الفصل الأول _ اللعبة 

          أقوال في اللعبة 

          تعريف اللعبة , وخصائصها 

          الألعاب الفكرية 

          الخيارات 

          التقليد والمحاكاة والنسخ 

          الألعاب الاجتماعية   

                                 الفصل الثاني _ الصفقة

          تعريف الصفقة وخصائصها 

          التبادل

         الصفقة غير المنتهية أو غير المنجزة

         السلعة

         النقود

         الاتصال والصفقة 

         الصراع والصفقة

         الانتماء وعلاقته بالصراع

         الصفقة والقوانين

         النمو

         الإدارة والصفقة

         الصفقات الاجتماعية 

                                 الفصل الثالث _الوجبة

         تعريف الوجبة

        تناول وهضم وتمثل الوجبات

        الوجبات الفكرية والثقافية

        الفن والوجبة

        الاستجابات - الدوافع  

        الأحاسيس والانفعالات

        المعنى

        الممتع والمفيد والمفروض 

 

                             

                                          خاتمة 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                                   تمهيد

   كانت الفكرةالأساسية وضع كتاب يلخص  ويصنف  ويقيم أهم الأفكار والمفاهيم الفكرية والفلسفية والعلمية, والعملية (التي أعرفها) . ماهي أفكارنا ومعلوماتنا و معارفنا عن الوجود بالنسبة لنا, وعن الوجود بصفة عامة, أي (نظرية المعرفة ). 

كنت أريد عرض أهم المعارف وخاصة الفكرية والفلسفية الأساسية - في رأيي- , وذلك بعد تصنيفها وتنظيمها وتقييمها, وتحديد وتصنيف وتقييم أهم دوافعنا و مطالبنا وحاجاتنا وغاياتنا.

" ما نريد ؟ وما لا نريد ؟ أي – شو بدنا- , و ماذا يريد كل واحد منا" . 

ثم تحديد سبل وطرق وكيفية تحقيق ما نريد وما نسعى إليه, وتوقع وتنبؤ نتائج ذلك , وهذا هو ما أراده كانت - ماذا نعرف, وكيف نعرف, ماذا يجب أن نفعل, ماذا يمكن أن نأمل - . 

لكنني وجدت أنني سوف أقدم كتاباً فلسفياً يكرر ما قيل آلاف المرات, ولا يقبل عليه إلا المختصون وبعض القراء, وهؤلاء قرأوا الكثير ويعرفون الكثير, وأنا أسعى إلى المختصر والعملي, وتقديم ما يمكن أن يطبق في مجالات الحياة. 

وهذا ما دفعني إلى تغيير طريقة العرض التي تبدأ بالتسلسل الزمني وتشرح نشوء الأفكار وتسلسلها وتطورها من الماضي إلى الحاضر, فانطلقت من الواقع العملي المعاش, وسعيت لنظم أهم الأفكار والمعلومات- المتوفرة لدي- في سلسلة مترابطة, مصنٌفة ومنظٌمة ومقيمة, و يسهل التعامل معها - تناولها وهضمها- , وأنا أتوقع أن تكون مفيدة, وطبعاَ لن أتمكن من تصنيف سوى جزء محدود من الأفكار والمفاهيم والمعارف, فالموجود من المعارف أكبر بكثير من أن يحيط به عقل إنسان فرد  بل حتى مئات وآلاف العقول.

وهذا الكتاب ليس كتاباً في علم النفس أو الاجتماع أو الاقتصاد أو الحياة, بل يمكن أن نقول إنه كتاب أسعى فيه للمختصر المفيد البسيط  و العملي - في نظري - . 

فأغلبنا يسعى إلى المعارف المختصرة, السهلة, المفيدة, كالأمثال الشعبية. فالمثل الذي يقول: " يلي بياكل العصي مو متل يلي بيعدها" يوضح مفهوم النسبية بأفضل وأقصر طريقة, لذلك يعتمده أغلب الناس كمرجع ومعلومة هامة, والأمثال الشعبية نموذج واضح عن المعارف المختصرة المفيدة الجاهزة للتطبيق، فهي بمثابة العلم, وهي سهلة الفهم والتعلم, والانتشار السريع بين الناس, ولها أكبر مردود عملي - في الحياة العادية - وهي تشمل الكثير من المجالات الحياتية,  وهي تتفوق على المعارف المدرسية في سهولة تعلمها وانتشارها,- ولكن ليس في دقتها وترابطها مع بعضها- . ونحن نلاحظ في أغلب العلوم والمعارف, وبشكل خاص في العلوم الإنسانية إننا بصدد الكثير من المعلومات والخيارات, والتي تكون متضاربة أحيانا, و محيرة وغير واضحة أحيانا أخرى, فهناك الكثير من المعارف والنظريات والآراء والمدارس والتصنيفات المتنوعة , وهناك الكثير من الأفرع والاختصاصات, قال فلان كذا وقال آخر كذا وقال ثالث ما يشبه ذلك ولكن يختلف بكذا,  وكذا, وقال رابع ما يختلف عن ذلك...,أين الرأي النهائي الأفضل لكي يتم اعتماده أو يراد الوصول إ ليه ؟ إنه غير واضح وغير محدد - وهذا الأسلوب يعتمد غالباً لإظهار مدى اتساع الأفكار والمعارف الموجودة وكثرتها, وللتعرف عليها, فالمعارف والمعلومات بحاجة إلى معالجة ومقارنة وتقييم باستمرار لتناسب الحالات والأوضاع المتعامل معها, وهي كثيرة و متنوعة ومتضاربة أحياناً, وهذا لا يناسب من يريد استثمار و تطبيق هذه المعارف, فهي موجهة إلى من يسعى ليكون مختصاً أو محترفاً.

إن أغلبنا يسعى إلى الحصول على المطلوب بأسرع وأسهل السبل, فهو يريد من الطبيب إعطاؤه العلاج المناسب السريع الفعال دون الدخول في متاهات تفسير الأوضاع والخيارات الكثيرة وتحديدها, وكذلك يريد من مصلح الأدوات أو مصلح الأجهزة أن يقوم بالإصلاح دون الدخول في مبدأ عمل الجهاز, فهو يريد فقط  معرفة الطريقة السهلة البسيطة المضمونة لحل أي مشكلة، فالمهم عند أغلبنا هو التطبيق العملي للمعارف والمعلومات, أما جمعها, و إيجادها, و تصنيفها, و تنظيمها فهذا شيء آخر. ونحن نلاحظ أن المشكلة في الوقت الحاضر ليست توفر المعلومات، فهناك كم هائل من المعلومات يشمل كافة المجالات و الأوضاع, وهناك دوماً المعلومات المناسبة لحل أغلب المشكلات، أو اللازمة لتحقيق أغلب الدوافع والأهداف والمشاريع, ولكن الصعوبة تكمن في الوصول إلى هذه المعلومات، وتحديد المناسب منها, وذلك لتوضعها في ملايين المراجع،  وبعشرات اللغات, وبأماكن كثيرة، وبتنظيمات وتصنيفات مختلفة, والوصول إليها ليس بالأمر السهل. 

وكذلك أغلبنا- إن لم يكن كلنا- يسعى لما يفيده, أو ما هو في مصلحته ويحقق أهدافه وغاياته، أو ما يتفق وينسجم معها. ولكن المفيد, والأهداف والمصالح ليست واحدة لدى الناس، فلكل فرد ولكل جماعة دوافعها ومصالحها وأهدافها التي تسعى لتحقيقها, وهذا يعني أن للأفراد وللجماعات أهدافاً ودوافع ليست فقط مختلفة بل متعاكسة ومتضاربة أحيانا ً, وكذلك لهم أفكار ومعتقدات و قدرات مختلفة, وهذا يجعل أي إنسان لا يستطيع أن يخاطب الجميع في نفس الوقت بما يلبي دوافعهم وأهدافهم, ويجعلهم يتقبلون ما يقوله, ومهمته الأساسية السعي لعرض أفكاره بأفضل طريقة يرتئيها

     " يقول الأستاذ بديع الكسم:إن الكاتب يسعى لينقل للقارئ ما يراه صادقاً وما يعتقد أنه قادر على إلزامه بقبوله, ولكن القارئ لا يقدم على القراءة وهو خال من المفاهيم والمعتقدات, وهذا يفرض عليه أن يفهم النص أو يؤوله له, مسترشداً بجهازه الفكري. وعمل الكاتب أو المفكر أو الفيلسوف ينتهي بكتابة النص, ثم يبدأ عمل آخر مستقل عن العمل الأول هو الالتقاء بين النص ومضمونه وبين القارئ, والقارئ غالباً ما يتصور أن المفكر يخطو خطوات مترابطة معتمداً على مبدأ موجه يفسر جملة النظريات والأفكار, ولكن ليس كل مفكر قادر على تحقيق الترابط والانسجام والقوة لكامل أفكاره والنظريات التي يعتمدها, فأغلب المفكرين يعتمدون عدة منطلقات ممكنة ولا يحققون الترابطات المرجوة وهنا يقع التصادم بين المنطلقات المختلفة, ويضطرون لإجراء عمليات تركيبية خفية لمعالجة الوضع وهنا يظهر الالتباس في فهمهم, وكلما كان المفكر أقوى وأعمق فكراً ومعرفة كانت منطلقاته أقل وتصادمات أفكاره أقل. "

       وأنا أتوجه بهذا الكتاب بشكل خاص إلى المثقف الشامل, وسوف أقدم ما يشبه المائدة المفتوحة المؤلفة من أنواع كثيرة من المقبلات والأطعمة الخفيفة والدسمة, وهذه الطريقة لها ميزاتها وعيوبها، ولكنني أجدها مناسبة لكي أقدم ما أريد بحرية وسهولة ترضي أغلب القراء. 

إنني سوف أحاول اختصار أو اختزال أوضاع وعلاقات نفسية واجتماعية واقتصادية كثيرة، وأسعى إلى تصنيفها وتنظيمها في مجموعات و مفاهيم بسيطة أتعامل معها بسهولة, لكي أبني أوأكون بعض الأحكام بحيث تكون دقتها عالية, وسوف أقوم بالنظر إلى نفس الأوضاع والعلاقات النفسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية, من زوايا مختلفة, وأحاول تقييم هذه الأحكام من عدة منطلقات ومراجع, فسأختزل أغلب تصرفاتنا وعلاقاتنا ودوافعنا ومشاعرنا وأفكارنا إلى أشكال وآليات ومفاهيم أساسية وهي: اللعبة-الصفقة – الصراع- الوجبة - النمو– الممتع – المفيد – والمفروض -......الخ, وسوف يكون لهذا الاختزال سلبياته وإيجابياته التي لابد منها, فبعض هذه التصرفات أو العلاقات المختزلة إلى أحد هذه المفاهيم يمكن أن يكون اختزالها غير دقيق ويحتمل التشكيك فيه, وهذه نتيجة متوقعة لكل تعميم أو اختزال. و سوف أسعى للتبسيط قدر الإمكان بعدم الدخول في متاهات المعارف الهائلة, إنني أستخدم بعض المفاهيم التي يمكن أن تكون غير واضحة للبعض مع أنها بسيطة, وهذا لأنني أستخدمها بمعنى خاص. 

إن غالبية ما سوف أذكره ذكر, أو ذكر شبيه به, من قبل الكثيرين, وذكر في كثير من الأحيان بشكل أوضح أو أفضل أو أدق, ولكن يظل ما يقوله أحدنا مختلف وجديد, لأن اختيار الأفكار والمعلومات وطريقة ربطها وتصنيفها وتقييمها, خاص بكل منا. وكل كاتب يسعى إلى ذكر ما يظنه أو ما يعتبره صحيحاً وهاماً ومفيداً, ولكن يظل القارئ في النهاية هو الذي يقبل أو يرفض مما يقدم إليه.                

        إن عقل كل إنسان يقوم ببناء الأفكار والمفاهيم - البنيات الفكرية - لتمثل الواقع وتأثيراته - كل ما هو موجود بالنسبة له-,  بطريقة تشبه لعبة الليغو فلكل عقل لعبة ليغو وأحجارها التي تمثل الواقع خاصة به, و قطع لعبته تختلف عن قطع ألعاب العقول الأخرى وكذلك طريقة الصف وطريقة اللعب, و كل عقل تتشكل القطع الخاصة به وطريقة الصف وطريقة اللعب بالوراثة والتعلم والتفاعل أثناء الحياة, ولعبة الليغو التي يستعملها عقل كل منا ذات أحجار كثيرة متنوعة خاصة به, وتبنى باستمرار قطع جديدة, فالوجود بالنسبة لكل عقل يمثل بصف وربط وتنظيم ومفاعلة هذه القطع , وتتشابه بعض الأحجار لدى كثير من الناس وكذلك تتشابه آليات وطرق الربط نتيجة التشابه الوراثي وتشابه البيئة والظروف - تشابه الحواس والمشاعر وآليات التفكير والأوضاع المادية والاجتماعية....- , وبذلك تتشابه نماذج الوجود الممثلة في العقول, وكذلك تتشابه هذه القطع – الأفكار- بسبب اللغة, فاللغة التي قامت وتقوم بتمثيل الأفكار والأحاسيس المنقولة بين العقول وساعدت على التواصل بين العقول وعلى توحيد البنيات الفكرية وعلى نموها وانتشارها, فالبنيات الفكرية – الأفكار - مثلت ببنيات لغوية عندما خرجت من العقول وهي موحدة ومتطابقة عند الذين يتكلمون نفس اللغة.

فعقل كل إنسان يتعامل مع الوجود كأنه بزل كبير واسع مؤلف من قطع كثيرة جداَ - قطع الليغو الخاصة به- ويحاول أن يركب هذه القطع ويشكل البزل الممثل للوجود - نموذج أو ببنية واحدة متماسكة مترابطة- , فهو يضع ما يصادفه من قطع في المكان المناسب أو ما يظنه أنه المكان المناسب , وبما يتفق مع باقي القطع المجاورة, وسوف يصادف القطع التي يضعها في مكان يجده غير مناسب أو متفق معها تماماَ وهو مجبر على ذلك, فليس لديه القطعة المناسبة تماماَ, ولا يجد مكاناً آخر مناسباً لتلك القطعة، وبذلك ينشئ نموذجاً للوجود , ممثلاً بواسطة ذلك البزل الذي أنشأه. 

وبما أن عناصر وخصائص الوجود لانهائية ويمكن أن تمثل بقطع لانهائية التعدد والتنوع, لذلك يكون كل بزل يركبه أي عقل ليمثل به الوجود محدوداً ومختزلاً ومختلفاً عن الآخر , وخاصاً به, وكذلك نجد الجماعات تبني البزل الخاص بها, وبذلك تظهر الخلافات والفروق بين العقول في تمثلها للوجود .

  " يقول الأستاذ بديع الكسم: نحن نقتطع من الواقع المختلط المتشابك, حوادث معينة, مدفوعين في ذلك بحاجتنا العملية وبنزعتنا إلى التبسيط والفهم, ونحن نمزج بين هذه الحوادث التي نثبتها في مجراها وندخلها ضمن منظومات معقدة ثم ندرجها, طوعاً أو كرهاً في أطر واضحة بسيطة "

  " ويقول دوهم و إدوارد لوروا: أن المعارف والعلوم لا توصلنا إلى معرفة الواقع نفسه ولا تقدم لنا صورة حقيقية عنه, إنما هي تصوره من بعد وفقاً لاهتمام النشاط الإنساني, بحيث نستبدل بتشابكه الحقيقي رموزاً كمية تكفي لأن نتنبأ بصورة وسطية مجملة"

  " و يقول برغسون : أن العقل قام بخلق عالماً من التصورات المحددة على غرار الكلمات التي تعبر عنها وعلى صورة الأشياء الجامدة التي نعيش بينها, ولهذا كان عاجزاً عن فهم الواقع المتحرك"

ولكن الفكر العلمي الدقيق  قد أنشأ بزلاً- أو نموذجاً- يمثل الوجود يعتبره الكثيرون أدق وأوسع من أي نموذج آخر ركبه أي عقل بشري بمراحل كثيرة, في مشابهته ودقته بتمثيل الوجود, فهو- أي الفكر العلمي الدقيق- يمثل الوجود بدقة عالية ويزداد هذا التمثيل دقةً واتساعاً باستمرار.

لكي يتواصل عقل إنسان مع آخر يجب أن يستعمل نفس البنيات اللغوية التي تمثل نفس البنيات الفكرية بين الاثنين, فلن يستطيع عقل إنسان أن يدرك أفكار عقل إنسان آخر إلا إذا استعملت قطع – بنيات لغوية- موحدة تمثل بنيات فكرية متشابهة أو موحدة بين الاثنين, عندها يمكن نقل ما يدركه أو ما يشعر به أو يفكر به أحدهما إلى الآخر.  

إن آليات التواصل بين البشر تشابه كافة آليات الإرسال و الاستقبال تماماَ, فهناك بنيات لغوية تمثل البنيات الفكرية تقوم بنقل مضمون الإحساسات والأفكار والمعاني من عقل إنسان لآخر, وهذه تنقل على شكل أصوات أو رموز بصرية أو غيرها من وسائل الترميز, وتحمل المعلومات من عقل إلى آخر. 

ويجب أن تتطابق آليات أو دارات الإرسال مع مثيلتها في الاستقبال، لكي يتم نقل الرموز وبالتالي الأفكار والمعاني , فأنا لا أستطيع نقل مفهوم أي إحساس إلى إنسان آخر إذا لم يكن لديه نفس الإحساس أو شبيه به, أي يجب وجود دارة - بنية أو جهاز- إحساس لدى الآخر تشابه دارة الإحساس الموجودة لدي لكي يستطيع استقبال ما أرسله له, وبالتالي يشعر بشبيه ما أشعر. 

فالتواصل البشري بكافة أشكاله يعتمد على الأحاسيس والأفكار المتشابهة بالدرجة الأولى, وعلى البنيات الوسيطة المتشابهة - اللغة أو الرموز الموحدة - وعلى تشابه بنيتي الاستقبال والإرسال, أي يجب تشابه بنية وآليات العقلين المتواصلين  مثل أجهزة الراديو وكافة أنواع أجهزة التواصل, والتواصل الإنساني طبعاَ أعقد بكثير من أي تواصل آخر .

" قال برغسون:هناك شيء واحد أمام الفيلسوف يستطيع أن يفعله, وهو أن يعين الآخرين على الشعور بحدس مشابه لحدسه، وذلك بواسطة التشبيهات والخيالات والصور الموجهة بالأفكار "

إذاَ فلكي ندرك ما أدركه وما شعر به أفلاطون أو أرسطو أو فيثاغورس... وباقي الفلاسفة والمفكرين والعلماء, أو ما يقوله الأدباء والشعراء- بشكل خاص- يجب علينا أن نستخدم بنيات لغوية نبني بها بنيات فكرية خاصة بنا, تشابه البنيات الفكرية التي توصلوا إليها وأعطتهم الإدراك والشعور ذاك, عندها يمكن بذلك أن ندرك ونشعر بشبيه ما أدركوه وما شعروا به. 

إن كل إنسان يجد أحاسيسه وأفكاره وحقائقه واضحة وصحيحة ومدركة بسهولة, ولكن عندما ينقلها لإنسان آخر يجد في أغلب الأحيان عدم تقبل أو تفهم أو إدراك لهذه الأفكار, وذلك بسبب اختلاف البنيات الفكرية أو اللغوية أو طريقة المعالجة الفكرية التي استعملت من قبل الاثنين, بالإضافة إلى اختلاف الدوافع والأهداف والأهميات والمراجع بينهما. وفي النهاية يظل الصحيح أو الحقيقي أو المهم بالنسبة لكل منا هو ما يحسه ويدركه, ويفيده و يساعده هو، ولا تهمه حقيقة أي إنسان آخر مهما كانت هامة- بالنسبة لصاحبها- إن لم يكن لها أهمية بالنسبة له.   بما أنني أقدم ما يشبه المائدة المفتوحة لذلك يمكن للقارئ أن يبدأ من أي فصل أو أي فقرة, ولكن هناك تنظيم وتصنيف لكل ما أقدم, فأغلب التصرفات البشرية صنفت إما من ناحية آلياتها الأساسية, إلى لعبة – صفقة – صراع – وجبة - أومن حيث دوافعها أو قواها المحركة _ إلى الممتعة أو المؤلمة – المفيدة أو الضارة – المفروضة أو غير مفروضة , وسوف أتكلم عن علاقة  اللعبة و الصفقة والوجبة  بمفاهيم مثل الحرية والعدالة والحق والخير والظلم ...  .

          إن التصنيف له علاقته الهامة بالمعرفة وإطلاق الأحكام, والتصنيف ضروري للعلم, بل إنه أساسي كذلك للبقاء في هذا العالم فإذا لم تصنف الظواهر إلى أنماط عامة, فسيكون علينا أن نتعامل مع كل منها على أنها نسيج لوحده, وسيؤدي إلى خلط لا مخرج منه, لذلك أننا لن نستطيع أن نصل إلى أبسط التعميمات. 

إن دقة التصنيف أو" التكميم" الجيد للتصنيف, يكون بخفض درجة التداخل بين البنيات التي يجري تنصنيفها في أصناف مختلفة, وذلك بتحديد وتعيين كل صنف من البنيات بدقة عالية, لكي يسهل التعامل معها فكرياً, و لتناسب الهدف الذي وضع من أجله التصنيف. 

وهناك مجالات وأنواع ودرجات للتصنيف , فهناك أنواع ومستويات مختلفة من البنيات التي يمكن تصنيفها , فتصنيف البنيات الفيزيائية يلزمه التكميم المناسب ذي الدقة العالية جداَ , وهو مختلف عن تصنيف البنيات الاجتماعية والبنيات الاقتصادية , وكذلك مختلف عن تصنيف البنيات الحية والبنيات التكنولوجية أو البنيات الفكرية...., وهناك تصنيفين أساسيين:

الأول هو: التصنيف البنيوي وهو تصنيف البنيات

والثاني هو: التصنيف الوظيفي وهو تصنيف الأدوار والوظائف لتلك البنيات. 

والتصنيف البنيوي يكون للخصائص , والخصائص لها علاقة بالوظائف لذلك هناك علاقة أساسية بين التصنيفين . ومرجع التصنيف هام جداَ فهو الأساس للتصنيف والهدف من التصنيف، فالغاية أو الهدف من التصنيف تقرر طبيعة وخصائص التصنيف . فتصنيف برغي أو عزقة ذات سن فرنسي مع عزقة ذات سن إنكليزي ( مع أنهما من نفس الحجم) لا يسمح باستعمال إحداها بدل الأخرى , وهذا يعني أن التصنيف حسب الحجم فقط لا يكفي  ويجب مراعاة ملاءمة شكل  وعدد الأسنان أيضاَ . 

والتصنيف الكيميائي يمكن أن يعتمد فقط على تصنيف العناصر - الجدول الدوري- فقط لكي يستفاد منه في شرح وفهم التفاعلات الكيميائية العادية , أما إذا أريد من التصنيف التعامل مع التفاعلات النووية والإشعاعية , فعندها يجب توسيع هذا التصنيف بتصنيف كل عنصر إلى نظائره, فاليورانيوم 235 لا يصلح لصنع القنبلة الذرية ويلزم النظير 238 ,  لذلك يجب أن يكون التصنيف مناسباً وفعالاً لتحقيق الهدف منه .  

لقد صنف الأقدمون بنيات الطبيعة إلى أربعة عناصر فقط  الماء  والتراب  والهواء  و النار , وصنفوا الأشياء إلى جماد وحيوان ونبات, و مادة وروح, وهذه التصنيفات ضعيفة في دقتها أو درجة تكميمها , وغير فعالة في بناء أحكام دقيقة .

إن دقة التصنيف هامة جداً لبناء الأحكام أو التنبؤات أو المعارف الدقيقة .  

نأخذ تصنيف الأفعال إلى خير وشر - وهو تصنيف وظيفي- إن هذا التصنيف غير دقيق وغير كاف , فالمرجع للخير أو الشر غير محدد وغير معين ولا يحقق الهدف بشكل جيد وفعال, والأفضل منه تصنيف الأفعال إلى مفيد وضار أو محايد، وتحديد درجة الإفادة أو الضرر بالإضافة إلى تحديد الإفادة أو الضرر لمن ومن قبل من . 

