطلاب وتخرج المتعلمين ، ولكن بطريقة المفروض  وتفشل غالباً في جعل التحصيل المعرفي ممتع أيضاً , وهذا ما جعل مردوده  منخفض  ويغلب عليه النسخ والمحاكاة والتكرار فهو واجب ومفروض يجب إنجازه حتى وإن ولد الألم والمعاناة ، مما يسيء كثيراً لنمو وتطور المعارف والعلوم .

ونحن ترى أن الأديان استطاعت تحقيق المفيد والواجب والممتع معاً ، لذلك حققت الانتشار الواسع والقوي في العقول أكثر من العلوم . 

أما الفن فهدفه الأساسي هو تحقيق الممتع ، ويسعى لتحقيق المفيد بشكل محدود ، ونادراً ما يسعى لتحقيق المفروض (فهو عدو المفروض ) .

إذاً المهم كثيراً بالنسبة لنشر المعارف وبالذات التحصيل الدراسي استعمال الطرق والعناصر المناسبة التي تجعل تذوق العلوم متعة (أي جعل العلم فناً ) ، وهذا ليس بالأمر الصعب ، فكما حقق الدين التوافق بين المفروض والمفيد والممتع , يمكن أن يحقق التعليم المدرسي نشر المعارف المفروضة ويجعلها ممتعة .

والأخلاق والأعراف الاجتماعية والقوانين , تهدف وتسعى إلى المفيد وتفرضه ، وهي لا تراعي كثيراً أن تجعله ممتعاً ، لذلك تخرق في أغلب الأحيان . 

الخاص والعام , أو الفرد والجماعة 

كما ذكرنا إن الوعي والمشاعر والأحاسيس هي غالباً المرجع والأساس للفرد ، أما المفيد والأفضل فهما المرجع والأساس العام أن كان للفرد أو للمجتمع , ويحدث تبادل تأثير بين الخاص والعام فالفرد يؤثر ويتأثر بالبنيات الاجتماعية التي ينتمي إليها ، مثلما هو يتأثر ويؤثر بالبنيات الجزئية ( أجهزته وأعضائه) التي يتكون منها ، ونتيجة تبادل التأثير بين بنية الفرد وباقي البنيات (إن كانت جزئية له أو شاملة له ) ، يحدث تطور ونمو لآليات وطرق الاستجابات بما يتوافق مع هذه التأثيرات المتبادلة ،وتكون نتيجة ذلك تداخل بين الممتع والمفيد ، أي تداخلت آليات الأحاسيس مع آليات المفيد والأفضل . فكان هناك الضروري والواجب واللازم والمفروض على الفرد , مع أنهم مؤلمون في كثير من الأحيان . وبناء على ذلك يكون هناك تعدد وتداخل في مراجع التقييم و الأفضليات ، فهناك الأفضليات والقيم الفردية الذاتية ، وهناك أفضليات وقوى وأنظمة للبنيات الاجتماعية والشاملة لهذا الفرد ، فتارة تسيطر الأحاسيس الذاتية أو المراجع الذاتية ، وتارة يسيطر الواجب والضروري واللازم أي الأخلاق والعادات والدين والقوانين والقوى الاجتماعية , و يبقى التأثير المتبادل (الجدل ) بين هذين المرجعين ، وتكون السيادة غالباً لقوى البنيات الاجتماعية .

ويجب ألا ننسى بنية الحياة ، لأنها هي المرجع لكل من البنيات الحية الفردية والبنيات الاجتماعية ، بالإضافة إلى البنيات الفزيولوجية المتنوعة التي تكون البنيات الحية ، فبنية الحياة ككل هي المسيطر الأول وهي الأقوى والأشمل ، فعمرها عدة مليارات من السنين ، وهي نمت وتطورت خلال هذه المدة ، وحافظت على بقائها ونموها وتطورها . 

إننا الآن نشاهد التواصل والجدل بين بنية الحياة والبنيات التي أنتجتها , أي البنيات الفردية والبنيات الاجتماعية والبنيات التكنولوجية والبنيات الفكرية والبنيات الكثيرة الأخرى . 

