الفرد والجماعة الجزء الثاني

 

 

 

             المحافظة وممانعة التغير والتجديد

كلنا مقلدون وكلنا محافظون نقاوم التغيير , إننا في كل أسس تفكيرنا وتعاملنا مع الأفكار نستعمل مناهج وآليات محددة اكتسبناها وتعودنا عليها , ويصعب علينا تغييرها حتى وإن كنا مقتنعين بأفضلية وضرورة هذا التغيير , فهذا التغيير يكون صعباً علينا , وكثيرا ًما نلجأ لتبرير ذلك بشتى الطرق المنطقية وغير المنطقية , والموضوعية وغير الموضوعية .

إن هذه الصعوبة لها أسسها في بنية جهازنا العصبي , وفي آلية عمله , ونموه وتناميه , فكل تعلم يتم نتيجة اشراطات أو ترابطات عصبية معينة جديدة , وأي إلغاء أو تعديل لهذه الاشراطات التي تم اكتسابها (بناؤها) غير ممكن إلا بتعلم اشراط جديد فوق الاشراطات السابقة , ويكون هذا على شكل نمو محاور ومشابك للخلايا العصبية وبالإضافة لآليات أخرى كهربائية و كيميائية مساعدة , وأي محاولة تعلم جديدة , في نفس المجال , سوف تصطدم بما هو موجود سابقاً . و لا يمكن إلغاء المحاور أو المشابك العصبية التي تم بناؤها ويجب البناء فوقها . فتعديل الأفكار والعادات التي تم اكتسابها وخاصةً إذا كان التعلم قوي وثابت , لا يمكن أن يحدث بسهولة مثلما يحدث هدم بناء قديم وإقامة بناء حديث مكانه , إن كل ما يتم اكتسابه وتعلمه لا يمكن إزالته نهائياً فسوف يبقى ويجري التعديل عليه فقط , ضمن حدود معينة , أو يبنى فوقه .

فتعلم طريقة تصرف أو تفكير جديدة صعب ولكن ليس مستحيلاً , فهو يحتاج إلى مجهود وممارسة أكثر من التعلم الأولي الذي تم بناؤه عندما كان الدماغ شاغراً . فتعلم اللغة الثانية بعد اللغة الأم صعب ويحتاج لمجهود مضاعف وممارسة مضاعفة , ولكن تعلم اللغة الثالثة والرابعة أقل صعوبة بكثير , وذلك نتيجة الاستفادة من الطرق والآليات المتشابهة بين اللغات , والتي يكون المتعلم قد تعلمها واكتسب مهارة في التعامل معها نتيجة تعلمه اللغة الثانية .

إن هذا يحدث شبيه له في المجتمعات أثناء تطورها وتغيرها , وتشكل البنيات الاجتماعية الجديدة , فالتغيير الجذري ليس بالأمر السهل وهو قليل جداً , فهو لا يحدث إلا بالتسلسل وأثناء النمو ونتيجة التغير التدريجي للأوضاع , وفي كل جيل جديد هناك إمكانية متاحة للتغيير في العادات والأفكار, ويمكن أحياناً أن تحدث تغيرات سريعة في البنيات الاجتماعية , ولكن ضمن حدود معينة تسمح بها الأوضاع .

أما في التغير الجذري أو السريع للبنيات الصناعية والتكنولوجية والعمرانية فيكون أسهل بكثير , ويمكن أن يحدث بسهولة في هذه المجالات .

إذاً في المجال العصبي والفكري والنفسي وكذلك الاجتماعي لا يمكن إزالة القديم وإحلال الحديث محله , فالتغيير يجب أن يتم مع بقاء القديم , وذلك إما بالإضافة عليه أو تعديله بما يسمح الوضع .

 

 

 

 

 

 

قيادةوإدارة أمور الجماعة , أنظمة الحكم , وتطور أنظمة الحكم . 

