الدماغ الحوفي والتصرفات الاجتماعية والعاطفية

 

نستطيع تصنيف كافة أشكال استجاباتنا وتصرفاتنا إلى نوعين أو نمطين : 

الأول استجابات وتصرفات نمطية تسمح ببقاء وتطور الفرد والنوع , وهي بشكل أساسي موروثة بيولوجياً . وتلعب تقلبات عوامل الوسط الداخلي دوراً هاماً في هذا النمط من السلوك الذي يعتبر منظماً بيولوجياً يحفظ الفرد والنوع . فكل ابتعاد عن سوية التوازنات الفزيولوجية للجسم توجه الفرد نحو العمل على إعادة التوازن إلى سويته الطبيعية وأهم هذه التصرفات (سلوك التغذية والبحث عن الغذاء , السلوك الجنسي , . . . ) .

الثاني استجابات وتصرفات اجتماعية تسمح بالحوار والتفاعل مع المجتمع الذي يعيش فيه الفرد . وفي مجال هذه السلوكيات الاجتماعية تكون المنبهات البيئية , وما تضيفه عليها تجارب الفرد من معان اجتماعية , تلعب الدور الأساسي في انبثاق السلوك الاجتماعي . ولا تكتسب المعلومات الحسية صفاتها الدافعة انطلاقاً من سلوكية غريزية موروثة , بل تكتسب من التكيفات الاجتماعية والعاطفية التي تعلمها من مجتمعه . وهنا يبرز دور الدماغ الحوفي كعنصر رئيس في إدارة السلوك , وباعتباره المسؤول الأساسي لبناء الذكريات المستخدمة في التصرفات السلوكيات الاجتماعية , وأسلوب استخدامها .

السلوكيات الاجتماعية :

تلعب الجملة الحافية ( أو الدماغ الحوفي ) الدور الأول في إعداد وتنفيذ سلوك الكائن الحي ( وبشكل خاص الإنسان ) الذي يتفاعل مع بيئته , وهي التي تظهر الفروق السلوكية الفردية وتظهر الشخصية المتأثرة بالحياة الماضية . 

ويختفي دور هذه الجملة عندما يوضع الفرد في بيئة تختلف كلياً عن بيئته المعتادة , فعندها يصبح مخزون ذاكرته الذي اكتسبه أثناء حياته غير فعال . وقد ظهر أن السلوكيات الاجتماعية  تتأثر بشدة وتهبط ردود الفعل الانفعالية بعد تخريب اللوزة بينما ترتفع بشدّة مفرطة بعد تخريب النواة الحجابية مما يدل على أن هذه النواة تخفف ردود الفعل الانفعالية بعكس اللوزة .

كيف يمارس الدماغ الحوفي  عمله

يتم ذلك من خلال مجموعتين من العمليات :

مجموعة العمليات الأولى تربط العناصر الإدراكية ذات المضمون الشعوري مع العناصر الموضوعية للمعلومات الحسية , مع الأخذ بعين الاعتبار تجارب الفرد السابقة مما يعطي لهذه المعلومات المعنى , ويسمح الدماغ بإمكانية التوقع والمبادرة للقيام باستجابة ما أو الامتناع عنها . كما تكتسب المعلومات الراهنة قيماً أو معاني وتصبح دافعاً لسلوك معين .

أما مجموعة العمليات الثانية فإنها تسمح برصد حالات النجاح والفشل , أو بمعنى آخر تسمح برصد النتائج الناتجة مع النتائج المتوقعة مسبقاً , وعندما يحصل التطابق تنشأ أحاسيس سارة و تشغّل جملة التعزيز الإيجابي , أما في حال عدم التوافق تنشأ أحاسيس مؤلمة تشغّل جملة التعزيز السلبي . وبهذا يتعزز ظهور الاستجابة في الحالة الأولى بينما ينعدم في الحالة الثانية عندما يتعرض الفرد إلى ظروف مماثلة .

