الفرد والجماعة الجزء الأول

المشكلة التي يدور حولها البحث أو الدراسة 

هي أهم العوامل التي تحدد طبيعة العلاقات بين الفرد والجماعة التي يعيش ضمنها , وعلاقات الأفراد فيما بينهم .

فرضيات البحث أو الدراسة 

إن أهم العوامل التي تحدد طبيعة العلاقات بين الأفراد والجماعة التي يعيشون ضمنها هي :

الانتماء - المحاكاة والتقليد - المحافظة وممانعة التغيير أو التجديد - قيادةوإدارة أمور الجماعة ( أو الدولة ) ,  أنظمة الحكم , تطور أنظمة الحكم .عوامل تطور وارتقاء الجماعة -  وتأثيرات الموروث بيولوجيا , والموروث اجتماعيا غلى الأفراد - وبالتالي على الجماعة التي يعيشون ضمنها - تطور وارتقاء الأفراد مرتبط بتطور وارتقاء الجماعة ( أو الدولة ) التي يعيشون ضمنها - التبادل وتشكل البنيات الاجتماعية 

منهجية البحث أو الدراسة 

تم اعداد هذا البحث بشكل أساسي بالاعتماد على مقالاتي وكتاباتي السابقة بعد تعديلها وتطويرها .

أنني أسعى دوما إلى اعتماد نظر واسعة وشاملة للأمور بهدف إظهار أكبر كمية من العلاقات , والتأثيرات الخارجية المؤثرة عليها , والتي يمكن أن تحدد وتوضح هذه الأمور. 

أهم نتائج البحث أو الدراسة 

إظهار وتوضيح أهم العوامل التي تحدد طبيعة العلاقات المعقدة والمتشابكة بين الفرد والجماعة , والعلاقات بين الأفراد معبعضهم 

الجهات التي قد تستفيد من البحث أو الدراسة  *

غالبية  دارسي عوامل وأسباب التناقضات والمشاكل والصراعات التي تحدث بين أفراد مجتمعهم , وكيفية التعامل معها . ويساعد الذين يسعون لمعرفة أهم العوامل التي تساعد في تطور وتقدم  مجتمعهم .

 

                                     البحث

إن أهم العوامل التي تحدد طبيعة العلاقات بين الأفراد والجماعة التي يعيشون ضمنها هي :

1 – الانتماء . 

2 – المحاكاة والتقليد .

3 – المحافظة وممانعة التغيير أو التجديد .

4 – قيادةوإدارة أمور الجماعة ( أو الدولة ) ,  أنظمة الحكم , تطور أنظمة الحكم .

5 - عوامل تطور وارتقاء الجماعة , وتأثيرات الموروث بيولوجيا , والموروث اجتماعيا غلى الأفراد , وبالتالي على الجماعة التي يعيشون ضمنها .

6 – تطور وارتقاء الأفراد مرتبط بتطور وارتقاء الجماعة ( أو الدولة ) التي يعيشون ضمنها .

7 - التبادل وتشكل البنيات الاجتماعية

 

 

 

 

 

                            الانتماء

           الانتماء . أصوله وعوامل نشوئه . أبعاده وتأثيراته

تتكون الجماعة من الأفراد الذين يعيشون مع بعضهم ،بدافع التعامل مع ظروف حياتهم بشكل يسمح بتحقيق غالبية حاجاتهم ودوافعهم بشكل أفضل , ولتحقيق قدر كبير مما يحتاجون إليه , فيسهل عليهم تأمين غالبية أمور حياتهم  . وهذا نتيجة إدارة أمورهم بشكل جماعي ، وتعاونهم وتوزيعهم للأعمال فيما بينهم بشكل يسهل عليهم تحقيق ذلك . ونتيجة لذلك تنشأ جماعة مترابطة ومتماسكة تشكل بنية واحدة تضم هؤلاء الأفراد , ويحدث بينهم شكل من الانتماء  إلى بعضهم ., وهذه الحالة أو الآلية يمكن أن تحدث لدي الكثير من الكائنات الحية .

  أصول نشوء الانتماء البيولوجية

كيف نشأ الانتماء لدى الكائنات الحية , وكيف نشأ الشعور والتصرف الذي يحدده الانتماء ,إذا دققنا في الانتماء فإننا نجده موجود لدى كافة الكائنات الحية .إن المحافظة على الذات وعلى استمرارها وحمايتها ونموها هو أول وأقوى دافع لكافة الكائنات الحية , وهذا ما يسمى الأنانية أو" أنا أولاً " ( أو الانتماء للذات ) , وتظهر الأنانية لدى أول الكائنات الحية عند وحيدة الخلية .  فتميز نفسها عن المحيط وعن باقي الكائنات الأخرى, فتتعرف على طعامها وعلى ما يضرها وعلى أعدائها وتسعى للمحافظة على نفسها. وبعض الأوالي ( وحيدات الخلية ) تعيش في مستعمرات ويجب تمييز ها لذاتها عن الآخرين , وإنه ليصعب العيش ضمن مستعمرة في غياب القدرة على تمييز الذات عن اللا ذات . لذلك فمن المرجح أن تتوفر هذه المقدرة لدى الحيوانات الأوالي , و حتى الإسفنجيات التي تعد أبسط  الأوالي( حيوانات عديدة الخلايا) باستطاعتها تمييز الذات عن اللا ذات , فخلاياها تهاجم طعوماً من إسفنجيات أخرى , ولكن ليست بشكل مماثل لما يوجد لدى الفقريات التي  تطورت وتعقدت  وتنوعت المناعة ( التي تعتمد على تمييزخلايا بنية الجسم عن الخلايا أو الجراثيم المختلفة والدخيلة ) . 

فكل كائن حي هو مهيأ ومدفوع فزيولوجياُ أوغريزياً  لكي يميز ذاته ويحافظ عليها وعلى تنميتها , ودوماً لبنيته أو ذاته الأفضلية  على باقي البنيات "وهذا يعد أول وأقوى انتماءاته " أنتمائه لذاته " . وفي حال كان يعيش ضمن جماعة يمكن أن يعطي الأفضلية لجماعته ويسعى لدعمها وتنميتها والدفاع عنها , ولكن تبقى ذاته هي الأساس وهي الأهم.  

فهناك الانتماء لدى الحشرات التي تعيش جماعات مثل النحل والنمل وهو انتماء قوي مفروض فيزيولوجياً , ولا يتم وعيه أو الشعور به , وهناك الانتماء الغريزي للجماعة أو القطيع , الموجود لدى بعض الثدييات , مثل جماعة الذئاب والأسود والضباع وبعض أنواع القرود . 

وهناك انتماء المواليد لأمها وهو موجود عند كافة الثدييات والطيور وبعض الزواحف، فالأم تشعر وتعرف أو تفهم غريزياً أن مواليدها جزء منها , أو ينتمون إليها .

أصول الانتماء الاجتماعية

وللانتماء عند البشر أصوله الاجتماعية التي  تكونت نتيجة الحياة الاجتماعية وتطور المجتمعات وتطور العلاقات البشرية ، فروح الجماعة هي ما ينشأ نتيجة انتماء أفراد الجماعة لبعضهم . وهذا الانتماء يتعزز ويتطور نتيجة العلاقات والتعاون, وبالفائدة المتبادلة التي يحققها أفراد الجماعة من هذا الانتماء , ويمكن للعلاقات والأوضاع الاجتماعية أن تقوي وتعزز الانتماء , ويمكن لها على العكس أن تضعفه ، وذلك حسب مردودها وتأثيراتها على أفراد الجماعة , ويمكن أن ينقسم انتماء أفراد الجماعة إلى عدة انتماءات نتيجة اختلاف المصالح . 

هناك من يقول بانتماء الدم أو العرق , وقد ظهر أنه غير دقيق, صحيح أنه موجود وهو موروث وغريزي ولكنه ضعيف وغير كاف , ونحن نضخمه نتيجة قوى ودوافع اجتماعية . فالانتماء القوي ينشأ نتيجة العلاقات والتفاعلات الاجتماعية , وتبادل المنافع . وانتماء الدم القوي الوحيد الذي نشاهده هو انتماء الوليد لأمه  فهو بمثابة جزء منها , و له أسس بيولوجية وغريزية قوية ، ومع هذا إذا لم يعزز ويقوى بتربية الأم لوليدها فإنه يمكن أن  يضعف أو يزول . 

