كيف نبنى أحكامنا

 

كيف نقيم الضار أو المفيد , والصحيح أو الخاطئ

 

إن كافة التأثيرات والقوى التي نتعرض لها وتنشئ فينا أحاسيس ودوافع واستجابات، نقوم بتقييمها والحكم عليها والقيام بالاستجابة عليها بناء على ذلك، وهذا يتم بالاعتماد على ما يلي:

 

 

1- المرجع الحسي أي الممتعة أو المؤلمة، الجميلة أو القبيحة.

 

2- مرجع إفادتها أو ضررها لنا أو لمن يهمونا.

 

3- مرجع صحتها أو خطئها، وذلك حسب المعارف والمعلومات التي نعتمدها.

 

فهذه الطرق الأساسية الثلاثة للتقييم تحدد القوى المحركة لاستجاباتنا كافة، إن كانت أعمالاً أو أفكار أو أحاسيس أو انفعالات.

 

فالأفعال التي نقوم بها يمكن أن نقيمها أو نقيم نتائجها، بناء على فائدتها أو ضررها لنا. ويمكن أن نقيم نفس فعل بناء على أنه ممتع لنا أو مؤلم ودرجة ذلك، وكذلك يمكن أن نقيم نفس هذا الفعل بناء على صحيح أو خاطئ.

 

إن أحكامنا نبنيها بالاعتماد على معارفنا وتقييماتنا، وحسب دوافعنا، فنحن نحكم على عمل أو استجابة ما بأنه ممتع أو مفيد أو صحيح، وكذلك يمكن أن نحكم كذلك على أحاسيس معينة، أو أي استجابة لنا إن كانت فكرية أم حسية أم عملية، بناء على هذه المراجع الثلاث، الممتع أو المؤلم، المفيد أو الضار، الصحيح أو الخاطئ.

 

وكذلك نستبق الزمن ونحكم على الأوضاع قبل حدوثها بأنها مفيدة أو ممتعة أو صحيحة. ونحن نلاحظ أن الممتع لا يكون ارتباطه بالمفيد أو الصحيح ضرورياً. فهذه المراجع الثلاثة هى منفصلة عن بعضها كمراجع للقياس والتقييم، ويمكن أن نجرى هذه التقييمات معاً. لذلك إذا أردنا تقييم أى وضع أو حادث حصل أو سوف يحصل، يجب علينا إعطاؤه ثلاثة تقييمات منفصلة وهي:

 

1- نقيم ونحدد ونقيس درجة فائدته إن كان مفيداً، أو درجة ضرره إن كان ضاراً، أو  إن كان محايداً ليس له فائدة أو ضرر.

 

2- نحدد مقدار إمتاعه، أو مقدار ألمه.

 

3- نحدد هل هو صحيح أم خاطئ؟.

 

أن كافة الأفعال أو الاستجابات يمكن أن تصنف وتقيم وتقاس ويحكم عليها حسب هذه المراجع الثلاثة.

 

ولكن هذا لا يكفى لتوضيح الأمور، فيجب تحديد مرجع ونوعية الإفادة أو الضرر، فيمكن لعمل أن يكون مفيداً للفرد وضاراً بالمجتمع أو العكس، أو يكون مفيداً لإنسان وضاراً بإنسان آخر. ومفهوم المفيد فعّال عند استعماله فى تحقيق الأهداف أو المشاريع وبناء المعارف والأحكام الدقيقة، إذا استعمل بشكل واضح ومحدد ودقيق "أى مكمم بشكل دقيق"، وهو المعتمد الآن فى أغلب تقييمات المعارف والعلوم النظرية والعملية، وفى كافة المجالات السياسية والاجتماعية والحياة العملية

 

أما مفهوم اللذيذ والمؤلم أو الجميل والقبيح، فهو يظهر أن كافة التقييمات مهما كانت تراعى الواجب أو المنفعة أو غيرها من التقييمات، يجب تحديد إن كانت ممتعة أم مؤلمة فى النهاية. فكافة أحكامنا عن أهدافنا أو غاياتنا يجب في النهاية توضح مقدار أللذة أو الألم الذي سوف يحصل في النهاية، فأحاسيسنا هي المرجع النهائي دوماً.