ما هي البنى المؤلفة للدماغ الحوفي

لقد تطور مفهوم الدماغ الحوفي ( أو الجملة الحافية ) كثيراً , وابتعد كثيراً عن الأصل الشمّي الذي نشأ وتطور منه . ونستطيع التمييز بين مفهومين للجملة الحافية . 

الأول يدعى الجملة الحافية المصغّرة والتي تقتصر على عدد من البنى القشرية وتحت القشرية التي تتصف بقدمها من الناحية التطورية والواقعة ضمن الدماغ الانتهائي .  

والمفهوم الثاني  أكثر اتساعاً فيضيف إلى ما سبق عدداً آخر من البنى تقع في تقع في الدماغ المتوسط والمهاد .

تقع بنى الجملة الحافية القشرية في الوجه الداخلي لنصفي الكرة المخيّة , وأهم هذه البنى :

التلفيف المسنن , قرن أمون أو الحصين , البصلة الشميّة , اللوزة ( التي هي أكثر النوى القاعدية قدما وتأثيراً ) , الباحة الحجاجية , القشرة الأمامية ( ذات الدور الهام جداً لدينا , وهي تابعة لللحاء ) .

اللوزة أو الأميجدالا

حينما يوجه شخص ما  وعيه إلى العالم من حوله  , يواجه قدراً متدفقاً من المعلومات الحسية الواردة من المستقبلات الحسية : مناظر , أصوات , روائح , أحاسيس , وما إلى ذلك . عندها يقوم الدماغ بمعالجة هذه المعلومات في الباحات الحسية الموجودة في الدماغ الحوفي الذي يعالج الأحاسيس الأولية الأساسية مثل الشم والألم وغيرها , وفي اللحاء الذي يعالج الأحاسيس البصرية والصوتية وباقي الأحاسيس والمعاني اللغوية المتطورة . ويعود ويرسل أو يرحل نتائج هذه المعالجة والتحليل إلى الدماغ الحوفي وبالذات إلى اللوزة ( أو الأميجدالا ) التي تعمل كمدخل للمنظومة الحوفية التي تقوم بتقييم مجمل المدخلات , وتنظم الرد المناسب لها بالاعتماد على القيام بالاستجابة المناسبة , وأيضاً تستعين بإضرام الانفعالات المناسبة لذلك .

واعتماد على المعارف  أو المعلومات المختزنة لدى الشخص تقرر اللوزة المخيّة كيف يجب على الشخص أن يستجيب فكرياً وعملياً وانفعالياً , مثلا : بالخوف ( لرؤية لص ) أو بالشهوة ( لرؤية محب ) أو باللامبالاة ( لرؤية شيء تافه ) . وتتدفق الرسائل من اللوزة المخيّة إلى باقي أجزاء المنظومة العصبية المستقلة , التي تهيئ الجسم للعمل المناسب . فإن كان الشخص يواجه لصاً على سبيل المثال , فستزداد سرعة نبضات قلبه  و سيتعرق جسده ليبرد الحرارة الناجمة عن الجهد العضلي , ومن ثم يرتجع ( تحدث تغذية عكسية ) تيقّظ المنظومة المستقلة إلى الدماغ , مضخماً الاستجابة الانفعالية . ومع الزمن تنشئ اللوزة ( الأميجدالا ) المخيّة  منظراً عاماً بارزاً , خريطة تبين تفصيلات الدلائل الانفعالية لكل شيء في بيئة الشخص .

إن الدماغ الحوفي ( وبشكل خاص اللوزة ) هو المتحكم الأساسي في كافة مناحى عواطفنا وانفعالاتنا وحتى أفكارنا . وهو في الأساس مبرمج بيولوجياً أو غريزياً , وكذلك يتم برمجته نتيجة الحياة وبشكل خاص نتيجة الحياة الاجتماعية . 

من وظائف اللوزة القيام بالتحكم بما يدخل إلى سبورة الوعي , وهي التي تضع بالانتظار وبالتسلسل حسب الأهمية ما يجب أن يدخل إلى سبورة الوعي للمعالجة . 