والزوج والزوجة لا ينتميان إلى بعضهما برابطة الدم ولكن بعد زواج وعشرة عشرين عاماً ماذا يحدث ؟ إن الانتماء لابد أن يظهر إن كان قوياً أو ضعيفاً . وككل انتماء يمكن أن يضعف أو يزول في بعض الحالات ونتيجة بعض الظروف , فحتى الأم في بعض الحالات يمكن أن ترفض انتماء أحد أبنائها إليها .

وقد كان الانتماء للجماعة لدى البشر من أهم عوامل نشوء الحضارة , وتطورها وارتقائها إلى ما وصلت له الآن . فالانتماء للجماعة وتوزيع العمل بينهم  وإدارة أمورهم بتنظيم العلاقات بينهم أدى إلى نشوء أنظمة الإدارة أو أنظمة الحكم , وبالتالي نشوء العادات والتقاليد والأخلاق  والعقائد والأديان , والتشريعات والقوانين .

الأنا والنحن  والانتماء , والآخر 

إن العقل البشري مجهز لتنظيم وإدارة  وتحقيق دوافع وأهداف البنية التي يقودها وهي جسم وحياة الإنسان ، ويمكن أن تكون هذه البنية هي بنية الفرد الذاتية أو البنية الأوسع المنتمي إليها , والتي يكون هذا الفرد بنية جزئية فيها وهو منتم إليها، مثل الأسرة أو العشيرة ..., وليس هناك فرق كبير بالنسبة لعمل العقل بين الأنا التي يقودها أوالنحن ( البنية التي ينتمي إليها الفرد ) عندما يوجد  ال( الآخر ) أوال(هم ) أي الجماعات الأخرى المنافسة , ويقود العقل الأنا فقط عند عدم وجود النحن- عدم وجود انتماءات- أي في حالة الفردية . 

فالعقل يسعى ليتعامل مع البنية المنتمية إليها الأنا مثلما يتعامل مع الأنا ,وذلك حسب قوة الانتماء , ولكن عندما تحدث عدة انتماءات للأنا أي تكون الأنا بنية جزئية في عدة بنيات وهذا ما هو حاصل ، تحدث تناقضات وتضاربات وتعقيدات في الانتماءات ، وبالتالي تحدث الصراعات  والأخطاء والإدارة السيئة للأفراد وللبنيات المنتمى إليها , فالانتماء الأسري والديني والسياسي والاجتماعي والفكري , هو انتماء لبنيات متعددة نعيشه جميعاً   . 

دور ووظيفة الانتماءات الاجتماعية                                        

انتماء الفرد للجماعة له عوامله ودوره الهام في تحقيق حاجات الفرد والجماعة ككل , ويعتبر الانتماء من العوامل الهامة التى تساعد على تماسك أفراد الجماعة وتزيد من استقرارهم وحمايتهم وتحقيق حاجاتهم , فالانتماء يؤدي إلى استقرار الجماعات وتماسكها وتنظيمها وبالتالي نموها . وإن السعي لعمل المفيد والخير للجماعه هو من أهم دلالات الانتماء لهذه الجماعة , وعدم المساواة وأشكال من الظلم والتضحية مقبولة غالبا عند الانتماء القوي للجماعة , من أجل حماية الجماعة والمحافظة عليها , أي الفرد في خدمة استمرار ونجاح الجماعة مهما قدم من جهد وتضحية. فهذه ضريبة الحياة الاجتماعية "وضريبة الانتماء", فالحياة الاجتماعية أخذ وعطاء وتضحية أحياناً, وإلا لن تتطور وتنمو المجتمعات , وهذا في النهاية سوف ينعكس على نمو وتطور أفراده .

إن الانتماء لجماعة معينة أو عدم الانتماء لها له تأثير كبير على الدوافع والأهداف , وبتغيير الانتماء تتغير الدوافع والأهداف وبالتالي تتغير القيم ، فإذا تغير الانتماء تتغير التأثيرات المرصودة والمؤثرة  وبالتالي تتغير القيم والتوجهات حسب تغير التأثيرات الحاصلة . ففي مثال أنا وأخي على ابن عمي وأنا وابن عمي على الغريب , يتحول العدو إلى صديق عند تغير الانتماء  فابن عمي يكون عدواً عندما يكون غير منتم إلى أسرتي - أبي وأمي وإخوتي - ولكنه يصبح صديقاً عندما يوسع الانتماء  ويصبح أعمامي وأبي وأبناؤهم بنية واحدة , فتتغير الأهداف  وبالتالي الصراعات .  

إن أغلب الصراعات الاجتماعية - التجارية والصناعية والعقائدية ....- يمكن التحكم بها بالتحكم بانتماءات البنيات المتصارعة . 

الانتماءات في السياسة

في النظام الاشتراكي مدير المؤسسة أو المصنع لا يعتبر أن المصنع له وملكه، أو جزءاً منه ، بعكس صاحب المصنع الذي استطاع إنشاء وامتلاك  هذا المصنع ، فالأول يكون جزءاَ من بنية المصنع أو منتم إلى بنية المصنع أو الجماعة الاشتراكية ، أما الثاني فالمصنع ملكه ويكون جزءاً من بنيته , والمصنع تابع له، وهناك فرق كبير بينهما في علاقة كل منهما مع المصنع ودوافعه تجاهه . فالمالك يسعى بكل كيانه وجهدة للمحافظة على المصنع وعلى نموه وتطوره , وهذه من أهم ميزات الرأسمالية فشعارها " دعه يمر " أي دع الفرد ( أو الشركة ) ينمو ويتطور فهذا سوف ينعكس في النهاية على نمو المجتمع ككل .

وكذلك انتماء الدولة للملك أو الإمبراطور أو الأمير يختلف عن أنتماء الدولة لرئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء , فالملك يعتبر الدولة ملكه أو جزء منه لأنها تابعة له , أما رئيس الجمهورية فمهمتة إدارة أمور  الدولة لفترة معينة , فالملك غالباً ما يكون حريص أكثر على حماية ونمو دولته . 

لكن ياترى هل يستطيع أي ملك أن يدير أمر الدولة في الوقت الحاضر بعد أن توسعت الدول وتعقدت العلاقات بين بنياتها الكثيرة ؟؟ .  فهذا كان بحاجة لتشكل الدولة الحديثة ذات الدستور والمؤسسات والقوانين . وكافة الأفراد ينتمون إليها , ووضعت الأمور في نصابها وتعاملت مع غالبية أمور الدولة بكفاءة ونجاح .

لذلك صارت الدول التي يحكمها ملك أو إمبراطور أو أمير  والتي وصلت لبناء الدولة الحديثة  تتحول إلى ملكية دستورية يحتفظ الملك أو الأمير بممتلكاته ومكانته وميزاته المعنوية , ويترك أمر الحكم والقيادة للمؤسسات والدستور والنواب . . . الخ

الانتماء الأسري (نظام الملكية) في إدارة أمور البلاد.

لقد كانت قيادة أمور الجماعة في أول الأمر من قبل الأكبر سناً وخبرة ،أو من قبل رئيس العشيرة أو القبيلة، نظراً لقوة ومعرفة وخبرة هؤلاء , ثم تطورت الأمور ، وظهر الأمراء والملوك والقياصرة والامبراطور . . فكان هؤلاء مميزون ويملكون القدرات اللازمة عندما تولوا هذه المناصب ( أو أوجدو هذه المناصب).وصاروا يورثون هذه القيادة لأبنائهم ,مع أنه ليس بالضرورة أن يكونوا هؤلاء الأبناء يملكون القدرات المناسبة . 

وكان لظهور نظام الملكية في إدارة أمور الجماعة أو أمور البلاد مرحلة أساسية في تطور المجتمعات البشرية .

وتطور أمور قيادة البلاد أدى إلى نشوء الدولة الحديثة التي تملك الخصائص التالية الأساسية : لها دستور يحدد أسس الدولة ويحدد أسس نظام الحكم والتشريعات والقوانين , يوضع من قبل الأفراد ويقبل به الغالبية العظمى بعد الاستفتاء عليه . وفي الدولة الحديثة يتم الفصل بين السلطات الثلاثة , التشريعية (البرلمان) والتنفيذية (الحكومة) والقضاء , بالأضافة حرية الصحافة . وتداول السلطة . . . 

الانتماءات وتأثيراتها على الدوافع والعلاقات والأهداف

كما قلنا إن الانتماء لجماعة معينة أو عدم الانتماء لها ، له تأثير كبير على الدوافع والأهداف ، فالأب يعتبر ابنه جزءاً منه , إن ابنه تابع له وكذلك بقية أبنائه هم جزء منه ومن عائلته . أما الابن فلا يعتبر أبوه أو أخوه جزءاً منه ، إنه بنية أخرى تشترك معه في تكوين بنية تشملاهما معاً هي الأسرة ، أي أخوه يشاركه في تكوين بنية شاملة لهما ولبقية أفراد الأسرة ، وهذا الانتماء أضعف من الانتماء الأول الذي هو انتماء الابن للأب . 