 

يمكن أن نتحمل بعض الآلام في بعض الأوقات أو الأوضاع، ولكن في النهاية يجب أن تتفوق الأحاسيس الممتعة على المؤلمة، إذا لم تكن بالنسبة للفرد فيجب أن تكون للجماعة، وكذلك يجب تعيين مرجع الممتع والمؤلم إذا كان تأثير العمل أو الاستجابة تقع على شخص أو عدة أشخاص، والممتع والمؤلم خاص بالكائنات الحية فقط.

 

وبالإضافة لذلك فإن الممتع أو المفيد ليس ثابتاً، ويمكن أن يتغير ويتبدل حسب الأوضاع والظروف، فالمفيد فى بعض الأوضاع يمكن أن يكون ضاراً فى أو ضاع أخرى، وكذلك الممتع فى بعض الأوقات أو الظروف يمكن أن يكون مؤلماً فى ظروف وأوضاع أخرى، لنحاول توضيح مفهوم الخير والشر بناء على ذلك.

 

مفهوم الخير والشر

 

إن مفهوم الخير يمكن أن يضم المفيد وهذا ما يكون غالباً، ويمكن أن يضم الممتع أو المؤلم أحياناً، وهذا تصنيف غير دقيق في التحديد، لأنه يمكن أن يخلط بين الممتع والمؤلم مع المفيد، فيمكن أن يكون المؤلم هو الخير في النهاية أحياناً.

 

والشر غالباً ما يطلق على المؤلم والضار، ويمكن أن يكون هذا المؤلم فى كثير من الأحيان هو المفيد ومع ذلك يصنف على أنه شر مع أنه ليس كذلك.

 

لذلك استعمال تصنيف الممتع والمفيد والصحيح أفضل فى تحديد أحكامنا، وبالتالي تكون درجة دقتها أعلى.

 

لقد اعتبر الخير هو الجمال والحق هو الجمال والصحيح هو الجميل، وهذا غير دقيق، فيمكن أن يكون القبيح هو المفيد أو هو الخير، وليس ضرورياً أن يكون الحق أو الصحيح، جميل فمفاهيم الحق والخير والجميل مفاهيم غير واضحة.

 

الأحاسيس والمعاني

 

إن الأحاسيس والمشاعر الواعية هي القوى المحركة لغالبية المعالجات الفكرية والنفسية.

 

فالتقييم وإصدار الأحكام، يستمدوا قواهم المحركة من المعنى أو الدلالة والقيمة التى تبنى بشكل كبير على الإحساس والإدراك الواعي، وإعطاء المعنى أو الدلالة أو القيمة أو المبرر أو الدور للأفكار الواعية هو الذي ينشئ القيم والأخلاق والقوانين الذاتية والاجتماعية.

 

والإنسان عندما يتأثر بمثيرات لها علاقة بدوافعه ورغباته الفزيولوجية والنفسية الأساسية غير الواعية، إن كانت موروثة أو مكتسبة، تضخم هذه المثيرات وتحدث أحاسيس قوية تناسب تلك الدوافع الدفينة، فالجائع تؤثر فيه بقوة أحاديث أو منظر أو رائحة الطعام وكذلك العطشان وكذلك الراغب بالحب، أو الراغب بالمال أو المجد أو الانتقام.

 

فمعانى المؤثرات تضخم وتحور أحياناً نتيجة الدوافع والرغبات القوية غير الواعية "الدفينة".

 

ولنأخذ مثلا مفهوم الواجب، فهو مفهوم يدل على آلية تصرف مكتسبة بالتربية والتعلم وأنه يجب ممارسة هذه الآلية لأنها الأفضل أو الأصح وهى المعتمدة دون الالتفات إلى غيرها من التصرفات. ومفهوم الواجب "وكذلك المقدس" يدل على التعلم والبرمجة الصارمة، والمفروض نتيجة التربة والتعلم وتأثيرات المجتمع.