وهناك التصنيف الذي يعتمد على الانتماء والتضمن للبنيات وهو من التصنيفات الهامة والفعالة في بناء المعارف والأحكام , فالتصنيف الذي اتبع في تصنيف أغلب العلوم تم بناءً على الانتماء أو تضمن البنيات لبعضها - أي التحليل والتركيب- , فتم البدء بالبنيات الفيزيائية وبتركيبها مع بعضها, فمثلاً  تتشكل البنيات الكيميائية والبنيات الفيزيائية المعقدة الأخرى مثل الكواكب والنجوم, ثم نتشكل من البنيات الكيميائية البنيات الفزيولوجية , ثم البنيات الحية , ثم البنيات الاجتماعية , ثم باقي أنواع ومستويات البنيات الأخرى وفي كل مستوى تكون  بنياته متضمنة في المستوى الذي يليه وتنتمي إليها - متضمنة فيها- بنيات المستوى الذي قبله , أي أن البنيات الكيميائية متضمنة في البنيات الفزيولوجية والبنيات الفيزيائية متضمنة في البنيات الكيميائية. 

ويجب أن يهتم التصنيف – البنيوي- بالوظيفة أو الدور الذي تقوم به البنيات, عند دراسة وضعها كبنية جزئية في بنية أشمل منها, أوكبنية شاملة لبنيات جزئية، ففي تحديد الدور أو الوظيفة يتم دراسة وتعيين التأثيرات المتبادلة بين البنيات, وهذه الطريقة من الدراسة والتصنيف توضح وتكشف آليات وطرق التغير، وبالتالي القوانين والنظريات. 

ويجب أن يراعي أي تصنيف جيد وفعال التمييز الواضح بين البنيات الفكرية التي تمثل الأشياء- أي الهويات أو الأسماء-  من جهة, والبنيات الفكرية التحريكية - أي الأفعال والآليات- من جهة أخرى, ويجب أن يميز بين البنية الجزئية والبنية الشاملة لها أي منهما البنية الجزئية وأي منهما البنية الشاملة, و يجب كما قلنا أن يحدد في كل تصنيف المرجع والأساس الذي يبنى عليه التصنيف, ويجب أن يحدد الهدف أو الدور – الوظيفة- لكل تصنيف لماذا ولأي غاية نصنف ؟ 

فمثلاً: يمكن تصنيف السيارات حسب سعرها, أو حسب جمالها, أو حسب استخدامها, أو حسب قوتها...... , فهناك الكثير من طرق التصنيف لنفس النوع من البنيات, وذلك حسب الهدف من هذا التصنيف, وكذلك يمكن أن تصنف الكائنات الحية بالطرق كثيرة , وكذلك يصنف الناس, وتصنف الأحكام- وهذا تصنيف وظيفي- إلى أحكام قيمة وأحكام واقع, وكذلك تصنف الاستجابات إلى أفعال وإلى أحاسيس . والتصنيف الذي يعتمد على فروق الكميات هو أبسط أنواع التصنيف .

 مثال آخر على التصنيف: إذا كان لدينا عشرة كتب ونريد تصنيفها, فإن هذا سهل جداً لأن أي تصنيف لها سيكون كافياً للتعامل معها بفاعلية وسهولة , ولكن إذا كان لدينا مليون كتاب نريد تصنيفها كيف نفعل ذلك بحيث نستطيع التعامل بفاعلية وبحيث نستطيع الوصول إلى ما نريد بسهولة وسرعة إن هذا حتماً ليس بالأمر السهل, فهنا تظهر أهمية التصنيف الجيد في حالة تنوع وكثرة البنيات التي نتعامل معها ونريد تصنيفها ونحن نلاحظ الأهمية القصوى لتصنيف المعلومات وطرق البحث عنها على الأنترنيت . 

وتبقى طريقة التصنيف بنموذج الشجرة - أصل وفروع- هي الأكثر استعمالا وفاعلية والأنسب لعمل العقل البشري, لأنها تناسب آليات عمل العقل وخاصة في تنظيم و تخزين واسترجاع الأفكار والمعارف, وهذا يظهر أن تخزين الكم الهائل للمعلومات في العقل البشري إذا لم يكن منظماً أو مصنفاً بطريقة نموذج الشجرة أو شبيه بهذا النموذج لن يحقق فاعلية في استرجاع المعلومات مع أنها موجودة ومخزنة بقوة ووضوح في الذاكرة, فآليات الترابط والتداعي العاملة لا تستطيع الوصول إليها لاستدعائها إلى سبورة الوعي ,إن هذا يشبه تخزين الأشياء في مستودع أو سقيفة بعضها فوق بعض وبشكل عشوائي, فيكون الشيء المطلوب موجوداً ولكن الوصول إليه واستخراجه صعب وشبه مستحيل وخاصةً إذا كانت هناك أشياء كثيرة متراكمة فوقه, فعندها يفضل شراؤه بدلاً من البحث عنه, وهذا ما يحدث للمعلومات المخزنة في الذاكرة عندما لا تكون منظمة ومصنفة بطريقة مناسبة. 

ولكن تصنيف كافة المعارف بنموذج شجرة واحدة يشملها كلها ليس بالأمر السهل, ولابد من عدة نماذج, وهذا راجع لعدم معرفة كافة الترابطات التي تسمح ببناء نموذج وحيد يضم كل تلك المعارف. 

والشيء الهام أيضاً هو تحديد عدد التفرعات وأماكن وشكل هذه التفرعات في هذا النموذج, أي تحديد الترابطات والعلاقات فهذا ليس بالأمر السهل, فهناك آلاف الأنواع من العلاقات والتفاعلات والآليات, وهذا يستدعي وضع نموذج آخر لهذه العلاقات, أي يجب وضع نموذج شجرة للبنيات و الأشياء, ونموذج شجرة للعلاقات والتفاعلات والوظائف. 

إن طريقة قال فلان- أقصد روى فلان- منتشرة لدى أغلب الناس وهي على طرفي نقيض مع طريقة التصنيف الجيدة, لأنها تعتمد الاستقراء والتعميم بناء على حالة واحدة, صحيح أنها يمكن أن تستعمل مع طريقة التصنيف بنموذج الشجرة, ولكنها تجعل التعامل مع الأفكار صعباً سواء كان بالنسبة للمرسل- للكاتب- أو بالنسبة للمستقبل- للقارئ-. 

أما طريقة المعجم مع أن لها وظيفتها في تخزين المعارف خارج العقول, فهي غير مناسبة أبدًا لتخزين واسترجاع المعلومات بالقدرات العقلية فقط , فهي لا تساعد على الحفظ واسترجاع المعلومات الموجودة في الذاكرة. 

وقد كانت طريقة التصنيف التي اتبعتها الموسوعات لا بأس بها, فهي اعتمدت تصنيف الشجرة أو الأصول والفروع بالإضافة إلى طريقة المعجم. 

وقد اعتمدت طريقة الخرائط أو الجغرافيا والبيانات والجداول والمخططات المصورة, والنظرة الشاملة ثم الخاصة بكل فرع أو قسم أو مجال والتي تظهر العناصر والعلاقات بينها كطريقة لتنظيم وتصنيف المعلومات وتوضيحها حيث ثبت أنه الأفضل, فهذه الطريقة تتعامل مع المعارف بطريقة ومنهج فكري بصري ولغوي معاً لتوضيحها وإظهار العلاقات بينها باستعمال الصور والبيانات التي تتضمن الكثير من المعلومات والعلاقات التي لا يمكن توضيحها باللغة فقط  بالإضافة إلى أنها توضح خصائصها بشكل أفضل. 

والمنهج الجغرافي يمكن استعماله حتى بدون استعمال صور, كما في الجغرافيا الاقتصادية أو السياسية..., وذلك باستعمال اللغة في توضيح صورة الوضع الإجمالي العام والخاص بالأصول والفروع, وميزات المنهج الجغرافي كثيرة جداً. 

لقد كانت الكتب وهي مصدر المعارف الأساسي تعتمد تصنيف الشجرة  أصول وفروع وتضمن وانتماء, أي فصول وأبواب وفقرات وأصبح هذا غير كاف , والآن ظهر الكتاب الإلكتروني الذي يعتمد إظهار العلاقات بشكل أفضل , فهو يعتمد ما يشبه المنهج الجغرافي , - لقد فكرت في صياغة هذا الكتاب على شكل الكتاب الإلكتروني إلا أن هذا يستلزم الكثير من الجهد والوقت بالإضافة إلى الإمكانيات الفكرية , وحشد كم هائل من المعلومات , وهذا ما جعلني أحجم عن ذلك - .

هل هذا كل شيء ؟ 

طبعاً لا , إن كل ما ذكرنا أصبح غير كاف الآن, فهو يتعامل مع صيرورة الواقع بطريقه السببية العادية البسيطة المختزلة وهي محدودة. 

وقد نشأت طريقة جديدة أفضل لمعرفة و فهم الواقع وصيرورته, إنها " السيناريو" فهذه الطريقة تتجاوز السببية العادية وتستعمل السببية العامة أو الموسعة, بالإضافة إلى أنها تفتح الخيارات والاحتمالات الممكنة وتعددها, وتقارن وتفاضل بينها لاختيار الأفضل والأدق . 

وقد كانت الأساطير والملاحم والأديان والعقائد هي السيناريوهات التي وضعها البشر لتفسير وتوضيح الوجود, ونحن دوما نضع سيناريوهات لأغلب ما نصادفه من أوضاع ونتبنى هذه السيناريوهات كأنها وقائع سوف تحدث فعلاً  ونتصرف غالباً على أساس ذلك.

          إنني أطلق الكثير من الأحكام - والمعارف كلها أحكام, والحكم هو دوماً تنبؤ-  وإطلاق أي حكم يعرض صاحبه للمساءلة والتدقيق, سواء في دقة حكمه أو في دقة مرجع وأساس هذا الحكم, أو في احتمال وجود تناقض داخلي في هذا الحكم, أو تناقضه مع أحكام أساسية معتمدة قبله, والأمر الأهم اتفاق أحكامه مع ما هو متعارف عليه ومنتشر بين الناس فالمختلف دوماً يقاوم ولا يتم تقبله بسهولة – وهذا له مبرراته وأسبابه - , وهذا يصعٌب الأمر كثيراً على الكاتب لأن عليه الانتباه و مراعاة الكثير من الأمور, والتدقيق في ترابط الأحكام مع بعضها وعدم تناقضها بالإضافة إلى دقتها وتقبل الجمهور لها و توافقها مع ما هو موجود ومنتشر بين الناس, وهو يتحمل مسؤولية أحكامه. 

لقد سعيت ما أمكنني إلى تقليل التناقضات والأخطاء في أحكامي , ومع ذلك يبقى الكثير منها, وهذا لأنني غالباً لا أعتمد المتعارف عليه والشائع  فأنا أجرب وألعب وأحاول التجديد وهذا ينتج الكثير من الأخطاء, وقد ضربت الأمثلة البسيطة والتي كانت ساذجة في بعض الأحيان لتوضيح أحكامي . 

وطبعاً كل هذه الأحكام أو المعلومات معروفة وهي في الواقع ليست أحكامي وهي موجودة سابقاً فأنا إما أنقلها أو أعود وأقوم ببنائها من جديد, وأنا أقوم بتصنيفها وتنظيمها بشكل يساعد في التعامل معها. 

في هذا الكتاب أسعى لأقدم معارف مختصرة ومركزة وواضحة, وجبة فكرية يمكن أن يتناولها القارئ بسهولة- ولكن هل نجحت في ذلك ؟؟ - فكمية المعارف التي أوردها واسعة النطاق وكثيرة التشعب, وهناك بعض الأفكار التي يصعب تقبلها مع أنني بذلت جهدي لتكون واضحة ومقبولة. 

إنني أطرح وأعدد خيارات كثيرة على شكل ملاحظات وأحكام ومعارف أسعى بكل جهدي لكي تكون عالية الدقة, وكما قلت في البداية أقدم ما يشبه المائدة المفتوحة من الملاحظات والمعارف, والتي من وجهة نظري يمكن أن تكون هامة ومفيدة , وأظن أنه سوف يتقبلها ويتذوقها أغلب المجددين وغير المحافظين, أما المحافظون فهؤلاء على الأغلب لن يتقبلوا مثل هذه المائدة الفوضوية في رأيهم. 

وكل ما أذكره هو قابل للمناقشة والتصحيح فأنا أختار وأذكر في كل مجال ما أجده أفضل أو أعلى صحة من غيره- من وجهة نظري- , وأنا معرض للخطأ كثيراً لأنني أكتب بغير المتعارف عليه من أصول الكتابة المنتشرة, فالمنتشر والمتعارف عليه يقبل بسهولة غالباً حتى وإن كان غير دقيق بعكس المختلف فهو يقاوم ولا يتم تقبله بسهولة حتى وإن كان عالي الدقة, وهذا له مبرراته فالجديد لم يختبر وهو معرض لعدم الدقة كثيراً. 

وهناك دوما الكثير من المعارف والتقييمات المختلفة لها في كل مجال أذكره يمكن أن يختارها و يفضلها القارئ, ويظل هدفي الأساسي تقديم البسيط السهل المفيد  ودون الدخول في متاهات المعارف الهائلة. 

ولابد من الإشارة إلى أن أغلب كلامي عن المواضيع التي تكلمت عنها كان بصورة مختصرة جداَ وسريعة وضمن مساحة محدودة , فأغلب هذه المواضيع يحتاج كل منها إلى كتاب وأحياناً إلى عدد من الكتب لكي يعطى الموضوع حقه من الشرح . 

فما ذكرته هو ملاحظات وأفكار كنت قد سجلتها خلال فترة طويلة, وهي متفاوتة من حيث وضوح عرضها و من حيث درجة دقتها, وقد سعيت لعدم تكرار الأفكار والمواضيع وإن حصل ذلك فبهدف زيادة الإيضاح أو بسبب أهميته أو لكي أظهر علاقته الواسعة مع الأمور الأخرى . 

فهذا الكتاب بمثابة نظرة شاملة وسريعة  لما رأيت ضرورة عرضه . 

ويمكن اعتبار مضمون هذا الكتاب بمثابة ملاحظات, صحيح أنها وردت على شكل معارف أو أحكام  ولكنها تظل ملاحظات ذاتية خاضعة للنقاش والتعديل والتصحيح .   

 

                                                       نبيل حاجي نائف    شباط  2011-02-07

 

مصحح إملائياً

                     

                                      تمهيد

 

                                  الفصل الأول _ اللعبة 

          أقوال في اللعبة 

          تعريف اللعبة , وخصائصها 

          الألعاب الفكرية 

          الخيارات 

          التقليد والمحاكاة والنسخ 

          الألعاب الاجتماعية   

                                 الفصل الثاني _ الصفقة

          تعريف الصفقة وخصائصها 

          التبادل

         الصفقة غير المنتهية أو غير المنجزة

         السلعة

         النقود

         الاتصال والصفقة 

         الصراع والصفقة

         الانتماء وعلاقته بالصراع

         الصفقة والقوانين

         النمو

         الإدارة والصفقة

         الصفقات الاجتماعية 

                                 الفصل الثالث _الوجبة

         تعريف الوجبة

        تناول وهضم وتمثل الوجبات

        الوجبات الفكرية والثقافية

        الفن والوجبة

        الاستجابات - الدوافع  

        الأحاسيس والانفعالات

        المعنى

        الممتع والمفيد والمفروض 

 

                             

                                          خاتمة 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                                   تمهيد

   كانت الفكرةالأساسية وضع كتاب يلخص  ويصنف  ويقيم أهم الأفكار والمفاهيم الفكرية والفلسفية والعلمية, والعملية (التي أعرفها) . ماهي أفكارنا ومعلوماتنا و معارفنا عن الوجود بالنسبة لنا, وعن الوجود بصفة عامة, أي (نظرية المعرفة ). 

كنت أريد عرض أهم المعارف وخاصة الفكرية والفلسفية الأساسية - في رأيي- , وذلك بعد تصنيفها وتنظيمها وتقييمها, وتحديد وتصنيف وتقييم أهم دوافعنا و مطالبنا وحاجاتنا وغاياتنا.

" ما نريد ؟ وما لا نريد ؟ أي – شو بدنا- , و ماذا يريد كل واحد منا" . 

ثم تحديد سبل وطرق وكيفية تحقيق ما نريد وما نسعى إليه, وتوقع وتنبؤ نتائج ذلك , وهذا هو ما أراده كانت - ماذا نعرف, وكيف نعرف, ماذا يجب أن نفعل, ماذا يمكن أن نأمل - . 

لكنني وجدت أنني سوف أقدم كتاباً فلسفياً يكرر ما قيل آلاف المرات, ولا يقبل عليه إلا المختصون وبعض القراء, وهؤلاء قرأوا الكثير ويعرفون الكثير, وأنا أسعى إلى المختصر والعملي, وتقديم ما يمكن أن يطبق في مجالات الحياة. 

وهذا ما دفعني إلى تغيير طريقة العرض التي تبدأ بالتسلسل الزمني وتشرح نشوء الأفكار وتسلسلها وتطورها من الماضي إلى الحاضر, فانطلقت من الواقع العملي المعاش, وسعيت لنظم أهم الأفكار والمعلومات- المتوفرة لدي- في سلسلة مترابطة, مصنٌفة ومنظٌمة ومقيمة, و يسهل التعامل معها - تناولها وهضمها- , وأنا أتوقع أن تكون مفيدة, وطبعاَ لن أتمكن من تصنيف سوى جزء محدود من الأفكار والمفاهيم والمعارف, فالموجود من المعارف أكبر بكثير من أن يحيط به عقل إنسان فرد  بل حتى مئات وآلاف العقول.

وهذا الكتاب ليس كتاباً في علم النفس أو الاجتماع أو الاقتصاد أو الحياة, بل يمكن أن نقول إنه كتاب أسعى فيه للمختصر المفيد البسيط  و العملي - في نظري - . 

فأغلبنا يسعى إلى المعارف المختصرة, السهلة, المفيدة, كالأمثال الشعبية. فالمثل الذي يقول: " يلي بياكل العصي مو متل يلي بيعدها" يوضح مفهوم النسبية بأفضل وأقصر طريقة, لذلك يعتمده أغلب الناس كمرجع ومعلومة هامة, والأمثال الشعبية نموذج واضح عن المعارف المختصرة المفيدة الجاهزة للتطبيق، فهي بمثابة العلم, وهي سهلة الفهم والتعلم, والانتشار السريع بين الناس, ولها أكبر مردود عملي - في الحياة العادية - وهي تشمل الكثير من المجالات الحياتية,  وهي تتفوق على المعارف المدرسية في سهولة تعلمها وانتشارها,- ولكن ليس في دقتها وترابطها مع بعضها- . ونحن نلاحظ في أغلب العلوم والمعارف, وبشكل خاص في العلوم الإنسانية إننا بصدد الكثير من المعلومات والخيارات, والتي تكون متضاربة أحيانا, و محيرة وغير واضحة أحيانا أخرى, فهناك الكثير من المعارف والنظريات والآراء والمدارس والتصنيفات المتنوعة , وهناك الكثير من الأفرع والاختصاصات, قال فلان كذا وقال آخر كذا وقال ثالث ما يشبه ذلك ولكن يختلف بكذا,  وكذا, وقال رابع ما يختلف عن ذلك...,أين الرأي النهائي الأفضل لكي يتم اعتماده أو يراد الوصول إ ليه ؟ إنه غير واضح وغير محدد - وهذا الأسلوب يعتمد غالباً لإظهار مدى اتساع الأفكار والمعارف الموجودة وكثرتها, وللتعرف عليها, فالمعارف والمعلومات بحاجة إلى معالجة ومقارنة وتقييم باستمرار لتناسب الحالات والأوضاع المتعامل معها, وهي كثيرة و متنوعة ومتضاربة أحياناً, وهذا لا يناسب من يريد استثمار و تطبيق هذه المعارف, فهي موجهة إلى من يسعى ليكون مختصاً أو محترفاً.

إن أغلبنا يسعى إلى الحصول على المطلوب بأسرع وأسهل السبل, فهو يريد من الطبيب إعطاؤه العلاج المناسب السريع الفعال دون الدخول في متاهات تفسير الأوضاع والخيارات الكثيرة وتحديدها, وكذلك يريد من مصلح الأدوات أو مصلح الأجهزة أن يقوم بالإصلاح دون الدخول في مبدأ عمل الجهاز, فهو يريد فقط  معرفة الطريقة السهلة البسيطة المضمونة لحل أي مشكلة، فالمهم عند أغلبنا هو التطبيق العملي للمعارف والمعلومات, أما جمعها, و إيجادها, و تصنيفها, و تنظيمها فهذا شيء آخر. ونحن نلاحظ أن المشكلة في الوقت الحاضر ليست توفر المعلومات، فهناك كم هائل من المعلومات يشمل كافة المجالات و الأوضاع, وهناك دوماً المعلومات المناسبة لحل أغلب المشكلات، أو اللازمة لتحقيق أغلب الدوافع والأهداف والمشاريع, ولكن الصعوبة تكمن في الوصول إلى هذه المعلومات، وتحديد المناسب منها, وذلك لتوضعها في ملايين المراجع،  وبعشرات اللغات, وبأماكن كثيرة، وبتنظيمات وتصنيفات مختلفة, والوصول إليها ليس بالأمر السهل. 

وكذلك أغلبنا- إن لم يكن كلنا- يسعى لما يفيده, أو ما هو في مصلحته ويحقق أهدافه وغاياته، أو ما يتفق وينسجم معها. ولكن المفيد, والأهداف والمصالح ليست واحدة لدى الناس، فلكل فرد ولكل جماعة دوافعها ومصالحها وأهدافها التي تسعى لتحقيقها, وهذا يعني أن للأفراد وللجماعات أهدافاً ودوافع ليست فقط مختلفة بل متعاكسة ومتضاربة أحيانا ً, وكذلك لهم أفكار ومعتقدات و قدرات مختلفة, وهذا يجعل أي إنسان لا يستطيع أن يخاطب الجميع في نفس الوقت بما يلبي دوافعهم وأهدافهم, ويجعلهم يتقبلون ما يقوله, ومهمته الأساسية السعي لعرض أفكاره بأفضل طريقة يرتئيها

     " يقول الأستاذ بديع الكسم:إن الكاتب يسعى لينقل للقارئ ما يراه صادقاً وما يعتقد أنه قادر على إلزامه بقبوله, ولكن القارئ لا يقدم على القراءة وهو خال من المفاهيم والمعتقدات, وهذا يفرض عليه أن يفهم النص أو يؤوله له, مسترشداً بجهازه الفكري. وعمل الكاتب أو المفكر أو الفيلسوف ينتهي بكتابة النص, ثم يبدأ عمل آخر مستقل عن العمل الأول هو الالتقاء بين النص ومضمونه وبين القارئ, والقارئ غالباً ما يتصور أن المفكر يخطو خطوات مترابطة معتمداً على مبدأ موجه يفسر جملة النظريات والأفكار, ولكن ليس كل مفكر قادر على تحقيق الترابط والانسجام والقوة لكامل أفكاره والنظريات التي يعتمدها, فأغلب المفكرين يعتمدون عدة منطلقات ممكنة ولا يحققون الترابطات المرجوة وهنا يقع التصادم بين المنطلقات المختلفة, ويضطرون لإجراء عمليات تركيبية خفية لمعالجة الوضع وهنا يظهر الالتباس في فهمهم, وكلما كان المفكر أقوى وأعمق فكراً ومعرفة كانت منطلقاته أقل وتصادمات أفكاره أقل. "

       وأنا أتوجه بهذا الكتاب بشكل خاص إلى المثقف الشامل, وسوف أقدم ما يشبه المائدة المفتوحة المؤلفة من أنواع كثيرة من المقبلات والأطعمة الخفيفة والدسمة, وهذه الطريقة لها ميزاتها وعيوبها، ولكنني أجدها مناسبة لكي أقدم ما أريد بحرية وسهولة ترضي أغلب القراء.

إنني سوف أحاول اختصار أو اختزال أوضاع وعلاقات نفسية واجتماعية واقتصادية كثيرة، وأسعى إلى تصنيفها وتنظيمها في مجموعات و مفاهيم بسيطة أتعامل معها بسهولة, لكي أبني أوأكون بعض الأحكام بحيث تكون دقتها عالية, وسوف أقوم بالنظر إلى نفس الأوضاع والعلاقات النفسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية, من زوايا مختلفة, وأحاول تقييم هذه الأحكام من عدة منطلقات ومراجع, فسأختزل أغلب تصرفاتنا وعلاقاتنا ودوافعنا ومشاعرنا وأفكارنا إلى أشكال وآليات ومفاهيم أساسية وهي: اللعبة-الصفقة – الصراع- الوجبة - النمو– الممتع – المفيد – والمفروض -......الخ, وسوف يكون لهذا الاختزال سلبياته وإيجابياته التي لابد منها, فبعض هذه التصرفات أو العلاقات المختزلة إلى أحد هذه المفاهيم يمكن أن يكون اختزالها غير دقيق ويحتمل التشكيك فيه, وهذه نتيجة متوقعة لكل تعميم أو اختزال. و سوف أسعى للتبسيط قدر الإمكان بعدم الدخول في متاهات المعارف الهائلة, إنني أستخدم بعض المفاهيم التي يمكن أن تكون غير واضحة للبعض مع أنها بسيطة, وهذا لأنني أستخدمها بمعنى خاص. 

