نظرة على ظاهرة الإرهاب

يقول أ . د . محمد عزير شكري :

" إننا اليوم أمام صفحة جديدة غير مشرقة في العلاقات الدولية ، الحافز فيها هو هذا غير المعرف المسمى إرهاباً ، والخصم والقاضي فيها هو الولايات المتحدة وعصبة من الدول ، يقابله صمت فعلي من العالم ، والقانون المطبق فيه هو شريعة الغاب . آن للعالم أن يشخص الداء قبل اللجوء إلى دواء قد يكون هو من أسباب الداء . أو لا نرى ذلك تحت أنظارنا في العراق وأفغانستان ، وقبلها وبعدها ، الله يعرف أين ومتى ؟ "

ويقول د. فوزي الاسمر

" منذ أحداث الحادي عشر من أيلول - سبتمبر 2001، وموضوع الإرهاب مطروح على الساحة الدولية والقطرية بشكل مستمر، وذلك في محاولة لإيجاد سبيل لمكافحته والانتصار عليه، إلا أن الجهود التي بذلت لتحقيق هذا الهدف باءت جميعها بالفشل، لأسباب كثيرة، فبدلا من تقليص قوة الإرهاب وفعاليته، زادت هذه القوة."

إن شيوع الإرهاب الدولي لا يخلو من أسباب أو دوافع سياسية يتمثل أهمها في الآتي :

1 التناقض الفاضح بين ما تحض عليه مواثيق النظام السياسي الدولي من مبادئ وما تدعو إليه من قيم إنسانية ومثاليات سياسية رفيعة ، وبين ما تنم عنه سلوكياته الفعلية والتي ترقى به إلى مستوى التنكر العام لكل تلك القيم والمثاليات 

هذا التناقض مدعاة لظهور بعض الممارسات الإرهابية الدولية كصرخة احتجاج مدوية على ما يحمله هذا التناقض الصارخ بين القول والفعل من معان .

2 افتقار النظام السياسي الدولي إلى الحزم في الرد على المخالفات والانتهاكات التي تتعرض لها مواثيقه بعقوبات دولية شاملة ورادعة ضد هذا المظهر الأخير من مظاهر العبث .

إن التسيب الدولي هو الذي يفتح المجال واسعا أمام الإرهاب الدولي الذي يجمع في صفوفه بين القتلة والمحترفين والمرتزقة المأجورين وغيرهم من المغرر بهم دينيا أو سياسيا أو عقائديا ، وتشجيعه على التمادي في احتقار القانون الدولي ، والاعتداء على سيادة الدول والإساءة إلى حقوقها ومصالحها المشروعة بوسائل تدينها الأخلاقيات والأعراف الدولية كالتهديد والتشهير والابتزاز والقتل واختطاف الطائرات وتعذيب الرهائن من المدنيين العزل الأبرياء . إن هذا التخاذل الدولي في رأي أصحاب هذا التفسير قد ينتهي بكارثة دولية لا حدود لها .

( منصور ، والشربيني : 2003 ، 244 245 ) .

والإرهاب وسيلة تلجأ إليها بعض الحركات الثورية ، كما تستخدمها بعض الحكومات وهيئات المعارضة على حدٍّ سواء . وقد تلجأ بعض الجماعات والحركات الثورية إلى الإرهاب لفك الحصار الذي تضربه حولها بعض الحكومات التي تحتكر العنف القانوني [التل ، ص 15 .] .

"ويعد الإرهاب من الظواهر الاجتماعية التي تنشأ وتترعرع في ظل عوامل نفسية واجتماعية خاصة ، وتحت ظروف سياسية واقتصادية وثقافية معينة ، وتشترك جميع هذه العوامل والظروف بشكل أو بآخر في إفراز ظاهرة الإرهاب في الواقع الاجتماعي ، ومن ثم فإن أية معالجة جادة لهذه الظاهرة تتطلب إصلاحا حقيقيا في جملة هذه العوامل والظروف التي تساعد على وجود هذه الظاهرة .