فالانتماء وطبيعة هذا الانتماء له تأثيرات كبيرة على الدوافع والعلاقات . وأغلب الصراعات الاجتماعية يمكن التحكم بها ، وذلك بالتحكم بانتماءات البنيات المتصارعة . 

إن أقوى الانتماءات عادة هو الانتماء للذات للأنا ( الأنانية الغريزية ) ، ثم تأتي باقي الانتماءات وبدرجات تختلف من إنسان لآخر ، ويمكن لبعض هذه الانتماءات في بعض الأوضاع أن تكون أقوى من الانتماء للذات كالانتماء للدين مثلاً أو للمبادئ أو للعشيرة أو للوطن... , والانتماءات المتعددة لكل إنسان تتداخل مع بعضها وتتفاعل ، ويمكن أن تنخفض قوة بعضها أو تزداد حسب الظروف والأوضاع. 

وكل إنسان له انتماءاته الأساسية المعلنة وانتماءاته المضمرة ، وفي كثير من الأحيان يكونان مختلفين أو غير متطابقين .

وقد تبني البشر انتماءات أساسية مختلفة  حسب أوضاعهم وظروفهم . فمنهم من وضع الانتماء الأسري أو العشيري أو العرقي أو القومي  في الأساس ، ومنهم من وضع الانتماء الديني أو العقائدي أو الفكري في الأساس 

 

والانتماءات لدينا غالباً تعود للأصول والجذور كأساس وبداية للانتماء  فيقول المنتمون : أسرتنا ..عشيرتنا .. قوميتنا .. حزبنا .. عقيدتنا .. جماعتنا ..  والتي عادة ما تبدأ من زمن ووضع معين ، مثل تكون أسرة ، أو جد ، أو أصل عشيرة ، أو قائد معين ، أو مفكر معين ... 

وهناك انتماء الجماعة ذات الأهداف الواحدة أو المصلحة المشتركة ، أو المنتمين إلى مهنة واحدة ، والمقيمين أوالمنتمين إلى مكان أو أرض معينة .

 الإنسان يميل إلى الانتماء دوماً 

 الانتماء الشعور بالقبول من الآخرين , لذلك، يرغب الأفراد بالانضمام للمجموعات لدوافع سيكولوجية مختلفة . لذلك الإنسان غالباً يميل ليأخذ موقفاً عندما يجد نفسه أمام متنافسين  ويصعب عليه الوقوف على الحياد , فغالبيتنا عندما نشاهد تنافساً أو مباراة بين فريقين نتخذ موقفاً ونؤيد أو ننتمي لأحد الفريقين  حتى وإن كان الفريقان مجهولين أو متساويين . فالإنسان غريزياً يسعى للانتماء بتشكيل جماعات ينتمي إليها .

فهناك الانتماءات نتيجة التشابه  مثل انتماء علماء الفيزياء لبعضهم ، أو انتماء الشعراء لبعضهم ، أو الكتاب أو الفنانين . وهناك الانتماء الطبقي , لتشابه المصالح , مثل السياسيين ,الأغنياء , العسكريين , الإقطاعيين . وهناك الانتماءات الفكرية  , وهناك انتماء النساء لبعضهم فيقولون نحن النساء , مقابل ما يقول الرجال نحن الرجال , وهناك انتماء الزوجة لأمها وأسرتها وانتمائها لزوجها وأسرته في نفس الوقت , المسافرون أو الركاب في حافلة ، إنهم يتعاطفون مع سائقها في أغلب الحالات عند أي مشكلة  مع الآخرين , رجل في  بلد أجنبي و لغة مختلفة , يقابل رجلاً يتكلم نفس لغته, إنهما  فوراً يشعران بشكل من الانتماء  , مع العلم أنهما لو التقيا في بلدهما لما حدث ذلك, ففي البلد الأجنبي يظهر الانتماء اللغوي المشترك لاختلافه عن لغة البلد الأجنبي 

إن آليات وخصائص الدخول في انتماء أو الخروج منه  يمكن تحديدها

إن الانتماءات تتشكل حسب الظروف والأوضاع الاجتماعية والمادية وهذه الظروف كثيرة التنوع , لذلك تنشأ الانتماءات المختلفة .  والانتماءات يمكن أن تتضمن بعضها فالانتماء الأوسع يستوعب الأصغر . وهناك بالإضافة إلى اختلاف الانتماءات توجد درجات ومستويات في قوة هذه الانتماءات ، وكذلك اختلافات في اتساع وانتشار هذه الانتماءات لدى البشر .

فالمنتمين إلى دينهم بقوة يصعب عليهم التغيير أو الخروج من هذا الانتماء , وكذلك المنتمين إلى أسرة أو إلى عشيرة أو إلى أرض , فالخروج من الانتماء القوي ليس بالأمر السهل ولا يمكن أن يفعله أي إنسان بسهولة . 

وغالباً ما ينشأ الانتماء نتيجة الأوضاع والظروف و يصعب صنعه , فصنع الانتماء ليس بالأمر السهل , و يصعب فرض الانتماء ، وإذا فرض فيكون شكلياً وضعيفاً أو كاذباً, فالانتماءات تتشكل نتيجة الأوضاع , ويمكن أيضاً أن يصنعها الإنسان أحيانا ولكن ببطء وصعوبة. 

الانتماء والمصالح 

في الأساس المصالح المتبادلة هي من أهم عوامل وأسباب نشوء أو تشكل الانتماءات الاجتماعية . ولكن أحيانا يسعى الإنسان للانتماء لجماعة معينة أو بنية اجتماعية معينة ( أو يدعي الانتماء إليها ) من أجل تحقيق دوافعه أو مصالحه الخاصة فقط , وفي هذه الحالة يكون انتماؤه ضعيفاً أو كاذباً . فالإنسان يمكن أن يتحكم بانتماءاته الصغيرة وغير الأساسية حسب دوافعه ورغباته ، فالفرد الذي له أخوان أحدهما جيد والآخر سيء ، نراه يميل إلى الانتماء للأخ الجيد  ويتحاشى الانتماء للأخ الآخر . إنسان يعادي أخاه أو ليس على وفاق معه ويهاجمه وينتقده ضمنياً , ولكن هذا الأخ في مركز مرموق، نراه عندما يتكلم مع الآخرين عن هذا الأخ  يتحاشى عداءه ويفتخر به كأخ ويفتخر بالانتماء له . فالانتماءات غير القوية يتم التعامل معها و تفضيلها واختيارها أو استبعادها وهي ليست مفروضة دائماً ، والمنفعة والأفضلية الذاتية تتحكم أحياناً  في الانتماءات . . 

الانتماءات الفكرية والعقائدية 

إن كل منتم يرجع في انتماءاته إلى أصول ومراجع فكرية ينطلق منها ، فمنهم من يرجع إلى ذاته فقط (أنا وفقط أنا ) , ومنهم من يرجع في الأصول إلى بضع عشرات من السنين , ومنهم من يرجع بضع مئات ، ومنهم من يرجع بضعة ألوف أو بضعة ملايين , فاليهودي يرجع إلى موسى عليه السلام , والبوذي إلى بوذا , والماركسي يرجع إلى أصول قريبة ماركس ولينين وغيرهم , ومنهم من يرجع إلى الأصل الإنساني العام  (الإنسانية ), ومنهم من لا يكتفي بهذا فيرجع إلى بنية الحياة ككل كانتماء أساسي له  ويجعل كافة الكائنات الحية ( الحيوانات والنباتات ) في أصل مشترك معه ويكون هو وكافة الكائنات الحية ومع الأرض في بنية واحدة ينتمون جميعهم إليها ومن هؤلاء جماعة الخضر أو السلام الأخضر , ومنهم من يعود إلى الوجود وأصله كأساس لانتمائه فيكون هو جزءاً من هذا الوجود مثل باقي الموجودات - وحدة الوجود - سبينوزا هيغل وابن عربي وغيرهم . 