إن غالبية ما سوف أذكره ذكر, أو ذكر شبيه به, من قبل الكثيرين, وذكر في كثير من الأحيان بشكل أوضح أو أفضل أو أدق, ولكن يظل ما يقوله أحدنا مختلف وجديد, لأن اختيار الأفكار والمعلومات وطريقة ربطها وتصنيفها وتقييمها, خاص بكل منا. وكل كاتب يسعى إلى ذكر ما يظنه أو ما يعتبره صحيحاً وهاماً ومفيداً, ولكن يظل القارئ في النهاية هو الذي يقبل أو يرفض مما يقدم إليه.                

        إن عقل كل إنسان يقوم ببناء الأفكار والمفاهيم - البنيات الفكرية - لتمثل الواقع وتأثيراته - كل ما هو موجود بالنسبة له-,  بطريقة تشبه لعبة الليغو فلكل عقل لعبة ليغو وأحجارها التي تمثل الواقع خاصة به, و قطع لعبته تختلف عن قطع ألعاب العقول الأخرى وكذلك طريقة الصف وطريقة اللعب, و كل عقل تتشكل القطع الخاصة به وطريقة الصف وطريقة اللعب بالوراثة والتعلم والتفاعل أثناء الحياة, ولعبة الليغو التي يستعملها عقل كل منا ذات أحجار كثيرة متنوعة خاصة به, وتبنى باستمرار قطع جديدة, فالوجود بالنسبة لكل عقل يمثل بصف وربط وتنظيم ومفاعلة هذه القطع , وتتشابه بعض الأحجار لدى كثير من الناس وكذلك تتشابه آليات وطرق الربط نتيجة التشابه الوراثي وتشابه البيئة والظروف - تشابه الحواس والمشاعر وآليات التفكير والأوضاع المادية والاجتماعية....- , وبذلك تتشابه نماذج الوجود الممثلة في العقول, وكذلك تتشابه هذه القطع – الأفكار- بسبب اللغة, فاللغة التي قامت وتقوم بتمثيل الأفكار والأحاسيس المنقولة بين العقول وساعدت على التواصل بين العقول وعلى توحيد البنيات الفكرية وعلى نموها وانتشارها, فالبنيات الفكرية – الأفكار - مثلت ببنيات لغوية عندما خرجت من العقول وهي موحدة ومتطابقة عند الذين يتكلمون نفس اللغة.

فعقل كل إنسان يتعامل مع الوجود كأنه بزل كبير واسع مؤلف من قطع كثيرة جداَ - قطع الليغو الخاصة به- ويحاول أن يركب هذه القطع ويشكل البزل الممثل للوجود - نموذج أو ببنية واحدة متماسكة مترابطة- , فهو يضع ما يصادفه من قطع في المكان المناسب أو ما يظنه أنه المكان المناسب , وبما يتفق مع باقي القطع المجاورة, وسوف يصادف القطع التي يضعها في مكان يجده غير مناسب أو متفق معها تماماَ وهو مجبر على ذلك, فليس لديه القطعة المناسبة تماماَ, ولا يجد مكاناً آخر مناسباً لتلك القطعة، وبذلك ينشئ نموذجاً للوجود , ممثلاً بواسطة ذلك البزل الذي أنشأه. 

وبما أن عناصر وخصائص الوجود لانهائية ويمكن أن تمثل بقطع لانهائية التعدد والتنوع, لذلك يكون كل بزل يركبه أي عقل ليمثل به الوجود محدوداً ومختزلاً ومختلفاً عن الآخر , وخاصاً به, وكذلك نجد الجماعات تبني البزل الخاص بها, وبذلك تظهر الخلافات والفروق بين العقول في تمثلها للوجود .

  " يقول الأستاذ بديع الكسم: نحن نقتطع من الواقع المختلط المتشابك, حوادث معينة, مدفوعين في ذلك بحاجتنا العملية وبنزعتنا إلى التبسيط والفهم, ونحن نمزج بين هذه الحوادث التي نثبتها في مجراها وندخلها ضمن منظومات معقدة ثم ندرجها, طوعاً أو كرهاً في أطر واضحة بسيطة "

  " ويقول دوهم و إدوارد لوروا: أن المعارف والعلوم لا توصلنا إلى معرفة الواقع نفسه ولا تقدم لنا صورة حقيقية عنه, إنما هي تصوره من بعد وفقاً لاهتمام النشاط الإنساني, بحيث نستبدل بتشابكه الحقيقي رموزاً كمية تكفي لأن نتنبأ بصورة وسطية مجملة"

  " و يقول برغسون : أن العقل قام بخلق عالماً من التصورات المحددة على غرار الكلمات التي تعبر عنها وعلى صورة الأشياء الجامدة التي نعيش بينها, ولهذا كان عاجزاً عن فهم الواقع المتحرك"

ولكن الفكر العلمي الدقيق  قد أنشأ بزلاً- أو نموذجاً- يمثل الوجود يعتبره الكثيرون أدق وأوسع من أي نموذج آخر ركبه أي عقل بشري بمراحل كثيرة, في مشابهته ودقته بتمثيل الوجود, فهو- أي الفكر العلمي الدقيق- يمثل الوجود بدقة عالية ويزداد هذا التمثيل دقةً واتساعاً باستمرار.

           لكي يتواصل عقل إنسان مع آخر يجب أن يستعمل نفس البنيات اللغوية التي تمثل نفس البنيات الفكرية بين الاثنين, فلن يستطيع عقل إنسان أن يدرك أفكار عقل إنسان آخر إلا إذا استعملت قطع – بنيات لغوية- موحدة تمثل بنيات فكرية متشابهة أو موحدة بين الاثنين, عندها يمكن نقل ما يدركه أو ما يشعر به أو يفكر به أحدهما إلى الآخر.  

إن آليات التواصل بين البشر تشابه كافة آليات الإرسال و الاستقبال تماماَ, فهناك بنيات لغوية تمثل البنيات الفكرية تقوم بنقل مضمون الإحساسات والأفكار والمعاني من عقل إنسان لآخر, وهذه تنقل على شكل أصوات أو رموز بصرية أو غيرها من وسائل الترميز, وتحمل المعلومات من عقل إلى آخر. 

ويجب أن تتطابق آليات أو دارات الإرسال مع مثيلتها في الاستقبال، لكي يتم نقل الرموز وبالتالي الأفكار والمعاني , فأنا لا أستطيع نقل مفهوم أي إحساس إلى إنسان آخر إذا لم يكن لديه نفس الإحساس أو شبيه به, أي يجب وجود دارة - بنية أو جهاز- إحساس لدى الآخر تشابه دارة الإحساس الموجودة لدي لكي يستطيع استقبال ما أرسله له, وبالتالي يشعر بشبيه ما أشعر. 

فالتواصل البشري بكافة أشكاله يعتمد على الأحاسيس والأفكار المتشابهة بالدرجة الأولى, وعلى البنيات الوسيطة المتشابهة - اللغة أو الرموز الموحدة - وعلى تشابه بنيتي الاستقبال والإرسال, أي يجب تشابه بنية وآليات العقلين المتواصلين  مثل أجهزة الراديو وكافة أنواع أجهزة التواصل, والتواصل الإنساني طبعاَ أعقد بكثير من أي تواصل آخر .

" قال برغسون:هناك شيء واحد أمام الفيلسوف يستطيع أن يفعله, وهو أن يعين الآخرين على الشعور بحدس مشابه لحدسه، وذلك بواسطة التشبيهات والخيالات والصور الموجهة بالأفكار "

إذاَ فلكي ندرك ما أدركه وما شعر به أفلاطون أو أرسطو أو فيثاغورس... وباقي الفلاسفة والمفكرين والعلماء, أو ما يقوله الأدباء والشعراء- بشكل خاص- يجب علينا أن نستخدم بنيات لغوية نبني بها بنيات فكرية خاصة بنا, تشابه البنيات الفكرية التي توصلوا إليها وأعطتهم الإدراك والشعور ذاك, عندها يمكن بذلك أن ندرك ونشعر بشبيه ما أدركوه وما شعروا به. 

إن كل إنسان يجد أحاسيسه وأفكاره وحقائقه واضحة وصحيحة ومدركة بسهولة, ولكن عندما ينقلها لإنسان آخر يجد في أغلب الأحيان عدم تقبل أو تفهم أو إدراك لهذه الأفكار, وذلك بسبب اختلاف البنيات الفكرية أو اللغوية أو طريقة المعالجة الفكرية التي استعملت من قبل الاثنين, بالإضافة إلى اختلاف الدوافع والأهداف والأهميات والمراجع بينهما. وفي النهاية يظل الصحيح أو الحقيقي أو المهم بالنسبة لكل منا هو ما يحسه ويدركه, ويفيده و يساعده هو، ولا تهمه حقيقة أي إنسان آخر مهما كانت هامة- بالنسبة لصاحبها- إن لم يكن لها أهمية بالنسبة له. 

            إن الدافع لاستعمال مفهوم اللعبة والصفقة والصراع والوجبة, هو السعي للتوحيد والتبسيط باستعمال مفاهيم أساسية ضمن تصنيف اختزالي واضح وسهل وبسيط , فالهدف تنظيم المعارف والعلاقات بشكل يسهل التعامل معها وإصدار الأحكام أو التنبؤات بسهولة وسرعة ودقة, فعندما نعتبر تناول الطعام وكذلك كسب المال وسماع الموسيقى والأغاني وقراءة الكتب والمجلات.. وكل تغذية تحقق نمواً أو إحساساً مرغوباً , هو وجبة معتبرين أن الوجبة تهدف إلى  تحقيق  النمو أو المفيد أو تحقيق المشاعر والأحاسيس المرغوبة , عندها نستطيع أن نطبق قوانين وآليات واحدة على كافة هذه العمليات التي صنفناها على أنها وجبة . 

وكذلك عندما نعتبر أن اللعبة هي التعامل والتحكم في الخيارات المتاحة, و أنها أساس التفكير, وأنها تهدف إلى الجديد والتجديد, وأن اللعبة تقاوم التقييد والجبرية والتكرار والتقليد, وأن النمل والنحل لا يلعبون إلا بمقدار الخيارات القليلة المتاحة لهم وكذلك العمال في المصنع, فهم ينفذون برامج وآليات – خيارات- محددة ومعينة مسبقاً وثابتة وليس هناك أي خيارات متاحة للتغيير إلا بمقدار ضئيل جداً, وأن التاجر في أغلب صفقاته يقوم باللعب لأن أغلب الصفقات غير متطابقة فهو يقوم بالتعامل مع الخيارات المختلفة الكثيرة في كل صفقة, وأنه عندما لا يكون للإنسان خيارآخر يتوقف عن اللعب, عندها يمكن أن نصنف الكثير من العلاقات والتفاعلات البشرية وغير البشرية على أنها لعبة إذا كانت تتصف بخصائص اللعبة, وبالتالي نتعامل معها بفاعلية وسهولة. 

وكذلك عندما نعتبر الصفقة أنها تبادل المواد أو الحاجات سواء كانت مادية أو غير مادية بعد مشاورات القائمين بها, وأن الصفقة هي نقيض الصراع, وأن أغلب العلاقات البشرية هي صفقات وصراعات, وكذلك العلاقات بين الكائنات الحية هي صفقات وصرا عات, نحقق الكثير من الفهم للعلاقات البشرية, وبالتالي نستطيع التعامل معها بفاعلية وسهولة. 

ومفهوم اللعبة وكذلك الصفقة والوجبة والصراع  يستخدمه أغلب الناس, وأنا لا آتي بجديد, ولكنني نسعى إلى التركيز على هذه المفاهيم لأنني أعتبرها أساسية وتشكل أهم الآليات المستعملة في العلاقات البشرية, سواء كانت علاقات اجتماعية أم علاقات مع الطبيعة أو الواقع.

بما أنني أقدم ما يشبه المائدة المفتوحة لذلك يمكن للقارئ أن يبدأ من أي فصل أو أي فقرة, ولكن هناك تنظيم وتصنيف لكل ما أقدم, فأغلب التصرفات البشرية صنفت إما من ناحية آلياتها الأساسية, إلى لعبة – صفقة – صراع – وجبة - أومن حيث دوافعها أو قواها المحركة _ إلى الممتعة أو المؤلمة – المفيدة أو الضارة – المفروضة أو غير مفروضة , وسوف أتكلم عن علاقة  اللعبة و الصفقة والوجبة  بمفاهيم مثل الحرية والعدالة والحق والخير والظلم ...  .

          إن التصنيف له علاقته الهامة بالمعرفة وإطلاق الأحكام, والتصنيف ضروري للعلم, بل إنه أساسي كذلك للبقاء في هذا العالم فإذا لم تصنف الظواهر إلى أنماط عامة, فسيكون علينا أن نتعامل مع كل منها على أنها نسيج لوحده, وسيؤدي إلى خلط لا مخرج منه, لذلك أننا لن نستطيع أن نصل إلى أبسط التعميمات. 

إن دقة التصنيف أو" التكميم" الجيد للتصنيف, يكون بخفض درجة التداخل بين البنيات التي يجري تنصنيها في أصناف مختلفة, وذلك بتحديد وتعيين كل صنف من البنيات بدقة عالية, لكي يسهل التعامل معها فكرياً, و لتناسب الهدف الذي وضع من أجله التصنيف. 

وهناك مجالات وأنواع ودرجات للتصنيف , فهناك أنواع ومستويات مختلفة من البنيات التي يمكن تصنيفها , فتصنيف البنيات الفيزيائية يلزمه التكميم المناسب ذي الدقة العالية جداَ , وهو مختلف عن تصنيف البنيات الاجتماعية والبنيات الاقتصادية , وكذلك مختلف عن تصنيف البنيات الحية والبنيات التكنولوجية أو البنيات الفكرية...., وهناك تصنيفين أساسيين:

الأول هو: التصنيف البنيوي وهو تصنيف البنيات

والثاني هو: التصنيف الوظيفي وهو تصنيف الأدوار والوظائف لتلك البنيات. 

والتصنيف البنيوي يكون للخصائص , والخصائص لها علاقة بالوظائف لذلك هناك علاقة أساسية بين التصنيفين . ومرجع التصنيف هام جداَ فهو الأساس للتصنيف والهدف من التصنيف، فالغاية أو الهدف من التصنيف تقرر طبيعة وخصائص التصنيف . فتصنيف برغي أو عزقة ذات سن فرنسي مع عزقة ذات سن إنكليزي ( مع أنهما من نفس الحجم) لا يسمح باستعمال إحداها بدل الأخرى , وهذا يعني أن التصنيف حسب الحجم فقط لا يكفي  ويجب مراعاة ملاءمة شكل  وعدد الأسنان أيضاَ . 

والتصنيف الكيميائي يمكن أن يعتمد فقط على تصنيف العناصر - الجدول الدوري- فقط لكي يستفاد منه في شرح وفهم التفاعلات الكيميائية العادية , أما إذا أريد من التصنيف التعامل مع التفاعلات النووية والإشعاعية , فعندها يجب توسيع هذا التصنيف بتصنيف كل عنصر إلى نظائره, فاليورانيوم 235 لا يصلح لصنع القنبلة الذرية ويلزم النظير 238 ,  لذلك يجب أن يكون التصنيف مناسباً وفعالاً لتحقيق الهدف منه .  

لقد صنف الأقدمون بنيات الطبيعة إلى أربعة عناصر فقط  الماء  والتراب  والهواء  و النار , وصنفوا الأشياء إلى جماد وحيوان ونبات, و مادة وروح, وهذه التصنيفات ضعيفة في دقتها أودرجة تكميمها , وغير فعالة في بناء أحكام دقيقة .

إن دقة التصنيف هامة جداً لبناء الأحكام أو التنبؤات أو المعارف الدقيقة .  

نأخذ تصنيف الأفعال إلى خير وشر - وهو تصنيف وظيفي- إن هذا التصنيف غير دقيق وغير كاف , فالمرجع للخير أو الشر غير محدد وغير معين ولا يحقق الهدف بشكل جيد وفعال, والأفضل منه تصنيف الأفعال إلى مفيد وضار أو محايد، وتحديد درجة الإفادة أو الضرر بالإضافة إلى تحديد الإفادة أو الضرر لمن ومن قبل من . 

وهناك التصنيف الذي يعتمد على الانتماء والتضمن للبنيات وهو من التصنيفات الهامة والفعالة في بناء المعارف والأحكام , فالتصنيف الذي اتبع في تصنيف أغلب العلوم تم بناءً على الانتماء أو تضمن البنيات لبعضها - أي التحليل والتركيب- , فتم البدء بالبنيات الفيزيائية وبتركيبها مع بعضها, فمثلاً  تتشكل البنيات الكيميائية والبنيات الفيزيائية المعقدة الأخرى مثل الكواكب والنجوم, ثم نتشكل من البنيات الكيميائية البنيات الفزيولوجية , ثم البنيات الحية , ثم البنيات الاجتماعية , ثم باقي أنواع ومستويات البنيات الأخرى وفي كل مستوى تكون  بنياته متضمنة في المستوى الذي يليه وتنتمي إليها - متضمنة فيها- بنيات المستوى الذي قبله , أي أن البنيات الكيميائية متضمنة في البنيات الفزيولوجية والبنيات الفيزيائية متضمنة في البنيات الكيميائية. 

ويجب أن يهتم التصنيف – البنيوي- بالوظيفة أو الدور الذي تقوم به البنيات, عند دراسة وضعها كبنية جزئية في بنية أشمل منها, أوكبنية شاملة لبنيات جزئية، ففي تحديد الدور أوالوظيفة يتم دراسة وتعيين التأثيرات المتبادلة بين البنيات, وهذه الطريقة من الدراسة والتصنيف توضح وتكشف آليات وطرق التغير، وبالتالي القوانين والنظريات. 

ويجب أن يراعي أي تصنيف جيد وفعال التمييز الواضح بين البنيات الفكرية التي تمثل الأشياء- أي الهويات أو الأسماء-  من جهة, والبنيات الفكرية التحريكية - أي الأفعال والآليات- من جهة أخرى, ويجب أن يميز بين البنية الجزئية والبنية الشاملة لها أي منهما البنية الجزئية وأي منهما البنية الشاملة, و يجب كما قلنا أن يحدد في كل تصنيف المرجع والأساس الذي يبنى عليه التصنيف, ويجب أن يحدد الهدف أو الدور – الوظيفة- لكل تصنيف لماذا ولأي غاية نصنف ؟ 

فمثلاً: يمكن تصنيف السيارات حسب سعرها, أو حسب جمالها, أو حسب استخدامها, أو حسب قوتها...... , فهناك الكثير من طرق التصنيف لنفس النوع من البنيات, وذلك حسب الهدف من هذا التصنيف, وكذلك يمكن أن تصنف الكائنات الحية بالطرق كثيرة , وكذلك يصنف الناس, وتصنف الأحكام- وهذا تصنيف وظيفي- إلى أحكام قيمة وأحكام واقع, وكذلك تصنف الاستجابات إلى أفعال وإلى أحاسيس . والتصنيف الذي يعتمد على فروق الكميات هو أبسط أنواع التصنيف .

 مثال آخر على التصنيف: إذا كان لدينا عشرة كتب ونريد تصنيفها, فإن هذا سهل جداً لأن أي تصنيف لها سيكون كافياً للتعامل معها بفاعلية وسهولة , ولكن إذا كان لدينا مليون كتاب نريد تصنيفها كيف نفعل ذلك بحيث نستطيع التعامل بفاعلية وبحيث نستطيع الوصول إلى ما نريد بسهولة وسرعة إن هذا حتماً ليس بالأمر السهل, فهنا تظهر أهمية التصنيف الجيد في حالة تنوع وكثرة البنيات التي نتعامل معها ونريد تصنيفها ونحن نلاحظ الأهمية القصوى لتصنيف المعلومات وطرق البحث عنها على الأنترنيت . 

وتبقى طريقة التصنيف بنموذج الشجرة - أصل وفروع- هي الأكثر استعمالا وفاعلية والأنسب لعمل العقل البشري, لأنها تناسب آليات عمل العقل وخاصة ًفي تنظيم و تخزين واسترجاع الأفكار والمعارف, وهذا يظهر أن تخزين الكم الهائل للمعلومات في العقل البشري إذا لم يكن منظماً أو مصنفاً بطريقة نموذج الشجرة أو شبيه بهذا النموذج لن يحقق فاعلية في استرجاع المعلومات مع أنها موجودة ومخزنة بقوة ووضوح في الذاكرة, فآليات الترابط والتداعي العاملة لا تستطيع الوصول إليها لاستدعائها إلى سبورة الوعي ,إن هذا يشبه تخزين الأشياء في مستودع أو سقيفة بعضها فوق بعض وبشكل عشوائي, فيكون الشيء المطلوب موجوداً ولكن الوصول إليه واستخراجه صعب وشبه مستحيل وخاصةً إذا كانت هناك أشياء كثيرة متراكمة فوقه, فعندها يفضل شراؤه بدلاً من البحث عنه, وهذا ما يحدث للمعلومات المخزنة في الذاكرة عندما لا تكون منظمة ومصنفة بطريقة مناسبة. 

ولكن تصنيف كافة المعارف بنموذج شجرة واحدة يشملها كلها ليس بالأمر السهل, ولابد من عدة نماذج, وهذا راجع لعدم معرفة كافة الترابطات التي تسمح ببناء نموذج وحيد يضم كل تلك المعارف. 

والشيء الهام أيضاً هو تحديد عدد التفرعات وأماكن وشكل هذه التفرعات في هذا النموذج, أي تحديد الترابطات والعلاقات فهذا ليس بالأمر السهل, فهناك آلاف الأنواع من العلاقات والتفاعلات والآليات, وهذا يستدعي وضع نموذج آخر لهذه العلاقات, أي يجب وضع نموذج شجرة للبنيات و الأشياء, ونموذج شجرة للعلاقات والتفاعلات والوظائف. 

إن طريقة قال فلان- أقصد روى فلان- منتشرة لدى أغلب الناس وهي على طرفي نقيض مع طريقة التصنيف الجيدة, لأنها تعتمد الاستقراء والتعميم بناء على حالة واحدة, صحيح أنها يمكن أن تستعمل مع طريقة التصنيف بنموذج الشجرة, ولكنها تجعل التعامل مع الأفكار صعباً سواء كان بالنسبة للمرسل- للكاتب- أو بالنسبة للمستقبل- للقارئ-. 

أما طريقة المعجم مع أن لها وظيفتها في تخزين المعارف خارج العقول, فهي غير مناسبة أبدًا لتخزين واسترجاع المعلومات بالقدرات العقلية فقط , فهي لا تساعد على الحفظ واسترجاع المعلومات الموجودة في الذاكرة. 

وقد كانت طريقة التصنيف التي اتبعتها الموسوعات لا بأس بها, فهي اعتمدت تصنيف الشجرة أو الأصول والفروع بالإضافة إلى طريقة المعجم. 

وقد اعتمدت طريقة الخرائط أو الجغرافيا والبيانات والجداول والمخططات المصورة, والنظرة الشاملة ثم الخاصة بكل فرع أو قسم أو مجال والتي تظهر العناصر والعلاقات بينها كطريقة لتنظيم وتصنيف المعلومات وتوضيحها حيث ثبت أنه الأفضل, فهذه الطريقة تتعامل مع المعارف بطريقة ومنهج فكري بصري ولغوي معاً لتوضيحها وإظهار العلاقات بينها باستعمال الصور والبيانات التي تتضمن الكثير من المعلومات والعلاقات التي لا يمكن توضيحها باللغة فقط  بالإضافة إلى أنها توضح خصائصها بشكل أفضل. 

والمنهج الجغرافي يمكن استعماله حتى بدون استعمال صور, كما في الجغرافيا الاقتصادية أو السياسية..., وذلك باستعمال اللغة في توضيح صورة الوضع الإجمالي العام والخاص بالأصول والفروع, وميزات المنهج الجغرافي كثيرة جداً. 

لقد كانت الكتب وهي مصدر المعارف الأساسي تعتمد تصنيف الشجرة  أصول وفروع وتضمن وانتماء, أي فصول وأبواب وفقرات وأصبح هذا غير كاف , والآن ظهر الكتاب الإلكتروني الذي يعتمد إظهار العلاقات بشكل أفضل , فهو يعتمد ما يشبه المنهج الجغرافي , - لقد فكرت في صياغة هذا الكتاب على شكل الكتاب الإلكتروني إلا أن هذا يستلزم الكثير من الجهد والوقت بالإضافة إلى الإمكانيات الفكرية , وحشد كم هائل من المعلومات , وهذا ما جعلني أحجم عن ذلك - .