إن المهام الأساسية لقيادة أي جماعة أكانت خلايا جسم أو مجموعة كائنات حية تعيش حياة جماعية, وبالنسبة لنا نحن البشر هي :

1 – إدارة أمور المعيشية للجماعة من مأوى وطعام وكافة مستلزمات المعيشة , والتعامل مع البيئة .   وتنظيم وتوزيع الأعمال فيما بينهم

2 – حل التناقضات أو التضاربات بالدوافع والأهداف والصراعات التي تنشأ بين الأفراد أو الجماعات , تنظيم العلاقات بينهم . بالعادات والتقاليد واعتماد الأخلاق , والتشريعات والقوانين ......

3 –الدفاع والحماية للجماعة من كل الأخطار الخارجية .

ففي كل جماعة بشرية تعيش معاً , مهما كان عددها , المهم  القدرة على الرعاية وتأدية الأعمال والخدمات وإدارة الأمور المعيشية للجماعة , الأفكار والعقائد والدساتير والقوانين الموجودة , المصالح والأهداف للأفراد . القدرة على الحماية والدفاع عن الجماعة 

البنيات التحتية لأي نظام حكم وأسس أي حكم

أولاً  يأتي المقدس أو العقائد والأديان ( الأخلاق والقيم المعتمدة من قبل الغالبية ) , والعادات والتقاليد والأعراف , والتشريعات والقوانين والدساتير الموجودة . وهم الأساس لأي طريقة أو نظام حكم , فالشعب أو الأفراد لا يستطيعون أن يحكموا كما يحلو لهم وإن حكموا فسوف يجابهوا بهذه الأسس .

 أولا : الأفكار الموجودة ( أو المتوارثة اجتماعياً ) هي أهم العوامل التي تتحكم في أي نظام قيادة أو حكم .

ثانياً : طبيعة وخصائص الأفراد ( الفردية والجماعية ) النفسية والثقافية والمادية  ودوافعهم وقوتهم .

ثالثاً : طبيعة بلادهم وخصائصها المادية والجغرافية , والإمكانيات المتاحة لهم , وللشعوب المجاورة تأثيراتها الكبيرة .

رابعاً : البنيات والمؤسسات الاجتماعية الموجودة , والتي كانت قد تشكلت سابقاً نتيجة الأوضاع والظروف .

فالمقدس والعقائد والتشريعات ( بالإضافة طبعاً لخصائص الأفراد ودوافعهم ) , هم الأساس الذي يحدد ويوجه أي نظام حكم . فيجب أن تسعى هذه الأسس لتحقيق المساواة والعدالة والحرية لكافة الأفراد , وتضبط العلاقات بينهم لتحقيق ذلك .      

إن نظام الحكم لدى أي جماعة أو شعب في حالة تطور سريعة أو بطيئة , فالملكية والجمهورية والرأسمالية والاشتراكية والديكتاتورية والديمقراطية . . نشأت خلال تطور أنظمة الحكم وطرق اختيار الحكام والحكم . وكان كل نظام جديد للحكم يتفاعل مع الأوضاع الموجودة , وكذلك  أنظمة الحكم السابق تؤثر به.

وهذا بمثابة صيرورة لتطور إدارة المجتمعات البشرية , تتقدم فيها كفاءة أنظمة الحكم في مجال تحقيق  تكيف أفضل للأفراد مع بعضهم ومع المؤسسات التي تنشأ نتيجة الحياة الاجتماعية , وكذلك تحقيق تكيف أفضل للمجتمعات البشرية مع بعضها ومع الواقع .

إن غالبية المفكرين ( الآن ) تعتبر أن الأسس اللازمة لأي شكل حكم مهما كان ليكون صالح ومفيد للأفراد وللمجتمع ككل بكافة مؤسساته هي :

أولاً : وجود  تشريعات (أو عقائد) وأنظمة وقوانين و دساتير مناسبة يتم العمل بموجبها , و وجود سلطة  تقوم بالتشريع لما يحصل من مستجدات لا يوجد لها تشريعات . 