أهم الانتماءات الفكرية لدينا 

إن الإنسان عندما يفكر بعظمة واتساع الكون والوجود ولا نهائيتهما ويجد بأن هناك الكثير من البنيات الأخرى الأوسع , والأشمل , والأقوى , والأطول عمراً, والأرقى والأسمى منه بكثير يشعر بالضآلة والإحباط ، فهو يجد نفسه تافهاً وصغيراً وعديم الأهمية وهذا يؤلمه كثيراً، إنه يريد إثبات وجوده وأهميته التي يشعر بها ويعيها , ولكن الواقع المعاش يشعره  بغير ذلك ، فهو يجد نفسه صغيراً وضعيفاً وليس له تلك الأهمية .

 لذلك نجد أن كل منا يرد على هذا الوضع حسب وضعه وظروفه وإمكانياته ، ونجد أن الكثيرين منا التجؤوا إلى الخالق الله عز وجل وإلى الدين لكي يعطيهم القوة على تحمل ذلك الوضع ، فهم اختاروا الطريق الصحيح ونجحوا في هذا الاختيار ، فانتماء الإنسان إلى الخالق القوي العادل العظيم السامي يشعره بالقوة والأمان والاطمئنان .

المفكرون والأقوياء وعلاقتهم بفرض وخلق الانتماءات 

إن بعض الناس لهم قدرة فائقة وأحياناً خارقة على تحقيق دوافعهم وأهدافهم حتى في أصعب الظروف، فلديهم القدرة الجسمية والعصبية والنفسية والفكرية لتحقيق أصعب الأهداف ، ولديهم أيضاً القدرة على التصميم والمتابعة إلى مراحل متقدمة جداً ، وبالتالي لهم قدرات خارقة على النمو والتملك والسيطرة . إن هؤلاء الأقوياء يقومون بخلق الانتماءات سواء كان الانتماء إليهم أو لبنيات أخرى , أو إلى الأفكار والمبادئ التي يوجدونها .  وهؤلاء الأقوياء يمكن أن يكونوا خطرين جداً كما يمكن أن يكونوا مفيدين جداً على باقي أفراد الجماعة  وعلى البنيات الاجتماعية .

للانتماءات دور أساسي في نشوء العنصرية والطائفية .

فالانتماء القوي لجماعة أو لعقيدة هو أساس العنصرية . فانتماء الفرد لأي بنية , أكانت ذاته أو أسرته أو جماعته أو بلده أو عقيدته تجعله يعطي الأولوية لهذه البنية ويجعلها مميزة وأهم وأفضل من البنيات الأخرى المشابهة  . إن الأنانية والعنصرية والطائفية لها عواملها ومسبباتها وأصولها البيولوجية والاجتماعية , ولها دورها ووظيفتها الفردية والاجتماعية أيضاً .

إن دافع أنا أو نحن الأفضل , أو مكانتي أعلى , هو أساس الأنانية و العنصرية والطائفية , وهو أصل ومرجع أغلب الصراعات والحروب والتنافسات والسعي للتفوق على الآخرين .

بالنسبة لنا نحن البشر , غالبيتنا العظمى تقول : أنا الأفضل, أنا الأحسن, أنا الأهم, أنا الأساس, أنا المرجع, أنا الموجود, أنا الأسمى....., وإذا كان غير ذلك , عندها تصبح نحن الأفضل , أصلي هو الأشرف , ابني هو الأفضل , بلدي هو الأفضل , ديني هو الأصح , جنسي هو الأفضل ,وعندما يكون تفوق الآخرين واضحاً, أقول هم أحسن في كذا وكذا , لكن هذا غير مهم و غير ضروري, فنحن أحسن في كذا وكذا وهذا هو المهم والضروري, وأهدافنا هي الأفضل , مبادئنا هي الأفضل , أصلنا هو الأفضل...., تبريرات كثيرة والمهم في النهاية أنا , ونحن لا يمكن أن نكون سوى الأفضل , فهذا ما نريده ونرغب به , ونريد أن نشعر به وأن نحقق المكانة الأعلى. 

الانتماء والتعصب 

المقصود بالتعصب هو الانتماء القوي لجماعة معينة أو عقيدة معينة أو أفكار معينة مع رفض ومعاداة أو تحقير الآخرين المختلفين ,والتعصب يتضمن فرض إرادة المتعصب على الآخرين المخالفين له فيسعى لفرض أفكاره وقيمه وعقائده أوخياراته وأهدافه عليهم وهذا يمكن أن يحدث في الكثير من مجالات الحياة. والملاحظ أن المحافظين بطبعهم هم متمسكين أكثر بمبادئهم وأفكارهم ويصعب عليهم تغييرها أو تعديلها , ولكن ليسوا كلهم متعصبين , فالمثقفون والمطلعون على المعارف أكثر ، غالباً هم ليسوا متعصبون ويقبلون الآخر ومبدأهم عش ودع الأخرين يعيشون بعكس المحافظون ذو التفكير والثقافة والمعرفة المتواضعة فهم غالباً متعصبون ويرفضون ويعادون المختلفون عنهم , ويريدون  فرض أفكارهم ومبادئهم على الأخرين . والديكتاتورية شكل من أشكال التعصب .

ولكن ماذا يحدث عند وجود جماعتين مختلفتين في الانتماء والمصالح و متصارعتين , في هذه الحالة هناك دوافع كبيرة للتعصب لدى كل منهما ويصعب إزالته ,  وأكبر الأخطار عندما تكون هاتين الجماعتين ضمن دولة واحدة , وعندها تحدث أكبر الأضرارعلى تلك الدولة . إن التعصب ينتج أكبر الأضرار عندما يكون مترافق مع الجهل وقصر النظر وعدم المعرفة , فيحدث رفض قاطع للآخر . وللانتماءات المختلفةدور أساسي في حدوث الصراعات والحروب .

الانتماء والبنية الجزئية والبنية الكلية  

إن كل بنية مادية أو حية أو اجتماعية أو فكرية... , هي تتألف من بنيات جزئية ويكون لكل منها وظيفة أو دوراً محدداً في تلك البنية الكلية ، أي أن هناك علاقة انتماء محددة ( أو وظيفة ) بين كل بنية جزئية وباقي البنيات التي تكون البنية الأساسية ، وهذا ما يعتبر طبيعة الانتماء وهو الذي يحدد نوع الانتماء وبالتالي العلاقات بين البنيات الجزئية مع بعضها ومع البنية الكلية الشاملة لهم  مثال : 

بنية الأسرة , الأب والأم والأولاد هم بنيات جزئية في بنية كلية تشملهم هي بنية الأسرة ، وكل منهم ينتمي إلى هذه الأسرة  وله دور ووظيفة فيها، وحسب طبيعة هذا الانتماء تتحدد الوظيفة وبالتالي العلاقة مع باقي أفراد هذه الأسرة .                    

علاقة الفرد بالجماعة وعلاقة الجماعة بالفرد  هي :علاقة البنية الجزئية (الفرد) بالبنية الكلية (الجماعة)التي تضمها أو تنتمي إليها" . ولكل بنية جزئية دور و وظيفة في البنية الكلية التي هي جزء منها أو تنتمي إليها . وكل بنية يمكن أن تكون بنية جزئية في عدة بنيات تشملها , وأيضاً يمكن أن تكون هي بنية كلية لبنيات هي أجزاء فيها .

إن العلاقات أو التأثيرات المتبادلة بين البنيات الجزئية والبنية التي تشملهم تخضع لآليات وقوانين أساسية يمكن تحديدها والتعرف عليها . والعلاقات أو التأثيرات المتبادلة بين البنيات الجزئية والبنية الكلية التي تشملهم أو التي يكونوها هي من أهم العلاقات في هذا الوجود , وهي تشمل كافه أنواع ومستويات بنيات الوجود الفيزيائية والكيميائية والبنيات الحية والبنيات الإجتماعية والاقتصادية والسياسية والبنيات التكنولوجية . 

ومن أهم عوامل تطور وارتقاء بنيات الوجود  وبالتالي تكوّن بنيات جديدة ذات خصائص جديدة هو: تكون بنيات كلية من مجموعة بنيات جزئية , وتبادل التأثير بين البنيات بكافة أنواعها وأوضاعها ومستوياتها , فهذا يوسع مجالات التفاعلات بين بنيات الوجود بشكل لامتناهي ، وبالتالي يسمح بتكون بنيات جديدة وفي كافة مجالات ومستويات الوجود.