ومن المثير للدهشة أن تعلن الدول الحرب على الإرهاب قبل الاتفاق على تعريف دقيق ومحدد لمفهوم الإرهاب ومعناه ، مما جعل بعض الدول مهددة بالاتهام بالإرهاب ، ووُضعت بعض الدول- حسب الرؤية الأمريكية - فيما عُرِف "بمحور الشر" ، بل وُصفت حركات التحرر والجماعات والشعوب التي تكافح ضد المحتل الغاصب لأراضيها بأنها إرهابية ، مما أدى إلى خَلْط الأوراق وقََلَْب المفاهيم واستباحة المبادئ التي أقرها المجتمع الدولي . " ( أ د . محمد الهواري )

" وفي البيان الذي أصدره المجمع الفقهي الإسلامي ، تم تعريف الإرهاب بأنه "ظاهرة عالمية ، لا ينسب لدين ، ولا يختص بقوم ، وهو ناتج عن التطرف الذي لا يكاد يخلو منه مجتمع من المجتمعات المعاصرة . . وهو العدوان الذي يمارسه أفراد أو جماعات أو دول بغيًا على الإنسان (دينه ودمه وعقله وماله وعرضه) ويشمل صنوف التخويف والأذى والتهديد والقتل بغير حق ، وما يتصل بصور الحرابة ، وإخافة السبيل ، وقطع الطريق ، وكل فعل من أفعال العنف أو التهديد ، يقع تنفيذا لمشروع إجرامي فردي أو جماعي ، ويهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس أو ترويعهم بإيذائهم أو تعريض حياتهم أو حريتهم أو أمنهم أو أحوالهم للخطر ومن صنوفه إلحاق الضرر بالبيئة أو بأحد المرافق والأملاك العامة أو الخاصة ، أو تعريض أحد الموارد الوطنية أو الطبيعية للخطر . فكل هذا من صور الفساد في الأرض ، التي نهى الله سبحانه وتعالى المسلمين عنها في قوله : وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (القصص : 77) . "وقد شرع الله الجزاء الرادع للإرهاب والعدوان والفساد وعده محاربة لله ورسوله في قوله الكريم إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (المائدة : 33) . ولا توجد في أي قانون بشري عقوبة بهذه الشدة نظرًا لخطورة هذا الاعتداء الذي يعد في الشريعة الإسلامية حربًا ضد حدود الله وضد خلقه .

وأكد المجمع الفقهي الإسلامي "أن من أصناف الإرهاب إرهاب الدولة ، ومن أوضح صوره وأشدها بشاعة ، الإرهاب الذي يمارسه اليهود في فلسطين ، وأيضاً ما مارسه الصرب في كل من البوسنة والهرسك وكوسوفا" ، ورأى المجمع هذا النوع مِن الإرهاب "من أشد أنواعه خطرا على الأمن والسلام في العالم ، وجعل مواجهته من قبيل الدفاع عن النفس والجهاد في سبيل الله" .

ومن النقاط المهمة في البيان الإجماع على أن الإرهاب ليس من الإسلام وأن "الجهاد" ليس إرهابًا ، وتحليل ما المقصود بالجهاد الذي شُرِّع نُصْرَةً للحق ودفعًا للظلم وإقرارًا للعدل والسلام والأمن . كما أوضح البيان أن للإسلام آدابًا وأحكامًا واضحة في الجهاد المشروع تحرم قتل غير المقاتلين ، وتحرم قتل الأبرياء من الشيوخ والنساء والأطفال وتحرم تتبع الفارين ، أو قتل المستسلمين ، أو إيذاء الأسرى ، أو التمثيل بجثث القتلى أو تدمير المنشآت والمواقع والمباني التي لا علاقة لها بالقتال .

وأكد البيان أنه لا يمكن التسوية بين إرهاب الطغاة الذين يغتصبون الأوطان ويهدرون كرامة الإنسان ، ويدنسون المقدسات وينهبون الثروات وبين ممارسة حق الدفاع المشروع الذي يجاهد به المستضعفون لاستخلاص حقوقهم المشروعة في تقرير المصير

الاختلاف حول مفهوم "الإرهاب" وتعريفه :

أدى اختلاف الدول في نظرتها إلى الإرهاب من حيث مفهومه ومعناه ، إلى صعوبة اتفاقها على المستوى الدولي بشأن التعاون لمكافحة هذه الظاهرة .. وأدى ذلك إلى فشل أغلب الجهود الدولية في الوصول إلى تحديد دقيق لحقيقة الإرهاب ، مما حال دون الاتفاق على درجة من التعاون الدولي للتعامل معه ، لدرجة أن المؤتمر الدولي الذي عقد في عام 1973م لبحث الإرهاب والجريمة السياسية قد انتهى إلى أن عدم وجود مفهوم واضح للأسباب التي تؤدي إلى ممارسة النشاطات التي تنشئ حالة الإرهاب .