ولها عمل هام أخر وهو أنها تجلب من الذاكرة ما تطلبه سبورة الوعي للمعالجة الواعية , فهي التي  تستدعي من مخزون الذاكرة الكبير المتوضّع في اللحاء, ما تطلبه منها سبورة الوعي . 

واللوزة تشارك بشكل أساسي بإدارة مدخلات ومخرجات ساحة الشعور, وتقوم بذلك بناءً على آليات ومراجع تقييم وتنظيم معينة بعضها موروث بيولوجياً والباقي تم اكتسابه نتيجة الحياة أي موروث اجتماعياً . 

وبالنسبة للإنسان أصبح المكتسب نتيجة الحياة الاجتماعية يماثل وحتى يزيد عن الموروث بيولوجياً . فالحضانة والرعاية والتربية لفترة الطويلة , واللغة , والعلاقات الاجتماعية الكثيرة والواسعة , جعل ما يتم اكتسابه اجتماعياً أكثر من الموروث بيولوجياً. 

والدماغ الحوفي  وبالذات اللوزة هي التي تحول المفيد أو الضار, إلى ممتع أو مؤلم , فهي التي تقيم وتوجه غالبية تصرفاتنا وعواطفنا وانفعالاتنا وأفكارنا . 

نحن نعرف أن الذي يعرض على سبورة الوعي هو جزء صغير جداً مما هو موجود في الدماغ .  فالمعروض على سبورة الوعي هو ما تمت الموافقة عليه من قبل مكتب الدخول الذي هو الدماغ الحوفي بما فيه العقد القاعدية واللوزة . 

ويمكن أن يوضع قيد الانتظار في مكتب الدخول سبعة مواضيع أو ملفات , وواحد فقط يتم إدخاله إلى ساحة الشعور. ويستطيع مكتب الدخول استدعاء غالبية ما هو موجود في الذاكرة . 

نتيجة الحياة الاجتماعية واللغة أصبح الموجود في الدماغ الحوفي لدينا نحن البشر متشابه , فالعواطف والانفعالات , صار غالبيتها متوارثة اجتماعياً وليس بيولوجياً 

إن أهم عمل للدماغ لا زالت تقوم به أجزاء الدماغ القديمة , الموجودة قبل تشكل اللحاء . فتحديد الدوافع والأهداف وتحديد ما هي المدخلات الحسية والأفكار التي ستسجل في الذاكرة الدائمة أو التي لا داعي لتسجيلها , هو من عمل الدماغ القديم . 

وكذلك بنيات الدماغ القديم هي التي تقارن وتقيم المدخلات وكل ما يقوم الدماغ الحديث بمعالجته , وهي عندما تحدد الأمور الهامة والتي تستدعي استمرار معالجتها للوصول إلى حل مناسب لها , تقوم بإعادتها إلى ساحة الشعور وتطلب إعادة معالجتها , وتكرر ذلك طالما لم يتحقق المطلوب , وهذا العمل هو الذي يقرر منحى تفكيرنا .

لذلك غالبية تصرفاتنا هي تابعة لعمل الدماغ القديم , وهذا كان معروف فقد اعتبرت النفس خصيمة العقل ويجب إخضاعها له والعقل القديم يرمز له بالنفس . وكذلك صنف فرويد عمل العقل إلى " الأنا " و " الأنا العليا " و " الهو " , وكانت الهو عنده تمثل النفس الغريزية . ولكن تصنيف فرويد هذا غير دقيق , إن تصنيف عمل العقل بأنه تابع إلى قيادتين هو الأفضل , واعتبار القيادة الأولى هي العقل القديم والثانية هي العقل الحديث المتضمن اللحاء , وعملهم متداخل . 

والأعمال الأساسية والتي تقرر تصرفاتنا لا زالت من مهام العقل القديم , وهذا العقل يمثل ليس بالنفس الغريزية فقط , بل إن ما يسمى الضمير أو " الأنا العليا " عند فرويد , والدماغ القديم له الدور الأكبر في تكوينه . فالدماغ القديم يتعلم أيضاً ولا يبقى على حالته الموروثة , ونتائج تعلمه تكون حاسمة فهي تعدل الموروث , فالأنا العليا تتكون نتيجة الحياة الاجتماعية , أي ما يتم تعلمه أثناء الحياة الاجتماعية , يصبح كأنه موروث وبقوته .