ثانياً : وجود  سلطة أو حكومة تقوم بتنفيذ التشريعات والقوانين والإشراف على التنفيذ , وتقوم بإدارة كافة أمور الدولة من تنظيم وتوزيع الأعمال والمشاريع .... الخ

ثالثاً : وجود سلطة قضائية تراقب وتحاسب الهيئتين السابقتين , وتخضع للدستور وللسلطة التشريعية في نفس الوقت

رابعاً : وجود المؤسسات الصحافية والإعلامية ترصد وتلاحظ وتنشر بشفافية وصدق ما يحصل في الهيآت الثلاثة , وتخضع للسلطة التشريعية  بنفس الوقت .

ويجب أن يحدث تفاعل وتأثير متبادل بين هذه السلطات أو الهيأت بحيث يتم إجراء التصحيحات المناسبة والتكيف مع الأوضاع بأسرع وقت وبأقل خسائر . وتوفر هذه الأسس في أي نظام حكم أكان ملكياً أم جمهورياً أم اشتراكياً  بجعله ناجحاً ويحقق النمو والتطور للأفراد وللمجتمع ( أو الدولة ) .

وإن أي خلل في إحدى هذه الهيأت وعدم عملها بشكل صحيح حسب المطلوب منها , يمكن أن يؤدي إلى أن يصبح نظام الحكم غير صالح لتأدية مهامه و بشكل يحقق المطلوب الذي هو نمو ورفاهية الأفراد واستمرار ونمو وتطور الدولة بكافة مؤسساتها .

 

عوامل تطور وارتقاء الجماعة ,وتأثيرات الموروث بيولوجيا , والموروث اجتماعياً على الأفراد , وبالتالي على الجماعة التي يعيشون ضمنها .

تأثيرات الموروث البيولوجي و الموروث الاجتماعي 

لقد كان دوماً يحدث جدل عن أيهما أكثر تأثيراً على كيفية تصرف الإنسان ,  الوراثة , أم المكتسب ( البيئة والمجتمع ) , وكذلك كان هناك جدل عن أيهما أقوى تأثيراً , التصرفات الغريزية والانفعالية والعاطفية , أم التفكير والمعرفة المكتسبة نتيجة التربية والتعلم والحياة الاجتماعية .

فالوراثة أو الموروث البيولوجي . وما يكتسب نتيجة الحياة الاجتماعية , هما ما يقرران تصرفات الإنسان وبالتالي منحى تطوره . و يمكننا تشبيه الموروث البيولوجي بالهاردوير ( البنية المادية ) في الكومبيوتر , والموروث الاجتماعي أو ما يكتسبه ويتعلمه الإنسان نتيجة الحياة والظروف الاجتماعية , يمكن تشبيهه بالسوفتوير أي البرامج المكتسبة , وهناك تشابه كبير بين الأفراد من ناحية الهاردوير ( بنيتهم ) أو الموروث البيولوجي , ولكن ما يكتسبه الإنسان أثناء حياته وبشكل خاص حياته الاجتماعية( السوفتوير أو البرامج ) يمكن أن يختلف بشكل كبير , نتيجة الأوضاع المادية والاجتماعية التي عاش ضمنها الإنسان . 

 الموروث البيولوجي

الموروث البيولوجي نشأ وترسخ في بنية الكائن الحي نتيجة ظروف وأوضاع الحياة الطويلة , والتكيف معها نتيجة الانتخاب الطبيعي والتطور . ويمكننا تعداد الكثير من الموروث البيولوجي . وغالباً يصعب تغيير أو تعديل هذا الموروث أثناء الحياة , وضمن حدود معينة .

فالموروث البيولوجي يشمل خصائص وطبيعة الإنسان الفزيولوجية والجسمية , وأهمها الغرائز و الدوافع , و الانفعالات , وقدراته الفكرية , وكافة قدراته الجسمية , فهو يرثها من آبائه .