هل هذا كل شيء ؟ 

طبعاً لا , إن كل ما ذكرنا أصبح غير كاف الآن, فهو يتعامل مع صيرورة الواقع بطريقه السببية العادية البسيطة المختزلة وهي محدودة. 

وقد نشأت طريقة جديدة أفضل لمعرفة و فهم الواقع وصيرورته, إنها " السيناريو" فهذه الطريقة تتجاوز السببية العادية وتستعمل السببية العامة أو الموسعة, بالإضافة إلى أنها تفتح الخيارات والاحتمالات الممكنة وتعددها, وتقارن وتفاضل بينها لاختيار الأفضل والأدق . 

وقد كانت الأساطير والملاحم والأديان والعقائد هي السيناريوهات التي وضعها البشر لتفسير وتوضيح الوجود, ونحن دوما نضع سيناريوهات لأغلب ما نصادفه من أوضاع ونتبنى هذه السيناريوهات كأنها وقائع سوف تحدث فعلاً  ونتصرف غالباً على أساس ذلك.

          إنني أطلق الكثير من الأحكام - والمعارف كلها أحكام, والحكم هو دوماً تنبؤ-  وإطلاق أي حكم يعرض صاحبه للمساءلة والتدقيق, سواء في دقة حكمه أو في دقة مرجع وأساس هذا الحكم, أو في احتمال وجود تناقض داخلي في هذا الحكم, أو تناقضه مع أحكام أساسية معتمدة قبله, والأمر الأهم اتفاق أحكامه مع ما هو متعارف عليه ومنتشر بين الناس فالمختلف دوماً يقاوم ولا يتم تقبله بسهولة – وهذا له مبرراته وأسبابه - , وهذا يصعٌب الأمر كثيراً على الكاتب لأن عليه الانتباه و مراعاة الكثير من الأمور, والتدقيق في ترابط الأحكام مع بعضها وعدم تناقضها بالإضافة إلى دقتها وتقبل الجمهور لها و توافقها مع ما هو موجود ومنتشر بين الناس, وهو يتحمل مسؤولية أحكامه. 

لقد سعيت ما أمكنني إلى تقليل التناقضات والأخطاء في أحكامي , ومع ذلك يبقى الكثير منها, وهذا لأنني غالباً لا أعتمد المتعارف عليه والشائع  فأنا أجرب وألعب وأحاول التجديد وهذا ينتج الكثير من الأخطاء, وقد ضربت الأمثلة البسيطة والتي كانت ساذجة في بعض الأحيان لتوضيح أحكامي . 

وطبعاً كل هذه الأحكام أو المعلومات معروفة وهي في الواقع ليست أحكامي وهي موجودة سابقاً فأنا إما أنقلها أو أعود وأقوم ببنائها من جديد, وأنا أقوم بتصنيفها وتنظيمها بشكل يساعد في التعامل معها. 

في هذا الكتاب أسعى لأقدم معارف مختصرة ومركزة وواضحة, وجبة فكرية يمكن أن يتناولها القارئ بسهولة- ولكن هل نجحت في ذلك ؟؟ - فكمية المعارف التي أوردها واسعة النطاق وكثيرة التشعب, وهناك بعض الأفكار التي يصعب تقبلها مع أنني بذلت جهدي لتكون واضحة ومقبولة. 

إنني أطرح وأعدد خيارات كثيرة على شكل ملاحظات وأحكام ومعارف أسعى بكل جهدي لكي تكون عالية الدقة, وكما قلت في البداية أقدم ما يشبه المائدة المفتوحة من الملاحظات والمعارف, والتي من وجهة نظري يمكن أن تكون هامة ومفيدة , وأظن أنه سوف يتقبلها ويتذوقها أغلب المجددين وغير المحافظين, أما المحافظون فهؤلاء على الأغلب لن يتقبلوا مثل هذه المائدة الفوضوية في رأيهم. 

وكل ما أذكره هو قابل للمناقشة والتصحيح فأنا أختار وأذكر في كل مجال ما أجده أفضل أو أعلى صحة من غيره- من وجهة نظري- , وأنا معرض للخطأ كثيراً لأنني أكتب بغير المتعارف عليه من أصول الكتابة المنتشرة, فالمنتشر والمتعارف عليه يقبل بسهولة غالباً حتى وإن كان غير دقيق بعكس المختلف فهو يقاوم ولا يتم تقبله بسهولة حتى وإن كان عالي الدقة, وهذا له مبرراته فالجديد لم يختبر وهو معرض لعدم الدقة كثيراً. 

وهناك دوما الكثير من المعارف والتقييمات المختلفة لها في كل مجال أذكره يمكن أن يختارها و يفضلها القارئ, ويظل هدفي الأساسي تقديم البسيط السهل المفيد  ودون الدخول في متاهات المعارف الهائلة. 

ولابد من الإشارة إلى أن أغلب كلامي عن المواضيع التي تكلمت عنها كان بصورة مختصرة جداَ وسريعة وضمن مساحة محدودة , فأغلب هذه المواضيع يحتاج كل منها إلى كتاب وأحياناً إلى عدد من الكتب لكي يعطى الموضوع حقه من الشرح . 

فما ذكرته هو ملاحظات وأفكار كنت قد سجلتها خلال فترة طويلة, وهي متفاوتة من حيث وضوح عرضها و من حيث درجة دقتها, وقد سعيت لعدم تكرار الأفكار والمواضيع وإن حصل ذلك فبهدف زيادة الإيضاح أو بسسبب أهميته أو لكي أظهر علاقته الواسعة مع الأمور الأخرى . 

فهذا الكتاب بمثابة نظرة شاملة وسريعة  لما رأيت ضرورة عرضه  ويمكن اعتبار مضمون هذا الكتاب بمثابة ملاحظات, صحيح أنها وردت على شكل معارف أو أحكام  ولكنها تظل ملاحظات ذاتية خاضعة للنقاش والتعديل والتصحيح .   

 

                                                                              نبيل حاجي نائف    شباط  2005

 

 

 

 

 

 

                               الفصل الأول- اللعبة

 أقوال في اللعبة

  من النادر أن لا تمر معنا كلمة لعبة أو يلعب في أي مقال أو كتاب نقرأه, وقد اخترت بعض الأقوال عن اللعبة والألعاب وهي كثيرة جداً وموجودة في كافة مجالات المعرفة وتظهر واضحة لكل ملاحظ , وأنا أذكرها لإظهار مدى اتساع وانتشار مفهوم اللعبة. 

 تعريف اللعبة عند جويل دي روسني - مؤلف كتاب الميكروسكوب _اللعبة هي نشاط يجري بين مسؤولين أو أكثر عن اتخاذ قرارات. حيث يحاول كل منهم أن يحقق غرضه (أن يربح الجولة) آخذاً في الحسبان بعض الالتزامات والحدود التي تحددها اللعبة (قواعد اللعبة) فاللعبة إذاً هي نموذج لسيرورات وقواعد يقابلها في الواقع حوادث ومواقف و غايات.

  ويقول كلاباريد: إن ألعاب الأطفال يتجلى فيها الإبداع و الاختراع, إن الطفل الذي يلعب لعبة إعداد العشاء لا يخترع الأطباق و الشوكات و الملاعق و حسب بل كذلك تمثيل المقبلات و الشواء. و في ألعاب التركيب و التشكيل يتجلى على نحو واضح الإبداع والاختراع عند الطفل.

 لقد عرف همفري التفكير أنه فن (حيث هو سلوك حل المشكلات ) بأنه ما يحدث في الخبرة عندما تواجه عضوية ما( بشراً أو حيواناً) مشكلة ما و تتعرف عليها و على حلها, و يمكن القول بنشوء مشكلة كلما تعذَر الوصول إلى هدف مرتجى بصورة فورية. وعليه فيمكن اتخاذ حل مشكلة ما كدليل على التفكير إذا ما بدا أن الحل ينطوي على تلاعب داخلي بعناصر الموقف أو توفير إشارات من الداخل ذات حضور غير إرادي. و لا يعتبر دليلاً على التفكير, حل حيوان لمشكلة ما بطرق المحاولة و الخطأ أو بتكرار استجابة حسنة التعلم لقيت مكافأة في الماضي. لا يمكن أن نصل إلى تقدم أوفر في فهم الظروف التي تحدد اللعب إلا بالنظر إليه كمظهر للمجال الكلي للسلوك الإنساني والحيواني . اللعب يمكن الطفل من السيطرة على الحدث أو الموقف المثير للاضطراب عن طريق السعي النشط إلى إتمامه بدلاً من الوقوف إزاءه موقف المشاهد السلبي عديم الحيلة0 ويظل اعتبار اللعب وسيلة للسيطرة على الأحداث يلقى قبولا ًبين الكثيرين 0              

 نظرية بياجيه في اللعب ملتصقة عن قرب بتفسيره لنمو الذكاء , وهو يسلم بوجود عمليتين يعتقد أنهما أساسيتان لكل نمو عضوي 0 وهما "التمثل " و" المواءمة". وأبسط الأمثلة على التمثل هو الأكل - الوجبة - فالطعام يتغير في أثناء عملية إدخاله للجسم ويصبح جزءا من الكائن العضوي 0أما المواءمة فهي توافق الكائن العضوي مع العالم الخارجي, كما يتضح مثلا في وضع الجسم, وفي تغيير الطريق لتجنب عقبة , أوفي انقباض عضلات العين في الضوء المبهر وتتكامل هاتان العمليتان وتتضمن كل منهما الأخرى ويستخدم بياجيه مصطلحي التمثل والمواءمة بمعنى أوسع لكي ينطبق على العمليات العقلية . فيشير التمثل إلى كل عملية يغير بها الكائن العضوي المعلومات التي يستقبلها(أي تمثيلها ببنيات فكرية) بحيث تصبح جزءاً من التكوين الفكري أو المعرفي لديه, و على هذا النحو يكون التمثل هو هضم المعلومات.أما المواءمة فتعني, أيٌ توافق يكون على الكائن أن يقوم به إزاء العالم الخارجي حتى يتمثل المعلومات. ويرجع النمو العقلي إلى التبادل المستمر النشط  للأدوار بين التمثل والمواءمة. ويحد ث التكيف الذكي عندما تتوازن العمليتان أو تكونان في حالة اتزان, ولكن عندما لا تكونان كذلك فإن المواءمة أو التوافق مع شيء ما, يمكن أن يتغلب على التمثل, و هذا ما تنتج عنه المحاكاة. وبالمقابل فإن التمثل قد يتغلب بد وره, كما تحد ث ملاءمة الانطباع مع الخبرة السابقة وتكييفها لحاجات الفرد و هذا هو اللعب, إنه تمثل خالص يغير المعلومات المحصلة لتتلاءم  مع متطلبات الفرد, ويكون اللعب والمحاكاة جزأين متكاملين لنمو الذكاء, ويمران نتيجة لهذا بنفس المراحل. ونظرية بياجيه تعتبر المحاكاة هي مقلوب أو نقيض اللعب ومكملة له, و تعطي نظرية بياجيه للعب وظيفة بيولوجية واضحة باعتباره تكراراً وتجربة نشطة (تهضم عقلياً)المواقف والخبرات الجديدة. وتقد م لنا وصفاً متماسكاً لنمو الأنشطة المتاحة ابتداء من هز الخشخيشة المعلقة , إلى إخراج القصص إلى حيز التنفيذ والألعاب الخشنة والصيد.

 أما فرويد فقد اعتبر أن الخيال مستمد من اللعب واعتقد أن الأطفال يكفون بالتدريج عن اللعب بالأشياء الحقيقية, وأنهم يستبد لونها بأحلام اليقظة والخيال. والكاتب المبدع في رأي فرويد يفعل الشيء نفسه الذي يفعله الطفل أثناء اللعب, فهو يخلق عالما من الخيال يأخذه بجدية شديدة, وأحلام اليقظة ليست تافهة كلها إنها قد تكون وسائل للعب بالأفكار بتكوين مجموعات جديدة مترابطة من المفاهيم, وتجربة أساليب مبتكرة في النظر إلى العالم. وقد أدت تفسيرات فرويد للتخيل واللعب باعتبارها إسقاطاً ًللرغبات, ولإعادة تمثيل الصراعات والأحداث المؤلمة للسيطرة عليها, إلى نشوء وسائل لتقدير وقياس الشخصية على أساس الافتراض بأن اللعب والخيال يكشفان الشيء الكثير عن الحياة الداخلية للفرد ودوافعه. وقد استخدم فرويد اللعب التخيلي أو الإيهامي مع الدمى, وتأليف القصص عن الصور أو بقع الحبر ووسائل إسقاطية أخرى, استخدمت كلها للتشخيص الاكلينيكي وفي البحث العلمي. و فرويد أكد على أهمية اللعب في التعلم وتنمية القارئ.

  واللعب مظهر جوهري من مظاهرا لإبداع كما يرى المؤرخ الهولندي يوهان هويتسينجا في كتابه (الإنسان وهو يلعب ) وهذا الكتاب محاولة لتحد يدعنصراللعب في الحضارة.  واللعب وفقاً لنظرية هويتسينجا أقد م من أشكال الثقافة الأخرى والواقع أن الحضارة مشتقة من اللعب. وقد انتهى هويتسينجا على أساس تحليله لمعنى كلمة اللعب في الحضارات المختلفة إلى تصوير أن اللعب في معظم هذه الحضارات له علاقة بالكفاح والنضال. وكذلك بلعب الحب. وأن اللعب في أساسه هو القتال. وللفلسفة جذ ور في كثير من الأشياء, كلعبة اللغز المقدس والشعر في الألعاب الاجتماعية, كما أن الأساطير ما هي إلا لعب. وكذلك يعتبر هوبزنجا اللعب مطابقاً للسحر.  

 وقد عرف اينشتاين التفكير بأنه لعب إرادي بالمفاهيم.

 شيللر قال يكون الإنسان إنسانا حين يلعب.

 كانت واسبنسر وكثيرون غيرهم اعتبروا أن اللعب أصل كل الفنون

 قسم شتيرن اللعب إلى لعب فردي ولعب اجتماعي وكل من هذين النوعين يحتوي على أنواع فرعية. ويتضمن اللعب الفردي السيطرة على الأشياء في ألعاب بناءة أو هدامة وتحويل الأشياء والأشخاص بواسطة التشخيص. بينما يتضمن اللعب الاجتماعي ألعاب المحاكاة والقتال.اللعب هو صورة الأنشطة التي تظهر قبل أن يتم تنظيم سلوك ما تنظيماً كاملاً. و يمكن أن تحدث هذه الأنشطة في الطفولة بشكل خاص قبل أن يتم تنظيمها في سياق محكم منظم.

 اللعب هو النشاط الوحيد الذي لا يهدف الإنسان حين يمارسه إلى غرض محدد سوى المتعة الناتجة عن اللعب, فهو كالفن في رأي كانت , سرور و ارتياح بلا هدف أو متعة خالصة من أي غرض.

 كان الغزالي يلح على مسألة اللعب ويقول:إن دخول مملكة الأطفال لن يكون إلا بالسماح لهم باللعب, وإن منعناهم عنه فسنرهقهم في التعلم, وسنميت قلوبهم الصغيرة, ونبطئ ذكاءهم, وننغص عليهم العيش حتى يطلبوا منه الخلاص.

  لقد أصبح موضوع اللعب يتأثر بعدد من الكتابات على المستويات الفكرية. ففي مجال الفلسفة نجد فيلسوفاَ بارزاً هو تلميذ هوسرل يكتب كتاباً فلسفياَ هاماً عن انطولوجيا اللعب.

 لقد قال بروس أن كل الوظائف الطبيعية للكائن الحي الراقي غالباً ما تستخدم اللعب . إن حرية الاختيار و عدم كون المرء مكرهاً على العمل من قبل الآخرين أو تحت ضغط الظروف هو ما يميز اللعب. إن درجة معينة من الاختيار و التخلص من القيود التي تلزمنا بها الطرق التقليدية في التعامل مع الأشياء والأفكار تعتبر جوهرية في مفهومنا عن اللعب و هذه هي الصلة الرئيسية التي تربط اللعب بالفن و الأشكال الأخرى من الإبداع.

يقول جاك مونو أن اللعبة هي عبارة عن نظام مغلق و ذي حدود ثابتة تحددها و تعينها قوانين اللعبة وأن الألعاب هي واسطة لتطوير و تحسين المجتمع. وأن التاريخ يؤكد أن الألعاب و لأكثر من مرَة قادت الإنسان إلى اكتشافات تقنية و عملية جديدة. و اللعب مثلاً عند صغار الثدييات الراقية عنصر هام في التطور السيكولوجي و الانصهار الاجتماعي و ينطوي اللعب إذاً كنشاط على قيمة مآلية, لأنه يسهم بتماسك المجموعة كشرط من شروط بقاء النوع و انتشاره.

 من أبرز خصائص الإبداع الجديد لعب الأديب باللغة و قيام الأديب باللعب باللغة استتبع من الناقد أن يتلقاه بلعب مماثل بمعنى أن يلعب الناقد الدور نفسه مع النص.إن الربط بين اللعب واللغة هو نقطة محددة و ذات أهمية محورية في تفكيك " دريدا " _ هذا الربط بين اللعب في لغة النص المبدع و اللعب في لغة النص النقدي, على أساس أن النقاد حاوروا المبدعين في اللعب باللغة.

 سيطرت رياضيات القرن العشرين على مملكتين جديدتين كاملتين هما نظرية الألعاب و علم المكان و ما نظرية الألعاب إلا تحليل للخطط  سواء في ألعاب الأعمال التجارية العنيفة أو في ألعاب الحرب الباردة. تعتبر نظرية الألعاب التي كانت من أعظم مساهمات " فون نويمان " إحدى الاكتشافات الرياضية العملية الأساسية في عصرنا و هي تعبر عن قوانين الاستراتيجية المعتمدة, فتدلنا على أفضل السبل التي ينبغي نهجها في تغيير اللعب إذا ما أردنا ألا نهزم أمام خصم مراوغ. وتشير علينا بما يلزم عمله لنخرج بأقل خسارة ممكنة من وضع سيء أو لننتزع أعظم ربح ممكن من وضع ملائم. هذا إذا فرضنا أن أمامنا منافساَ يستخدم التحليل المنطقي و تقع تحت تصرفه إمكانيات و موارد معلومة. وقد استخدمت نظرية الألعاب في مجالات عديدة فساعدت مثلاً في تحديد أربح مجال زمني يجب أن ينقضي بين إصدار شركة لاسطوانتين متتاليتين يتوقع لهما نجاحاً عظيماً. واستخدمت حديثا في عقد أبرمته إدارة الأبحاث البحرية في الولايات المتحدة لتحليل البنية الرياضية لأنواع من الاقتصاد المتنافس الشبيه بالاقتصاد الأمريكي. وتستطيع هذه النظرية أن تدلنا على السبيل إلى إيجاد الخطة - الاستراتيجية - الأقرب للحصول على تعادل في الألعاب التي لا نضمن الربح فيها. وقد نتج من ذلك تبني المعسكرات في الحرب الباردة فكرة الخسارات العظمى التي تصغر إلى حدها الأدنى, وهي الخسارات التي اكتشفها فون نويمان وسماها أصغر العظيمات. ولعل هذه الفكرة تفسر سبب عدم نشوب الحرب العالمية الثالثة والاكتفاء بإدارة الحروب المحلية المحدودة 

 يقول فتجنشتين في نظريته عن ألعاب اللغة: والمقصود بهذه الألعاب أن لعبة اللغة مثلها مثل باقي الألعاب, كلعبة الشطرنج وألعاب الكرات والورق والألعاب الأولمبية. وكما أن لكل لعبة قواعد هي التي تحدد طريقة اللعب, وبالتالي لا يجوز مخالفتها, فكذلك للغة قواعد ولابد من مراعاتها, وعلى ذلك فإننا إذا خالفنا هذه القواعد فإن اللغة تفسد ولا يعود لها معنى و هذا ما يسميه فتجنشتين سوء استخدام اللغة.إن ألعاب اللغة هي صورة من صور الحياة و ما تتضمنها من أساليب كثيرة للكلام, حيث يتحدد معنى لكل رمز لغوي في هذه الحياة بالاستعمال الذي نلجأ إليه. كما أن كل استعمال إنما يتحدد ضمن لعبة لغوية معينة. وما أكثر الألعاب في حياتنا, فهناك إصدار الأوامر و إعطاؤها, وصف مظهر شيء ما أو ذكر مقاييسه, تكوين موضوع ما حسب الوصف (الرسم ), ذكر تقرير أو حادثة, ذكر احتمالات مختلفة عن حادثة معينة, تكوين الفرض واختباره, تقويم نتائج التجربة في قوائم وأشكال, تأليف قصة وقراءتها, تمثيل مسرحية, إنشاد الأناشيد, حل الألغاز, تأليف نكتة وإلقاؤها, حل مشكلة في الحساب التطبيقي, الترجمة من لغة إلى أخرى, السؤال, الشكر, التهنئة, الصلاة....., إن معنىأي كلمة أو عبارة إنما يتحدد بحسب اللعبة اللغوية التي ترد فيها هذه الألفاظ, ولا يجوز الحديث عن معنى لهذه الألفاظ إذا لم نأخذ بعين الاعتبار اللعبة اللغوية التي وردت فيها, كما أن طريقة الاستخدام إنما تتحدد بهذه اللعبة, يضاف إلى ذلك أن هذه الألعاب ليست ثابتة بحيث تعرف لمرة واحدة وإلى الأبد, بل إن هذه الألعاب تتغير وتفنى, وهناك ألعاب جديدة تستحدث وكأن لألعاب اللغة حياة كاملة حيث تولد وتتطور وتدخل في حيز النسيان, أما مرد ذلك فهو أن ألعاب اللغة صورة من صور الحياة, فهي في تطور وتبدل مستمرين, لنأخذ الألعاب المختلفة فإننا لن نعثر على عنصر مشترك يجمعها, فإذا انطلقنا من لعبتي الورق والزهر فإنه بإمكاننا أن نعثر على عنصر مشترك يجمع بينهما, ذلك أن الحظ يلعب دوراً أساسياً فيهما, لكن ماذا لو أدخلنا إلى هذه المقارنة لعبة الشطرنج...سنجد أن الشطرنج لا يعتمد على الحظ. لنأخذ سمة أخرى للألعاب وهي سمة الربح والخسارة, تشكل هذه السمة العنصر المشترك للألعاب الثلاث السابقة. لكن هناك ألعاب لا يدخل الربح والخسارة في حساباتها, وذلك عندما ننظر إلى طفل يلعب مع نفسه, إذ يقذف الكرة إلى الحائط ثم يعود قبلها. على هذا النحو نجد أننا كلما حاولنا إيجاد عنصر مشترك بين الألعاب فإنه سرعان ما يفلت منا هذا الأمر, هذا ما لاحظناه بالنسبة للألعاب اللغوية. إحدى طرق التفكير في الإبداع هي أن تتصوره مثل اللعب, لعبة إعادة تركيب الصور والتداعيات, والمشاعر, والعلامات الرمزية وعلاقاتها على نحو ما نرى في الموسيقى أو في الرياضيات أوفي الأساطير أوفي الفن التشكيلي.....ومناط الأمر هنا أن اللعب لا يتحدد باعتباره شيئاً غير هادف, وسبب ذلك أولاً أن اللعب بالرموز وبعلاقاتها ومعانيها على نحو ما نجد, على سبيل المثال في اللعب بالرموز الرياضية, إنما يفضي إلى اكتشاف أصيل, وإلى أفكار وتأكيدات يمكن إثبات صوابها تأسيساً على التواصل المشترك بين الذوات. وثانياً يمكن أن يكون اللعب جاداً للغاية فإن اللعب بالألفاظ والأصوات عند الأطفال وقت تعلمهم الكلام ليس مجرد لعب, وإنما هو تجريب وممارسة على استخدام نفس مادة الكلام. 