تفرض البنيات الشاملة تأثيراتها وقواها على بنياتها الداخلية ( إو الجزئية )التي تؤلفها, وكذلك العكس تفرض البنيات الجزئية تأثيراتها على البنية الشاملة لها, وهناك أيضاً تأثير البنيات الداخلية على بعضها , والنتيجة تكون محصلة كل ذلك, فيمكن أن تفرض البنيات الكلية  تأثيراتها وأنظمتها, وتخضع كافة بنياتها الجزئية إلى آلياتها وأنظمتها , وهذا يحدث عندما تكون هذه البنية متماسكة وعالية التوازن والاستقرار, وبالتالي تنتظم كافة - أو أغلب- التفاعلات لهذه البنيات بناء على خصائص البنية الكلية , وهذا نجد مثالاً عليه في بنية الكائن الحي, فكل كائن حي مؤلف من بنيات كثيرة , خلايا, وأجهزة, وأعضاء, و كل منها هو بنية  قائمة بذاتها, وكل هذه البنيات تتشارك و تنتظم ضمن البنية الكلية للكائن الحي, وهذا يلغي تقريباً كافة الصراعات أو التناقضات بين تلك البنيات لأنها أصبحت ذات انتماء واحد هو بنية الكائن الحي, حتى في حال وجود  درجات و أفضليات وتخصصات بينها, فهي تخدم وتتوافق مع بنية الكائن ككل.  وكذلك الدولة التي تكون أنظمتها وقوانينها فعالة في تأثيرها على الأفراد والمؤسسات و كافة البنيات التي تتضمنها, فتراعي متطلبات هذه البنيات وتحقق أكبر تماسك واستقرار لها , مع نمو عام ولكافة هذه البنيات, وتكون التناقضات و الصراعات العشوائية في حدها الأدنى . و بعكس والدولة التي تكون قوانينها وأنظمتها متضاربة وغير فعالة ولا تناسب أغلب بنياتها, وتكون التناقضات والصراعات بين بنياتها عشوائية وكثيرة ولا تناسب أغلب بنياتها وتعيق نموها, وبالتالي تعيق نمو هذه الدولة ككل.

فعندما تخرق التعاون والانتظام بنية أو عدة بنيات و لا تمتثل للانتماء العام, ويصبح هدفها - أو دافعها- خاص بها أو مختلف عما هو مطلوب منها - مثل الخلايا السرطانية التي تسعى للنمو والتكاثر وبعزل عن بقية خلايا الجسم المتكافلة مع بعضها -,  تتهدد بنية الكائن الحي ككل وبالتالي كافة بنياته الجزئية , ويمكن أن يدمر الكائن الحي .

فكما ذكرنا هدفت العادات والتقاليد والأديان والعقائد والتشريعات والقوانين , إلى تحقيق التوافق والتماسك للمجتمعات , بالإضافة إلى تحقيق حاجات ودوافع الأفراد , مع المحافظة على البيئة في بعض الأحيان.

كل إنسان يمكن أن ينتمي إلى الكثير من البنيات الاجتماعية ( أسرة – عشيرة – مصنع – شركة- حزب – دولة ......الخ ) ، وعند انتمائه لأي بنية اجتماعية يصبح بنية جزئية فيها ، وتفرض عليه التأثيرات وبالتالي التصرفات التي تفيد هذه البنية الاجتماعية ، أي الآليات والقوانين والقوى التي تساهم في تشكيل واستمرار ونمو هذه البنية .

لذلك كل إنسان يعيش في مجتمع وضمن بنيات اجتماعية يفرض عليه ما يفيد هذه البنيات ، وهذا يتعارض في أغلب الأحيان مع ما يفيده (أو الخير له) أو ما يمتعه ، فيجب التوفيق بين هذين المفيدين , المفيد للفرد والمفيد ( أو الخير ) للبنيات الاجتماعية والمجتمع ككل .

إن المفيد ( أو الخير ) للمجتمع غالباً ما يكون مفروض على الفرد , و يمكن أن يكون تأثيره على الفرد أقوى من تأثير المفيد (الخير الذاتي ) لديه ، ونحن نلاحظ أمثلة كثيرة على ذلك مثل : تحمل الآلام والتضحية وبذل الكثير, وأحياناً الموت في سبيل  الأولاد أو الأسرة أو الوطن أو الدين ... ،  فهذا يكون في سبيل المفيد للبنيات الاجتماعية وليس المفيد للفرد .

يجب تحقيق التوافق بين المفيد للمجتمع والمفيد للفرد، أي يجب أن يحقق المفيد لكليهما ، هذا إذا أريد تطور ونمو واستمرار المجتمع وأفراده في نفس الوقت ، فالتضارب في التأثيرات والدوافع والأهداف المفيدة للفرد مع التي هي مفيدة لبنيات المجتمع يؤدي إلى ما هو ضار أو معيق لبنيات المجتمع وللأفراد معاً .

ويجب أن نلاحظ أن من يفعل ما يضر بالمجتمع , ليس ضرورياً أو حتمياً أن يضر نفسه ، فيمكن أن لا يرد المجتمع على ذلك ، لضعف استشعاره بهذا الضرر ، أو لضعف الرد عليه ( نقص القوانين والأنظمة أو محدوديتها أو ضعف تنفيذها ) .

ونحن نلاحظ دور العقائد والأديان والأخلاق الهام جداً في التوفيق بين المفيد للفرد والمفيد للمجتمع ( مع أنها أصبحت غير كافية الآن ) . 

فالتلوث الذي يحدثه الأفراد وباقي البنيات الاجتماعة ( زراعة وصناعة وغيرها ) لم يتأثر المجتمع بضرره أو لم يظهر هذا الضرر إلا بعد زمن لذلك لم يرد عليه ، ولكن عندما ظهر تأثيره الضار حدث الرد ، وذلك بإحداث قوانين وأنظمة تمنع أو تحد من التلوث .

وهذا معناه أن المجتمع وبنياته تستشعر ( أو تتأثر ) بما يفيدها وما يضرها وذلك بطرق وآليات خاصة بها وهي ترد بقوى وتأثيرات على ذلك ، ونحن نشاهد مجتمعات متطورة استطاعت المحافظة على نفسها وتطورها ونموها نتيجة كونها تطورت بشكل ملائم وفعال ، ومجتمعات مازالت متخلفة في تماسك وتطور بنياتها وقوانينها وأنظمتها .

 إن أغلب استجاباتنا وتصرفاتنا ومبادئنا وتقييماتنا هي ناتجة عن ما اكتسبناه من المجتمع الموجودين فيه . وتوحيد الاستجابات والتصرفات والتقييمات ضروري لتماسك المجتمع ونموه , وله دور كبير في انتظام العلاقات بين الأفراد والمؤسسات . لكننا الآن نلاحظ تفاعل وتبادل التأثير للمجتمعات المختلفة مع بعضها , وهذا ما ينتج الآن غالبية التناقضات في العلاقات الاجتماعية ضمن المجتمع الواحد عندما يتفاعل أفراد أو جماعات من مجتمعات مختلفة مع بعضهم , وتتفاعل مجتمعات مختلفة مع بعضها  .

السعي لتوحيد الانتماءات الاجتماعية المختلفة  :

1- بإنشاء الدولة الحديثة , دولة المؤسسات التي لديها دستور وتفصل السلطات فيها , ولها تشريعات وقوانين يخضع لها كافة الأفراد بغض النظر عن انتماءاتهم المختلفة , فهذا يجعلها بنية متماسكة (ينتمي لهاكافة أفراد الدولة) تنمو وتتطور بشكل جيد . ولكن هذا ليس بالأمر السهل أبدا , فهو يحتاج لوقت طويل لتحقيقه .

2 – بتوحيد الأفكار والتوجهات عن طريق وسائل الإعلام , وذلك بالتعامل مع ثقافات وعقائد الأفراد المختلفة بشكل يسمح بتطورها وتعديلها لتصبح مناسبة بإلغاء تأثيراتها السلبية التي تولد التناقضات والصراعات . وهذا هام جداً وهو من أصعب الأمور نظراً لصعوبة تغيير الموروث الاجتماعي المختلف للأفراد أكان ثقافياً أم عقائدياً . 

3 – التعامل مع التناقضات والصراعات الموجودة والناتجة عن اختلاف وتضارب الانتماءات من خلال تشريعات وقوانين مناسبة تحقق إلغاء تأثيراتها السلبية والضارة .

العلاقات مع الغريب أومع الآخر . 

ليس بالضرورة أن يكون الآخر أو الغريب الذي له انتماءات مختلفة عنا أن يكون خصم أو عدو , حيث يمكن لنا أن نستفيد منه ونتعاون معه  كما في التجارة , أو نتعامل معه بأمور أخرى ونتبادل معه ما يفيدنا ويفيده , بتحويل التناقضات والصراعات معه  إلى صفقات بإجراء تبادلات أو تعاونات معه مفيدة لنا وله . مثال ألمانيا وفرنسا تحاربتا سابقا والآن ضمن بنية واحدة هي أوربا الموحدة . ويمكن في غالبية الأحيان إيجاد مصالح مشتركة وتعاونات مع الآخر  وتحاشي التناقضات والصراعات معه .