فكل إنسان يملك دوافع كثيرة عند ولادته , دوافع فزيولوجية وعصبية موروثة وهي التي تنتج الغرائز أو العكس , وأيضاً تنشأ لديه كثير من الدوافع أثناء حياته . والدوافع التي تكون لديه عند ولادته " الموروثة بيولوجياً "هي طرف سلسلة من دوافع ( أو قوى فيزيائية و فزيولوجية ) موجودة قبل تكوّنه ، وبالتالي هي موجودة قبل إحساسه أو وعيه بها . فهناك دوافع أساسية نحو أهداف معينة مسبقاً , موجودة لدى الإنسان عند ولادته ، فالأهداف والدوافع  له محددة مسبقاً , فهو يسعى نحو ثدي أمه دون أن يؤثر فيه أو يثيره هذا الثدي أولاً ، أي هو مبرمج مسبقاً على البحث والسعي نحو هدف معين محتمل وجوده . فهناك الكثير جداً من هذه الدوافع المعينة مسبقاً لدى الإنسان ، وآليات تكونها تكون موجودة فزيولوجياً ( أي موروثة بيولوجياً ) وهذه الدوافع والأهداف تكوّنت نتيجة تطوره .

الدوافع الموروثة بيولوجيا 

الدوافع البيولوجية لدى البشر تتشابه بصورة كبيرة ، فالدوافع الموروثة , فيزيولوجياً , وعصبياً , تتشابه بينهم , أو تتطابق ، وكذلك تتطابق الأحاسيس الأولية الأساسية بين كافة الناس ، وتتطابق بشكل أقل المشاعر والادراكات الواعية . وهناك تشابهات كبيرة بين ( أنا أو ذات ) لكل منا , تمكننا من استعمال نفس الأحكام على دوافعنا . فهناك تشابهات كثيرة تسمح بالتعميم ، مع وجود اختلافات بين كل أنا وأخرى ، فالصفعة على الوجه هي مؤلمة لدى غالبية الناس . وكذلك تتشابه الحواس وآليات الأحاسيس والانفعالات وهذا التشابه هو الذي يسمح بالتواصل بين البشر, بكافة أشكاله ، ولولا هذا التشابه وخاصة في الأحاسيس لما أمكن قيام أي تواصل بين إنسانين . فالوعي والأحاسيس والمشاعر والانفعالات المتشابهة هم الأساس لقيام التواصل بيننا ، وبالتالي هم  سمحوا بنشوء اللغة والثقافة والعلم .

الموروث اجتماعياً

أما الموروث الاجتماعي فهو ينشأ أو يتشكل ويترسخ لدى الكائنات الحية التي تعيش جماعات , فالحياة الاجتماعية تفرض تأثيراتها على الأفراد ويحدث تكيف لهم معها . وكان قبل ذلك حدث تطور من كائنات وحيدة الخلية إلى كائنات متعددة الخلايا نتيجة اجتماع ومشاركة عدة خلايا حية متكيفة مع بعضها , وتشكيلها كائن حي واحد .

وبالنسبة لنا نحن البشر بعد أن أصبحنا نعيش أجيال طويلة ضمن مجتمعات صار تأثر الحياة الاجتماعية علينا أوما نرثه أو ينتقل إلينا ويقرر الكثير من تصرفاتنا , أوسع وأهم من الموروث البيولوجي , فهو الذي يشكل لدينا اللغة والعادات والتقاليد والعقائد والقيم والأخلاق والثقافة . . .  وهذا يكون مختلف من مجتمع لآخر حسب أوضاع وظروف كل مجتمع .

وهذا الموروث الاجتماعي يتطور حسب الظروف والأوضاع لكل مجتمع ( ضمن حدود ومجالات معينة ) . فتغيير أو تعديل الموروث الاجتماعي غالباً أسهل من تغيير أو تعديل الموروث البيولوجي .

ونحن نلاحظ الآن أن تأثير الموروث الاجتماعي هو الأكبر تأثيراً في حياة البشر من الموروث البيولوجي , وهو يظهر الفروق  الاقتصادية والحضارية والثقافية والاجتماعية بينهم . فالموروث الاجتماعي الذي نرثه أو ينتقل إلينا من المجتمع الموجودين فيه هو الأكبر تأثيراً , أي أصبح الموروث الاجتماعي هو المتحكم الأكبر في تطور وارتقاء الأفراد .