تحول الممتع إلى مؤلم أو العكس من أهم أعمال الدماغ القديم

إن تحويل استجابة ( لمثير معين ) من استجابة ممتعة إلى استجابة مؤلمة أو العكس , هي أيضاً من وظائف الدماغ القديم فهو الذي يقوم بذلك . فالاستجابة الأساسية لتناول الطعام هي إنتاج الأحاسيس الممتعة وخاصةٌ عند تناوله بعد جوع , ولكن يمكن أن تتحول هذه الاستجابة إلى إنتاج أحاسيس مؤلمة , نتيجة تناول نفس الطعام , بعد الشبع , أو نتيجة أسباب أخرى نفسية .

كيف يحدث تحول نتيجة تأثير مثير, من استجابة ممتعة, فيصبح هو نفسه مصدر آلم ؟

إن هذا يحدث نتيجة القيام بتقييم هذا المثير من ناحية إفادته أو ضرره للإنسان , فتقييم تناول الطعام بعد الاكتفاء والشبع , هو أنه ضار بالجسم , وهذا ما يؤدي إلى حدوث الاستجابة المؤلمة . 

بينما كان تقييم الطعام عندما كان الجسم بحاجة إليه , هو أنه مفيد ولازم للجسم , وهذا يؤدي إلى حدوث الاستجابة الممتعة .

إن هذا التحول في القيمة من مفيد إلى ضار, تحددها وتقررها اللوزة وبمساعدة بنيات أخرى , ثم بعد ذلك يتم إنتاج الاستجابة الحسية . فالمفيد ينتج الممتع والضار ينتج المؤلم . 

هذه الآلية من أهم الآليات التي تقرر غالبية تصرفاتنا 

وكما ذكرنا من عمل الدماغ القديم " الوضع في الانتظار" . إن الوضع في الانتظار للأمور التي تستدعي المعالجة في سبورة الوعي , من أهم وظائف الدماغ القديم . وآلية الوضع بالانتظار تعتمد بشكل أساسي على تصنيف وترتيب الأمور التي تستدعي المعالجة في سبورة الوعي , بتسلسل يراعي أهميتها , وأهميتها تقرر بالاعتماد على تقييمها ومقارنتها مع بعضها وعلى الأسبقية الزمنية , ويمكن للأمور الهامة أن تتجاوز الأسبقية الزمنية . 

وكل ما يوضع في الانتظار لا يحذف إلا في الحالات التالية :

1 – إهماله أو نسيانه لطول فترة انتظاره .

2 - فقد أهميته , أو عدم جدوى معالجته .

3 – دخوله للمعالجة , وإتمام معالجته بالوصول إلى تحقيق المطلوب , و إلا يعاد ليوضع في الانتظار من جديد ليصار إلى إعادة إدخاله لسبورة الوعي .

وفي حالة ورود أمر هام يجب معالجته , يخرج الأمر الذي تجري معالجته , ويدخل الأمر الهام ليعالج .

4 – النوم أو الغيبوبة أي إغلاق أو إطفاء سبورة الوعي , فتوقف كافة الأمور , وتجري معالجتها بعد الصحو .

والعمل الهام الآخر الذي يقوم به الدماغ الحوفي , هو القيام باستدعاء ما تطلبه سبورة الوعي من مخازن الذاكرة, إن كان في اللحاء أو غيره . وفي أحيان كثيرة يقوم الدماغ القديم بالقيام بتقرير وتنفيذ الاستجابة , ودون حدوث معالجة لها في سبورة الوعي . 

إن الدماغ القديم هو المسؤول الأول عن إدارة كافة تصرفات الإنسان , فهو الذي يحدد ما يدخل إلى ساحة الشعور ( أو سبورة الوعي ) ليعالج , وهو الذي يجلب ما يطلب من الذاكرة المتوضعة في اللحاء , لاستدعائه إلى ساحة الشعور , إن كان بطلب من ساحة الشعور, أو هو يدخل إلى ساحة الشعور ما يعتبره هاما ويستدعي المعالجة في ساحة الشعور.