يمكن أن تضم البنية الأقوى والأوسع البنية الأصغر أو الأضعف وتستوعبها بالقوة أو بطرق أخرى ضمن بنية أكبر متماسكة وقوية , 

 

 

الأوضاع في المجتمعات العربية 

في الواقع هناك دول عربية مختلفة تتشارك في لغة واحدة ولكنها ذات ثقافات وانتماءات اجتماعية وعقائدية مختلفة ( وربما الكثيرون لا يوافقونني على ذلك) , وهناك اختلاف بين هذه الدول من ناحية كثرة اختلاف الانتماءات والثقافات لدى أفرادها . فالاشتراك في لغة واحدة غير كاف لنشوء انتماء يسمح بتشكل دولة , فإنكلترة والولايات المتحدة وإستراليا دول مختلفة مع أنهم يتكلمون لغة واحدة

هناك دول عربية اختلاف الانتماءات عندها قليل جداً مثل  دولة عمان – الإمارات – السعودية . . . ) , ولديها موارد كافية , وهذا ما  يتيح لها تحقيق بناء الدولة الحديثة خلال زمن معقول

وهناك دول اختلاف الانتماءات لدى أفرادها هو في المجالات الفكرية والثقافية والعقائدية مع انتماء قوي موحد لغالبية أفرادها مثل مصر - تونس. ... , ولكن مواردها متواضعة , وهذه يمكنها الوصول إلى الدولة الحديثة خلال زمن أطول.

ولكن هناك دول عربية مثل العراق – سوريا – لبنان - اليمن  اختلاف الانتماءات لدى أفرادها قوي ومتضارب وهذا أهم وأساس ظهور التناقضات والصراعات فيها والتي يصعب كثيراً حلها نظراً لقوة تمسك هؤلاء بانتماءاتهم القوية لجماعتهم , مع أن العراق يملك موارد هائلة وعناصر بشرية مناسبة هو في وضع صعب جداً , فتضارب الانتماءات القوي هو مشكلة كبرى في طريق بناء الدولة الحديثة . طبعا الأمور ليست بهذه البساطة التي أذكرها

وحسب تصنيف الدول الناجحة والدول الفاشلة عام 2008

صنفت 177 دولة , الدول الـ35 الأولى ضمن التصنيف باللون الأحمر، في إشارة إلى أن تلك الدول دخلت المرحلة الحرجة، ثم الدول من 36 إلى 127 باللون البرتقالي، وهي مرحلة الخطر، ثم الدول من 128 إلى 162 باللون الأصفر، أي المرحلة المتوسطة، ومن الدول 163 حتى 177 باللون الأخضر، وهي مرحلة الأمان.

عربياً احتلت عمان المرتبة الأولى حيث حلت في المرتبة 146، متقدمة على بولندا، وبعد اليونان مباشرة، ولكنها في المساحة الصفراء مع كل من الإمارات العربية المتحدة، قطر، والبحرين، أما بقية الدول العربية فقد احتلت المساحة البنية، ما عدا الدول الستة التي احتلت المساحة الحمراء الخطرة أي الفاشلة .

يمكن أن يقول البعض إن الولايات المتحدة فيها الكثير الكثير من الانتماءات المختلفة والتي يمكن أن تكون متضاربة , ومع هذا هي دولةمتقدمة , في الواقع السبب أنها واصلة لمرحلة الدولة الحديثة والتي تستطيع معالجة غالبية التناقضات والاختلافات من خلال دستور وتشريعات وقوانين مناسبة .

ملاحظات على الديمقراطية وعلاقتها بالانتماء .

إن الديمقراطية تظهر الانتماءات والتوجهات المختلفة بدل من تخفيفها وتوحيدها . وهذا يستوجب أن تكون الدولة قد وصلت إلى مرحلة الدولة الحديثة المنتظمة المتماسة ذات الدستور والتشريعات والقوانين التي تحقق هذا التماسك . ويكون مجال الديمقراطية والاختلاف والتنافس بين الأحزاب المختلفة هو في المجالات القليلة التي لا  يشملها الدستور والتشريعات والقوانين الأساسية الموجودة . وهذا غير محقق لدى الدول المتخلفة التي لم تصل إلى مرحلة الدولة الحديثة , كما في الدول العربية , فالديمقراطية غالباً ما تكون مصدر تناقضات وصراعات بين الأحزاب المتنافسة وهذا ما لاحظناه الآن ( لدى بعض الدول العربية )عندما تطبق الديمقراطية قبل الوصول لتحقيق الدولة الحديثة . فالمهم أولاً الوصول لتحقيق الدولة الحديثة ، وهذا هو الأمر الصعب والذي يحتاج لأمور كثيرة ووقت طويل .

إن قوة الانتماء  للجماعة يؤدي إلى :

1 - تضامن وتماسك الجماعة .

2 – استمرار ونمو الجماعة وتطورها وتفوقها على الجماعات المشابهة التي قوة انتماؤهم أضعف .

3 – العمل والتضحية من أجل الجماعة , بسعي أفرادها لعمل الخير بكافة أشكاله . وهذا يؤدي إلى تقوية إيمان الأفراد بانتماؤهم للجماعة , وهذا يؤدي إلى تغذية عكسية موجبة تقوي وتعزز قوة الجماعة , فعمل الخير يولد عمل الخير .

طرق تقوية انتماء الأفراد للجماعة .

العطاء والتضحية من أجل الجماعة , ومساعدة ودعم الآخرين دون توقع مقابل لذلك .

إدارة أمور الجماعة بشكل جيد مجدي وفعال , فهذا من أهم الأمور  , وهذا يتطلب التالي :

أمثلة على قوة الانتماء للجماعة :

إن لليابانيين أنتماء قوي لبلدهم أو دولتهم , ولقد ظهرت قوة هذا الانتماء في دفاعهم عن أرضهم وفي حروبهم , وفي سرعة تقدمهم , وتقدمهم في الصناعة والاقتصاد , وغالبية المجالات . وتظهر قوة الانتماء في الحروب وفي كافة التنافسات والصراعات التجارية والصناعية والزراعية . . . الخ

مزايا وسلبيات الانتماء .

نستطيع تحديد كثير من مزايا الانتماء , وهي التي أدت لنشوئه , وقد ذكرنا الكثير منها . 

أما السلبيات فهي قليلة وغالبيتها تنتج عن المبالغة بقوة الانتماء وظهور العنصرية , إلى درجة رفض الآخر والسعي للإضرار به أو تدميره .

العمل الخيري ودوره في تنمية المجتمع وتعزيز وتوحيد انتماء أفراده .

يقول أحدهم : يمثل العمل الخيري قيمة إنسانية كبرى تتمثل في العطاء والبذل بكل أشكاله، فهو سلوك حضاري لا يمكنه النمو سوى في المجتمعات التي تنعم بمستويات متقدمة من الثقافة والوعي والانتماء ، فهو يلعب دورا مهما وإيجابيا في تطوير المجتمعات وتنميتها ، فمن خلال المؤسسات التطوعية الخيرية يتاح للأفراد الفرصة للمساهمة في عمليات البناء الاجتماعي والاقتصادي .  و للخدمات التطوعية الخيرية دور كبير في نهضة الكثير من الحضارات والمجتمعات بصفتها عملا خاليا من الربح العائد وليست مهنة ، بل هي عمل يقوم به الأفراد لصالح المجتمع ككل وهي تأخذ أشكالا متعددة بدءا من التجاوب الاجتماعي في أوقات الشدة ومجهودات الإغاثة وتخفيف آثار الفقر , ويشتمل المفهوم على المجهودات التطوعية المحلية والقومية وأيضا تلك التي توجه إلى خارج الحدود .

ولقد حفل التراث الإسلامي ابتداء بتأصيل العمل الخيري عقائديا بما ورد من آيات قرآنية وأحاديث نبوية شريفة شواهد تعزز من قيمة العمل الخيري ومنها 

قوله تعالى : (ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون ) البقرة (177) 

وفي هذه الآية تأكيد على اقتران العمل التطوعي بالعبادة ورضى الله سبحانه وتعالى كما أكدت ذلك الأحاديث وهي كثيرة أيضا ففي حديث رسول الله صلى 

الله عليه وسلم ( إن لله عبادا اختصهم لقضاء حوائج الناس حببهم للخير وحبب الخير إليهم أولئك الناجون من عذاب يوم القيامة ) .