 

وكما ذكرنا يجب فصل الأحكام وتقييمات الممتع أو المؤلم عن أحكام وتقييمات المفيد أو الضار، أي فصل تقييمات الأحاسيس عن تقييمات المعارف والتنبؤات، واعتبارهم صنفين مختلفين، وهذا يسمح بوجود الممتع وهو الضار، وكذلك المفيد وهو المؤلم فى نفس الوقت، نتيجة وجود حكمين منفصلين دون حدوث تناقض.

 

أما فى حالة تصنيف الأحكام الذى يجعل الممتع والمفيد فى حكم واحد، فيكون لدينا تناقضاً عند استعمال هذا التصنيف، أو ضعف فى درجة دقة الحكم.

 

إن التصنيفات والتنظيمات والترتيبات للأحكام يجب أن تأتى أولاً، وبناء عليها يجرى التقييم، أي أننا لا نستطيع نحكم وتقييم على أي فعل أو أي شيء إلا بعد أن نصنفه وحسب مرجع محدد معين. وكافة المراجع تعود إلى مقدار وطبيعة وخصائص التأثير للشيء الذي نصنفه، أى أن التصنيف الأساسي لكل شيء أو حادثة هو تصنيف لتأثيراته على شيء آخر أو أشياء أخرى، وهذا يعنى أنه لا يكفى تحديد وتصنيف التأثيرات، بل يجب تحديد وتصنيف مكان التأثير، وعلى من يحدث هذا التأثير.

 

كما قلنا هناك ثلاثة مجالات لمراجع القياس والتقييم والمقارنة:

 

1- التقييم الحسى بناء على درجة الممتع أو درجة المؤلم بالنسبة لفرد معين، أو مجموعة أفراد معينين.

 

2- التقييم بناء على درجة المفيد أو درجة الضار بالنسبة لفرد معين أو مجموعة أفراد معينين، أو بالنسبة لبنية أو مجموعة بنيات معينة، أو بالنسبة لهدف أو غاية معينة.

 

3- المقارنة والقياس والتقييم، بناء على صحة أو خطأ الحكم واتفاقه مع الواقع.

 

إن أهم الأولويات ومراجع القياس بالنسبة لكل فرد هو الممتع والمؤلم الحالى والمستقبلى بالنسبة له، ثم يأتى المفيد أو الضار بالنسبة له، ثم يأتى بعد ذلك المفيد والضار بالنسبة لباقي أفراد مجتمعه، وكذلك الممتع والمؤلم بالنسبة لغيره. هذا بشكل عام فيمكن أن تتغير هذه الأولويات حسب الأوضاع والظروف.

 

والقيمة يمكن أن تكون إما للممتع أو للمفيد أو للاثنين معاً، وتكون للصحيح دوماً.

 

إن العلاقات والتأثيرات المتبادلة بين الممتع والمفيد والصحيح متشابكة ومتضاربة فى كثير من الأحيان، فكثيراً ما يكون المفيد هو المؤلم، أو الصحيح هو المؤلم، أو الممتع هو الضار.

 

الممتع والمفيد

 

الممتع هو اللذيذ الجميل السعيد المفرح والأحاسيس والمشاعر اللذيذة والمرغوبة والمطلوبة، والتي نسعى بكل جهدنا وفكرنا للحصول عليها وجعلها تحدث لنا، وهو غالباً هدفنا الأساسي. إن الممتع يتحول بالتدريج منذ ولادتنا إلى هدف نسعى إليه بعد أن نعيشه ونستمتع به، إنه يتحول فيصبح بمثابة المفيد لنا.