من يقود ويتحكم في مسار التفاعلات والجدل بين هذه البنيات جميعها ؟  

المرشح لذلك هو البنيات الفكرية المتطورة ، فهذه البنيات بعد أن خرجت من العقول وانتشرت و توضّعت في الكتب وغيرها ، ثم توضعت في العقول الالكترونية  ، وأصبحت تملك قدرات هائلة ، أصبحت هي المؤهلة للقيادة والتحكم في مسارات التفاعلات الجارية بين هذه البنيات .

ماذا سوف يحدث للأحاسيس البشرية وبشكل خاص للوعي ؟ 

على الأغلب سوف تتوسع مجالاتها وأنواعها وكميتها ، وسوف تنتظم وتتوافق مع المفيد والصحيح والضروري لاستمرار , وتطور البنيات المتفاعلة ,أغلبها إن لم يكن جميعها. ولكن أين ستتوضع تلك الأحاسيس ؟ 

هل ستبقى متوضعة في العقول الفزيولوجية الحية ، أم ستتوضع في العقول الالكترونية ، أم في عقول مشتركة حيوية الكترونية ؟  

الاحتمال الأكبر هو الأخير .

ماذا سيحدث للتيارات العصبية الحسية المؤلمة ؟ 

سوف تعدل وتخفف ، وسيتم السيطرة التامة عليها ، ولكن سوف يحافظ عليها من أجل وظيفتها الهامة (الحماية والإنذار والتوجيه ) ، بالإضافة إلى أنها ضرورية لإنتاج الأحاسيس اللذيذة (ربما يتعدل هذا فيما بعد وتصبح غير ضرورية ) .

الممتع والمفيد والصحيح وكيف نوزع قدراتنا عليهم 

إننا نسعى غالباً إلى الممتع ثم إلى المفيد ، فالممتع هو استهلاك فعلي في الحاضر ، أما المفيد فهو الذي يحقق الممتع في المستقبل ، أو يمنع المؤلم والمدمر والسيئ ، فهو الذي يحقق الاستمرار والنمو .

إن دور العقل أو الفكر وكذلك المعارف والعلوم ، يهدف إلى تحقيق المفيد أولاً لأن تحقيقه سوف يحقق الممتع غالباً ، وثانياً يهدف إلى تحقيق الممتع الفوري . 

إن قدرات كل إنسان توجه وتبذل أو توزع على الممتع له ، وعلى المفيد له ، أو الذي يتم اعتباره مفيداً ، وعلى الواجب عليه فعله أو المفروض عليه فعله ، فقدرات كل إنسان توزع على : 1-الممتع  2- المفيد  3-الواجب (أو المفروض أو الصحيح ) . 

ويتم التوزيع حسب العناصر وخصائص هذه العناصر الموجود ضمنها كل إنسان ، بالإضافة إلى عناصره الذاتية وخصائصها ، لذلك يختلف هذا التوزيع ومقاديره بين إنسان وآخر ، فمنهم يركز على الممتع ، ومنهم من  يركز على المفيد مع مراعاة الممتع ، ومنهم من يهتم بالثلاثة وذلك حسب طبيعة وخصائص كل منهم ، بالإضافة إلى الظروف والأوضاع المؤثرة على كل منهم .   

تأثير الأحاسيس والدوافع على الأحكام العقلية 

إن العقل البشري عندما يعمل ويقوم ببناء تقييماته وأحكامه ، إن كان للماضي أو للحاضر أو للمستقبل ، لا يراعي المنطق والسببية وباقي آليات عمله فقط ، بل يراعي أيضاً تأثيرات حواسه وانفعالاته ورغباته وقيمه ، لذلك عندما ينشئ تقييماته و أحكامه بالاعتماد على المعلومات التي لديه ، يدخل أيضاً عليها ( أو تدخل عليها أيضاً ) تأثيرات أحاسيسه وانفعالاته ورغباته وقيمه ، فتنحرف هذه الأحكام لتلائم غاياته وأحاسيسه وقيمه ، وهو كثيراً ما يستغل المعلومات غير الدقيقة لكي يدخل تأثيرات رغباته وأحاسيسه المتفقة معها . 