ويختلف الوصف الذي يطلقه رجال الإعلام على الأعمال الإرهابية باختلاف الموقف الذي يتخذونه تجاههم ، ومن ثم استخدمت أوصاف مختلفة عند الإشارة إليهم ، فهم إما إرهابيون أو مخربون أو عصاة أو منشقون أو مجرمون ، وإما جنود تحرير أو محاربون من أجل الحرية أو مناضلون أو رجال حركة شعبية أو ثورية وأحيانًا يوصفون بأنهم خصوم أو معارضون للحكم أو "راديكاليون" (متطرفون : Radicals ) . وتوصف عملياتهم في نظر بعض الكتاب بأنها عمليات إرهابية أو أفعال إجرامية دنيئة وغادرة ، وفي نظر بعضهم الآخر تعد عمليات فدائية أو عمليات مقاومة أو تحرير.

وقد حاولت المنظمات الدولية كالأمم المتحدة تحديد مفهوم الفعل الإرهابي من منطلق أن "الإرهاب" هو شكل من أشكال العنف المنظم ، بحيث أصبح هناك اتفاق عالمي على كثير من صور الأعمال الإرهابية مثل الاغتيال والتعذيب واختطاف الرهائن واحتجازهم وبث القنابل والعبوات المتفجرة واختطاف وسائل النقل كالسيارات والأتوبيسات والطائرات أو تفجيرها ، وتلغيم الرسائل وإرسالها إلى الأهداف التي خطط الإرهابيون للإضرار بها . . . إلخ.

السبب في هذا التخبط يعود إلى الفشل الذريع الذي واجهته كل المحاولات التي بُذلت لتعريف الإرهاب، والفصل بين الإرهاب وبين مقاومة الاحتلال، أو الحرب من أجل التحرر والاستقلال، فكل متابع للحوارات التي دارت في مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، وغيرها من المحافل الدولية المعنية بالأمر، والتي حاولت مناقشة موضوع تعريف الإرهاب، يرى هذا المتابع أن العقبة الأساسية تكمن في تعنت بعض الدول، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وإسرائيل، بوجوب عدم تعريف الإرهاب .

" لقد اعتبر الإرهاب كأحد صور أو وسائل الصراع التي عرفها المجتمع الإنساني منذ أمد بعيد، وتطورت هذه الوسيلة مع تطوّر المجتمعات والعلاقات الاجتماعية لوسائل وأساليب الصراع والحروب أفرزتها التطورات العلمية والتكنولوجية في مجال الأسلحة واستخدام المتفجرات وغيرها من أساليب التدمير.

إلاّ أنّ معضلة الإرهاب عندما طرحت للمعالجة القانونية منذ أوائل القرن العشرين سعت إلى حصر ظاهرة الإرهاب وتقنينها وردعها , تنزلت في مؤتمر المؤتمرات الدولية التي كانت تعقد لتوحيد القانون الجنائي، وكذلك في نطاق الاتفاقيات الثنائية الخاصة بتسليم المجرمين . وتوجت هذه الجهود بوضع اتفاقية لتجريم الإرهاب وزجره في ظل عصبية الأمم في 16 نوفمبر 1937 على إثر اغتيال ملك يوغسلافيا "ألكسندر الأول" و"لويس بارضو" رئيس مجلس وزراء فرنسا .

وإثر انتهاء الحرب العالمية الثانية تعرضت بعض المواثيق والمعاهدات الدولية لبعض جوانب الظاهرة دون طرحها بصفة جوهرية، من بينها اتفاقية منع وقمع جرائم إبادة الجنس البشري التي وقعت تحت رعاية الأمم المتحدة في 9 ديسمبر 1948.

وطرحت مسألة العنف الإرهابي بأكثر وضوح، ولكن من زاوية نظر محددة ومحصورة في مجال معين وهو مجال الحروب، وذلك عندما تعرضت اتفاقيات جنيف الأربع التي وقعت سنة 1949 لممارسات العنف الإرهابي أثناء الحروب الدولية . ورغم أنّ اتفاقية دولية وقعت بطوكيو في 14 سبتمبر 1963 بشأن قمع الجرائم والأفعال الأخرى التي ترتكب على متن الطائرات، وهي جرائم اعتبرت تجسيدا لإحدى التجليات وصور الإرهاب الدولي، ورغم تعرض بعض القرارات الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة لضرورة عدم دعم الدول لممارسات عنف إرهابية قد ترتكبيها تنظيمات أو عصابات معينة ضد دول أخرى، فإنّ مسألة الإرهاب الدولي لم تطرح في عمومها أمام أنظار منظمة الأمم المتحدة وبعض المنظمات الدولية إلا بداية من السبعينات.