فالتاريخ الإسلامي، سجل حافل بأعمال الخير التي تعددت وتنوعت سبلها من العناية بالمحتاجين والأيتام وطلاب العلم وغيرهم إلى تقديم العون لطالبي الزواج والمدينين وشق الطرق وإقامة الاستراحات للمسافرين، وغيرهم حتى امتد خيرها ليصل الحيوان .     وعمل الخير أكان بدافع رضى الله تعالى أو بدافع قوة انتمائنا ليس هناك فرق فهو يسعى لتآخي وترابط البشرية كلها .

اكتسب مفهوم العمل الخيري أهمية بارزة في السياق الفكري الاجتماعي بصفة عامة وقد استمد هذا المفهوم أهميته من اتصاله بمفهوم أكثر محورية وهو مفهوم الانتماء للمجتمع المدني حيث تتباين وظائفه وأدواره في برامج الحركات الاجتماعية وتطور المجتمعات.

فالعمل الخيري بصفته عملا خالياً من الربح و العائد، وتقديم الإيثارية على الأنانية  والعمل على معالجة المشكلات الحياتية للجماعة ، فما يقوم به الأفراد المتطوعون ويبذلونه من وقت ومال وجهد لصالح المجتمع في شتى ميادين العمل التطوعي والخيري المتعددة لا يتوقعون له مقابلا موازيا.

ولقد كان للقيم الاجتماعية وخاصة الدينية المتجذرة والمتعمقة في المجتمع العربي الإسلامي دور أساسي في تعميق روح العمل الخيري حيث امتاز الدين الإسلامي بأنه لا يفصل بين مساعدة الآخرين بمفهومها التطوعي وبين الصدقة بمفهومها الإسلامي ومن هنا كان العمل الخيري هو الموائمة بين الصدقة والتطوع ، وهو ما نريد تأكيده هنا بتعريفنا للعمل الخيري حيث يتساءل العديدون عن الفرق بين العمل التطوعي والعمل الخيري، خصوصا وأن مفهوم العمل الخيري وتطبيقاته في التراث الإسلامي تشتمل على كل المعاني والتطبيقات التي تورد ضمن مفهوم العمل التطوعي .

يرتبط مفهوم العمل الخيري والتطوعي بالتنمية الشاملة، من خلال الكثير من تلك الأعمال والبرامج التي تستهدف الإنسان وترقى به ابتداء بالفرد ثم الأسرة ومن ثم تمتد إلى المجتمع , وهذا في الأساس من مهام الدولة , والعمل الخير يساهم به بشكل فعال ومجدا أكثر

لاشك أن هناك علاقة جدلية بين التنمية ومدى نجاحها في المجتمع والعمل التطوعي، حيث تشير الشواهد الواقعية والتاريخية إلى أن التنمية تنبع من الإنسان الذي يعتبر وسيلتها الأساسية ، كما أنها تهدف في الوقت ذاته إلى الارتقاء به في جميع الميادين الاقتصادية والاجتماعية والصحية والثقافية، ومن المسلمات أن التنمية تقوم على الجهد البشري وهو ما يستلزم بالإضافة إلى الخطط الواضحة والمحددة وجود الإنسان الواعي القادر على المشاركة في عمليات التنمية.

تعمل الجمعيات والهيئات والمؤسسات الخيرية بالتعاون والتفاعل مع المؤسسات الحكومية . 

لكي تؤدي دورا هاما وأساسيا في تحديد الأولويات والتحديات في المشاريع التنموية لما تتمتع به هذه المؤسسات من خصوصية تتمثل في علاقتها بالفئات المستهدفة وقربها بل واندماجها في بعض الأحيان مع تلك الفئات ، وتتيح تلك العلاقة بين المؤسسات الخيرية ومختلف فئات المجتمع رؤية أوضح وأعمق لاحتياجاته الملحة وللمشاكل والمعوقات التي يمكن أن تصادف المشاريع التنموية ويمكنها نقل صورة اكثر وضوحا ومصداقية إلى الجهات المعنية بصنع القرار.

أما فيما يتعلق بمجالات العمل الخيري فهي متعددة وواسعة، تشكل مجالا خصبا لتفاعل المؤسسات الخيرية والمتطوعين في شتى ميادين العلم الخيري العمل والإسهام في خدمة المجتمع ومنها :

المدارس على اختلاف مراحل التعليم وبرامج محو الأمية , والإرشاد والنصح الاجتماعي لحل المشكلات الاجتماعية, وإلقاء المحاضرات والمشاركة في الندوات لترسيخ القيم والمفاهيم الاجتماعية .

ولكن الكثير من هذه الأمور أهتمت به غالبية الدول وصارت تؤديه .

ويبقى أهم دور للمؤسسات والجمعيات الخيرية هو :

1 – تقديم المساعدة والدعم لمحتاجيها بسرعة غير متاحة للمؤسسات الحكومية بسبب البيرقراطية التي تؤدي للبطء في تنفيذ المطلوب بحيث لا يتححق المطلوب .

2 – يمكنها الاطلاعها على الأمور التي تحتاج إلى المساعدة والدعم قبل اطلاع المسؤلين في الحكومة عليها , وهذا ما يمكنها من تقديم الحلول المجدية لها بسرعة كبيرة , ومنع تفاقم تأثيراتها الضارة أو السلبية , وبكلفة قليلة .

3 – تحقيق التلاحم والتعاضد بين الأفراد نتيجة عمل الخير للآخر  ومساعدته في أزمته دون ثمن أو مقابل . فهذا يولد شعورا بالأخوة وبالانتماء الواحد ويدفع لانتشار  أعمال الخير للآخرين والتنافس على فعلها .

4 – القيام بالأعمال والخدمات التي يمكن أن يحتاجها بعض الأفراد , والتي لا تستطيع المؤسسات الحكومية القيام بها مثل : المساعدة في الأمور النفسية والتي يمكن أن يرصدونها بسهولة , وبذلك يمكن أن يعالجوها بدعم مالي أو معنوي  .

ملاحظة على الانتماء للمكان , والانتماء للوطن أو الدولة

الانتماء للمكان فطرة يخلق بها الانسان فالانتماء للمكان وراثي يولد مع الفرد من خلال ارتباطه بوالديه وبالأرض التي ولد فيها، ومكتسب كذلك وينمو اكثر من خلال مؤسسات المجتمع المتمثلة في المدرسة والأسرة . . .الخ 

إن مكان الولادة والعيش فيه أكان حي أم قرية أم مدينة , ينشئ ويحدد الانتماء للمكان وحب العيش فيه وتفضيله عن باقي الأمكنة , والاعتزاز به . وكل البشر مفطورين على ذلك وبغض النظر عن صفات وخصائص هذا المكان الذي ولدوا وعاشوا فيه , أكانت هذه الصفات جيدة أم سيئة , جميلة أم لا . . . الخ, وهذا مرتبط بخصائص بيولوجية وعصبية وفكرية موروثة تجعل الإنسان يحن إلى مكان ولادته وظروف مكان عيشه والرفاق الذين عاش معهم , وذكرياته التي عاشها , وهو موجود لدى الكثير من الكائنات الحية  ( كما في عودة السلمون إلى مكان ولادته , وأنواع الطيور المهاجرة) . وهذا الانتماء عادة قوي وله تأثيرات يصعب محيها .

وهذا يختلف عن الانتماء  الشامل للوطن الواسع ( أو الدولة ) الذي يعيش فيه , فهذا الانتماء ينشأ نتيجة ظروف وعوامل أخرى , وهي ليست موروثة بيولوجيا بل تورث اجتماعيا نتيجة ظروف الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الموجودة في هذا البلد .

المواطنة هي الانتماء إلى مجتمع واحد يضمه بشكل عام رابط اجتماعي وسياسي وثقافي موحد في دولة معينة. وتبعا لنظرية جان جاك روسو "العقد الاجتماعي" المواطن له حقوق إنسانية يجب أن تقدم إليه وهو في نفس الوقت يحمل مجموعة من المسؤوليات الاجتماعية التي يلزم عليه تأديتها. وينبثق عن مصطلح المواطنة مصطلح "المواطن الفعال" وهو الفرد الذي يقوم بالمشاركة في رفع مستوى مجتمعه الحضاري عن طريق العمل الرسمي الذي ينتمي إليه أوالعمل التطوعي. ونظرا لأهمية مصطلح المواطنة تقوم كثير من الدول الآن بالتعريف به وإبراز الحقوق التي يجب أن يملكهاالمواطنين كذلك المسؤوليات التي يجب على المواطن تأديتها تجاه المجتمع فضلا عن ترسيخ قيمة المواطن الفعال في نفوس المتعلمين .