الدوافع الموروثة اجتماعياً

لقد نشأت لدينا دوافع كثيرة نتيجة الحياة الاجتماعية , فالإنسان في الوقت الحاضر يكتسب دوافع كثيرة جديدة باستمرار نتيجة حياته الاجتماعية ، فلم تعد دوافع الحياة الأساسية الموروثة هي فقط المسيطرة والمتحكمة بتصرفاته . فلقد أوجد بعض الناس دوافع قويةً جداً ويمكن أن تتعارض مع دوافع الحياة الأساسية , مثل الدافع لتعاطي المخدرات . ., وجميع هذه الدوافع مهما كانت طبيعتها وقوتها إذا كانت لا تتفق مع دوافع الحياة ودوافع المجتمع فإنها سوف تقاوم أو تعدل لتتفق مع دوافع الحياة ودوافع المجتمع .

والأديان والأخلاق, والقوانين . .  هي دوافع تسعى لخدمة بنية المجتمع ، ويجب أن تتفق مع دوافع الإنسان الجيدة أيضاً ، فإذا أردنا المحافظة على بنية المجتمع وبنية الإنسان يجب أن نلبي دوافعهم الأساسية التي تمكنهم من الاستمرار و النمو و التطور . 

أهم الدوافع الموروثة اجتماعياً

 دافع الإنجاز ، وهو يغطي مجالاً واسعاً من السلوكيات الموجهة نحو تحقيق هدف .

دافع الانتماء .

دافع المنافسة والتفوق على الآخرين وتحقيق المكانة العالية.

دوافع اجتماعية متنوعة , وهي نتيجة العلاقات الاجتماعية

دوافع فكرية، وهي دوافع عصبية ونفسية متطورة نتيجة المجتمع والثقافة .

وأيضاً تطورت ونشأت لدينا نتيجة حياتنا الاجتماعية انفعالات جديدة وهي خاصة بنا, فهي تكونت نتيجة العلاقات الاجتماعية , و الحضارة والثقافة والعقائد..., وقد نشأت وتطورت أنواع كثيرة من الانفعالات نتيجة لذلك . والانفعالات دوماً تكون مترافقة مع أحاسيس خاصة بها , وهناك انفعالات إخبارية مثل الدهشة والتعجب والترقب والضحك, وهناك انفعالات مثل الحب والحنان والصداقة, والزهو, الغيرة, الحسد , والكراهية....., وكل هذه الانفعالات ترافقها أحاسيس معينة خاصة بكل منها.

 

 

        التبادل وتشكل البنيات الاجتماعية

إن التبادل من أهم آليات تشكل البنيات نتيجة مشاركة بنيتين أو أكثر في الأخذ والعطاء, فالتبادل هو الذي ينشئ التجاذب وبالتالي الترابط وتشكيل بنية واحدة 

وبالنسبة لنا التبادل يتضمن إعطاء شيء مقابل شيء, عطاء وأخذ أو أخذ وعطاء, وليس هناك تبادل بالعطاء فقط أو بالأخذ فقط  ,فالتبرع والتصدق وتقديم المساعدة إنهم عطاء مادي مقابل أخذ معنوي ذاتي وهو رضى الله تعالى   

والأخذ دون العطاء أو العطاء دون أخذ بين بنيتين لا ينشئ بنيات, فالأخذ دون العطاء يجعل البنية المأخوذ منها تتناقص إلى أن تضمحل أو تنهار وتتفكك, أو تنفر وتبتعد لتحاشي الأخذ المستمر- يمكن أن يحدث انجذاب مؤقت للبنية التي تأخذ إلى البنية التي يأخذ منها ولكنه سوف يتوقف بعد نفاذ ما يمكن أخذه  , وكذلك العطاء دون الأخذ ينتهي بعد فترة ولا يستمر إذا لم يكن هناك مقابل له يعوضه . 

