نظرية العقوبة والمكافأة

إننا نستخدم العقوبة والمكافأة في كافة مناحي حياتنا , فالأم تعاقب وتكافئ ولدها , والمربي والأستاذ يعاقب ويكافئ طلابه , وكافة الأنظمة والتشريعات والقوانين تعتمد مبدأ العقوبة والمكافأة , والدول تعاقب وتكافئ بعضها , والأديان والعقائد استخدمت مبدأ العقوبة والمكافأة , وكذلك جميع أنواع الكائنات الحية ( تقريباً ) تستخدم العقوبة في التأثير على الكائنات الأخرى , وبعضها تستخدم المكافأة . وغالبيتها تستخدمها  بشكل غريزي موروث .

وعندما تشكلت لدى الكائنات الحية أحاسيس اللذة والألم كانا بمثابة المكافأة والعقوبة , وكان دورهم أساسي وهام في التحكم في تصرفات الكائن الحي وتوجيهها إلى ما يفيده وتنميته وإبعاده عما يضره ويهدد حياته ويحقق المحافظة على نفسه وعلى استمرار نوعه . فالجهاز العصبي  لدى الكائنات الحية ( و بالذات لدى الإنسان ) يعتمد في إدارة وتوجيه تصرفات الكائن الحي إلى ما يفيده , وإبعاده وتحاشيه ما يضره , على اللذة والألم وهما شكل من المكافأة والعقوبة , بالإضافة طبعاً اعتماده على  ما تم اكتسابه و توضعه في برامج تصرف يتم توريثها بيولوجياً , أو توريثها واكتسابها اجتماعياً .

استخدم البشر العقوبة والمكافأة في غالبية مناحي حياتهم الاجتماعية والاقتصادية . فالتشريعات والقوانين والعقائد والأديان كلهم استخدمو العقوبة والمكافأة , فقد اعتمد لتحكم بالتصرفات وتوجيهها على العقوبة والمكافأة .

فتنظيم وضبط كافة العلاقات الاجتماعية اعتمد على العقوبة والمكافأة , فالعادات التشريعات والأنظمة والقوانين التي كانت تنظم العلاقات الاجتماعية اعتمدت بشكل أساسي على العقوبة والمكافأة .

إن كل تحكم في مسار حوادث معينة وتوجيهها نحو وضع معين أو هدف معين , يجب أن يستخدم قوى أو تأثيرات تتحكم في سير تلك الحوادث لتوصلها إلى الوضع المطلوب . وفي الأساس مسار كافة أشكال الحوادث تابع لخصائص العناصر أو البنيات التي تشارك في هذه الحوادث , وإلى القوى التي تؤثر عليها . وبالنسبة لكائنات الحية وللتحكم في استجاباتها أو تصرفاتها استخدمت قوى وتأثيرات للدفع وللجذب , وكانت اللذة والألم , والعقوبة والمكافأة , هم قوى الدفع والجذب . 

إننا نحن البشر وكذلك الراسيات والكثير من الثدييات, تستعمل العقوبة المباشرة مع أفراد جنسها أو باقي الأنواع . فالكثير من أنواع الحيوانات تقوم بمعاقبة من يدخل أو يقترب من منطقتها أو بيتها أو عشها وتقوم بمقاتلته أو تخويفه وترهيبه , وكذلك تقوم بمعاقبة من يسعى لمشاركتها غذائها , وتقوم الذكور بمعاقبة الذكور الآخرين الذين يسعوا لمشاركتها إناثها . 

والقتال والصراع  والحروب هم بمثابة عقوبة متبادلة , تساهم في تعديل وتغيير سلوك المتقاتلين المتضارب , لكي تتوازن حاجات ومطالب المتقاتلين مع بعضها ومع الظروف الموجودة . وفي الصراعات والحروب المنتصر في النهاية هو الذي يفرض خياراته وهو يعاقب المهزوم كما يريد .  

      تعريف العقوبة والمكافأة بالنسبة لنا نحن البشر

العقوبة هي : فعل يقام به المعاقب ( ويمكن أن يكون شخص أو جماعة أو مؤسسة أو دولة.... ) من أجل إلحاق الأذى أو الضرر أو الألم بالذي يعاقبه لتغيير تصرفاته ( وهذا أيضاً يمكن أن يكون شخص أو جماعة ) , وذلك لتحقيق دوافعه وأهدافه ( أي الذي يقوم بالعقوبة ) . 

وبالنسبة لنا نحن البشر يمكن أن تكون العقوبة جسمية أو نفسية أو بالممتلكات إلخ , وهي تكون غالباً متناسبة مع غاية وهدف وقدرة من يقوم بالمعاقبة . 