ملاحظة قوة الانتماء للدولة : الآن نحن نرى أن الانتماء للدولة أو الوطن ينشأ بطريقة ليس للفرد حرية أو إرادة في اختياره فهو مرتبط بمكان مولده ومكان عيش أسرته , ويفرض عليه . فيمكن أن ينشأ الفرد في دولة متطورة تؤمن غالبية حاجات أفرادها مع تحقيق نموها وتطوره , وهذا يؤدي تقوية وتعزيز إنتمائه لها . ويمكن أن ينشأ الفرد في دولة متخلفة تعيق تحقيق غالبية حاجاته ويفرض عليه الانتماء لها , فنراه يسعى للهجرة ورفض الانتماء للدولة ,إلى الدول المتقدمة والناجحة .ولا يحدث العكس .

ملاحظة : على الانتماء الديني

كما ذكرنا اعتمد البشر الانتماء للكثير من الأديان , والكثير منها إن لم يكن غالبيتها لم تهتم بتوحيد انتماءات معتنقيها , فهي لم  تهتم كثيراً  بطبيعة حياة الانسان الاجتماعية , ولم تهتم بالسعي للارتقاء بالعلاقات الاجتماعية وطريقة التعاملات بين أفراد معتنقيها . فهي اهتمت بشكل أساسي بمشاعر وأفكار الفرد وإيجاد حلول لها , وطرق الارتقاء بها .

بعكس الدين الإسلامي فقد كانت غايته , الفرد والجماعة ( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) ,  والدنيا والأخرة . وأهم ماركز عليه الدين الأسلامي توضيح الانتماء وتقويته وتوسيعه , ولم يجعله فقط ضمن دائرة انتماء خاصة بالأفراد المؤمنين به , بل سعى كي يجعل الإنسانية كلها ضمن انتماء واحد وبغض النظر عن اختلاف العقائد والأديان والأفكار لدى كافة البشر , فالأصل واحد هو أدم وحواء . فكانت الغاية واحدة وهي تحقيق الخير للجميع , لذلك كانت تشريعات  الإسلام تنظم وتضبط كافة العلاقات البشرية الأساسية . وهذا تأكده الوقائع بتمايز الإسلام عن باقي الأديان ,  ( الدين عند الله هو الإسلام )فهوالدين الوحيد الآن الذي يتزايد عدد المؤمنين به بعكس باقي الأديان والعقائد التي يتناقص عدد معتمديها , أو هم لا يتزايدون . فالإسلام يسعى كي يحقق رضى النفس ومساعدة ونجاح الأفراد بالإضافة لنجاح وتقدم المجتمع ككل في نفس الوقت , هذا إذا تم الإيمان به بصدق وموضوعية باعتماد جوهره وأسسه . وديننا دوماً يحثنا على التآخي والسلام حتى أننا عندما نشاهد الآخرين نلقي السلام عليهم بأن نقول السلام عليكم  ،

فنحن نملك أغلى شيء  إنه الإنسانية أعظم رأسمال نملكه . رأسمالنا ديننا ، علمنا ، حياتنا ، عملنا ،عاداتنا الصالحة ، تعاملنا مع بعضنا ومع الآخرين ،

فعنواننا السلام ، وديننا السلام ، والسلام دوما على أفواهنا .بداية دخولنا على الآخرين سلام ، وخروجنا سلام ، ولقاؤنا بأحد ما سلام ، وتوديعه سلام .وكيفما استدرنا يمينا ً وشمالا ً ، وكيفما سرنا ، أفواهنا تتعطر بلفظ السلام ، وآذاننا تطرب بلفظ السلام .

 (  السلام عليكم )

 (  السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته ) توصية رسولنا الكريم لنا بإلقاء السلام , ليكون سببا ً في بث المحبة بيننا . حيث يقول صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف الذي هو عن أبي هريرة :

( لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ، ولا تؤمنوا حتى تحابوا ، أولا أدلكم على شيء

إذا فعلتموه تحاببتم ؟ أفشوا السّلام بينكم ) .

ونحن جميعنا نعرف ونعي ماذا تعني كلمة ( السلام ) تماما ً ، فهي معاكسة لمفهوم الشرِّ ، والتخاصم ، والإيذاء ، والاعتداء على الآخرين . فالسلام محبة وتواؤم ، وتقرب من الآخرين . والسلام أمن وطمأنينة ، فالأمن والسلام مترابطان .

 

 

 

 

                     المحاكاة والتقليد 

التقليد والمحاكاةيساهم بشكل كبير ( وهما في الأساس من الموروثات البيولوجية ) , في نشوء الموروث الاجتماعي , فهذه تجربة توضح ذلك :

قام مجموعة من العلماء بالتجربة التالية :

و ضعوا 5 قرود في قفص , و في وسط القفص يوجد سلم و في أعلى السلم هناك موز . عندها يسرع أحد القرود لصعود السلم لأخذ الموز , فيقام برش جميع القرود بالماء البارد المزعج , فتسرع القرود الباقية للقرد الصاعد لإنزاله وضربه ومنعه من الوصول إلى الموز . وصار كل قرد يحاول الصعود لأخذ الموز, يقوم الباقون بمنعه و ضربه حتى لا يرشوا بالماء البارد . بعد مدة من الوقت لم يجرؤ أي قرد على صعود السلم لأخذ الموز على الرغم من كل الاغراءات , خوفاً من الضرب .بعدها صار  العلماء يقومون بتبديل أحد القرود الخمسة و يضعوا مكانه قرداً جديداً أتوا به من الخارج , فكان أول شيئ يقوم به القرد الجديد أنه يصعد السلم ليأخذ الموز , ولكن فوراً الأربعة الباقين يضربونه و يجبرونه على النزول . بعد عدة مرات من الضرب يفهم القرد الجديد بأن عليه أن لا يصعد السلم مع أنه لا يدري ما السبب . لأنه لا يحدث رش بالماء البارد

ثم يقوم العلماء بتبديل أحد القرود القدامى بقرد جديد يحل محله , وعندما  قام هذا القرد الجديد بالصعود لأخذ الموز قام البقية جميعهم بضربه , أي قام القرد المبدل بالمشاركة بالضرب . واستمر تبديل القرود بقرود جديدة حتى أصبحوا جميعهم جدد لم يرش عليهم الماء البارد , ومع ذلك يضربون أي قرد تسول له نفسه صعود السلم للوصول للموز . أي بدون أن يعرفوا ما السبب وإنما محاكاة وتقليد , وامتثال للجماعة وتصرفاتها

ماذا نستنتج من ذلك :

إن أهم عوامل اكتساب التصرفات والعادات الاجتماعية يتم بالاعتماد على المحاكاة والتقليد , فهناك دوافع أساسية لكي يقلد ويحاكي الكائن الحي أفراد بني جنسه , صحيح أن هناك سلبيات للتقليد والمحاكاة , ولكنها أقل بكثير من فوائدها وميزاتها .  من هذه الفوائد :

أولاً :  هي الأمان للكائن الحي , وذلك بالسير على طريقة ونهج من سبقوه و الذي ظهر جدواه .

ثانياً : هو الامتثال الجماعي , فهو بحاجة إلى أن يحظى بقبول الآخرين . وللامتثال الجماعي جذور بيولوجية عميقة

ثالثاً : التقليد هو الاعتقاد بأن الآخر قام باتخاذ القرار ويقوم بالعمل الصحيح , وفي عالم يغلفه التعقيد يفضل التنازل عن  مسؤولية اتخاذ القرار . وللتقليد مزاياه الخاصة , إنه يقدم الأساس للعملية التعليمية ويعزز من لحمة الجماعة .

فنحن كبشر نعتمد على ما هو منتشر بيننا كأساس فيما نتبنى من أفكار وعادات وقيم ومعارف , ونقاوم كل ما يستدعي تغيير ما تبنيناه , فالمحافظة وممانعة تغيير مبادئنا وأفكارنا هما أساس تصرفاتنا , ولا نقوم بتعديل أو تبديل أي منها إلا بصعوبة وببطء وبالتدريج ونادراً ما نتقبل التغير السريع , وهذه الممانعة أو العطالة لها ما يبررها ويستدعيها في الواقع .