هناك نوع من التبادلات يحدث بين عدة بنيات ثلاثة أو أكثر ويكون الأخذ والعطاء في هذه الحالة ليس بين بنيتين فقط , فكل بنية تأخذ من بنية وتعطي لبنية غيرها - أي لا تعطي لنفس البنية التي أخذت منها - وهنا يمكن أن تتكون لدينا سلسلة مترابطة من البنيات, ويمكن أن تتشكل في بعض الأحيان من سلسلة الترابط  هذه حلقة مغلقة من التبادلات المتسلسلة المتكررة, وعندها تتشكل بنية جديدة نتيجة ذلك وهناك أمثلة كثيرة: دورات الطبيعة وبعض البنيات الاجتماعية .

وهناك نوع ثالث من التبادلات وهي التبادلات الجماعية المشتركة وغير المتسلسلة للبنيات والخدمات, كما في المجتمع أو أي بنية معقدة أخرى فالكل يأخذ ويعطي بشكل متداخل- وهنا تنشأ الوظيفة أو الدور- , وعندما يتوازن وينتظم الأخذ والعطاء تتكون بنيات اجتماعية متماسكة قوية , وهذا النوع من التبادلات يكون متغيراً ومتحركاً ومعقداً وبالتالي متطوراً, ويجب أن يكون هذا التحرك ضمن حدود تتحملها ترابطات وتماسكات البنيات المشاركة في هذه التبادلات, وانهيار وتفكك هذه البنيات مرتبط بقوة الرابطات وتماسكها, وغالبية البنيات الاجتماعية التي تشكلت يصعب أنهيارها أو تفككها بسهولة ولكي يحدث ذلك يجب حدوث تناقضات كبيرة وواسعة في الأخذ والعطاء, أي تضارب وظائف وأدوار البنيات الداخلية. 

   وقد تصور روسو وغيره هذه التبادلات الواسعة على شكل عقد اجتماعي بسيط  ولكنه كان أعقد بكثير مما توقعوا فهو من أعقد التبادلات.

 عوامل ودوافع المبادلات بين البشر . 

 إن الدافع للمبادلة بين البشر هو أن قدرات البشر المختلفة والظروف المختلفة لا تسمح لهم بالحصول على كافة حاجاتهم بسهولة متساوية, فإنتاج السلع والخدمات, أو توفرها, غير متساو لدى البشر, فالإنسان الذي يسهل عليه الإنتاج الزراعي يمكن أن يصعب عليه الإنتاج الصناعي , فلكل إنسان قدراته وظروفه التي تؤهله أو تسمح له بإنتاج أو امتلاك سلع أو خدمات دون أخرى, ولكل منها قدراته وظروفه التي تحدد إنتاجه وامتلاكه للسلع والخدمات, وهذا ما يستدعي الحاجة للمبادلة فيما بينهم. 

 

 

           إن الأمور أعقد من ذلك 

إن تطور وارتقاء أفراد ومجتمعات الإنسان الآن أصبح مرتبط بما نشأ من بنيات اجتماعية واقتصادية وتكنولوجية في المجتمع الموجودين فيه . فلقد أصبح الإنسان الفرد جزء من بنية اجتماعية تتطور وتنمو , وارتبط تطوره وارتقاؤه بطبيعة وخصائص البنيات الاجتماعية الموجود ضمنها , وأصبح لهذه البنيات الاجتماعية وخصائصها ومدى تطورها التأثير الأكبر على تطور الإنسان .

فالآن لم يعد تطور وارتقاء أفراد النوع الإنساني بيولوجياً فقط , لقد أصبح تطورهم وارتقاؤهم  مرتبط بما نشأ من بنيات اجتماعية واقتصادية وتكنولوجية في المجتمع الموجودين فيه . فلقد أصبح الإنسان الفرد جزء من بنية اجتماعية تتطور وتنمو , وارتبط تطوره وارتقاؤه بطبيعة وخصائص البنيات الاجتماعية الموجود ضمنها , وأصبح لهذه البنيات الاجتماعية وخصائصها ومدى تطورها التأثير الأكبر على تطور الإنسان .