 ويستخدم شيلدون جلاسكو ( الحائزعلى جائزة نوبل في الفيزياء) مفهوم اللعبة في شرح الثورة العلمية الحاصلة, بالمثل التالي :

 نفرض أن آرثر أجنبي  ذكي جداً من كوكب بعيد يصل الأرض ويراقب شخصين يلعبان الشطرنج, وبفضول يعطي آرثر نفسه مهمتين: أن يتعلم قوانين اللعبة , وأن يصبح إستاذاً عظيماً فيها . وعن طريق المراقبة الدقيقة للحركات يتمكن تدريجياً من إعادة بناء قواعد اللعبة: كيف يتقدم البيدق وكيف يستولي الوزير على الحصان وكيف يكون الملك مكشوفاً.... . ومع ذلك فإن معرفة القوانين لا يعني أن آرثر قد أصبح سيداً عظيماً في هذه اللعبة. كما يضيف جلاسكو : ( إن المهمتين على القدر نفسه من الأهمية , فالأولى لا غنى عنها والثانية أكثر (أساسية) وكلتاهما تمثل تحديات للذكاء البشري . وبمعنى ما فإن العلم حلً في النهاية شفرة عدد من ( قوانين الطبيعة ) الأساسية, ولكن هذا لا يعني أننا أصبحنا سادة عظاماً عليها. وبالمثل فإن رقص الجسيمات الأولية داخل أعماق النجوم , وأنغام جزيئات( د . ن . أ .) وهي تتلوى وتنبسط داخل أجسامنا قد كشف عنه إلى حد كبير, ولكن هذا لا يعني أننا أصبحت لنا القدرة على تصميم الحياة.  

 اللعب شكل واقعي من أشكال النشاط عند الطفل ويعتبر شغله الشاغل خلال السنوات الأولى من حياته وهو وسيلته للتعرف على ما يحيط به والتكيف معه, ولأهمية اللعب في حياة الطفل يؤكد المختصون بأنه من أهم مطالب النمو في مرحلة الطفولة. لقد أظهرت نتائج العديد من الدراسات أهمية استخدام الطفل لحواسه المختلفة كمفتاح للتطور والتعلم, واللعب أفضل وسط لذلك, وإذا حرم الطفل من اللعب قبل دخوله المدرسة كان عاجزاً عن متابعة التعلم والتحصيل الجيد, فاللعب في هذه المرحلة ومراحل الطفولة التالية أمر حيوي لا يمكن الاستغناء عنه في تطور الطفل, وليس نشاطاً ترويحياً لقضاء وقت الفراغ....إن اللعب نشاط يقوم به الفرد ويسهم في تحقيق نمو معين..ويعتبر اللعب من أهم وسائل الطفل في تفهمه للعالم حوله. في اللعب يتشكل الإنسان كذات لنشاط, و يبرز اللعب في التطور النفسي للطفل, وقبل كل شيء كوسيلة لامتلاك عالم الكبار, ففي اللعب وفي مستوى التطوَر النفسي الذي بلغه الطفل يحدث امتلاك العالم الموضوعي للكبار. و يتضمن جو اللعب الاستبدال والتبسيط ( استقبال الضيوف الوهميين) و بهذا الشكل يحاكي في اللعب الواقع, و هذا ما يسمح للطفل نفسه و لأول مرَة أن يصبح ذاتاً للنشاط. ويعتبر اللعب النشاط الرئيسي للطفل قبل دخوله المدرسة, تعتبر المتعة التي يشعر بها الطفل خلال عملية اللعب باعثاً للعب. تعتبر الألعاب التركيبية ( الإنشائية ) أكثر تعقيداً. و فيها يخلق الطفل شيئاً ما: يبني بيتاً, يخبز الفطائر. و يفهم الأطفال في الألعاب التركيبية غاية الأشياء و تفاعلاتها المتبادلة, و تنتمي الألعاب التركيبية و الوظيفية إلى مجموعة الألعاب التحكمية حيث يستوعب الطفل خلالها العالم المادي و يعيد خلقه بشكل سهل البلوغ بالنسبة له. و بالتدريج تقحم في الألعاب القواعد التي تضع حدوداً لسلوك الشركاء, وإن اللعب الجماعي ذو الدور المحوري يوسع من دائرة مخالطة الطفل و هو يتعود الخضوع للقواعد و المعطيات التي تطلب منه أثناء اللعب, و تربي هذه الألعاب الشعور بالروح الجماعية و المسؤولية و احترام زملاء اللعب و تعلم مراعاة القواعد, و الألعاب حسب القواعد, موجودة بشكل واسع في حياة التلاميذ و الراشدين في المسابقات الرياضية وفي حل الكلمات المتقاطعة و في الألعاب الأخرى التي تتطلب الجهد الذهني.

اللعب أهم آليات الحياة, وهو أهم من آلية التزاوج, وآلية أو برمجة الموت, و آلية اللذة و الألم, فآلية اللعب تستخدم في التنافس و الصراع و البحث و المشاركة و التكيف, ففي الصراع و التنافس  يذهب الخاسر و يبقى الرابح و كذلك في التكيَف فان المتوافق مع الظروف و الأوضاع هو الذي يبقى . و بآلية اللعبة حافظت الحياة على استمرارها ونموها و انتشارها و تطورها.

هناك علاقة بين القدرات على التعامل مع الخيارات لبنية ما وعمر هذه البنية ، فالبنية التي عمرها طويل تملك قدرات معالجة خيارات متطورة وفعالة استطاعت بواسطتها تحقيق هذا العمر الطويل , فالقدرات الواسعة والمتطورة في التعامل مع الخيارات ( التي هي أساس التفكير والتحكم ) هي التي سمحت للبنية بإطالة عمرها وبقائها, وبنية الحياة هي مثال على ذلك  فبنية الحياة وعمرها أكثر من ثلاثة بلايين ونصف سنة ، وهي واسعة ومنتشرة بشكل مذهل على الأرض  فعلى عمق 10 كم في البحار  وعلى عمق عدة كيلومترات داخل التربة ، وعلى ارتفاع 100 كم في الجو وجدت كائنات حية ، وعدد أنواع الكائنات الحية بمئات الملايين  , صحيح أن بنية الحياة ليس لها إدراك ووعي وهي تعمل من خلال بنياتها الجزئية ( الكائنات الحية وبنيات هذه الكائنات من خلايا وجينات وبروتينات .......) ، وبنية الحياة توصلت إلى بناء البنيات الفكرية وبناء عالم الفكر بعد أن طورت البنيات الحية  وتكونت البنيات الفكرية ثم الفكرية اللغوية لديها, ثم تكونت البنيات الفكرية اللغويةالموجودة خارج العقول , والآن تكونت البنيات الفكرية الإلكترونية التي تستطيع أن تنمو وتتطور في العقول الإلكترونية  .

إن حل أي مشكلة أو أحجية هو لعبة فكرية. و كثير من الأحاجي و المسائل تراوغ و تقاوم الحل مثل حل المعادلة من الدرجة الثالثة, و حل مشكلة الجاذبية و الكهرباء و إيجاد نظرية نيوتن و معادلات ماكسويل.... . , و إن التوصل إلى المعارف المعقدة عالية الدقة هو قمة الألعاب الفكرية. ففي لعبة الكرات الكونية التي أبدعها اينشتاين, تلعب المادة وقرينتها الطاقة دور الكرات والمغانط, فتغير من شكل الفضاء المحيط بها أثناء تحركها

اللعبة في أساسها تجربة الكثير من الخيارات و التوقف عند إحداها لأنها تكون مناسبة للوضع. إن لكافة الألعاب خصائص و آليات متشابهة, إن لم تكن واحدة, فكل لعبة تتكون من عدد من اللاعبين وهناك هدف للعبة و هناك رابحون و خاسرون و هناك قواعد و أسس أو قوانين تحدد كل لعبة, و لكل لعبة قواعدها وعناصرها الخاصة بها, و كل لعبة تعتمد على التأثير المتبادل بين اللاعبين وعناصراللعبة, فكل لاعب يؤثر على بقية اللاعبين و العناصر, و هم بالتالي يؤثرون به.

لكل إنسان ألعابه الأساسية التي تستغرق أكثرسني حياته.إننا نسعى دوماً لكي نلعب ألعابنا و لكن بنية المجتمع تقاوم اللعب غير المناسب لها. فهي تدفعنا لكي نلعب ألعابها, فبنية المجتمع تدفعنا لكي نلعب ما يناسبها و لعب ألعابها و صراعاتها, التي تحقق استمرارها و نموها. إن لكل لعبة هدف , وهو في أغلب الأحيان الربح و التفوق و كسب الصراع و يمكن أن يكون إيجاد الجديد أو الأفضل أو إيجاد اللذيذ أو الجميل أو تصحيح الأخطاء أو حل المشاكل و الأحاجي و الألغاز أو المساعدة في تحقيق النمو أو التوازن و التكيف, أو تحقيق الإدهاش و التعجب أو تحقيق التحكم والسيطرة أو القيادة و الإدارة. إن الفنان يلعب بالخيارات المتاحة له سواء كانت ألحانا أو ألواناً......الخ فيشكل شكلاً  و يكَون بنيات جديدة تحقق تأثيرات حسية يسعى إليها و يطلبها الآخرون, فهناك الفنانون المبدعون المجددون, و هناك الفنانون الذين يقلدون و هم صنَاع و منتجون و ليس معنى ذلك أنهم أقل قيمة من المبدعين و المجددين فبالنسبة للآخرين ( المتلقون أو المتذوقون ) ليس هناك فرق فالمهم هو ما يحدث السعادة و اللذة و الجمال. فهناك الكثير من الناس الذين يرغبون بالقديم المكرر و لا يستسيغون الجديد و هناك أيضا من يرغبون بالجديد و يملون القديم بسرعة.                                                                                                           

       إن تحديد مفهوم اللعبة ليشمل كافة أنواع الألعاب لدى الإنسان و الأطفال و الحيوانات يحتم علينا تمييزها عن مفهوم الصراع و الربح و الخسارة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                                      تعريف اللعبة, وخصائصها 

          إن مفهوم اللعبة لم يكن كما هو الآن كان يقصد به التسلية واللهو والعبث والمرح, مثل لعب الأطفال ولعب صغار الحيوانات اللبونة وكل الأعمال غير الهادفة أو الجادة, واللعب هو نقيض الجد والعمل المنظم الهادف. واعتبر اللعب استجمام وترويح من عناء العمل الجاد وهو يجدد القوى التي تكون على وشك النفاذ, واللعب يبعث السرور والارتياح بلا هدف سوى لذة اللعب. واعتبره البعض أنه أصل الفنون وأنه تعبير غير هادف عن الطاقة الزائدة. واعتبر اللعب عند الصغار أنه تدريب على المهارات اللازمة في المستقبل وأن التقليد والمحاكاة هما نوع من اللعب يهدف إلى تعلم المهارات من الآخرين, وأنه دافع غريزي.  وقد أعطى أفلاطون وأرسطو وغيرهما أهمية كبيرة للعب في التعلم. واعتبر أن حرية الاختيار وعدم كون المرء مكرهاً على العمل هو ما يميز اللعب. 

ثم توسع مفهوم اللعب فشمل السباق والتنافس والصراع ولعب الرياضة والحركة ولعب الاكتشاف والتعرف ولعب الحب ولعب التفكير والتذكر ولعب المران .......الخ .

والآن توسع مفهوم اللعب كثيرا ًفصار يشمل الكثير من الأوضاع والمجالات, فأصبح الممثل يلعب دوره, والعازف يلعب مقطوعته وكل فنان يلعب عند ممارسته فنه - فالفنان يلعب بالرموز وكأنه يعرف هذه الخديعة, متذوقاً لعبته, وساعياً إلى أن يجعل الآخرين يتذوقوها ويفهمون إغراءها. ومن هنا قول بارت : " أنني ألقب علم الدلالات بأنه مجمل العمليات التي تتيح اللعب بالمعاني, وكأنها تلعب بحجاب ملون , بل بوهم" - , وكذلك السياسي يلعب والمحامي يلعب والتاجر يلعب والقائد يلعب واللص يلعب والمحتال يلعب , عندما يمارسون أعمالهم, بالإضافة إلى الألعاب الرياضية الكثيرة وألعاب الفكر وألعاب السحر والسيرك, وألعاب المسابقات والمنافسات في كافة المجالات.        

لقد اختلط اللعب - أو آلية اللعب- بهدف وغاية اللعب فصار اللعب يقصد به التنافس والصراع, مع أن هذا هدف اللعب. ولكي يسهل التعامل مع مفهوم اللعب يجب فصل عناصر وآليات اللعب عن أهداف ودوافع اللعب, فإذا اعتبرنا أن اللعب هو البحث في الخيارات والاحتمالات المتاحة والتعامل معها بطرق وآليات متنوعة بهدف تحقيق دافع أو غاية معينة- يمكن أن يكون الهدف هو التسلية والمرح- أو بهدف الاستكشاف والتعرف فقط , اقترب مفهوم اللعب من التفكير أي المعالجة الفكرية للخيارات, وكذلك اقترب من مفهوم التجربة والاستكشاف لأن اللعب هو التعامل مع الخيارات , ولكي تلعب يجب أن تكون لديك خيارات بالإضافة إلى طرق وآليات التعامل مع هذه الخيارات . وتحت هذا التعريف تقع كافة معالجات الخيارات العملية والفكرية. و هناك عدة طرق للتعامل مع الخيارات المتاحة وهي: 

1- التعامل بالاعتماد فقط على الخبرات الذاتية الموروثة, أو المكتسبة عن طريق التجربة الذاتية. 

2-- تقليد ومحاكاة الغير في التعامل مع الخيارات. 

3- استخدام الطريقتين معاً وهذا ما يحدث غالباً.

وهذا يعني أن تعاملنا مع الخيارات يكون إما تقليدا ومحاكاة أو إبداعاً وتجديداً, ويمكن تصنيف التعامل مع الخيارات من حيث أنواع آليات التعامل مع هذه الخيارات, وكذلك يمكن تصنيف التعامل مع الخيارات من حيث كونها فردية أو جماعية, أو التعامل مع بنيات حية أو غير حية.    

وأساس اللعب لدى الإنسان هو التفكير - المعالجة الفكرية- يتبعه التنفيذ والعمل, واللعب هو أساس وأهم ما يقوم به العقل. وممارسة اللعب تهدف للوصول إلى الطرق والمناهج والثوابت الفعالة في تحقيق الدوافع والأهداف وبالتالي تكوين الأنظمة والآليات الثابتة لكي تعتمد في الاستعمال وعندها ينتهي اللعب, فاللعب هو مقدمة للالتزام والثبات.     

فاللعب إذاً هو معالجة فكرية وعملية للخيارات والاحتمالات وتجريبها وتصحيحها وطالما هناك تجارب وتعديلات على الخيارات فاللعب لم ينتهي, ونظراً لأن كافة بنيات الوجود في تفاعل وصيرورة دائمة فإن اللعب بالنسبة لنا لا يتوقف إلا في  الفترات أو المراحل التي يكون فيها ثباتاً أو استقرارا أو مؤقتاً.     

ومن هذا المنظور نجد أن بنية الحياة- والكثير من البنيات الأخرى- تلعب في مسيرتها من خلال حياة الكائنات الحية التي تمثلها, فآلية اللعبة استخدمتها بنية الحياة منذ بدايتها, تجريب الخيارات والاحتمالات والتوقف عند المناسب منها ثم المتابعة بالتكرار, والخيارات دوماً واسعة وهناك الكثير من المجالات وفي كل مجال احتمالات كثيرة, وهذا ما أدى إلى نشوء شجرة الحياة, ففي كل فرع عدة فصائل وفي كل فصيلة عدة أنواع.....وكل نوع هو خيار أو احتمال توقفت عنده آلية تطور الحياة فترة ثم تابعت تكوين الأنواع الأخرى عند تغير الظروف وبالتالي الخيارات, وبذلك أنتجت هذه الأنواع الكثيرة وسوف تنتج باستمرار أنواعاً جديدةً طالما أن هناك تغيراً للظروف والأوضاع.   

إذا اعتبرنا أن اللعب هو التعامل مع الخيارات المتاحة لتحقيق هدف معين - أو لهدف البحث والاستكشاف أو للعبث والتسلية- نجد أن بعض الآلات البسيطة أو المعقدة تلعب, " فالسيارة اللعبة" التي تسير كهر بائيا أو بواسطة نابض – زنبرك- وعندما تصطدم بعائق تقف وتحول اتجاهها ثم تتابع المسير وهي تفعل ذلك كلما أعاقها عائق عن التقدم, فهي تحول اتجاهها يميناً أو يساراً وتحاول متابعته أي أنها تتعامل مع خيار بديل هو اتجاه جديد للحركة يمكن أن يسمح لها بالمتابعة, فهي تتعامل مع خيارات متاحة وإن كانت قليلة وبسيطة –فهي تلعب- , وكذلك نجد أن كافة أجهزة التحكم الآلية تتعامل مع الخيارات المتاحة وتختار المناسب لهدفها الموضوع مسبقاً, وذلك حسب الآليات أو البرامج والقدرات المجهزة بها, وطبعاً الكومبيوتر هو أمهر اللاعبين الآليين.

إذاً بعض الآلات تلعب ودرجة لعبها متناسبة مع كمية الخيارات التي تستطيع التعامل معها, وعندما ينخفض عدد الخيارات المتاحة تنخفض درجة ومقدار اللعب, وعندما تصبح الخيارات محددة ومعينة مسبقاً عندها يتوقف اللعب ونعود إلى الآليات المحددة والثابتة.

الألعاب, نشوؤها و تطورها 

إن لكل شيء - لكل بنية- بداية وفترة استمرار ونهاية وكذلك اللعبة, إن كل لعبة تنحو نحو التنظيم والتحديد عن طريق القوانين والأنظمة التي تفرض عليها أو يتم تبنيها, فهذه بمثابة قيود تحدد الخيارات في اللعب, فاللعبة تبدأ بخيارات متاحة كثيرة وتنتهي بعدد محدود ومقنن من الخيارات- الناظمة لها - وعندما يصبح التعامل مع الخيارات منظماً ومحدداً تماماً تنتهي اللعبة, وتصبح عملاً جاداً منتظماً فالخيارات المتاحة تصبح محددة ومعينة وثابتة وهي في حدها الأدنى , ويمكن أن تتجدد أو تتطور اللعبة عند حصول خيارات جديدة أو أوضاع وأهداف جديدة, ففي الصناعة مثلاً عند البدء بإنتاج جهاز جديد تجرب الكثير من الخيارات - الكثير من العناصر والآليات- وهذا يمثل اللعب أي التعامل مع الخيارات ويستمر التعامل مع هذه الخيارات المتاحة فتستبدل وتعدل بعض الخيارات ويستمر ذلك حتى التوصل إلى الطريقة ألتي تعتمد فتحدد وتثبت وتعتمد في صنع الجهاز, وعندها تنتهي لعبة صنع الجهاز. وهذا يصعب حدوثه في الفن وفي الكثير من المجالات الأخرى لأن الخيارات والاحتمالات المتاحة كثيرة ومتغيرة ومتطورة ولا يمكن تقنينها أو حصرها وتثبيتها أي أن هناك دوماً مجال للعب والإبداع , والتجديد والتطور موجود في كافة المجالات ففي الصناعة كل جهاز أو سلعة تصنع لها دور أو وظيفة أو هدف معين ويمكن أن يتعدل ويتطور هذا الهدف وبذلك تنشأ خيارات واحتمالات جديدة للصنع بتغير الهدف, ويكون ذلك بتصنيع جهاز أو سلعة جديدة تسعى لتحقيق هذا الهدف باستعمال خيارات (عناصر وآليات) جديدة أي يبدأ اللعب من جديد. 

فاللعبة إذا: ًتولد, وتنمو, وتتطور, وتتوقف, وتنتهي. وبالنسبة لنا نحن البشر لكل منا ألعابه الأساسية الخاصة به تتشكل لديه أثناء حياته, وهي تتبدل وتتطور وينشأ الجديد منها نتيجة تغير الأوضاع والخيارات وذلك نتيجة تغير دوافعه وأهدافه أثناء حياته.

إننا نجد أن اللعب أو التعامل مع الخيارات الجديدة يتضمن المجازفة غالباً وهذا ما جعل الكثيرين  يتحاشون اللعب ويسعون إلى النظام أو الطرق والآليات المعتمدة الثابتة والمضمونة, فهم يتحاشون التعامل مع الخيارات الجديدة غير المضمونة ويعتمدون فقط الخيارات الموجودة, أي هم محافظون. وبالمقابل نجد أيضاً المغامرين والمجددين والمقامرين والمكتشفين وهم قليلون, يسعون إلى الخيارات الجديدة والبحث عنها أو تطويرها, وكذلك هم يعدلون أو يجددون أهدافهم وغاياتهم أيضاً. ولكن يظل أغلبنا محافظين والقليلون هم المجددون. وإذا نظرنا إلى المواليد والأطفال فإننا نجد أن كل مولود مجبر على التعامل مع خيارات متنوعة جديدة, فالأشياء كثيرة وطرق تأثيرها متنوعة وليس له إلا التجريب والاختبار (اللعب) للوصول إلى الخيار الذي يعتبره الأفضل والأكثر فاعلية في تحقيق دوافعه وهو مجبر على ذلك (فكل المواليد لاعبون ), حتى مع وجود القيود والخيارات المفروضة عليهم من قبل والديهم وبقية الظروف والأوضاع, فهم يقبلون أو يرفضون هذه الخيارات حسب تعاملهم معها وتصنيفهم وتقييمهم لها, صحيح أن أغلب ألعابهم تكون محددة ومفروضة نتيجة الظروف وقدراتهم المتاحة ولكنهم يتعاملون أو يعالجون هذه الخيارات لكي يعتمدوا في النهاية طرقهم الخاصة بهم وعندها تنتهي ألعابهم بالوصول إلى الخيارات المنظمة المحددة الثابتة.

 حل أي مشكلةً أو قضية تمارس فيه اللعبة

لحل مشكلة معينة تحدد وتعين العناصر المتاحة وكذلك الآليات المتاحة ثم تشكل الخيارات المتاحة من هذه العناصر و الآليات باستعمال منهج - آلية- معين ثم تجري محاولة حل المشكلة بتجريب الخيارات والتبديل والتعديل و التصحيح للوصول إلى الحل, ويمكن الوصول إلى الحل إذا كانت الخيارات المتاحة كافية ويمكن عدم الوصول وذلك بسبب ضعف الآليات المستعملة أو حدوث أخطاء, إي يمكن لبعض المفكرين الوصول للحل و البعض الآخر لا يتوصل مع أن الخيارات المتاحة المستعملة واحدة وذلك بسبب اختلاف منهج المعالجة, ويمكن أيضا استحالة الوصول إلى حل مهما استعملت من آليات معالجة فكرية مطروقة وعندها يجب البحث عن خيارات جديدة مناسبة لان الخيارات المتاحة غير كافية للوصول للحل.

إن التجريب هو تلاعب بالوقائع والخيارات وهو يستخدم آلية اللعب فاللعب والتجريب شيء واحد و ينتهي التجريب أو اللعب بعد الوصول إلى تحديد و تثبيت الخيارات في كافة المجالات, تجرى التجارب أولاً ثم تعتمد الطريقة الأفضل – حسب التقييم المعتمد

الصيد والقنص أيضاً تمارس فيه اللعبة 

 فهو تعامل مع الخيارات لتحقيق هدف معين و قد كان ممارسة الصيد  من العوامل الأساسية التي ساعدت على نمو العقل و التفكير لدى الثدييات, و نحن نلاحظ أن الحيوانات الصيادة أو المفترسة تكون غالباً أذكى من الحيوانات غير المفترسة, و كذلك يتطور ذكاء الحيوان المُفترس فالذي يكون صيده سهل يقل أو ينقرض, فالصراع بين الصياد والفريسة فرض على عقل وجسم الصياد وكذلك عقل وجسم الفريسة التعامل مع الخيارات الأفضل للبقاء, وكلما تطورت الفريسة وصارت أفضل في حماية نفسها تطور الصياد وسعى لخيارات جديدة تساعده في تحقيق صيد فريسته. وكذلك أفراد البشر الذين يعيشون على الصيد يفرض عليهم تنمية مهاراتهم وآليات خياراتهم والبحث دوماً عن خيارات جديدة أفضل فاعلية. 

فالصيد أو الافتراس يعتمد على تفاعل متبادل بين الصياد والفريسة, فتستعمل المناورة والخطط والدفاع والهجوم والاختباء والتسلل ..... والخيارات التي تستعمل هي خيارات جدلية متحركة ومعقدة وتستلزم تنمية مهارات فكرية وجسمية عالية. 

نحن أحياناً نقول أن البائع يصطاد الزبون, وأن المرأة تصطاد العريس, وأن النشال أو السارق يصطاد الضحية ... 