 

إن تناول وجبة لذيذة بعد جوع، أو الذهاب برحلة سياحية، أو سماع أغنية أو لحن يحدث الأحاسيس الرائعة، وكذلك قراءة قصة من الروائع، أو مشاهدة فلم جيد، أو رقصة سعيدة.......الخ تبقى من المتع المطلوبة لدينا، فالفن بكافة أشكاله هو مصدر المتعة لنا، وقد أصبح يشمل أغلب أحاسيسنا من طعام وشراب وموسيقى ورقص وحب وأدب وممارسة شعائر دينية أو اجتماعية... وكان يحدث دوماً تضارب وتناقض بين الممتع والمفيد، فلا يمكن أن تكون الأحاسيس اللذيذة هي المفيدة دوماً فهي يمكن أن تكون ضارة ومدمرة للفرد أو الجماعة، وكان التوفيق بين الممتع والمفيد "كما قلنا" هو الهدف الأول للفكر والعمل البشري، فيجب التوفيق بين الممتع والمفيد، وجعل المفيد ممتع إن أمكن، وجعل الضار مؤلم، فيجب التوفيق بين المفيد المتمثل بالنمو والمحافظة على الذات والمجتمع، والممتع المتمثل بالأحاسيس التي تحدث لنا، والتي لها خصائصها وآليات حدوثها.

 

وقد كانت المشكلة الأساسية ناتجة عن آلية الإشراط "وهى أهم الآليات العصبية"، والتي تبنى أغلب أحكامنا الفكرية عليها، وهذه يمكن أن تجعل الضار هو الممتع فى كثير من الأحيان نتيجة الإشراط أو الاقتران.

 

هناك قوى ودوافع للتوفيق بين الثلاثة لكى يصبح الصحيح هو المفيد وهو الممتع ،أو الممتع هو المفيد ودوماً يسعى ليكون المفيد الذاتي هو المفيد الجماعي، فهناك غالباً عدم تطابق بين المفيد للفرد والمفيد للآخرين أو للمجتمع، فالقوانين والأنظمة والقيم الأخلاقية والاجتماعية والعقائد والأديان..، هي تسعى وتهدف إلى المفيد للجماعة بالإضافة إلى المفيد للأفراد، ولكن أغلب الدوافع والغرائز والرغبات والأحاسيس هي تسعى للمفيد الذاتي.

 

الممتع والمفيد والصحيح في نشر المعارف

 

إن التحصيل المدرسي هو مفروض لأنه يعتبر مفيد للفرد وللمجتمع، وإذا جعلناه ممتعاً نكون قد حققنا الكثير في نشر المعارف والعلوم، ونحن نلاحظ صعوبة في تحقيق ذلك، فالمدارس والجامعات تحقق تعليم الطلاب وتخرج المتعلمين، ولكن بطريقة المفروض وتفشل غالباً في جعل التحصيل المعرفي ممتع أيضاً وهذا ما جعل مردوده منخفض ويغلب عليه النسخ والمحاكاة والتكرار فهو واجب ومفروض يجب إنجازه حتى وإن ولد الألم والمعاناة، مما يسيء كثيراً لنمو وتطور المعارف والعلوم.

 

 ونحن ترى أن الأديان استطاعت تحقيق المفيد والواجب والممتع معاً، لذلك حققت الانتشار الواسع والقوى فى العقول أكثر من العلوم.

 

أما الفن فهدفه الأساسي هو تحقيق الممتع، ويسعى لتحقيق المفيد بشكل محدود، ونادراً ما يسعى لتحقيق المفروض "فهو عدوا لمفروض".

 

إذاً المهم كثيراً بالنسبة لنشر المعارف وبالذات التحصيل الدراسي استعمال الطرق والعناصر المناسبة التي تجعل تذوق العلوم متعة "أى جعل العلم فناً "، وهذا ليس بالأمر الصعب، فكما حقق الدين التوافق بين المفروض والمفيد والممتع، يمكن أن يحقق التعليم المدرسي نشر المعارف المفروضة ويجعلها ممتعة.

 

والأخلاق والأعراف الاجتماعية والقوانين، تهدف وتسعى إلى المفيد وتفرضه، وهى لا تراعى كثيراً أن تجعله ممتعاً، لذلك تخرق فى أغلب الأحيان.