فأي فرد مهما كانت خصائصه البيولوجية جيدة ( الذكاء والنشاط والفاعلية ...) إذا عاش في مجتمع متخلف لا يمكن أن تنمو وتتطور قدراته ويحقق نتائج جيدة , كما لو عاش في مجتمع متطور يستطيع توظيف وتنميه قدرات هذا الفرد ليحقق نتائج جيدة . وهناك الكثير من الدلائل التي تثبت ذلك . . فتخلف أنظمة وثقافة وحضارة الدول أو تقدمها , له التأثير الأهم على تطور وارتقاء أفرادها .

يقول كارل بوبر عن فكرتا التطور والارتقاء :

" أنهما موجودتان في المستويات الثلاثة: المستوى الجيني , والمستوى السلوكي , والمستوى الكشف العلمي ( أي المعرفي ) , إن جوهر آلية التكيف هو ذاته في المستويات الثلاث : 

1 - البنية الجينية للكائن الحي.

2 – يناظرها في مستوى السلوكي المخزن الفطري من أنماط السلوك المتاحة( الخيارات المتاحة) للكائن الحي وأنماط السلوك المكتسبة نتيجة الحياة الاجتماعية  . 

3 - و يناظرها في المستوى العلمي , الحدوس الافتراضية أوالنظريات العلمية السائدة .

ودائماً تتطور هذه البنيات عن طريق التوجيه (التعامل مع الخيارات المتاحة) في المستويات الثلاثة جميعها :

عن طريق تكاثر البنية (بالنسخ) الجينية المشفرة في المستويين الجيني والسلوكي .

وعن طريق التقاليد الاجتماعية والمحاكاة في المستويين السلوكي والعلمي .

و يأتي التوجيه من صميم البنية في المستويات الثلاثة جميعها .

أما إذا حدثت طفرات أو تحولات أو أخطاء , فثمة توجيهات جديدة (تغذية عكسية تصحيحية) , هي الأخرى تنشأ عن صميم البنية , أكثر من أن تنشأ من خارجها , من البيئة . ويوجز أطروحته  فيقول أيضاً :

نحن نعمل " الآن " ببنيات متوارثة في سائر المستويات الثلاثة التي وضعناها في الاعتبار , المستوى الجيني , والمستوى السلوكي والاجتماعي , والمستوى العلمي , هذه البنيات المتوارثة عن طريق التوجيه , إما من خلال الشفرة الجينية أو من خلال التقاليد والمحاكات والحياة الاجتماعية  أو من خلال المعارف .

تنشأ في المستويات الثلاثة جميعها بنيات جديدة وتوجيهات جديدة عن طريق محاولة التغيير النابعة من صميم البنية : عن طريق المحاولات المبدئية , الخاضعة للانتخاب الطبيعي أو لاستبعاد الخطأ . وعلى هذا النحو نستطيع أن نتحدث عن التكيف بواسطة "منهج المحاولة والخطأ ".

وعلينا أن ننتبه إلى أننا بشكل عام لا نصل أبداً بأي من تطبيقات منهج المحاولة واستبعاد الخطأ , أوعن طريق الانتخاب الطبيعي  إلى حالة من التكيف ثابتة ومتوازنة تماماً , وذلك:

1 -   لأنه من غير الممكن الظفر بمحاولة مكتملة و مثلى لحل المشكلة.