دور الدماغ الحوفي في بناء الذاكرة الدلالية

إن الذاكرة تساهم في إنشاء المعاني , وكذلك للمعاني و الأحاسيس والانفعالات تأثير قوي على بناء الذاكرة , ويمكن أن تبنى ذاكرة قوية , لحادثة من مرة واحدة , و دون التكرار اللازم لبناء الذاكرة , وذلك نتيجة المعنى الهام لها . فالإنسان يتعلم ويتذكر الحالات والأوضاع المؤلمة أو السارة أو ذات المعنى القوي بسهولة , لأنها تسجل بشكل جيد .

إن الذي يساهم في جعل الدماغ يبني ذاكرة في اللحاء من تجربة واحدة , مع أنه يلزم لبناء ذاكرة تكرار مرور تيارات عصبية في محاور ومشابك معينة , وبشكل متواقت يؤدي إلى نمو أو تطور هذه المحاور والمشابك حسب جريان هذه التيارات وخصائصها . هي اللوزة ويشاركها في ذلك قرن آمون وبنيات دماغية أخرى 

فاللوزة وقرن آمون هما اللذان يجهزان ويحضران القدرات اللازمة لتكرار و إعادة جريان التيارات العصبية , ذات المعنى الهام . ونحن نلاحظ أن هذه الآلية تتعامل مع المعنى بشكل أساسي , وهذه الطريقة في بناء الذاكرة تختلف عن طريقة التعلم الحركية أو العضلية , الواعية أو غير الواعية , وهذه مسؤول عنها المخيخ , وكذلك تختلف عن الذاكرة العادية فهذه تبنى بالتكرار. 

وللوزة دور هام في بناء الذاكرة الفكرية الراقية , والتي هي دوماً واعية ومحملة بالمعاني المعقدة , اللغوية والثقافية والاجتماعية المتطورة , ويصعب بناء هذا النوع من الذاكرة دون عمل اللوزة .

الذاكرة القوية 

إن هذه الذاكرة ( أوهي بمثابة ذاكرة) لم يتكلم عنها أحد مع أنها واضحة , ونعيشها جميعاً .

هذه الذاكرة تتصف بخصائص مميزة وهي :

1 – إنها تكرار الاستدعاء لأفكار معينة لسبورة الوعي , وبشكل آلي , ودون إرادتنا . فالذي يسجل في هذه الذاكرة , يدخل إلى سبورة الوعي كلما سنحت له الفرصة , ويطلب معالجته . ويتكرر دخوله كل فترة زمنية , وذلك حسب شدة أهميته . لذلك هذه الذاكرة غير مسيطر عليها .

2 – هذه الذاكرة دوماً محملة بالمعاني والانفعالات , لذلك هي قوية جداً , لذلك تنتقل إلى الذاكرة الدائمة ( البنيوية ) بسهولة , وتكون راسخة التسجيل فيها , وهذا يكون نتيجة تكرار عرضها على سبورة الوعي . وهي تتحول من ذاكرة دينامية ترددية إلى ذاكرة بنيوية دوماً .

3 – هذه الذاكرة غير مسيطر عليها من قبل الأنا الواعية , لذلك هي تؤثر بشكل كبير على المعالجات الجارية في سبورة الوعي . فهي غالباً تربك وتعيق وترهق ما يجري في سبورة الوعي , فهي تؤدي إلى بذل الكثير من الجهد غير المجدي , نتيجة إلحاحها المتكرر . وهي الأساس المسبب لكافة العقد والأمراض النفسية , والتردد والندم . . ..

أما لماذا هي بهذا الشكل وهذه القوة , فهذا لأنه تم اعتبار ما تسجله أنه له معنى هام جداً , ويجب أن يكون له الأفضلية في المعالجة على سبورة الوعي , ويجب الوصول إلى نتائج إيجابية , و إلا يجب تكرار المعالجة بطريقة مختلفة , ولا يتوقف هذا التكرار إلا في الحالات التالية :

1 - اليأس والإحباط .