الاختراع و الابداع تمارس فيه اللعبة

يعتبر البعض إن الاختراع والإبداع هو إيجاد أو تكوين لبنيات جديدة ( مادية أو فكرية) ولكن هذه الظاهرة تحدث دوما وباستمرار في كافة مناحي ومستويات الوجود, ونحن في الواقع نعتبر الاختراع والإبداع هو خلق أو تكوين البنيات الجديدة والمناسبة لتحقيق هدف أو دافع أو وضع معين مطلوب, أي نريد إيجاد بنية أو آلية تلبي حاجة معينة وليس إيجاد أية بنية فهذا يحدث دوماً. فالاختراع هو إيجاد المفتاح المناسب لفعل معين أو إيجاد عناصر وآليات تحقيق الهدف. فالموسيقي الذي يؤلف مقطوعة موسيقية تبعث السعادة والفرح والنشوة لدى المستمعين هو يحقق بإبداعه هذا هدفه, وهو بعث السعادة لدى المستمعين. وكذلك الأديب والرسام والطاهي والمهندس والمفكر.....,الاختراع والإبداع هو التعامل مع الخيارات المتاحة لتحقيق هدف معين وهو لعبة فالذي يخترع يلعب وذلك بتعامله مع الخيارات وخاصة الجديدة منها. وطرق ومجالات الخيارات كثيرة ومتنوعة وغير محدودة, ولكن أغلب العقول تتعامل مع نفس الخيارات أو مع عدد محدود من الخيارات, فأغلب الناس لا ينظرون إلا إلى نفس خيارات الآخرين فيقومون بتقليدها والتي تكون عادة قليلة ومحدودة , فإذا وجدوا أن أحدهم ربح في تجارة معينة سارعوا إلى تلك التجارة وإذا وجدوا أن بعضهم تفوقوا في صناعة معينة سارعوا إلى تلك الصناعة...الخ بينما هناك الكثير من الأهداف و المجالات الأخرى وفي كافة النواحي يمكن أن تحقق النجاح والتفوق.

إن أهم شيء في الإبداع و الاختراع هو البحث عن الأهداف والخيارات الجديدة وعن الطرق والآليات والمناهج الجديدة وعدم التقيد والالتزام بتبني الأهداف و المناهج والخيارات السابقة والمحدودة, واعتماد التجديد في كل شيء في النظر وفي البحث و التفكير في كافة المجالات والطرق.

إن قدرات الإنسان العقلية والمادية هائلة جداً, تمكنه من الإبداع في ميادين ومجالات كثيرة كما أن الميادين والمجالات و الخيارات واسعة جداً ولكن معظم الناس يفكرون ويعملون مثل بعضهم ( وهذا نتاج آليات متوارثة لها مبرراتها أو عواملها و فوائدها فالتقليد والمحاكاة لهما دور فعال في التكيف و النمو أيضاً ) فهم يبحثون في نفس الأماكن وبنفس الطرق كأنهم واحد وعندما يأتي شخص مبدع- في نظرهم- بشيء جديد أو هام أو نافع تصيبهم الدهشة والتعجب, كيف توصل لذلك ؟ كيف فعل ذلك ؟ فهم لا يفكرون ولا يعملون مثله ولا يشاهدون ما يشاهد ولا يتنبأون بما يتنبأ, فقليل من العقول هي التي تنوع وتطور آليات تعاملها مع الخيارات فهي تجرب آليات جديدة أو تطور القديمة إنها غير محافظة, فهناك دوما خيارات وطرق جديدة يجب البحث عنها وإيجادها صحيح أن الكثير من الآليات الجديدة أو طرق الجديد بحاجة إلى خيارات وبنيات تحتية جديدة مناسبة لها تكون غير متوفرة بعد ويجب إيجادها أولاً, فالأنظمة السياسية المتطورة والمركبة الفضائية والغواصة النووية و حاملة الطائرات....., تحتاج إلى بنيات تحتية - خيارات متاحة مناسبة- بالاضافة إلى الآليات المتطورة الجديدة المناسبة لاختراعها, فالإغريق والفراعنة كان من المستحيل عليهم أن يخترعوا السيارة أو الراديو أو الطائرة...... فالخيارات التي كانت متاحة  لديهم غير كافية, وهذا ما يستدعي إعجابنا الشديد بالمخترع الذي يخلق البنيات المطلوبة مع أن الخيارات المتاحة غير كافية فهو يوجد تلك الخيارات أيضاً , لأنه يوجد البنيات التحتية اللازمة لتشكيل بنية جديدة, والمخترع الخارق هو الذي يقوم ببناء و اختراع عدة مستويات من البنيات التحتية لكي يحقق اختراعاً معيناً واحتمال وجود هذا المخترع الآن أصبح ضعيفاً جداً نظرا لقدرات الفرد المحدودة ويمكن أن نجد الآن دولاً أو مؤسسات أو شركات.. الخ تحقق صفة المخترع الخارق .

إن التعامل مع الخيارات هو الطريق للإبداع في كافة المجالات, فالتجربة والخطأ أو التجريب, والاكتشاف والاستكشاف للخيارات الجديدة هو أساس الإبداع, ويجب توفر قدرات مناسبة وكافية للتعامل مع هذه الخيارات وخاصةً في هذا الوقت فقد أصبحت الخيارات كثيرة بشكل هائل ولا يمكن الإحاطة إلا بجزء منها ولا يمكن التعامل معها بكفاءة إلا بعد تصنيفها وتنظيمها وتخزينها بشكل مناسب ويلزم لذلك وقتاً ومجهوداً كبيرين , وكذلك توفر ظروف مادية واجتماعية وفكرية ونفسية مناسبة, فالخيارات اللا متناهية موجودة في الكتب والمراجع ولكن الوصول إليها وإلى المناسب منها, وتنفيذها هو الصعب. وعندما تكون الخيارات هائلة يصعب التعامل معها فردياً, والابداع يلزم ويفضل أن يقوم به فرد واحد (فهو أكثرجدوى) لهذا صار الإبداع الفردي قليلاً ومحصوراً في مجالات محدودة, وأصبح الإبداع والاختراع الآن تقوم به جماعات أو مؤسسات كبيرة وذات قدرات واسعة- مادية وبشرية -. ويلزم للإبداع والاختراع توفر العناصر التالية: 

 1- قدرات عقلية كبيرة ومنظمة وقادرة على التعامل مع الخيارات المطلوبة, بتصنيفها وتنظيمها وتخزينها ومعالجتها بآليات متطورة ومتنوعة , وبالتحريك الفكري المتطور, واكتشاف النظام والمعاني الهامة, والسعي إلى الاختزال  والتبسيط , والقدرة على اكتشاف المشكلات والمتناقضات, والتعامل مع الفوضى والقدر العالي من التعقيد

 2- توفر كمية الخيارات المطلوبة والمناسبة في المجال الذي يراد الإبداع فيه (كمية خيارات يستطاع تناولها وهضمها وتمثلها), واستعمال سلاسل أسباب مترابطة طويلة .                                                                                                               

 3- قدرات جيدة على تصحيح الخيارات المناسبة للوصول إلى الهدف المطلوب سواء في البحث عن خيارات جديدة أو تعديل طرق معالجة هذه الخيارات بالتوافق مع الاختيار الفكري الأفضل, والتأكد من التصحيح                                  

 4-  تذوق اللذات الفكرية والمغامرات الفكرية والاهتمام بها ,  وتوفر دوافع وقدرات كافية للاستمرار والمثابرة والإنجاز                                                                   

 5- استخدام أقل قدر ممكن من المحاكاة والتقليد والاعتماد على الطرق والآليات الجديدة , وإذا تعذر فالمعدلة والمتطورة.            

 6-  معرفة أن هناك دوماً الأفضل والأصح والأدق , و يجب أن تكون الغاية والهدف واضحان ومحددان بشكل جيد ودقيق ما أمكن ذلك.                                           

                                                                                                         

                                ثلاث ألعاب و ثلاثة أنواع من اللعب                                                                      

1- لعبة طاولة الزهر وما شابهها.  

2- لعبة الشطرنج وما شابهها. 

3- لعبة البر يدج في الورق وما شابهها.      

إن لعبة طاولة الزهر وما شابهها يلعب فيها الحظ دوراً كبيراً _ الاحتمالات _. واللاعب في هذه الألعاب هو الذي يعرف أو يدرك آليات وقوانين الاحتمالات بشكل واع أو غير واع. وتكون قراراته وإستراتيجياته في اللعب تعتمد على ذلك, فالاحتمال الأكبر أو الأصغر - أي درجة الاحتمال- هو الذي يقرر طريقة لعبه, و يوجد شبيه لهذا في كافة أنواع ألعاب الحياة ولكن في ألعاب الحياة يجب أن يعرف الإنسان معلومات عن احتمالات حدوث الحوادث والتي هي كثيرة جداً, وكلما زادت كمية ودقة هذه المعلومات كانت فرصة النجاح في هذه الألعاب أكثر, ودور الخصم في ألعاب الحظ ليس حاسماً مقارنةً بباقي أنواع الألعاب والتأثير في ألعاب الحظ هو لحساب ومعالجة وتقييم الاحتمالات. 

أما في لعبة الشطرنج والألعاب التي تشبهها فالحظ هنا معدوم التأثير ولا وجود له, وطريقة لعب الخصم هي المهمة وهي التي يجب التعامل. وما يلزم اللاعب لكي يصبح ماهراً هو المعرفة بآليات وتكتيكات واستراتيجيات اللعب مثل الافتتاحيات وتفريعاتها وميزات كل منها و كذلك إستراتيجيات لعب الوسط والنهايات ومعرفة كيفية الهروب إلى التعادل في الوقت المناسب عند الأوضاع الخاسرة, وكذلك معرفة ألعاب اللاعبين المهرة بالإضافة إلى القدرة الكبيرة والواسعة على التفكير والمعالجة والتصور والتقييم, وكل هذا يستخدم للفوز على الخصم ,الذي يجب أن يدرس وتراعى قدراته وطرقه الفكرية والنفسية لكي تؤخذ في الحسبان عند اتخاذ القرارات الأساسية في اللعب مثل الهجوم السريع أو وضع الأفخاخ أو الدفاع . . .  إن لعبة الشطرنج وما شابهها تمثل التنافس والصراع الفكري والجسمي والمادي بين خصمين أو أكثر, ونظرية الألعاب تنطبق كثيرا عليها.

أما في لعبة البريدج بالذات فإن الحظ, والتفكير والدراسة يكون لكل منها أهميته ودوره وتأثيره, وتأثير الحظ يتراجع كثيراً عن تأثيره في باقي ألعاب الورق, فالآليات والطرق المتبعة في لعبة البر يدج تخفض كثيراً من تأثير الحظ, فالمهم في لعبة البر يدج هو تقدير وتحديد نوع وقوة ورق اللاعب وكذلك نوع وقوة ورق الشريك بالإضافة إلى تقدير و تنبؤ دقيق لورق الخصمين (وذلك أثناء المزاد), وعند اتحاذ القرارات في المزاد يجب أن تتخذ بناء على القدرات أو الإمكانيات الحقيقية للورق _ودور المناورة والخداع ضعيف جداً , وإذا استعمل الورق القوي للفوز بربح صغير يكون هذا سهلاً ومضموناً ولكنه يعتبر خسارة لعدم الاستفادة القصوى من قوة الورق عند وجوده فالمهم في لعبة البر يدج الدقة في تحديد قوة وإمكانية الورق والاستفادة منهما بالتمام ليس أكثر ولا أقل وهذا يضعف تأثير الحظ لأن محصلة قوة الورق تكون متقاربة عند لعب الكثير من الأدوار, ولعبةالبر يدج تراعي نظرية الألعاب من حيث أن اللاعب الماهر يستفيد الاستفادة القصوى من الوضع الرابح وذلك بتحقيق أكبر مكاسب, وكذلك يستفيد ا ستفادة قصوى من الوضع الخاسر وذلك بتقليل خسارته أقل ما يمكن. 

الآن إذا قارنا هذه النماذج الثلاث مع كافة أنواع الألعاب في كافة المجالات لوجدنا أن أغلب الألعاب تنتمي لأحد هذه النماذج , وسوف نجد أن الألعاب المستعملة في تشكيل الفنون مثل الأدب والرسم والموسيقى والطبخ.....تستخدم طرق وآليات خاصة مختلفة وكذلك الألعاب المستخدمة في الإبداع والاختراع.                                                                                                                            

لعبة التعرف على الأشياء المضمراسمها, عن طريق الأسئلة.       

هناك لعبة تتضمن إضمار اسم شيء ما, ويطلب من الآخرين معرفته, بإلقاء الأسئلة على الشخص المضمر, وعادة يحدد عدد الأسئلة و التقيد بالإجابة عليها بنعم أولا. إن أفضل طريقة لمعرفة اسم الشيء المضمر هو البدء بأصناف الأشياء الأساسية العامة إلى الأقل عمومية إلى أن نصل إلى اسم الشيء المضمر, إن دراسة منهج هذه اللعبة يقودنا إلى أفضل السبل لتصنيف الأشياء أو المفاهيم, وهو التصنيف على شكل نموذج الشجرة أصل وفروع وهذه الفروع هي أصل لفروع أخرى ..... وهكذا دواليك. إن عملية السؤال والجواب للوصول إلى معرفة اسم الشيء المضمر تجري على شكل جدل أو تغذية مرتدة ويسير هذا الجدل باتجاه تناقص العام للوصول إلى الخاص المفرد أو الشيء المضمر, ولكي يتم الجدل بطريقة فعالة وسريعة ليوصلنا إلى الجواب الصحيح يجب استعمال تصنيفات عالية التكميم (محددة ودقيقة وعالية التعيين والثبات), وأي ضعف بالتكميم - تداخل وعدم وضوح - يعقد عمل السائل وكذلك عمل المجيب ويصعب الوصول إلى الاسم الصحيح, والأمر المهم الثاني هو مناسبة ودقة السوأل والجواب- جودة التواصل الفكري واللغوي- . 

إن هذه العملية توضح آلية بناء المعرفة البشرية, فالانتماء أو التضمن والتعميم والاستقراء يستخدمان في الاستنتاج والاستنباط للوصول لمعرفة المجهول عن طريق معرفة خصائصه وانتماآته وعلاقته بباقي الأشياء, فإذا كان الشيء المجهول لا ينتمي إلى أي نوع من الأشياء وهو نوع فريد عندها يستحيل معرفته, فلابد من انتمائه إلى نوع معروف لدى العقول المتعاملة معه, إن آلية البحث أو التفكير هذه هي الفعالة والأسرع وهي تستعمل في كافة العقول وعقول الحيوانات تستخدمها أيضاً 

لعبة كرة القدم

نحن نشاهد هذا الاهتمام الكبير للكثير من الناس بلعبة كرة القدم سواء كان بممارستها أو مشاهدتها ومتابعة أخبارها, ما هي عوامل وأسباب ذلك ؟

بما أن هذا موجود فلابد من وجود عناصر وعوامل وجوده وبالتالي لابد من وجود وظيفة ودور نفسي وبالتالي اجتماعي لذلك, أما الدور النفسي فهو ناتج عن ما تتضمنه هذه اللعبة من تأثيرات حسية و فوائد مادية على المهتمين بها إن كانوا ممارسين أو مشاهدين, فهذه اللعبة يوظف فيها مئات المليارات وتحقق مداخيل خيالية وهذا ناتج عن انتشارها غير المعقول .  

ألعاب الكومبيوتر

لقد انتشرت ألعاب الكومبيوتر و الفيديو  انتشاراً شبه سرطاني لدى الصغار والكبار, وهذا لأنها أثارت مراكز الصراع والمنافسة والتشويق في الدماغ بطريقة سهلة وواسعة, فالشحن والتفريغ لمراكز الربح و الخسارة في الدماغ صار يجري بطرق منوعة ومتعددة و واسعة وبمشاركة حواس السمع والبصر, و مترافقاً مع الاستجابات الحركية والفكرية, وذلك دون تكاليف تذكر, فهي خلقت واقعاً إفتراضياً لممارسة أنواع متعددة من الأحاسيس . 

وقد شغلت الكثير من المفكرين لأنها كانت بهذا الانتشار وهذه القوة, وهوجمت من قبل الأكثرية بسبب تأثيرها على بعض البنيات الاجتماعية والفكرية, وتبديدها للكثير من المال والوقت للكثير من الأطفال والشباب , وقد وجد الكثيرون أنها بلا جدوى وضارة للأولاد ويجب الحد منها , وهناك من وجد (وأنا منهم)أنها يمكن أن تكون مفيدة وهامة لنمو القدرات الفكرية والنفسية والعملية إذا استخدمت بطريقة مدروسة مسيطر عليها, بالإضافة إلى إنتاج ألعاب مدروسة هادفة, وهناك الكثيرون الذين اهتموا بها لمرد ودها المادي الكبير والواسع, سواء كان في التصنيع والإنتاج أو في التسويق لتأثيرها الدعائي...... 

إدمان ألعاب الطاولة والورق وغيرها, والإدمان على ألعاب القمار

إننا نلاحظ الانتشار الواسع والإدمان على ممارسة ألعاب معينة مثل ألعاب الطاولة الزهر والورق والكثير غيرها.

ونحن نلاحظ هذا الهوس الشديد للعب ولساعات طويلة ودون ملل أو كلل( حتى دون رهان مادي), ماهي عوامل ومسببات ذلك ؟

إن أحاسيس الفوز والخسارة هي المحرك والمسبب الأول, فهذا التناوب أو الانتقال من الهزيمة إلى النصر وما يصاحبه من أحاسيس لذيذة هو ما يسعى إليه اللاعبون وهو الدافع الأساسي للعب, فعندما يكون الربح سهلاً جداً أو تكون الخسارة شبه مؤكدة (أي التناوب بين الهزيمة والنصر قليل) عندها تضعف كثيراً أحاسيس اللذة المرافقة للعب, وكذلك يتضاعف مقدار الأحاسيس اللذيذة عند حصول الفوز بعد مجهود كبير وخسارة متكررة, أما إذا كانت الخسارة متكررة بشكل محبط فعندها يتم السعي لتحاشي اللعب, فلابد من حصول الفوز بوتائر مناسبة ليتم تعزيز الشعور بالأحاسيس اللذيذة . ففي الألعاب التي لا تعتمد على الحظ  مثل ألعاب الذكاء(الشطرنج وما شابهه) وألعاب المهارة تكون نتيجة اللعبة غالباً محددة ومعروفة عندما يكون فرق المستويات المهارة كبيراً, فعندها يفقد اللاعبون الدافع للعب فاللاعب القوي لن يتلذذ بالنصر لأنه سهل وهو ليس بعد خسارة, أما اللاعب الضعيف فسيتعرض للخسارة المتكررة ولن يشعر بلذة النصر الذي لن يستطيع تحقيقه لذا الدافع للعب لدى الاثنين يكون ضعيفاً أو معدوماً , لذا يجب أن تكون الفروق في مستويات مهارة اللعب في هذه الألعاب متقاربة وضمن حدود معينة تؤمن تحقيق الفوز لكلا اللاعبين وإن كان بنسب مختلفة, وفي كافة ألعاب التنافس وكذلك في الصراعات عندما تكون الهزيمة أو النصر مؤكدين, عندها يتم تحاشي اللعب, وكذلك تحاشي الصراع . وألعاب الفوز والخسارة يمكن أن تلعب مع غير البشر الحيوانات والآلات- ألعاب الفليبر مثال- والكومبيوتر ويمكن الادمان عليها. 

أما بلنسبة لإدمان القمار فهذا راجع إلى الأحاسيس القوية جداً المرافقة للربح والخسارة, وهذا يناسب الذي يسعى للأحاسيس القوية جداً والذي يعشق المغامرة والمجازفة. ففي ألعاب القمار يقوى تأثير الربح والخسارة كلما زاد مقدار المبلغ المقامر به .

والتناوب بين الريح والخسارة أو التناوب بين النجاح والفشل - أو شحن وتفريغ للأحاسيس- يستخدم أيضاً في كافة أشكال الأدب وفي السينما, فالتأزم في العلاقات أو الأوضاع ثم انفراجها - العقدة ثم الحل- والتشويق باستخدام التوقع والترقب للأحداث, والاعتماد على التقمص والإسقاط , واللعب بكل ذلك  هو الذي يدفع الجمهور للاقبال على الأدب والسينما وكافة الفنون السمعية البصرية.  

 

 

 

                                         الألعاب الفكرية 

إن ألعابنا الواقعية لا يمكن لعبها دون الألعاب الفكرية فالألعاب المادية تعتمد بالأساس على الألعاب الفكرية, وعندما تكون الألعاب الفكرية المستخدمة محدودة وغير متطورة تكون الألعاب المادية ضعيفة وغير فعَالة في تحقيق الأهداف, صحيح أن اللعب و المران العملي يحسن الأداء في اللعب إلا أن تطوير الألعاب المادية بواسطة الألعاب الفكرية يكون أوسع و أسرع بكثير, فمخزون المعارف أو الأفكار الجماعية - العلم و غيره - هائل و يمكن أن يساعد في كل الألعاب. 

في كل لعبة هناك عدد معين من الأوضاع و الاحتمالات و بعض الألعاب ااحتمالاتها و خياراتها كثيرة جداً مثل الألعاب الفكرية الفلسفية فهي جدل فكري أو تبادل تأثير منظم يقوم به العقل, بين أفكاره المخزنة فيه. وعندما يقوم مفكر بخلق فلسفة خاصة به فهو بذلك يقوم بصنع أو خلق لعبة يكون هو أهم لاعب فيها فهو الذي يضع الأسس و القوانين و العناصر أما بقية اللاعبين فهم المفكرون وصناع الفلسفات الأخرى يأتي بهم بعد أن يختارهم و يحجم أفكارهم كما يريد, وعندما يقوم باللعب معهم يكون قد كتب وأوجد سيناريو اللعبة وأهدافها, وهذا ما فعله أفلاطون في محاوراته وكذلك يفعل أغلب الفلاسفة . فالمفكر يبني أو يخلق فلسفتة بطريقته الخاصة وطبعاً له غاية وهدف فهو يريد إما أن يرضي أو يحقق دافعاً داخلياً أو يريد الرد على بعضهم أو ينقدهم أو غير ذلك, فهناك أهداف محتملة كثيرة, و بعد أن يبني فلسفة و يحاول أن ينقل أفكاره للآخرين هنا يكون أمام وضع مختلف, فلكي يقبلها الآخرون- أي تنتشر أفكاره في العقول الأخرى وتحدث تأثيرات مادية- يجب أن تفهم أولاً و تجد صدى أو ميل لتبنيها ويجب أن لا تتناقض أو تتضارب مع ما هو معتمد لديهم من مبادئ وأفكار  و مع ما هو موجود من عادات وتصرفات وأوضاع مادية واقتصادية واجتماعية, وهذا يعني أن مرجع كافة الأفكار هو الواقع المادي والاجتماعي لذلك لابد أن تتوافق الألعاب الفكرية مع الواقع المادي والفكري والاجتماعي .

                          التفكير البشري و التفكير بشكل عام

إن التعامل  مع الخيارات يتم بناءً على أحد الطرق التالية:

1 _ بناءً على تأثير البنيات الخارجية على البنية المتعاملة مع الخيارات, أي أن الخيارات تكون مفروضة مباشرة على البنية, والتفاعلات بين البنيات الفيزيائية مثال على ذلك: النهر عندما يشكل مساره أو مجراه فهو يشكله حسب العناصر والقوى أو التأثيرات - أي الخيارات الفيزيائية- التي تحدث له. 

2-بناءً على تأثير البنيات الخارجي ولكن بعد مرورها بمعالجة بسيطة أو معقدة, أي أن تأثير الخيارات يكون غير مباشر ويخضع لتعديل وتغيير حسب المعالجة التي يخضع لها , وأعقد أنواع المعالجات هي التي تتم في العقل البشري, ومن هذا المنظور نجد أن التفكير لم يعد مقتصراً على الإنسان أو الحيوان فهو موجود لدى بعض البنيات, فهو حادثة عادية طبيعية منتشرة لدى بعض البنيات , ولكن الفرق الآخر و الهام بين التفكير البشري و الحيوانات المتطورة من جهة و تفكير باقي البنيات المفكرة الأخرى من جهة ثانية هو وجود الإحساس أو الشعور المترافق مع التفكير والمتفاعل معه في نفس الوقت, وهذا الإحساس يصبح لدى الإنسان على شكل وعي متطور واسع, ويتشكل أيضاً وعي جماعي .