مثال على ذلك بنائه للأساطير والقصص عن الماضي بما يناسب المعلومات التي لديه وبعد أن يضيف عليها رغباته وأحاسيسه ، ويخرج مثال أو صورة  للماضي تحقق بالدرجة الأولى رغباته ودوافعه ، ويعتبر هذه الصورة هي المرجع الذي يعتمد عليه في تصرفاته ، وهو يقوم دوماً بتعديل لهذه الصورة أو المثال ليستوعب كل ما يصادفه من وقائع وأحداث تجري له ، فهو إما أن  يعدل قليلاً من مثاله أو صورته ، أو يكيف الأحداث ويربطها مع بعضها بما يوافق مثاله الذي يعتمده ، وغالباً ما يقوم بتحوير وتعديل تفسير الأحداث , وليس تعديل مثاله الذي يكون بمثابة مرجع أساسي له .

ونحن نشاهد مثالاً آخر على تأثير الأحاسيس والدوافع الذاتية على المعلومات والمعارف عند ملاحظة تصوراتنا لأحداث وأمور تحدث لشخص نحبه أو نكرهه أو نغار منه ، فإننا نجد أن أغلب السيناريوهات التي نضعها لمستقبل هذا الشخص بغض النظر عن المعلومات المتوفرة لدينا عنه وعن أوضاعه ، أنها سوف تخضع في المحصلة إلى رغباتنا و إحساساتنا تجاهه ، فإن كنا نبغضه نرى أن نتيجة هذه السيناريوهات ( على الأغلب ) هي الضرر له ، وإذا كنا نحبه نجد أنها النجاح والسعادة ، وإذا كنا نغار منه نجد أنها الفشل والخسارة . ولكن وبعد أن تجري الأحداث وتحدث الوقائع نجد أن أحكامنا وتوقعاتنا ( آمالنا ) كانت على الأغلب غير دقيقة وبشكل كبير ، فنجد أن عدونا الذي نكرهه نجح وفاز ، والذي نحبه ونرغب بنجاحه فشل ، والذي كنا نغار منه نجح وتقدم .

ونحن نلاحظ تأثر أحكامنا وتصوراتنا بانفعالاتنا ورغباتنا بشكل واضح عندما نكره شخص معين، فتتكون أحكامنا وتصوراتنا من خلال هذا الكره ، وعندما نعود ونتصالح معه ونحبه ، تعود وتتغير أحكامنا بما يناسب ذلك ، مع أن الشخص نفسه وأغلب الأوضاع ما زالت متشابهة ، فالأحكام العقلية مهما كانت تسعى لتكون محايدة وموضوعية ، فإنها تتأثر بالأحاسيس والدوافع والرغبات التي تكون مرافقة لها أثناء إجرائها في العقل . 

المعرفة مقابل الإحساس والشعور , أو العلم مقابل الفن.

صحيح أن الإحساس والشعور والوعي هم الأساس والمرجع النهائي, بالنسبة لكل منا, ولكن تظل المعرفة والتنبؤ( وهي أيضاً حالة من الشعور والوعي) هي الوسيلة الأساسية , للتحكم الأفضل بالأحاسيس والمشاعر. 

فالمعرفة تظهر لنا أن الوجود وكافة مناحيه هي لا متناهية , وتظهر أن هذا الوجود هو أصل وجدودنا وأننا جزء بسيط منه, وتظهر تأثيرات هذا الوجود على أحاسيسنا ووعينا .

والآن إذا أردنا تقييم المعرفة و الشعور, أو العلم والفن, أي مقياس نختار ونعتمد؟

التقييم الحسي الذاتي , أم التقييم المعرفي الوجودي (أو الموضوعي) العام . 

نعتمد الممتع أم المفيد للقياس , أي هل نعتمد أفضلية الشعور وأنه الأساس أم نعتمد المعرفة العامة هي الأساس , هل نعتبر الخير هو اللذيذ والممتع والجميل, والشر هو المؤلم والمزعج والقبيح , أم نعتبر أن الخير هو المعرفة العامة الدقيقة والتي توضح المفيد والضار وتوضح الممتع والمؤلم , والشر هو المعرفة غير الدقيقة أو الخاطئة. 

هل المطلوب الممتع أم المفيد, أم الاثنان معاً ؟ 

إننا في الواقع نجد أن الخيار ليس في يدنا , فنحن مبرمجون وراثياً فزيولوجياً وتربوياً واجتماعياً شئنا أم أبينا . نحن نستطيع أحياناً خرق ومخالفة هذه البرمجة ولكن على الأغلب سوف نتعرض لقوى وممانعات تجبرنا على الالتزام بما برمجنا عليه . 