2 -  وهو الأهم- لأن بزوغ بنيات جديدة أو توجيهات جديدة يتضمن تغيرأً في الموقف البيئي , قد تصبح عناصر جديدة في البيئة ذات علاقة بالكائن الحي , وبالتالي , قد تنشأ ضغوط جديدة وتحديات جديدة ومشاكل جديدة كنتيجة لتغير البيئة الذي نشأ عن صميم الكائن الحي . "

والملاحظ  أن سرعة الدارات و التفاعلات المصححه لبنية الكائنات الحية كي تتطور وتتوافق مع الأوضاع والظروف الموجودة ضمنها  بطيئة جداً , فهي تستغرق آلاف أو عشرات الآلاف من السنين . أما في حالات تشكل البنيات الاجتماعية , فتقدر سرعة الدارات المصححة للتفاعلات بالسنين أو بعشرات السنين . وأما في مجال المعارف والتكنلوجيا فهو يستغرق أشهر أو سنين .

إن الأوضاع التي نحن فيها تتطور باتجاه أومنحى يمكن التكهن به , فهي تعتمد في تطورها على عوامل أساسية يمكن تحديد أغلبها وهي :

1 - سيطرة تأثير التقدم الهائل في مجال المعارف والعلوم والهندسة  , والذي سمح بنشوؤه  البنيات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المتطورة جداً , بالإضافة للتكنولوجية المتطورة بكافة  أنواعها  والمتولدة بسرعة غير معقولة .

2 - ازدياد سرعة التطورات نحو التعقيد في غالبية الأمور , وتشكل بنيات جديدة بأنواع وأشكال مختلفة , وتشكل البنيات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تعتمد على القيادات والإدارة الجماعية المنهجية المدروسة , فالقيادة والإدارة الفردية لم تعد كافية بتاتاً  , وتنامي واتساع الوعي جماعي مقابل الوعي الذاتي الفردي .

هناك أربعة عوامل لتطور الإنسان الفرد والمجتمع الآن وهي :

1 -  التطور البيولوجي والانتخاب الطبيعي , وهذا ما كان يحدث قبل لكافة الكائنات الحية بما فيهم الإنسان . وهذا بطيء جداً ويحتاج لأجيال كثيرة وآلاف السنين إن لم يكم ملايين , وتوجهه الظروف والأوضاع .

2 – التطور نتيجة الحياة الاجتماعية أكانت ثقافية أم اقتصادية أم سياسية أم عقائدية . .

3 – التطور الذي يمكن أن يحدث نتيجة المستجدات المعرفية والتكنولوجية في مجالات الوراثة , وإمكانية تنمية خلايا الدماغ والذاكرة والقدرات الفكرية بالتحكم بالجينات المناسبة . وهذا يكون بالتوجيه الفكري والعلمي الهادف لتحقيق أفضليات جيدة للأفراد والمجتمع .

4 -  التطور الذي يمكن أن يحدث نتيجة المستجدات المعرفية والتكنولوجية في مجالات الذكاء الصناعي وعلوم الكومبيوتر , وإمكانية ربط الكومبيوتر أو الشيبسات الإلكترونية بالدماغ وعملهما معاً .

إن التغيرات المتسارعة والمستجدات الطارئة التي يشهدها العالم , تثير كثيراً من علامات الاستفهام والتساؤلات عما سيكون عليه مستقبل المجتمع الإنساني و مصير الإنسان نفسه إزاء ارتياد العلم الحديث مجالات من البحث , لقد استطاع في الآونة الأخيرة أن يحطم كثيراً من تلك القيود , ويتدخل في أدق عمليات التكوين الفسيولوجي والبيولوجي لدى الكائنات الحية , لكي يستنسخ منها كائنات جديدة لها مواصفات وقدرات مختارة , على أن تمتد هذه التجارب إلى الإنسان نفسه بعد التغلب على الاعتبارات الأخلاقية والدينية , التي لا يزال الكثيرون يثيرونها احتراماً لقداسة الكائن البشري .

 

تم اعداد هذا الموضوع أو البحث بشكل أساسي بالاعتماد على مقالاتي وكتاباتي السابقة  .

إنني أسعى دوماً إلى اعتماد نظرة واسعة وشاملة للأمور بهدف إظهار أكبر كمية من العلاقات , والتأثيرات الخارجية المؤثرة عليها , والتي يمكن أن تحدد وتوضح هذه الأمور.