إن هذاالتوضيح للتفكير البشري يسٌهل فهمه, ويساعد في التعامل معه لبناء معارف عالية الدقة , وبالتالي يسهل التعامل مع الأوضاع لتحقيق الأهداف والدوافع , فإذا اعتبرنا أن التفكير هو التعامل مع الخيارات المتاحة واختيار المناسب (أي معالجتها كما في الكومبيوتر) بناءً على طرق وآليات معتمدة سابقاً وذلك للوصول إلى أوضاع محددة سلفاً, و إذا جعلنا الأحاسيس والإدراكات والوعي هي مرافقة للتفكير  وليست من أساس التفكير فهي مستقلة عنه ولكنها مساعدة , فإننا نجد أن الكائنات الحية الأولية- وحيدة الخلية- تفكر ولكن بعناصر وآليات فزيولوجية و كيميائية, و أن هناك الكثير من البنيات تفكر فتعالج الخيارات المتاحة وتختار وتصحح وتعود وتختار للوصول للأنسب لها, ووجدنا أن التفكير ليس مرتبطاً بالجهاز العصبي فقط كما يظن أغلبنا, فنحن نربط التفكير بالأحاسيس والانفعالات والمعالجات الفكرية المنطقية مع أن كل منهم له عناصره وآلياته الخاصة به  لكنهم يعملون معاً وهذا يجعل نتائج عملهم معقدة متشابكة ويصعب فهمها, فيجب تحليل ناتج عملهم لكي يتوضح لنا عمل كل منهم, وكل تفكير يعتمد التعرف والذاكرة, ولكي يتم التعرف لا بد أولاً من التأثر بالمراد التعرف عليه, ثم لا بد من الاحتفاظ – الذاكرة- , و تصنيف هذه التأثرات وذلك بالاعتماد على تمييز تأثيرات كل منها عن الآخر, وهذا يتم بمقارنتها مع بعضها لتمييز الفرو قات بينها, فالتعرف يتضمن التمييز, وللتمييز لا بد من المقارنة, لذا فالتعرف ليس عملية بسيطة وهو الأساس الذي يبنى عليه كل تفكير - أو المعالجة الفكرية- , والتعرف بالنسبة للعقل البشري يتم ببناء الهويات أو المفاهيم التي ترمز الأشياء التي تم التعرف عليها, وبناء على ذلك يمكن أن نعتبر كل بنية تقوم بالتعرف هي بنية تستطيع أن تفكر إذا قامت بمعالجة ما تعرفت عليه من لكي تحقق أوضاعاً محددة , وهذا التعريف للتفكير يسمح لنا بتصنيف الكثير من البنيات على أنها تقوم بالتفكير. 

ومن هذا المنظور يمكن اعتبار حتى البنيات الاجتماعية هي بنيات مفكرة مثلما وحيدات الخلية هي بنيات مفكرة, ويمكن إرجاع كل تفكير مهما كان متطوراً ومعقداَ سواء كان هو أو البنيات التي تقوم بهذا التفكير يمكن إرجاعه إلى أسسه الفيزيائية, وإذا أخذنا التفكير البشري كمثال فإننا نجد أنه يعتمد بشكل أساسي على البنيات اللغوية الفكرية ومعالجتها , والتي يمكن إرجاعها إلى البنيات الفكرية العصبية والتي بدورها يمكن إرجاعها إلى البنيات الفزيولوجية, والتي ترجع إلى البنيات الكيميائية التي ترجع إلى البنيات الفيزيائية. و تتفاعل البنيات اللغوية مع البنيات الاجتماعية عبر الناس الذين يستعملونها وهذا يعقد  الوضع كثيراً. 

 

                                        أعرف نفسك

لقد عرف أغلب المفكرين أن معرفة الذات أو النفس هو الأهم, فعندما كتب المفكرون الإغريق على معبد دلفي أعرف نفسك كانوا يعرفون أن الأساس الذي تبدأ منه المعارف هو معرفة النفس , وأن هذا ليس بالأمر السهل أبداً, وعندما كان يؤكد سقراط على أن السعي لمعرفة النفس هو الأساس لكافة المعارف كان يعرف أيضاً أن هذا ليس بالأمر السهل, ولكن لابد منه , ونحن أيضاً ما زلنا نسعى لمعرفة نفسنا فما زال مجهولاً أغلبها.

لقد نشر الكسيس كاريل كتابه" الإنسان ذلك المجهول" في بدايات القرن الماضي, الذي لقي رواجاً كبيراً, والكثيرون اعتبروا أن معرفة الإنسان الحقيقية غير ممكنة أو شبه مستحيلة, والإنسان كائن مختلف عن باقي الكائنات  فهو مختلف عن كافة الموجودات. ولكن الآن هل ما زال الإنسان مجهولاً ؟

لقد تمت معرفة الكثير عن الوجود وعن الإنسان وفي أغلب المجالات , وقد توضحت آلاف الأشياء عنه وفي كافة المجالات, وأصبحت الأشياء المجهولة عنه (أصله – عناصره ومكوناته وبشكل خاص دماغه- خصائصه- . . .إلخ) في تناقص مستمر , ويتم هذا بسرعة كبيرة. فما تمت معرفته لم يكن أحداً يفكر أو يحلم بتحقيقه, والكثيرون الآن يعتبرون معرفة كافة الأشياء الهامة والأساسية عن الإنسان أمر مفروغ منه ولا يحتاج إلا إلى وقت وهذا الوقت ليس ببعيد . 

وهناك من يعتبر الإنسان مثل كافة الموجودات وهو لا يختلف عن باقي الكائنات الحية إلا في درجة التكيف والتطور, ويمكن تحقيق الكثير مما يعتبر مستحيلاً , فحتى الموت هناك دعوة للتحكم فيه.      

أغلب المفكرين ورجال العلم الآن يرجعون النفس إلى الوعي  وأن  معرفة الوعي وخصائصه وكيفية نشوئه هو معرفة النفس , و معرفة الوعي تستلزم معرفة كافة أجزاء الدماغ وعمل كل منها, وهذا صعب جداً ولكنه ممكن, وهناك من يعتبر أن ذلك غير كاف ولا يمكن معرفة الوعي بالطرق الفيزيائية أو الفزيولوجية. ويظل أهم شيء فهم عمل دماغنا .

 عمل الدماغ بشكل موجز.

         إن أدمغتنا تتألف من طبقات عدة متميزة و متمحورة تبدأ من أكثر الطبقات بدائية وتحوي على طبقات متتالية أكثر حداثة تحيط بالطبقات السابقة.

الطبقة الأولى من المخ والأكثر عمقاً والتي يدعوها البيولوجي  باول ماكلين القاعدة العصبية, وهي التي تتحكم في وظائف الحياة الأساسية مثل التغذية و الإطراح ودوران الدم والتنفس وكافة الآليات والأعمال الحيوية, وتتألف من النخاع الشوكي وجزع المخ والمخ الأوسط , وتؤلف القاعدة العصبية في الأسماك معظم المخ.

الطبقة الثانية - وهي طبقة الزواحف- وهذه الطبقة تحيط بالقاعدة العصبية, وهي مشتركة بيننا وبين الزواحف, وتضم الفص الشمي والجسم المخطط والكرة الدماغية الشاحبة, وتتحكم هذه الطبقة في السلوك العدائي والتراتب الاجتماعي وتحديد منطقة النفوذ. 

الطبقة الثالثة وهي تحيط بالطبقة السابقة وتسمى النظام أو العقل الحوفي وتوجد في الثدييات, وهي تتحكم في العواطف والتصرفات الاجتماعية بشكل رئيسي, وفي الشم , وفي الذكريات أيضاً.

الطبقة الرابعة - هي اللحاء- وهي تحيط بكل الطبقات السابقة وهي التي تتحكم في التفكير و الإدراك الراقي , ولها وظائف أخرى, وهي موجودة لدى الثدييات الراقية . وهي متطورة جداً لدينا.

ويمكن تشبيه هذه الطبقات الأربعة- أو هذه العقول الأربعة- , بأربعة مراكز قيادة متدرجة من حيث قدرتها وتطورها على إدارة استجابات الكائن الحي , أو تشبيهها بأربعة معالجات تنظم وتنسق وتدير استجابات الكائن الحي , وهي تشارك جميعها في إدارة حياة الكائن الحي .

الدماغ الحوفي واللحاء والعلاقة بينهما

الدماغ الحوفي عقل أو معالج أساسي قائم بذاته فهو كان  يقود ويدير استجابات و تصرفات الكائن الحي لدى أواخر الزواحف وأوائل الثدييات, أي قبل نشوء اللحاء , وقبله كان يقوم بهذا العمل جزع الدماغ الذي يوجد فيه التشكيل الشبكي والذي لا زال هوالمدير الأول لدينا, فهو مدير ما يستدعى إلى ساحة الوعي, والأنا الواعية تنشأ نتيجة إدارته لكافة بنيات الدماغ بمساعدة المهاد الذي يقوم بنقل وترحيل التيارات العصبية الواردة من المستقبلات الحسية عن طريق التشكيل الشبكي إلى اللحاء والمراكز الأخرى, ويديرالتأثيرات المتبادلة بين اللحاء والدماغ الحوفي وكذلك أعمال المخيخ .

تخزن في الدماغ الحوفي آليات استجابة و ذكريات أغلبها يكون موروثاً, و تكون على شكل استجابات معينة لمثيرات معينة مثل الخوف من الظلام أو من الأصوات العالية...., أما ما يخزن أثناء الحياة فهو الاستجابات القوية الهامة والتي ولٌدت أحاسيس وانفعالات قوية (آلام أو أفراح أو مفاجآت.... قوية) ويتم هذا بشكل أساسي في بداية الحياة , وقد كان العقل أو المعالج الشمي هو النواة التي تشكل منها اللحاء, وهو نقطة الوصل بينهما( وقد نشأت وصلات أخرى بين الدماغ الحوفي واللحاء) .

لقد كان النتوء اللوزي وقرن آمون وباقي الدماغ الحوفي هم الذين يتلقون واردات الحواس الشمية والصوتية والبصرية والحرارية......, فكان الدماغ الحوفي هو الذي يعالج ويقيم واردات الحواس وينتج الاستجابة ألمناسبة لها, وكانت أغلب الاستجابات موروثة محددة , وكانت إمكانية تعديل أو تغيير الاستجابة نادرة, فالمعالجة التي يقوم بها الدماغ الحوفي محدودة وضمن خيارات قليلة معينة محددة, وتكون موروثة غالباً, وكل استجابة جديدة يكتسبها الكائن الحي لا يورثها إلى أبنائه , أي كان تطوير العقل الحوفي لاستجاباته بطيئاً جداً. 

وقد نشأ اللحاء نتيجة الحاجة إلى المساعدة في معالجة واردات الحواس بشكل أوسع, وهذا يشبه تماماً قيادة رئيس القبيلة أو العشيرة أو الإمارة الصغيرة  فهو يكون قادراً على القيادة نظراً لاستطاعته التعامل مع مجريات الأمور ولكن إذا كبرت العشيرة أو الإمارة لتصبح دولة كبيرة لها الكثير من العلاقات الداخلية والخارجية عندها لابد لرئيس القبيلة أو الأمير من الاستعانة بالوزراء و الولاة والنواب عنه, وإذا كبرت الدولة أكثر عندها لابد من نشوء الوزارات والمؤسسات , ولابد من المستشارين والخبراء لمساعدة  الرئيس في القيادة و الإدارة , وهذا ما حصل في تطور الدماغ عند تطور قيادته للجسم ثم للعلا قات المادية مع الطبيعة ثم للعلاقات الاجتماعية  ثم العلاقات الثقافية , فقد كان لابد من نشوء بنيات دماغية تقوم بهذه الأعمال فقد نشأ اللحاء وتطور ليصبح كما هو عليه لدينا, فهو بمثابة المساعد والمستشار والخبير للدماغ الحوفي الذي يبقى هو المعالج الأساسي  والمقيم والمتحكم الأساسي في إدارة كافة شؤون الإنسان الجسمية والاجتماعية والفكرية, والفرق الأساسي بين اللحاء والدماغ الحوفي هو اتساع وقوة المعالجة واتساع الذاكرة لدى اللحاء, ولكن يظل اللحاء مستشاراً  فالإدارة والقيادة للدماغ الحوفي فهو الذي يقرر المعاني وبالتالي يقرر الأهداف والغايات بشكل أساسي , صحيح أن اللحاء يمكنه إقناع الدماغ الحوفي في بعض الأحيان ويجعله ينفذ أهدافه التي غالباً ما تكون أفضل , ولكن هذا لا يتم دوماً بسهولة فللدماغ الحوفي ثوابته الأساسية الموروثة في المعالجة والتقييم ويصعب تغييرها إلا ضمن حدود صغيرة, فاستجابة الغيرة والكثير غيرها ليس من السهل تعديلها, يمكن تعديلها خلال أجيال ومن خلال تعديل العلاقات الاجتماعية المرافق, فالدماغ الحوفي يتعلم ولكن ببطء شديد ونتيجة التكرار الكثير والزمن الطويل . والضمير لديناهو ما تم تعليمه للعقل الحوفي نتيجة الحياة الاجتماعية, إذاً تظل القيادة الأساسية والتحكم بالاستجابات والانفعالات بالذات بيد الدماغ الحوفي لأنها في الأصل عمله الأساسي, وكان تشكل اللحاء لمساعدته وليس لينوب عنه , ولكن معالجات اللحاء بالفعل أفضل وأوسع وأدق , ومع هذا فالقيادة والتحكم ليست بيده فهو مستشار فقط للعقل الحوفي , وفي أحيان كثيرة لا يوافق اللحاء على استجابات الدماغ الحوفي ويحتج عليها ولكن دون جدوى في أغلب الأحيان, ولكن قدرات اللحاء لدينا الآن تنمو بسرعة هائلة نتيجة الحياة الاجتماعية والثقافية والعلمية سواء كان في سعة أو دقة المعالجة أو في مخزون المعلومات, والآن يجد اللحاء في أحيان كثيرة طرقاً للاحتيال على الدماغ الحوفي وجعله ينفذ خياراته فهو يدير عمل الدماغ الحوفي بطرق ذكية كثيرة ويجعله يمتثل لما يريد, فالعقل الحديث يستخدم المعارف والمعلومات الدقيقة التي تم التوصل إليها ( بالإضافة إلى استعمال الأطعمة والوجبات والتصرفات والعقاقير المناسبة والتي تسمح له بتعديل استجابات العقل الحوفي), فهو يدير الكثير من الاستجابات بطريق غير مباشر وعبر الدماغ الحوفي , ومع كل هذا يظل الدماغ الحوفي هو باني المعاني الأساسي  فحتى اللحاء نفسه يطلب منه تحديد المعاني , أي أنه يبقى في النهاية هو الأساس لأنه هو الذي يحدد الممتع والمفيد وباقي المعاني  بشكل أساسي .    

من هنا نجد أن لدينا معالجين أساسيين أو عقلين أساسيين  الدماغ الحوفي , واللحاء, ولهما مدير هو التشكيل الشبكي. 

وهذا ما اكتشف وعرف منذ القدم , فهناك العقل, وهناك القلب, أو هناك العقل المفكر المتروي وهناك النفس الشهوانية المتهورة الغريزية, وهذا بالفعل موجود لدينا وكل منا يناقش ويجادل ويكلم نفسه , والتشكيل الشبكي هو الذي يدير هذا الجدال. 

ما هو الفرق بين التشكيل الشبكي , والدماغ الحوفي, واللحاء, من ناحية التعامل مع الخيارات والإرادة ؟

إن الفرق الأساسي هو أن التشكيل الشبكي يتعامل مع الخيارات والتي هي تيارات عصبية(طبعاً بمساعدة المهاد) بشكلها الفزيولوجي العصبي ويقيمها بناءً على تأثيراتها وقواها الفزيولوجية الكيميائية العصبية اللحظية , ويتم ذلك بناءً على الاستجابات الموروثة والاشراطات التي تبنى أثناء الحياة وحسب قوى وخصائص التيارات العصبية التي ترد إليه , والمهمة الأكبر للتشكيل الشبكي تشكيل وإدارة الوعي اللحظي , والذي يتشكل نتيجة الدارات العصبية الكهربائية المتصلة معه, والإرادة التي ينشؤها التشكيل الشبكي نتيجة تعامله مع هذه التيارات تقرر بناءً على نتيجة تفاعل التيارات العصبية الجارية فيه, وإذا لم يتدخل الدماغ الحوفي وبشكل خاص النتوء اللوزي بتقييماته عن طريق الدارات العصبية بينه وبين التشكيل الشبكي  فإن إدارة التشكيل الشبكي تفقد الكثير من توجيهاتها لحماية ورعاية الإنسان, فالمعاني المسقبلية لا يبنيها التشكيل الشبكي إلا بمساعدة الدماغ الحوفي , أما المعاني الواسعة والمتطورة التي يبنيها عقلنا الآن فهي تعتمد بشكل كبير على عمل اللحاء وبالذات الفصوص الجبهية, فنحن نلاحظ الأشخاص الذين قطعت الاتصالات بين المناطق الجبهوية والدماغ الحوفي نتيجة حوادث أو عملية جراحيةأن تصرفاتهم وتفكيرهم ومشاعرهم أصبحت لا تهتم بالمعاني المتطورة مثل المعاني الاجتماعية والثقافية والفكرية , ففي هذه الحالات يقوم التشكيل الشبكي ببناء المعاني والقرارات بناءً على ما يرده من المستقبلات الحسية ومن الدماغ الحوفي فقط ودون تدخل الفصوص الجبهية من اللحاء التي يمكن اعتبارها القسم الحديث من الدماغ الحوفي الأنها تتابع وتكمل عمله في التقييم والتقرير لإدارة الجسم وإدارة كافة التصرفات بما فيها التصرفات الاجتماعية والفكرية  

    " و يرى ( نوتا ) ان المناطق الحجابية من الفص أمام الجبهي تعتبرالقسم الحديث النشوء من الجملة الحافيٌة الذي يتلقى فعاليات الجملة الحافيٌة ويقوم بصقلها إلى حد كبير, كما يؤهل هذه المنطقة القياما بدور في مجال الموازنة بين الرغبة والامكانات, وبذلك تكون الباحة الحجابية مقراً لتكامل العالمين الوظيفيين الكبيرين الاعاشي والاتصالي فيجري اعادة تمثيل للعالم الخارجي المرتسم على القشرة المخية الجبهية الجانبية وعلى القشرة الجبهية الصدغية الأمامية بشكل متكامل مع المعطيات الهرمونية والحشوية للوسط الداخلي " 

وبهدف اعادة التوازن العاطفي عند اختلاله ومعالجة حالات مستعصية من الخوف والقلق والهواجس والاكتئاب. . وغير ذلك سادت لقترة من الزمن الجراحة النفسية العصبية التي توجهت واستهدفت بأساليب شتى قطع بعض الاتصالات بين الجملة الحافيٌة والقشرة تحت الحجابية من جهة وبين حصان البحر( قرن أمون) وتلفيف الجسم الثفني من جهة أخرى . 

الفصوص اللحاء الجبهية

البعض يعتبر أن الفصوص الجبهية هي التي توجد فيها سبورة الوعي أو هي التي تنشؤها وهذا غير دقيق, إن الفصوص الجبهية مركز معالجة وتقييم شامل ودقيق لكافة الواردات الحسية التي تصل إلى اللحاء وفيها يقيم المفيد والضار, والممتع والمؤلم, والصحيح والخاطئ والمجدي وغير المجدي (طبعاً بمساعدة النتوء اللوزي), ولكنها لا تحدث الوعي لوحدها  فهي تشارك في تشكيل الوعي لدينا بشكل أساسي , وفي الدماغ الحوفي بما فيه النتوء اللوزي والحصين يجري التقييم الأولي  لما يرد من تيارات عصبية (إعلامية) , وفيه يجري تحويل المفيد والمجدي إلى ممتع, والضار وغير المجدي إلى مؤلم, ويعتمد تقييمه بشكل أساسي على أسس فزيولوجية وعصبية موروثة أي مراجع تقييم محددة أغلبها موروث أو تم اكتسابها في بدايات الحياة  ويصعب تعديلها أو اكتساب جديد بعد ذلك ,أما تقييمات الفصوص الجبهية فهي كلها مكتسبة أثناء كافة مراحل الحياة. 

إنني أختصر المواضيع لكي أبسطها واختصاري هذا يمكن أن يكون غير دقيق فعمل بنيات الدماغ والدارات العصبية الجارية بين هذه البنيات والعناصر المكونة لهذه البنيات وآليات تفاعلها معقدة جداً وأغلبها لم يتوضح بعد. 

وأنا أتكلم كما في دراسة دارات الأجهزة الإلكترونية المعقدة مثل المقاسم الهاتفية والكومبيوترات وغيرها من الأجهزة المعقدة التي  تستخدم فيها عادة المخططات الصندوقية, وهي مخططات البنيات الأساسية ودارات عملها وتظهر عمل الجهاز الاساسي بشكل مختصر. 

والمخططات الصندوقية تستخدم في كافة المواضيع المعقدة وذلك لكي يستطيع العقل البشري التعامل مع التعقيد الكبير فهي تستخدم في كافة العلوم, والمهم في دراسة عمل الدماغ أن تكون البنيات الصندوقية المستخدمة لها بنيات في الدماغ تمثلها بشكل دقيق, فالبنيات الصندوقية التي استعملها فرويد مثل الأنا والهو والأنا العليا والشعور واللا شعور ليس لها بنيات في الدماغ تمثلها بشكل دقيق, وكذلك مفهوم الذاكرة القصيرة والذاكرة المديدة - وكان استخدام مفهوم الذاكرة الدينمية والذاكرة البنيوية بدل منهما أفضل وأدق-, و كان الاعتماد على تقسيم بنيات الدماغ حسب نشوئها وحسب الوظيفة التي تقوم بها كتمثيل صندوقي لعمل الدماغ أفضل بكثير, لقد كانت المعلومات المتوفرة أيام فرويد قليلة وغير دقيقة أما الآن فجزء لا بأس به من بنيات الدماغ قد وضحت بنيتها و حددت وظيفتها وحددت بعض اتصالاتها مع بعضها, وحدد أيضاً الكثير من آليات التفاعل الفزيولوجية والعصبية والكيميائية والكهربائية التي تجري بين هذه البنيات, فقد أمكن إرجاع الأشراط العادي إلى أسسه الكيميائية وأمكن معرفة عمل بعض الآليات الأساسية مثل معالجة الوارادات البصرية او معالجة الأصوات أو الكلمات والكثير غيرها  بشكل مفصل ودقيق .

بما أنه يجب أن يكون لكل عمل أساسي في الدماغ بنية أو مجموعة بنيات تؤديه ماهي البنيات الدماغية التي تقوم بالقياس والتقييم والحكم على مثير أو على وضع أنه مفيد أو ضار أو غير مجدي ؟

وماهي البنيات التي تحول تقييم المفيد أو الضار إلى ممتع أو مؤلم ؟ هل في اللحاء يتم القياس والتقييم والحكم؟ أم في التشكيل الشبكي ؟ أم في الدماغ الحوفي وبشكل خاص في النتوء اللوزي؟

البعض يرحج أن يكون النتوء اللوزي هو الذي يقوم بشكل أساسي بالقياس والتقييم والتقرير أي المثيرات أو أي الأوضاع مفيد أو ضار أو غير مجد أو أي منها معادية أو مساعدة  وصديقة وبناء على ذلك يبنى الممتع أو المؤلم, وهذا ليس تابعاً لعمل النتوء اللوزي لوحده .

ولكي يقوم الدماغ الحوفي بالتقييم يجب أن يكون لديه مراجع قياس وتقييم لكي يبني عليها التقييمات وهذه المراجع هي : 

 1- آليات وأسس للقياس والتقييمات موروثة  وتظهر نتائجها على شكل استجابات غريزية مثل الخوف أو الحذر من الظلام, أو من الحشرات والزواحف , أو من الأصوات العالية, وغيرها

2-بناءً على حدوث أضرارأو فوائد للجسم , مثال الطعام الضار أو الطعام المفيد.... 

3-بناءً على القياسات والتقييمات والقرارات التي يقوم بها اللحاءً

وكما ذكرنا عمل النتوء اللوزي الأساسي متابعة المثيرات والأوضاع الهامة لبيان أن كانت مفيدة أو ضارة, صديقة أو عدوة , مجدية أوغير مجدية, صحيحة أو خاطئة , لذلك يجب أن يحدث تخريب النتوء اللوزي أو إيقاف عمله العجز عن التقييم أي عدم القدرة على تمييز المفيد عن الضار والمجدي عن غير المجدي, وبشكل خاص في الأمور التي لا يتدخل بها اللحاء, أما تقييمات الخطأ أو الصواب فيشارك فيها اللحاء بشكل أساسي أوهو الذي يقوم بها.

ملاحظة على أسس جدل العقل 

إن كل جدل - تفاعل وتبادل تأثير- لابد أن يكون بين بنيتين أو أكثر, وكما ذكرنا التفكيرالذاتي هو تبادل تأثير بين عدة بنيات يجري في الدماغ وأهمها:

1- التشكيل الشبكي وهو المعالج الأساسي وأول المعالجات العصبية نشوءاً.

2- المهاد وماتحت المهاد والدماغ الحوفي.