ونحن نسعى للممتع والمفيد معاً ولكن بعضنا يعطي للممتع أو الممتع في الحاضر الأفضلية, وبعضنا الآخر يعطي للمفيد وللممتع في المستقبل الأفضلية وهو يحول الواجب إلى مفيد والمفيد إلى ممتع, ويجعل قيامه بالواجب أو الصحيح هو المفيد وهو بالتالي الممتع , فقيامه بالواجب أو المفروض يولد لديه السعادة والإمتاع(عميل منيح وكب بالبحر ولا يصح إلا الصحيح), فهو يتجاوز  طلب اللذة والسعادة السريعة والعادية ليصل إلى المستويات العليا من السعادة والمتعة, والمرتبطة مع الواجب والصحيح والمفيد له ولمجتمعه . 

وهذا الذي تعتمده كافة الأديان والحكومات والدول . 

إذاً يجب اعتماد المفيد والأفضل العام حتى وإن لم يؤدي إلى الممتع , وذلك بالاعتماد على المعارف الدقيقة العامة والشاملة , ما أمكن ذلك.

جذب الأوضاع والمؤثرات أو المثيرات , ودفعنا لتحقيقها

نحن كثيراً ما نلاحظ  أننا لا نقرر أهدافنا أو غاياتنا بإرادتنا الذاتية , فالأوضاع والمثيرات والظروف هي التي توجهنا وتحدد غالبية تصرفاتنا وأهدافنا , وهذا يشبه ما يحصل في الكومبيوتر, فالمخلات هي التي تحدد المخرجات بعد معالجتها حسب نظام عمل الكومبيوتر والبرنامج العامل والذي يتضمن أيضاً الذاكرة المخزنة . 

فالأوضاع أو الظروف تفرض تأثيراتها التي هي بمثابة مدخلات إلى دماغنا , فتعالج حسب آليات ونظام عملة وحسب ما تم  تعلمه أي ما خزن في الذاكرة . وكثيراً ما تحدد هذه الظروف ( أو المدخلات ) دوافعنا وأهدافنا وتصرفاتنا .    

نحن نربط بين التفكير والوعي والإدراك ، ونرتكز في بنائنا لمفهوم التفكير على طريقة تفكيرنا نحن , وتفكيرنا واسع ومعقد ومتداخل مع الشعور والوعي وآليات عصبية نفسية متطورة ، أي نحن نستخدم مفهوم  التفكير  بشكل غير واضح وغير مكمم بشكل دقيق ، لذلك  لا يتضح لنا التفكير لدى النبات أو لدى بنية الحياة ( مع أنه موجود ومتطور ) لأننا نعتمد تفكيرنا فقط كمرجع لمفهوم التفكير .

إن العقل البشري يشبه قليلاً الكومبيوتر ويعمل بطريقة مكممة ( رقمية) , فالمدخلات تنتج بعد معالجتها استجابات جسمية (حركية و فزيولوجية), وفكرية (معارف وأحكام). 

والذي يهمنا هو درجة مطابقة هذه المعارف والأحكام مع الواقع الفعلي , وليس مطابقتها وانسجامها مع بعضها(أن تكون منطقية), فيمكن أن تكون هذه المعالجات منطقية ولا تتعرض للأخطاء ومع ذلك تنتج أحكام غير دقيقة في مطابقتها مع الواقع . 

فالصحة المنطقية غير كافية لإنتاج أحكام أو معارف دقيقة في مطابقتها مع الواقع,صحيح أنه لابد من صحة المعالجة الفكرية منطقياً , ولكن هناك مراحل معالجة متعددة ويمكن أن تتعرض النتيجة إلى أخطاء مع عدم حدوث أخطاء في كل مرحلة ولكن الانتقال من مرحلة إلى أخرى( مخرج الأولى مع مدخل الثانية) يمكن أن يكون غير صحيح أو غير دقيق وهذا يؤدي إلى حدوث أخطاء في النتيجة النهائية للمعالجة.