وبسبب كل هذه الظروف والمعطيات والخلفيات الظاهرة أو الخفية وعبر المعالجة برزت الخلافات والتناقضات في تعريف الإرهاب الدولي وتحديد أبعاده ومضامينه عندما طرحت المسألة رسميا في الأمم المتحدة في سبتمبر 1972، حيث انقسمت الدول الأعضاء في هذه المنظمة إلى مجموعتين وتبنت كل منهما موقفا محددا من مسألة الإرهاب الدولي ومن وسائل وسبل مواجهته والتخلص من آثاره. " أعداد فائزة عياد

الإرهاب قديم

في أسطورة شمشوم الجبار عندما هدم المعبد على نفسه وعلى أعدائه وقال " عليً وعلى أعدائي " . ماذا نقول عن عمله الآن ؟ هل شمشوم الجبار إرهابي ؟

لقد كان الإرهاب ظاهرة متميزة من مظاهر الاضطرابات في القرون السابقة ، ولم تخل منه أمة من الأمم أو شعب من الشعوب . وقبل القرن الحادي عشر، أبرز عمليتين ارهابيتين هما عملية سرية قامت بها طائفة من اليهود ضد الرومان وتضمنت اغتيال المتعاونين معهم ، وعملية اغتيال علي بن أبي طالب على يد الخوارج . ومن المؤسف أن يحاول بعض الربط بين الإرهاب وحضارة الأمة العربية متمثلة في دينها وقوميتها ، أو بين الإرهاب والإسلام ، فإن ظاهرة الإرهاب لا تقتصر على دين أو على ثقافة أو على هوية معينة ، وإنما هي ظاهرة شاملة وعامة .

ومن أعمال الإرهاب حادث نشر غاز السارين في نفق قطارات في اليابان ، وحادثة تفجير طائرة البان آمركان فوق سماء لوكربي الاسكتلندية، ومن أعمال الإرهاب أيضا تفجير المبنى الفيدرالي في ولاية اوكلاهوما الأمريكية. تفجير فندق الملك داوود بواسطة عصابات صهيونية مستهدفة المندوب السامي البريطاني في فلسطين، وكذلك قامت مذابح ضد المدنيين دير ياسين بواسطة العصابات الصهيونية هاجاناه , وجريمة قانا التي قتم بها طيران الجيش الإسرائيلي .

يمكن الإشارة إلى الجيش الجمهوري الإيرلندي في بريطانيا وحزب العمل الكردستاني في تركيا . 

أسباب الإرهاب ودوافعه وعوامل ظهوره 

الإرهاب ظاهرة تشترك في تشكلها جملة من العوامل والأسباب ، حيث تتداخل العوامل  والنفسية والعقائدية والسياسية والمصالح ، لتشكل ظاهرة الإرهاب التي تحقق أهدافها بممارسة العنف والقتل . ومواجهة إرهاب الأفراد والجماعات بإرهاب الحكومة والدول ، والاقتصار على الوسائل القمعية دون البحث والتعامل مع جذور المشكلة . 

لقد حددت اللجنة الخاصة للإرهاب الدولي التابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة في10 / 1 / 1400هـ (29 / 11 / 1979م) أسبابًا سياسية واقتصادية واجتماعية للإرهاب تتلخص في "سيطرة دولة على دولة أخرى ، واستخدام القوة ضد الدول الضعيفة ، وممارسة القمع والعنف والتهجير ، وعدم التوازن في النظام الاقتصادي العالمي والاستغلال الأجنبي للموارد الطبيعية للدول النامية ، وانتهاك حقوق الإنسان السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بالتعذيب أو السجن أو الانتقام ، والجوع والحرمان والبؤس والجهل ، وتجاهل معاناة شعب ما يتعرض للاضطهاد "  . 

ويرى البعض أن من أحد الأسباب التي تجعل شخص ما إرهابياً أو مجموعة ما إرهابية هو عدم استطاعة هذا الشخص أو هذه المجموعة من إحداث تغيير بوسائل مشروعة ، أكانت عن طريق الإحتجاج أو الإعتراض أو المطالبة والمناشدة بإحلال تغيير.