3- اللحاء وهو يشمل الكثير من المعالجات 

إن دماغ الإنسان بعد أن يكتسب أو يصنع البنيات الفكرية( وخاصة البنيات الفكرية اللغوية), يستطيع لوحده أن يعمل ويقوم بجدل بين بنياته(التفكير الذاتي)  ودون مثيرات خارجية (دون مدخلات) وينتج الأحاسيس والبنيات الفكرية الجديدة, فهو يستطيع إجراء تبادل تأثير بين بنياته وإدارة هذا التبادل للوصول إلى هدف تم اعتماده, وكل منا يعرف الجدل الفكري الذي يقوم به, فكل منا يستطيع أن يفكر مثل شخصين يتجادلان وكثيراً ما يستعمل أحدنا عبارة قلت لنفسي أو راودتني نفسي  وكثيراً ما يعاتب الإنسان نفسه أو يحكم على نفسه, وأكبر مثال على ذلك هو ماينتجه الأدباء من قصص وروايات تشمل الكثير من الشخصيات والأحداث والمجادلات الفكرية وسيناريو الأحداث....., فكل هذا تم صنعه في دماغ واحد هو عقل الكاتب, إن هذه القدرة للعقل البشري هي التي جعلته شيئاً خارقاً في نظر كل منا, فذات أو نفس أو روح كل منا هي  هذا الشيء الخارق الذي ينتجه دماغنا . 

و للكائنات الحية عناصر وآليات متعددة  للتفكير غير العناصر والآليات العصبية , فهي تعتمد العناصر الفيزيائية والكيميائية والفزيولوجية  والأعضاء والأجهزة, وآليات متنوعة في التعامل مع الخيارات المتاحة للوصول إلى الأوضاع المستقرة والمناسبة لنموها واستمرارها(مثل جهاز أو أجهزة الحماية والمناعة_أجهزة التغذية والهضم والتمثل_أجهزة التكاثر والتزاوج_....), ويكون أغلبها موجوداً عند الأحياء البسيطة و القديمة  ولا يعتمد على الجهاز العصبي أو على الأحاسيس وإذا اعتمد على جهاز عصبي فهو يكون جهازاً بسيطاً , ويجب أن ننتبه كما قلنا إلى أن الجهاز العصبي يعتمد في عمله على العناصر والآليات الفيزيائية والكيميائية أيضاً. 

هناك عقول أخرى عاملة لدى كل منا

هناك عدة عقول تعمل لدى الإنسان فبالإضافة إلى العقل العصبي هناك العقل الهضمي وهو يقود الجهاز الهضمي بما يناسب الجسم , وهناك العقل المناعي وهو يقود الجهاز المناعي , وهناك الجهاز التناسلي والعمليات التناسلية ولها عقل يديرها وبالتعاون مع العقل العصبي فهناك تبادل تأثير واسع بين العقل التناسلي والعقل الواعي , وتتعاون هذه العقول لإدارة وقيادة الجسم وتكون القيادة العليا للعقل العصبي وبالذات للعقل الواعي  فهو يتدخل في جزء من عمليات الهضم, وجزء أصغر من عمليات الجهاز المناعي , ويتعاون مع العقل المناعي فسيولوجياً.

ملاحظة على العقل- أو التفكير- الفزيولوجي - العقل المناعي-

إن أبسط الكائنات الحية هي" الأوالي " ويبلغ عمرها حوالي 2500مليون سنة وهي وحيدة الخلية , أي أن وظائف الحياة كلها تدار وتنجز في خلية واحدة فقط  فلا يوجد فيها أجهزة مستقلة مثل الجهاز الهضمي أو الدوران أو الحماية أو العصبي..., ففي الأوالي تتم بواسطة البلعمة  وظائف التنفس والهضم والتغذية والدفاع أو المناعة أو الحماية من المؤثرات الخارجية الضارة,وأول المظاهر المناعية لديها, هي تمييز الذات عن اللا ذات, فبعض الأوالي تعيش في مستعمرات ويجب تمييز الذات عن بعضها, وإنه يصعب قيام الحياة في مستعمرة أو حدوث توالد جنسي(أي بين كائنين حيين)  في غياب القدرة على تمييز الذات عن اللا ذات , لذلك فمن المرجح أن تتوفر هذه المقدرة لدى الحيوانات الأوالي, و حتى الإسفنجيات التي تعد أبسط التوالي(الحيوانات عديدة الخلايا) باستطاعتها تمييز الذات عن اللا ذات فخلاياها تهاجم طعوماً من إسفنجيات أخرى, ولكن استجابة الرفض ليست مماثلة لما يوجد لدى الفقريات وذلك بسبب تطور وتعقد وتنوع المناعة ونشوء الذاكرة المناعية, فالرفض والمقاومة لدى الفقريات يكون أسرع وأشد في المرة الثانية أي يحدث تذكر وبالتالي تعلم لتكيف أفضل مع الأوضاع التي يمكن أن تحدث, وعنصر التعرف والذاكرة في الاستجابة المناعية هو حجر الأساس في الجهاز المناعي ,إن السمة الأساسية لأي جهاز مناعي هي القدرة على التمييز بين الخلايا والنسج والأعضاء التي هي أجزاء من الجسم وبين المواد الغريبة, أما المهمة الثانية فهي التخلص من هذه المواد الغريبة  والتي تكون غالباً بكتريا أو فيروسات, إضافة لذلك فإن الجهاز المناعي  عادة ما يميز  ويتخلص من خلايا ونسج الذات التي تبدلت بفعل الطفرة أو غيرها أو المرض كالسرطان. 

ويتفق معظم المناعيين على أن الجهاز المناعي لدى الثدييات بما فيها الإنسان يملك أشد الآليات تعقيداً للتعرف على الغزاة وعلى العناصر الضارة والتخلص منها .أن الجهاز المناعي يعمل من أجل أهداف محددة معينة وهو يتعرف ويميز ويختار الخيارات أي السبل الأفضل والأجدى للوصول إلى أهدافه, وله ذاكرة قوية جداً وعالية الدقة , وهو يصحح أو يعدل خياراته(يتحكم ويدير ويقود) حسب الأوضاع والظروف المتغيرة , ليستمر في تحقيق الأهداف التي هي تأمين تنمية وحماية الجسم من المواد والعناصر الدخيلة أو العناصر والخلايا الذاتية التي شذت أو ماتت( السرطانات وغيرها), وهو يعمل حسب عناصر وآليات فزيولوجية وكيميائية فعالة متوارثة, فهو بمثابة عقل يعمل بكفاءة عالية , وإذا قارناه بالعقل العصبي فسوف نجد أنه لا ينقصه إلا الشعور والوعي الموجود لدى العقل العصبي, والتنوع والتعقيد الموجود لدى العقل المناعي يماثل العقل العصبي تقريباً 

وفي الأساس العقل العصبي مؤلف من عدة عقول تعمل معاً متعاونة فيما بينها  منها العقل الشمي  والعقل البصري والعقل السمعي ... والمخيخ المسؤول عن قيادة العضلات وتنسيق عملها, والعقل التقييمي (الحوفي) وهو الذي يبني التقييمات ويدير التأثيرات المتبادلة بين الغدد الصم والجهاز العصبي . 

وهناك أهم العقول بالنسبة لنا وهو العقل الوحيد الذي نتميز به عن باقي الكائنات الحية لأننا نحن الكائنات الحية الوحيدة الذين نملكه( حسب المعلومات المتوفرة الآن)  وهو العقل اللغوي , فهو يتعامل مع كافة العقول الأخرى( العقل البصري والسمعي .... ), لأنه يستطيع التخاطب معها, وذلك ببناء البنيات العصبية الفكريةاللغويالتي تمثٌل أغلب البنيات الفكرية التي تتعامل معها تلك العقول .

ونحن كذوات  أو كأنفس موجودون فقط في العقل الواعي  وهو جزء صغير أقل من واحد بالمئة من الجهاز العصبي , وهو يستطيع الإطلاع على الكثير من العمليات الجارية داخل الجسم وداخل الدماغ لأنه القائد والمدير الأعلى والنهائي , ويستطيع التدخل في أغلب عمليات كافة العقول, وهوالمتعاون الأساسي مع العقل اللغوي وهو الذي يقود عملياته . وقد نشأ لدينا عقل جديد وهو خاص بنا أيضاً فمفهوم الضمير( أو الأنا العليا عند فرويد) يقصد به عقل نشأ نتيجة الحياة الاجتماعية واللغة والتربية, فهو بنية متماسكة تنمو وتتطور, فهو العقل الذي أنشأته الحياة الاجتماعية.

كما قلنا إننا نعتبر أن الوعي والإدراك هما أساس مفهوم العقل وهذا ما حجب عنا أساس مفهوم العقل ، فالإدراك والوعي والفهم هم المراحل المتقدمة جداً من العقل , وأساس العقل في رأيي هو القدرة على التعامل مع الخيارات والتحكم بها لتحقيق هدف ، وهذا ما جعل كما قلنا الكثير من البنيات هي بنيات مفكرة , فبنية الحياة ، وكذلك بنية كل كائن حي (حيوان كان أو نبات ) والبنيات الاجتماعية والكومبيوتر وغيرها ... هي بنيات تتعامل مع الخيارات وتحقق هدفاً موضوعاً .

 

                                     عالم المادة وعالم الفكر

        هناك من جهة الواقع المادي- الفيزيائي- والتفاعلات المادية العملية مع الناس, هذا الواقع المادي يمتص أغلب قدرات و أوقات الناس و يستغرق أغلب حياتهم و يمنعهم من فهم و استيعاب الحياة والو جود بصورة أوسع و أشمل. 

وهناك من جهة أخرى عالم الفكر أو عالم البنيات الفكرية أي الأفكار المعارف مثل  الفلسفة و المنطق و الرياضيات و التاريخ و الأدب و كافة العلوم , وهو عالم موازي لذلك العالم الواقعي المادي و له عناصره و قوانينه و آلياته و خصائصه التي تختلف عن العالم المادي الفيزيائي اختلافات هامة, منها أن عالم الفكر لا يخضع للقوانين الفيزيائية و الطبيعية المادية, فالمكان  و الزمان , و التفاعلات فيه تجري بطريقة مختلفة و حسب آليات و قوانين مختلفة, ففي عالم الفكر يمكن السير عبر الزمن ذهاباً وإياباً, و كذلك يمكن السير بسرعة أكبر من سرعة الضوء, و يمكن إجراء تفاعلات كثيرة لا يمكن أن تجرى في الواقع الفيزيائي, و هذا يجعل عالم الفكر أوسع و أشمل و أسرع من العالم المادي بكثير ففي عالم الفكر يمكن التحرر من أسر الواقع المادي و تفاعلاته المحدودة بالمكان و الزمان و القوانين الفيزيائية و الانطلاق عبر الزمان ( عبر التاريخ ) و القيام بالتفاعلات و التجارب الفكرية المستحيل إجراؤها مادياً, فالتفاعلات الفكرية تستبق تفاعلات الواقع الفيزيائي بواسطة التنبؤات و التصورات أو التخيلات المرتكزة على العلوم الوضعية المتطورة والواسعة , و إمكانية عالم الفكر في المساعدة في تحقيق الأهداف و الغايات و المشاريع و الدوافع الفردية و الجماعية هائلة جداَ, فالفكر الديني و هو جزء من عالم الفكر يقوم بدور كبير و فعَال لأغلب الناس و يحقق المطلوب .

هندسة الأفكار و المعلومات 

وهي تتضمن دراسة إنتاج المعلومات، تداولها، تخزينها، تطويرها، والبحث عن المعلومات وإيجاد المعلومات المطلوبة، وحياة المعلومات ولادتها أو تشكلها ثم نموها وتطورها ثم تفككها أو ضياعها , وخصائص المعلومات، قوتها، بنيتها، ومقارنة ودراسة قوى الصراع على المعلومات،و حماية المعلومات من السرقة، واستثمار المعلومات وتسويقها،و تنمية وتوالد وانتشار المعلومات. وعلاقة المعلومات مع البنيات الأخرى وتأثير المعلومات على باقي البنيات وتأثير البنيات المادية والاجتماعية وغيرها و صراع المعلومات مع باقي البنيات، وعلاقة المعلومات مع بعضها من علمية و رياضية و عقائدية ولغوية. وكذلك دراسة درجة دقة المعلومات وقوى وتأثيرات المعلومات الدقيقة والمعلومات غير الدقيقة, وتأثير المعلومات على تطوير بنية الحياة وبنية الإنسانية، أي تأثير البنيات الفكرية - التي أغلبها على شكل معلومات- على باقي البنيات.

إنتاج المعلومات والأفكار 

إن إنتاج البنيات الفكرية أو إنتاج التنبؤات أو المعارف يتم عن طريق تحريك ومفاعلة البنيات الفكرية الأولية - واردات الحواس وغيرها- مع بعضها، فالمعلومات تنتج أو تصنع في العقول البشرية وبمساعدة البنيات الفكرية الموجودة خارج العقول- المتوضعة في الكتب والمراجع- وأيضاً صار الكومبيوتر يساهم  في صنع المعلومات فصناعة المعلومات هي الأساس الآن, والتكنولوجيا والبنيات المادية المتاحة أصبحت في خدمة صناعة المعلومات.

تستطيع الكثير من البنيات الفكرية أن تتحول إلى بنيات مادية بوجود هذه الخيارات المتاحة - التكنولوجيا وغيرها-, فاللعب بالأفكار أو المعلومات وإنتاجها هو الأساس الآن أما تنفيذ مضمون الأفكار وتحويله إلى واقع مادي فهو سهل نسبياً نتيجة توفر الإمكانيات التكنولوجية الهائلة, والتفاعلات الحاصلة بين المعلومات والبنيات التكنولوجية والمادية، وبين البنيات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية أصبحت معقدة ومتداخلة ولا يمكن أن يتم التعامل معها بفاعلية إلا بالاعتماد على البنيات الفكرية والمعلومات، والاعتماد بشكل خاص على البنيات الفكرية الرياضية وقدرات الكومبيوتر الهائلة, لذا غدا إنتاج وإدارة المعلومات والأفكار هو المهم في الدرجة الأولى حالياً.

الكتابة والتأليف. 

إن الكتابة من الألعاب الصعبة جداً والتي يلزمها الكثير من القدرات والمهارات والعناصر ولا يستطيع الكثيرون لعبها حتى وإن كانوا يملكون المعارف والمعلومات الكثيرة, فلكي يستطيع الإنسان أن يلعب هذه اللعبة بمهارة وإتقان يجب أن يملك بالإضافة إلى المعارف خصائص وقدرات معينة, وعليه أن يجتاز الكثير من العقبات, وعليه معرفة القوى الممانعة أو المعاكسة وكذلك القوى المساعدة ومصادرها, وعليه معرفة المجال الذي يريد الكتابة فيه بشكل جيد وأن يعرف قدرات وخصائص الذين يكتبون في هذا المجال وهل يملك القدرة على مجاراتهم وأن يحسب الحساب لردهم وتأثيرهم, وأهم شيء عليه الحصول على موافقة الناشر (فللناشر تأثير كبير على مدى وسرعة نجاح وانتشار الكتاب, والنشر الذاتي غالباً ما يكون ضعيفاً) لذلك يجب التوجه إلى الناشر المناسب, فعليه أن يعرف خصائصه (صفاته وقدراته) وما هي أهدافه وغاياته وكيف يقيم ويحكم وما هي المجالات التي يفضلها, فهناك الكثير ممن كتبوا ولكن لم يستطيعوا أن ينشروا شيئاً أو نشروا ولكن فشلوا في تسويق ونشر أفكارهم . 

وإننا نشاهد أن أغلب الذين يكتبون وينشرون هم إما تراجمة أو نقاد أو معدون والقليل مؤلفون, وهم يكتبون بالمتعارف عليه وحسب الأصول والمناهج والطرق المتعارف عليها, لأن كل تغيير أو شذوذ عن الأصول سوف يقاوم على الأغلب و يضعف إمكانية النشر,  فالقراء دوماً بالمرصاد, ويجب أن تتكلم عن شيء مثير ومفيد وضمن المتعارف عليه إذا أردت تَقَبُل ما تكتب بسهولة وسرعة, فعندما يجد القارئ أن ما تقوله يعرفه فإنه سوف يستخف بك وبما تكتب لأنهُ يعرفه مثلك أو يعرفه أفضل منك, ويجب أن تنقل أفكارك بأفضل و أسهل و أوضح البنيات اللغوية المشتركة بينك وبين القارئ, وبشكل مناسب وجميل يتم تقبله بسهولة ورغبة, فالشكل هام جداً والمضمون يأتي لاحقاً. فسقراط و أفلاطون والمفكرون والخطباء البارعون  كانوا متمكنين من لعبة بث ونشر الأفكار والمعارف, لقد كان سقراط يعطي في أول الأمر معارف تملك درجة عالية من الصدق ويعرفها أغلب مستمعيه فيجذبهم و يجهزهم لمتابعته ثم يأتي بمعارف أعلى في الدقة و الصحة فيعجب مستمعيه و يتم جذبهم أكثر ثم أيضاً يأتي بمعارف أعلى دقة وصدقاً من سابقيها و هنا يتوصل إلى أعلى درجة من تقبل المستمعين, فقد كان أسلوبه إنَّ هذا صحيح و لكن هناك أصح منه وهناك أيضاً أصح من هذا, وقد كان يزيد من صحة و صدق معارفه بالتلاعب بمراجع القياس و تنوعها في أغلب الأحيان, وهذا يشبه كثيراً طريقة عمل السفسطائيين الذين يهاجمهم. 

ونحن نجد أن الذي يحوز على ثقة الناس أو القراء بامتلاكه المعارف الكثيرة العالية بدقتها وصحتها سيكون من السهل عليه دوماً نقل الكثير من المعارف بغض النظر عن صحتها و دقتها – إنه مثل التاجر الذي اكتسب صفة الأمين والصادق والمستقيم فسوف يشتري منه أغلب الناس دون تدقيق أو تشكك , فالذي حقق ثقة القراء يكون قد فتح خطاً منخفض المقاومة يمكنه من التواصل معهم وإرسال أن ما يريد  من أفكار وأحاسيس بسهولة وفاعلية .

 

                                          اللعب والتخطيط

لقد عرٌف التخطيط بأنه الاختيار من بين البدائل بالنسبة لأهداف موضوعة أو هو اختيار من بين مسارات بديلة للتصرف المستقبلي, أي هو التعامل مع الخيارات الحالية والمستقبلية المتاحة, فهو لعب ولكنه هادف, أي هناك هدف موضوع مسبقاً وعن طريق اللعب - التجريب و الاختبارات الفكرية - يتم السعي لكي نتنبأ بدقة عالية عن كيفية سير الأحداث بناءً على الخيارات المتاحة ونختار ونقرر أيها أفضل بالنسبة لتحقيق هدفنا الموضوع. إنه لعب فكري يستبق اللعب الواقعي وهذا ما يميز اللعب البشري عن كافة ألعاب البنيات الأخرى فألعاب تلك البنيات تجري مع الخيارات المادية الموجودة دون استباق المستقبل بشكل فكري , وألعاب تلك البنيات تعتمد على الذاكرة المخزنة للماضي ولكنها لا تتوقع أو تتنبأ للمستقبل فالمستقبل مغلق بالنسبة لها, وهذا هو الفرق الأساسي والهام جداً بين تفكيرنا وتفكير كافة البنيات الأخرى, وهذا ما عرفه وشعر به كل من فكر في هذا الموضوع فنحن نفكر ونتعامل مع الوجود بطريقة مختلفة عن باقي الموجودات لأننا نستخدم البنيات الفكرية التنبؤية- السببية واستباق المستقبل- وخصائصها الفريدة في التعامل مع الخيارات, إن هذا الفرق الهام جداً هو ما يميزنا عن باقي بنيات الوجود الأخرى فنحن نتعامل مع الخيارات في زمن مفتوح- نسبياً-  ماض و حاضر ومستقبل أما باقي البنيات فتتعامل  مع الخيارات المتاحة لها في زمن الماضي والحاضر فقط, ولا تستطيع استباق الحاضر إلى المستقبل في تعاملها مع الخيارات . فالتخطيط والسببية الفكرية المتطورة هو ما يميز تفكيرنا عن باقي بنيات الوجود , فنحن- فقط-  نستطيع أن نختار الخيار الأنسب من بين مجموعة خيارات متاحة لنا  وذلك بالاعتماد على أفضليتها المستقبلية وليس الحالية وذلك باستعمال البنيات الفكرية التنبؤية المتطورة العالية الدقة, وكلما كانت دقتها أعلى كان تخطيطنا أكثر فاعلية في تحقيق أهدافنا الموضوعة.

لقد توصلت بنية الحياة إلى تشكيل أعقد الأجهزة وأعقد البنيات وذلك دون تخطيط مسبق هادف  وتوصلت لذلك بتعاملها مع الخيارات المادية المتاحة فقط , وقد حققت كل ذلك نتيجة وجود العناصر وتفاعلاتها المادية خلال ثلاثة ونصف مليار سنة , وقد كانت تقوم بعملها  بتشكيل البنيات المتماسكة المستقرة سواء كانت بنيات مادية أو آليات تفاعل ودون تخطيط مسبق فمثلاً  شكلت الرؤيا بعدة طرق مختلفة وذلك حسب العناصر والتفاعلات الموجودة المتاحة, وشكلت أنواعاً متعددة من الكائنات الحية التي تستخدم آليات تفاعل وطاقة مختلفة الضوء ,أو طاقة البراكين ,أو حرق المواد العضوية, وشكلت مليارات الأنواع من الكائنات الحية, وشكلت آلية الطيران بعدة طرق والكثير الكثير غيرها, وأهم من هذا كله شكلت البنيات الفكرية, وكل ذلك دون تخطيط مسبق .

ونحن الآن بالإمكانيات المتاحة لنا نستطيع تقليد بنية الحياة في صنع البنيات وآليات تفاعل , ولكن بسرعة أكبر بمليون مرة من سرعة بنية الحياة إن لم يكن أسرع, لذلك عندما تشكلت لدينا البنيات الفكرية اللغوية حدثت قفزة نوعية كبيرة تماثل أو تفوق تشكل بنية الحياة ذاتها, لذلك ما هو آت رهيب , فنحن صنعنا البنيات الفكرية العامة المتطورة( أي العلوم عالية الدقة) وصنعنا البنيات التكنولوجية المتطورة وفي عدة مجالاتفي الصناعة , وفي البيولوجيا, وفي الإلكترونيات والكومبيوتر.., في فترة لا تزيد عن بضعة آلاف من السنين أي في لحظة لا تذكر من عمر بنية  الحياة أو بنية الكون وكان هذا نتيجة استعمال البنيات الفكرية اللغوية, وهذا ما فتح لنا الخيارات, كافة الخيارات.إنه انفجار رهيب في تسارع تشكل البنيات الجديدة المتطورة ففي المئة سنة القادمة نتوقع أن تظهر بنيات كثيرة متطورة, ولكن هل نستطيع تصور تلك البنيات التي سوف تظهر بعد مليون سنة أو بعد مليار سنة ؟؟؟, فالمليار سنة في عمر الوجود زمن عادي. 

يقول ستيفن هوكنج 

" .... حيث إن التطور البيولوجي هو أساساً مسيرة عشوائية في فضاء كل الممكنات الوراثية , فإنه يحدث ببطء شديد, ويكون مدى التعقيد أو عدد " بتات" المعلومات المشفرة في  د. ن. آ هو تقريباً عدد القواعد التي في الجزيء . ولابد من أن سرعة زيادة التعقيد في أول بليوني سنة أو ما يقرب, كانت بمعدل " بتة" معلومات لكل مائة سنة. ثم ارتفع تدريجياً معدل تزايد تعقد  د. ن. آ  ليصل إلى ما يقرب" بتة" واحدة في سنة عبر الملايين المعدودة الأخيرة, وعلى أنه منذ حوالي ستة آلاف أو ثمانيةآلاف عام حدث تطور رئيسي جديد. أنشأنا اللغة المكتوبة. ويعني هذا أنه يمكن تمرير المعلومات من جيل إلى الجيل التالي من دون حاجة إلى انتظار تلك العمليات البطيئة جداً للطفرات العشوائية والانتخاب الطبيعي لتشفير المعلومات في تتابعات دنا . وزاد التعقيد زيادة هائلة. أدى نقل المعلومات هكذا من خلال وسائل خارجية غير بيولوجية إلى أن يسيطر الجنس البشري على العالم. على أننا الآن على مشارف عصر جديد, سوف نتمكن فيه من زيادة تعقيد سجلنا الداخلي , أي د. ن .آ, من دون أن نحتاج إلى انتظار عمليات التطور البيولوجي البطيئة , لم يحدث أي تغير مهم في دنا البشري في آخر عشرة آلاف عام, إلا أن من المرجح أننا سنتمكن من إعادة تصميم هذا الدماغ بالكامل في الف عام القادمة " من كتاب الكون في قشرة جوز.