هناك طرق متعددة اتبعها العقل البشري أثناء مسيرة تطوره , لتحقيق التوازن الداخلي , والتوافق والتوازن مع العالم الخارجي . 
ولكن بعد نشوء البنيات الاجتماعية المتطورة ونشوء الثقافة بما تتضمنه من معارف وأفكار وعقائد . . . , ونشوء الكثير من البنيات الاجتماعية الشاملة للإنسان مثل العشيرة والقرية والدولة والشركة والمؤسسة والمصنع..... وباقي البنيات الاجتماعية الكثيرة الأخرى , فرضت على العقل متطلبات جديدة هي تحقيق توازنات وقوي هذه البنيات . 
فالعقل صار مطالباً بتحقيق توازنات واستمرار ونمو تلك البنيات , وفرضت عليه قوى وتأثيرات تلك البنيات مثل العادات والأخلاق والأنظمة والتشريعات والقوانين الاجتماعية والسياسية والاقتصادية واللغوية والفكرية وفي مجالات كثيرة . 
فصار على كل فرد أن يسعى لتحقيق توازنات ودوافع تلك البنيات عند سعيه لتحقيق توازناته ودوافعه , فأصبح عليه أن يعمل ضمن قوى وتأثيرات تلك البنيات. 
وهذا فرض على العقل أن يستخدم الطرق المناسبة ليس له فقط , بل والمناسبة لباقي البنيات التي ينتمي إليها والتي تؤثر عليه . وبهذا نشأ العقل الجماعي بشكل عام والعقل العملي حسب رأي كانت , بالإضافة إلى نشوء ونمو وتطور البنيات التكنولوجية . 
ولقد تطور ونما وتوسع بشكل خاص الفكر العلمي و بشكل هائل , عن طريق التغذية بنتاج العقول الفردية والتكنولوجية وباقي البنيات الأخرى . 

إن الإنسان الآن عندما يدقق في تلك البنيات الهائلة والجبارة التي تكونت ونمت , يشعر بحدوده المادية والفكرية والزمنية , ويشعر أنه أصبح ليس هو البنية المتطورة الأولى على هذه الأرض أو في هذا الكون . 
ولكنه مازال يقارن نفسه بالبنيات الحية الأخرى و باقي البنيات المادية , ليجد أنه هو الأول و الأفضل وفي المقدمة , وأنه هو المفضل والأساس والمرجع في هذا الوجود , فهو يتجاهل ويتناسى تلك البنيات. 
أن كل منا يحاول ويسعى لينتمي إلى إحدى أو بعض هذه البنيات الشاملة ليصبح جزءاً منها , وبذلك يحقق الكثير من الأحاسيس التي تشعره بالرضا واثبات وجوده و ذاته , بالإضافة إلى أنها تشعر باستمرار وجوده بعد موته باستمرار وجود تلك البنيات ذات العمر الطويل التي يعتبر نفسه جزءاً منها .

إن التاريخ لم يعد تاريخ الإنسان, فهناك بنيات كثيرة موجودة وبنيات جديدة نشأت ونمت وتطورت وهي أوسع وأكبر وأقوى وأطول عمراً منه . 
وهناك بنية نشأت تفوق بنية الحياة سعة وتعقيداً وقوة , وهي البنية الفكرية – الكائنات الفكرية أو عالم الفكر- بما فيها البنيات الفكرية اللغوية والعلمية . 
فهذه الكائنات الفكرية أصبحت تؤثر وتتحكم بشكل واسع وكبير وسريع في باقي البنيات . 
وكما تحكمت بنية الحياة عن طريق الكائنات الحية في الكثير من البنيات الأخرى , كذلك أصبحت البنيات أو الكائنات الفكرية تتحكم بالكثير من البنيات الأخرى , فهي تتحكم الآن في البنيات الحية مع تحكمها بالبنيات الأخرى . 
فالبنيات الفكرية الآن صارت تكوٌن البنيات المادية وغيرها أو تتحكم في تكوينها , لقد كانت البنيات الحية تحٌول المواد الفيزيائية والكيميائية إلى بنيات حية بواسطة تأثيراتها . 
والآن البنيات الفكرية وخاصة العلمية الدقيقة وبمساعدة البنيات التكنولوجية- التي أنتجتها البنيات الفكرية- تصنٌع الكثير من البنيات المادية وغير المادية , وتتحكم بالكثير من البنيات الأخرى , فهذه البنيات الفكرية تستطيع التطور والتفاعل لتحول أو تنتج الكثير من البنيات المادية وغير المادية .

إن هذه الكائنات الفكرية وما أنتجته من بنيات حضارية هي البنيات الأكثر تطوراً على الأرض .