التعامل مع الإرهاب

إن معالجة الإرهاب لا تتم بمضاعفة قمع الرأي الآخر وإنفاق المزيد من الثروات على تسليح قوات مكافحة الإرهاب بأحدث معدات القتال ، بل بالوقوف على الأسباب الحقيقية ومعالجة الأمر بالحكمة والموضوعية . ولا يمكن أن ينتهي العنف إلا بقيام البدائل الديمقراطية التي ترتكز على مؤسسات دستورية تحترم المواطن وتشاركه القرار وترفع مستواه الاقتصادي والاجتماعي والثقافي وتقلل الفوارق الطبيعية وتحل السلام الاجتماعي . 

إن الصراع والعنف ظاهرة لها منطلقاتها وأبعادها، والعنف أداة وليس غاية , فهو عند القوى وسيلة لتثبت واقع وتشريع المقتضيات الضامنة لاستمراريته ، وهو لدى الضعيف واحدة من الوسائل الكفيلة باسترداد مكانته وصيانة قيمه .

 

ويمكن اعتبار الإرهاب : شكل من الصراع أو الحرب بين فريقين , الأول قوي ومسيطر ويملك القدرات كبيرة والثاني ضعيف وقدراته محدودة ولا يستطيع مجابه خصمه في صراع تقليدي حسب القواعد المتبعة, لذلك يلجأ إلى السعي لاعتماد قواعد جديدة للصراع تناسب وضعه وقدراته , وهذا كان يحدث منذ القدم , وهناك أمثلة كثيرة على ذلك .

وأيضاً يمكن للقوي أن يقوم بخرق قواعد الصراع واعتماد طرق جديدة لتحقيق أهدافه ودوافعه , و يقوم بأعمال إرهابية كضرب وقتل المدنيين وغير ذلك . فهتلر وأمريكا ( هيروشيما وناغازاكي ) واليابان وغيرهم قاموا بقتل المدنيين وخرق قوعد الحرب المعتمدة أي قاموا بالإرهاب . وهذا كان قديماً يحدث وليس الآن فقط . إرهاب المغول والبرابرة وغيرهم , وإرهاب القوي هو الأكبر والأشد قسوة وظلماً .

وهذا النوع من الصراع " أو الإرهاب " لا يقوم به إلا الإنسان , فهو غير موجود لدى بقية الكائنات الحية , فكل الكائنات الحية تتبع في صراعها مع أفراد نوعها أو مع الكائنات الأخرى , وفي افتراسها , قواعد وأصول معينة محددة . 

فهذا الشكل من الصراع " الإرهاب " يعتمد بشكل أساسي على الفكر والمعارف الذي يملكهم الإنسان فقط .

وتوضيح ظاهرة الإرهاب يستدعي الخوض في ظاهرة الصراع أو الحرب , لأن الإرهاب هو شكل من الصراع أو الحرب . 

ويجب فصل أسباب الحروب والصراعات , عن ظاهرة عدم التقيد بالضوابط والقواعد التي تستخدم في هذه الحروب والصراعات أي ظاهرة " الإرهاب " , فهذه الأسباب كثيرة ومتنوعة ومعقدة , وبفصلها يسهل تحديد وفهم قضية الإرهاب الذي هو في أساسه :

" هو حرب أو صراع يقوم فيه أحد الأطراف ( أو الطرفين معاً كما في الحرب العالمية الثانية عندما قام كلا الطرفين بضرب المدنيين ) ) بعدم التقيد بقواعد وضوابط  الصراعات والحروب ويخرق هذه القواعد ."

فعندما نصف الإرهاب بأنه مرعب وقاسي وخطير . . , فإن هذا في الأساس من صفات الحروب والصراعات الدموية . والإرهاب هو حرب أو صراع . 

لقد اعتبر الكثيرون أن القتل في الصراعات والحروب ليس جريمة إذا تم التقيد بالقواعد والأنظمة المعتمدة , ويصبح جريمة ( جريمة حرب ) عندما لا يتم التقيد بأصول وقواعد الحروب المعتمدة .

ومن هذا المنظور الإرهاب أو القتل دون التقيد بقواعد وأنظمة الحروب هو جريمة . 

الإرهاب كما تراه أمريكا , وغالبة الدول الغربية الآن :إنه عدو صغير ولكنه مخفي وخطر جداً ومرعب , وهو يمكن أن يظهر في أي مكان وأي وقت , وفي أماكن التجمعات البشرية . فهو يضرب المدنيين العزل الأبرياء 

, فهي تصور الإرهابيين بأنهم يعتدون على المدنيين العزل والذين ليس لهم أي ذنب , وتتجاهل بأنها هي في حرب معهم وتلاحقهم وتدمرهم . وهم قاموا بالرد عليها في عقر دارها, وحسب الخيارات المتاحة لهم  , وفي غالبة الصراعات والحروب يقتل المدنيين الأبرياء بالخطأ أو بشكل مقصود . فهي تتجاهل أنها في صراع أو حرب مع الإرهابيين .