كيف يقوم عقلنا بالتقييم

إن الذي يقوم بالتقييم بشكل أساسي هو الدماغ الحوفي وتساعده في ذلك باقي بنيات الدماغ, ولكن الدماغ الحوفي قدراته أصبحت محدودة وغير كافية  للوصول إلى تقييمات عالية الدقة , للأحداث التي تقابلنا . فالدماغ الحوفي يقوم ببناء تقييماته بالاعتماد على تعيين المفيد أو غير لمفيد أي الضار للجسم والذات , بناءً على مراجع قياس ومقارنة وتقييم أغلبها موروث ومحدد , وفي كثير من الأحيان لا تكون مناسبة ويوجد أفضل منها , فالدماغ الحوفي ليس لدية الامكانات للقيام بمقارنة وقياس دقيقين إلا إذا استعان بقدرات اللحاء , وهو في أغلب الحالات لا يقبل بتقييماته بسهولة أو يرفضها  وهذا يعقد الوضع ويجهد عمل الدماغ في أغلب الحالات .

إننا غالباً ما نتبنا تقييمات للأوضاع غير دقيقة  نتيجة عمل الدماغ الحوفي ( أو كما يقال: بناءً على عواطفنا لأنٌ الدماغ الحوفي هو المسؤول عن العواطف ), فهو يبني تقييماته بناءً على ما هو موجود لديه من مراجع أغلبها موروث , وبعضها مكتسب نتيجة التربية والتعلم ( أي موروث اجتماعياً ) . أما عندما يتدخل اللحاء ويجري معالجة دقيقة للأوضاع , ويعطي تقييمات جديدة أدق , غالباً لا يقبلها الدماغ الحوفي , فهو لا يتقبل هذه التقييمات بسهولة , لأنها جديدة عليه وليست معتمدة لديه . 

فنحن نقيم ونحكم على الأوضاع بالاعتماد بشكل أساسي على عمل الدماغ الحوفي وبالذات الأميجدالا أو النتوء أللوزي فهو المسؤول عن تحديد إن كانت الأوضاع مفيدة أم ضارة , وبالتالي ينتج العواطف والانفعالات , ويحدث الأحاسيس الممتعة أو المؤلمة بناءً على ذالك , وتدخل اللحاء لا يكون فعال كثيرا ً, مع أنه يراعي الظروف والأوضاع  ويعالج الأمور بشكل أوسع وأدق . لأنه يحدث بعد أن يكون الدماغ الحوفي أعطى تقييماته وأحكامه و يجعل تغييرها صعب .

إننا غالباً نقيم ونحكم على الأوضاع والظروف بعواطفنا , أي بناءً على تقييمات العقل الحوفي , فهو الذي يملك القيادة . 

يمكن بالتربية والتعلم القوي الراسخ تعديل برمجة الدماغ الحوفي , لكي يقوم بمعالجة فعالة في تحقيق تقييمات تراعي مجالات واسعة للأوضاع , وبالتالي الوصول إلى تقييمات عالية الدقة . 

نحن نلاحظ أن أغلب التقييمات والأحكام التي تتبناها المجتمعات أو الحكومات , تحاول أن تقلل الاعتماد على العواطف , ومع هذا يبقى الكثير من تأثرات الدماغ الحوفي . 

لذالك نحن في غالبية أحكامنا نعتمد أحكام القيمة الذاتية , ولا نعتمد أحكام الواقع الموضوعي , فالدماغ الحوفي يلون كافة أحكامنا بالمراجع والقيم التي يعتمدها .

دور المؤثرات التي تدخل ساحة الوعي أو الشعور وتأثيرها الكبير

إن المؤثرات التي تدخل ساحة الشعور وتعالج فيها تأخذ أهمية استثنائية على باقي المؤثرات الأخرى , بغض النظر عن أهميتها ودورها و وظيفتها الحيوية أو القيمة الفعلية , وهذا راجع إلى أن معالجة هذه المؤثرات لا تأخذ بالحسبان باقي المؤثرات الأخرى التي لم تدخل ساحة الشعور, وهذا لأن المعالجة لهذه المؤثرات تكون بطريق غير مباشر, فهي تتم عن طريق الإشراطات والتعلم والتحكم بمنحى المعالجة . ويمكن أثبات ذلك بالقيام بمعالجة وضعين  متكافئين في النتيجة كل على حدة , مثل تقرير أي من الطريقين أفضل للوصول إلى مكان معين , بمعالجة كل منهم بمفرده , إننا نجد أحياناً أن كل من الطريقين هو الأفضل وهذا غير دقيق. وهذا يظهر انحياز النتيجة عند المعالجة في ساحة الشعور, فنحن نصل إلى نتيجة متناقضة ,هي أن كلاً من الطريقين هو الأفضل. ويمكن تفسير ذلك , بأن واردات الحواس أغلبها لا يدخل ساحة الشعور, فهي تعالج في مناطق الاستقبال لهذه الحواس في العقل الحوفي , واللحاء...., ثم يرسل بعضها إلى ساحة الشعور, وأثناء ذلك ونتيجة الإشراطات والارتباطات المتكونة سابقاً , يحدث أن تعدل وتغير , أي أن واردات الحواس لا تصل إلى ساحة الشعور إلا بعد تعرضها للمعالجة والتعديل , وكذلك يدخل معها بعض المؤثرات(التيارات العصبية) الأخرى, والتي كانت قد ترابطت معها – الإشراط - , فأي صوت أو صورة أو رائحة أو كلمة... أي مؤثر حسي , لا يصل إلى ساحة الشعور بشكل خام, فهو يتعرض للتعديل والتغيير, ويمكن أن تدخل معه مؤثرات أخرى . وهذا ما ينتج أغلب الأخطاء والتناقضات في المعالجات الفكرية الواعية.    