2 – التوقف المؤقت لفترة زمنية , ريثما تتغير الأوضاع .

وغالبية ما يعالج على سبورة الوعي , هو وارد من هذه الذاكرة . وهذا يعني أن أهم أجزاء " أنا " كلّ منا , هي ناتجة عن ما يجري في هذه الذاكرة . 

إن هذه الذاكرة هي متوضعة في الدماغ الحوفي , والحصين والنتوء اللوزي , فهم أهم البنيات المتحكمين في هذه الذاكرة . ويوجد في هذه الذاكرة عادة 7 أماكن , يمكن أن يوضع في كل منها موضوع معين واحد قيد الانتظار للدخول إلى سبورة الوعي , وهناك ترتيب للأفضلية للذي يدخل للمعالجة إلى سبورة الوعي .

ويمكن تفسير ظاهرة التذكر اللاحق بوجود هذه الذاكرة . فنحن يحدث لنا كثيراً أن نحاول تذكر أسم شخص أو أسم مكان أو فكرة معينة , نعلم أننا نعرفها ولكننا نفشل في ذلك ونترك الأمر , ولكن بعد فترة نجد أن ما فشلنا في تذكره حضر إلى سبورة الوعي من تلقاء نفسه ودون عناء . 

إن هذه الظاهرة التي تحدث لنا جميعا , يمكننا أن نفسرها بالاعتماد على الذاكرة القوية . فقد قامت هذه الذاكرة ودون وعينا بتكرار طلب استدعاء الذكريات المطلوبة , وهذا التكرار غالباً يؤدي إلى إحضار الذكريات المطلوبة إذا كانت كافية لاستدعائها , وعندها تدخلها إلى سبورة الوعي فنتذكرها .

 

 

أضيفت الفقرات التالية بتاريخ 2 – 5 – 007

إن الندم , أو ياريت فعلت كذا ولم أفعل كذا , وكذلك التردد والوسوسة , وغالبية العقد الفرويدية  هم ناتج عمل الدماغ الحوفي . 

إن غالبية الآلام النفسية وكذلك الأحاسيس السارة والجميلة هم نتاج عمل الدماغ الحوفي وبشكل خاص النتوء اللوزي . فهو إذا قرر أن مثير أو حادثة أو وضع ما أنه مفيد , قام بإنتاج الاستجابات المناسبة لذلك والأحاسيس السارة . وإذا قرر أن ذلك ضار قام بإنتاج الاستجابات المناسبة لذلك والأحاسيس المؤلمة . وهو إذا قرر أن استجابة ما ضارة أو غير مناسبة سعى لتجنبها . فهو المسؤول الأول عن التصرفات والعادات المكتسبة , وهو الذي يقرر تعلم استجابة ما أو لا , وهو الذي يقرر المسموح أو الممنوع , والمفيد أوالضار , الصحيح أو الخطأ لأغلب تصرفاتنا .

إن هذا الدورالهام جداً والأساسي في جعل الدماغ يقوم بوظائفه المتطورة , يمكن أن يكون تأثيره كبير , ليس على الاستجابات والتصرفات فقط , بل يمكن أن يكون خطيراً على الدماغ نفسه , ويمكن أن يؤدي إلى تخريب عمله . فالأمراض العصبية النفسية هي غالباً ناتجة عن عمل النتوء اللوزي . فهو في بعض الأدمغة فعال جداً وتأثيره كبير , وفي أدمغة أخرى أقل فاعلية . وعندما يكون فعال جداً يكون الشخص مهيأ للأمرض والعقد النفسية , وكذلك يكون أيضاص مهيأ لإنتاج أفكار متطورة وتكون فرصة الإبداع أكبر . 

والدماغ الحوفي يمارس تأثيراته بشكل واعي أو غير واعي , ولكن أغلبها غير واعي . 

إن مفتاح البرمجة العصبية التي يتكلمون عنها , هو في فهم وتوضيح عمل الدماغ الحوفي وبالذات النتوء اللوزي .