إن التركيز على مبادئ ومشروعية من يقوم بالإرهاب هو تشويش على مفهوم الإرهاب , فليس لصحة أو خطأ  مبادئ أو عقائد أو دوافع من يقوم بالإرهاب علاقة بمفهوم الإرهاب طالما هو يتبناها ويؤمن بها على أنها هي الحقيقة , أي يمكن أن يكون من يقوم بالإرهاب محق ومنصف في قضيته ويمكن أن يكون غير محق وظالم , وهذا حسب التقييم والقياس المعتمد ومصالح من يقوم بالتقييم . فالإرهاب يحدث في الصراعات والحروب , وهذه لها عواملها وأسبابها .

فيجب التعامل مع الإرهاب باعتباره  حرب أو صراع لا يتم التقيد به بالقواعد , و السعي لإيجاد الحلول المناسبة له , وذلك بالسعي لتحويل الصراع إلى صفقة يتم فيها تحقيق تفاهم  سلمي بين المتصارعين .

والتطرف لا يرتبط بالإرهاب أو ليس ضرورياً أن يكون المتطرف إرهابي , فالمتطرف ليس إرهابي في صراعه مع الآخرين إذا تقيد بقواعد وأصول الصراع .

إرهاب القوي وإرهاب الضعيف

إن الضعيف والذي يملك قدرات غير متكافئة مع قدرات خصمه , يكون غالباً مطراً لللجوء إلى خرق قواعد الصراع كي يجابه خصمه القوي . أما القوي فإنه يزيد قوته وبالتالي سيطرته عندما يخرق قواعد الصراع , وبالتالي يكون إرهابه أشد عنفاً وقسوة , ويزيد من سيطرته وظلمه  لخصمه .

إن بوش وإدارته عندما أعلنوا الحرب على الإرهاب قاموا بتصعيد صراع لا يتقيد بالقواعد , وبالتالي بإرهاب معاكس على الدول والمنظمات , وبهدف تحقيق المكاسب واستغلال الوضع .

قد تبنت كثير من الدول فكرة محاربة الإرهاب , وقامت بإرهاب الدولة . فإسرائيل وروسيا وغيرهم اعتبروا أعداؤهم إرهابيين وقاموا بالسعي لتدميرهم , وذلك بممارسة إرهاب الدولة .

لقد كانت الحرب على الإرهاب حجة وسببا في ممارسة إرهاب أشد وأوسع , وهو إرهاب القوي .

سؤال : لماذا لا تحارب أمريكا من تعتبرهم روسيا أو إنكلترة أو إسبانيا وسيرلنكا أو غيرهم , إرهابيين وتحارب فقط العرب والمسلمين ؟ 

وكذلك تفعل بعض الدول تحارب خصومها فقط بحجة أنهم إرهابيين , ولا تحارب باقي من يعتبرهم غيرها إرهابيين .

وسؤال أخر لماذا الولايات المتحدة في قوانينها وأنظمتها الداخلية لا تجرم وتعاقب أي شخص إلا بعد أن يأخذ كامل حقه بالدفاع عن نفسه , وتثبت إدانته . ولكنها تقوم بمعاقبة أو محاربة بعض الدول والمنظمات , لمجرد شبهات وأدلة غير كافية , ألم يكن هذا لتحقيق مصالحها وأهدافها , وأنها تقوم  باستغلال الأوضاع لتحقيق أهدافها ومصلحتها .

لقد قال بوش عقب حادثة 11 أيلول , إن الإرهابيين " الجبناء " قاموا بالاعتداء على الولايات المتحدة .... , فرد علية أحد رعاياه , كيف تقول ذلك وهم يضحون بأنفسهم في سبيل قضيتهم ؟

فالذي خياراته في الصراع مع عدوه محدود , وليس له خيار إلا بخرق قواعد الصراع ( أي الإرهاب ) , فهو يضحي بنفسه في سبيل قضيته , باعتماد خياره الأخير وهو " عليً وعلى أعدائي " .

لقد كان استخدام أمريكا القوة والعنف المفرط ( إرهاب القوي ) لتغيير عقائد الآخرين , هو عمل في منتها الغباء , فهو يؤدي إلى العكس تماماً , وبالتالي تصعيد الصراع معهم .