الأحاسيس, والمعنى, والوظيفة

كما ذكرنا إن الأحاسيس والمشاعر الواعية هي القوى المحركة لغالبية المعالجات الفكرية والنفسية , بالإضافة إلى قوى التفاعلات الجسمية و الفزيولوجية . 

فالتحكم والإرادة والتقييم والأحكام يستمدون قواهم المحركة من المعنى أو الدلالة . والقيمة تبنى بشكل كبير على الإحساس و الإدراك الواعي . 

وإعطاء المعنى أو الدلالة أو القيمة أو المبرر أو الدور للبنيات الفكرية الواعية , هو الذي ينشئ القيم والأخلاق والقوانين الذاتية والاجتماعية. 

فالغاية تتضمن القيمة والدور, والغاية هي نتيجة الوظيفة  وما تؤدي له هذه الوظيفة . 

وهذا ليس كل شيء فالإنسان عندما يتأثر بمثيرات لها علاقة بدوافعه ورغباته الفزيولوجية والنفسية الأساسية غير الواعية(إن كانت موروثة أو مكتسبة) تضخم هذه المثيرات وتحدث أحاسيس قوية تناسب تلك الدوافع الدفينة , فالجائع تؤثر فيه بقوة أحاديث , أو منظر, أو رائحة الطعام, وكذلك الظمآن , وكذلك الراغب بالحب, أو الراغب بالمال أو المجد أو الانتقام...., فمعاني المؤثرات تضخم وتحور أحياناً نتيجة الدوافع والرغبات القوية غير الواعية(الدفينة) .

الذي أريد تأكيده هو : أن الذي يقودنا ليس العقل الواعي الراقي المعتمد على ما هو مسجل ومبني ومخزن في اللحاء , فالعقل القديم (الحوفي)المعتمد على الغرائز والدوافع الحيوية الموروثة له تأثيره الكبير أيضاً . 

فالعقل القديم لا يهتم ( أو لا يعرف) وليس مخزن فيه معاني المعارف والمعلومات الموجودة في اللحاء, وهو يتأثر قليلاً بالقيم الاجتماعية الحديثة نسبياً , فمرجع تقييمه وتحديده لمعاني المؤثرات التي ترده  يعتمد على الدوافع الحيوية والفزيولوجية والدوافع النفسية الأساسية الغريزية الموروثة(مثل المكانة والغيرة وغيرها) , والعقل القديم يفرض غالباً دوافعه و معانيه, إما بصورة مباشرة أو غير مباشرة, أو بصورة معدلة ومصححة من قبل العقل الحديث(اللحاء) .

فالقيادة العليا للتصرفات البشرية ما زالت خاضعة بشكل كبير لتأثيرات العقل القديم , و يقوم العقل الحديث غالباً بانتقاد تأثيرات العقل القديم ويعدل ويصحح تأثيراته ولكن يظل العقل القديم يفرض قواه ومعانيه في النهاية , وذلك بطريقة  مباشرة أو غير مباشرة , ولابد في النهاية من إرضائه لأنه لن يبقى ساكتاً بسهولة.

أثناء الحياة الواعية بالنسبة لنا نحن البشر, هناك دوماً تيارات عصبية واردة للمعالجة , آتية من مستقبلات الحواس أو من اللحاء أو من الدماغ القديم أو من باقي بنيات الدماغ الأخرى, وهناك دوماً تقييمات ومعاني تعطى لهذه الواردات بعد معالجتها, وهناك دوماً سلاسل من الاستجابات, وهذا ما يمثل ذات أو نفس أو روح كل منا. فهناك دوماً سلاسل متداخلة كل سلسلة مؤلفة من تيارات عصبية يجري معالجتها .

إن آليات تحديد وتقييم المفيد أو الضار أو المحايد  وتحديد الخير أو الشر وتحديد الممتع أو المؤلم , تتم بالدماغ بناءً على استجابات آلية موروثة بيولوجياً . وكذلك بناءً على استجابات تم اكتسابها نتيجة الحياة . 

وللحياة الاجتماعية المتطورة وللثقافة والحضارة دور كبير في تشكيل هذه الاستجابات , والذي له أكبر تأثير في اكتساب هذه الاستجابات  هو ما يكتسب في بدايات الحياة , من الأم بشكل خاص  ومن الأسرة , فهذا يكون بمثابة موروث أسري . 

فكل أم وكل أسرة تنقل لأطفالها الاستجابات الأساسية وأسس التقييم , ثم يدخل تأثير باقي بنيات المجتمع , الأقارب والجيران والمدرسة ... الخ , فالذي يحدد مسار تطور الاستجابات والتقييم عند الفرد بشكل أساسي هو ما يتم اكتسابه أولاً , وهو ما تم اكتسابه من الأم .

إن هذا الوضع هو الذي يشكل الفروقات في الاستجابات والتقييمات بين الأفراد في المجتمعات المختلفة , لأنه ناتج عن استجابات وتقييمات مختلفة بين الأمهات , التي اكتسبنها من أمهاتهم ومجتمعهم , وتكون تلك الاستجابات والتقييمات منتظم ومتفقة مع العادات والأعراف والديانات والثقافات الموجودة في مجتمعهم .

لذلك أغلب استجاباتنا  وتقييماتنا هي ناتج عن ما اكتسبناه من المجتمع الموجودين فيه . وتوحيد الاستجابات والتقييمات ضروري لتماسك المجتمع ونموه , وله دور كبير في انتظام العلاقات بين الأفراد والمؤسسات . ولكننا الآن نلاحظ تفاعل ونماذج المجتمعات المختلفة مع بعضها , وهذا ما ينتج غالبية التناقضات في العلاقات , عندما يتفاعل الأفراد من مجتمعات مختلفة مع بعضهم . 

 

إن الذي يحدد ويقرر الاستجابة والأحكام والتصرف هو ما ينتج عن الدلالات والمعاني بعد التقييم النهائي , وبالتالي تتقرر وتنفذ الاستجابة التي تم التوصل إلى اعتمادها . 

ونحن نلاحظ أن تحديد الدلالات والمعني وتقيمهم يتم بناء على محصلة كافة ما تم معالجته . هذه الظاهرة هي أساس تشكل أغلب التناقضات والتضاربات بين الاستجابات التي يتم اعتمادها ,لأن كل استجابة يتم اعتمادها وتنفيذها يكون ذلك بناءً على المدخلات التي تمت معالجتها وهذه المدخلات لا يمكن أن تتطابق عند تكرر الأوضاع لأن لكل منها له مدخلاته الخاصة يمكن أن تتشابه المدخلات ولكن ليس ضرورياً أن تتشابه مخرجاتها(أي الاستجابات) , وكذلك يمكن أن تختلف المدخلات وتتشابه المخرجات , وهذا ناتج عن عمل دماغنا المختلف عن عمل الكومبيوتر, فدماغنا ضعيف التكميم مقارنةً بالكومبيوتر الذي هو مطلق التكميم , وهذا ما يسمح بذلك.

وهذا ينطبق على غالبية معالجاتنا الفكرية , ويستثنى من ذلك التفكير الرياضي . ففي الرياضيات ونظراً لتكميم بنياتها المطلق , يتم التعامل مع بنيات فكرية تامة التكميم , لذلك تتساوى المخرجات عن تساوي المدخلات , هذا إذا لم تحدث أخطاء بالمعالجة . ويمكن أن يحدث ذلك في العلوم الفيزيائية . ونحن نلاحظ أن الكومبيوتر يتعامل مع بنيات مطلقة التكميم لذلك عند تساوي المدخلات يجب أن تتساوى المخرجات .