أما المكافأة فهي : أيضاً تهدف إلى تغيير تصرفات من نكافئه , وذلك بإفادته وإسعاده , فهي تستخدم أسلوب الجذب والترغيب بعكس العقوبة التي تستخدم أسلوب الدفع والترهيب .

والعقوبة أو المكافأة  دوماً تهدف لتحقيق دوافع وغايات واضعها . والذي يقوم بتنفيذ العقوبة يمكن أن يكون الذي وضعها أو من يكلف بتنفيذها .

إن كل منا لا يعاقب أو يكافئ من ليس له علاقة معه . إننا نلاحظ عدم معاقبة أو مكافأة الذي لا يهمنا أمره أو الذي ليس لنا علاقات معه ، فكل الجماعات  لا تعاقب أفراد الجماعات الأخرى إذا أخطؤا , إذا لم يكن لها علاقات معه , فهي لا تهتم لأمرهم إن أخطؤا أو أصابوا(يمكن أن نتعاطف معهم ), فنحن لا نعاقب أو نكافئ إلا الذي لنا علاقة معه لتوجيهه حسب ما نعتمد من أهداف وقيم . فالعقوبة لها دور أساسي في تنظيم علاقاتنا وجعلها منسجمة ومنتظمة. 

بالنسبة لنا نحن البشر لأننا نعيش ضمن جماعات حياة اجتماعية وكذلك بعض الكائنات الحية التي تعيش ضمن جماعة , يمكن أن تستخدم العقوبة بعد حدوث التصرفات المعتبرة سيئة . لأن الأمور سوف تتكرر ,  وهناك من  يجب  ردعهم . فالانتقام هو عقوبة مؤجلة وهو خاص بالبشر وبعض الحيوانات الراقية , وهو طريقة لتقويم و تنظيم العلاقات . فهو يعتمد العقاب المؤجل أي العقوبة بعد حصول الحادثة غير المرغوبة أو السيئة , فالخطأ يعاقب عليه حتى بعد حدوثه بزمن قصير أو طويل فهو يقوّم ولو بعد زمن حصوله لكي لا يتكرر, وهذا يوسع مجالات توازن العلاقات الاجتماعية لأنه يمهد لتشكل علاقات تراعي أغلب حاجات الجماعة . وذلك نتيجة نشوء مساومات و مفاوضات  بين أفراد الجماعة لتحاشي القتال والعقوبة .

 فلاستخدام العقوبة دور ووظيفة رادعة هام  في توجيه وتنظيم العلاقات الاجتماعية بكافة أشكالها . فالإنسان وقليل من الكائنات الحية هم من يستخدموا العقوبة بهدف الردع , والمكافأة بهدف التشجيع .

لقد تطور استخدام العقوبة والمكافأة لدينا بشكل كبير , فتحقيق العدالة وإعطاء كلّ حقه ومنع الظلم والتعدي على الآخرين . . . يتم تحقيقه باستخدام العقوبة والمكافأة . وكافة الأنظمة والقوانين والتشريعات لا يمكن تطبيقها دون استخدام العقوبة والمكافأة , تشريعات أو قوانين حمورابي مثال .

وبالنسبة للأديان فقد اعتمد الدين الإسلامي بشكل أساسي العقوبة والمكافأة , الجنة والنار , أي الترهيب والترغيب , في توجيه تصرفات المؤمنين به .

أما الدين المسيحي فقد اعتمد بشكل أساسي المكافأة وتحاشى العقاب في أغلب الأحيان , في توجيه تصرفات المعتقدين به .

أما الهندوسية فقد فلم تسعى كثيراً لاعتماد العقوبة أو المكافأة , وكان الوصول إلى تحاشي السعي للمكافأة ولذات الدنيا , وعدم الخوف من عقوبة , هو الهدف لأنه يلغي كافة القوى التي تتحكم في إرادة الإنسان , وبالتالي يصل إلى الحرية الذاتية والانفصال عن المجتمع . لذلك كان تأثيرها سلبي على المجتمع . 

ودور ووظيفة المكافأة والعقوبة الأساسية في كافة أشكال التعليم , فالتعلم هو لاكتساب تصرفات  أو خبرات تحقق التوافق والتكيف مع ما سيحصل في المستقبل , والتعلم لدى الكائنات الحية يعتمد بشكل كبير على العقوبة والمكافأة . وبالنسبة للإنسان اعتمد التعلم بغالبة أشكاله على العقوبة والمكافأة .

أننا في كل مرة نجد عقوبة أو مكافأة تحصل فإن هذا  يكون ذلك ناتجاً عن قوى تهدف إلى توجيه تصرفات , أكانت لفرد أم جماعية _  تربوية أو دينية أو عادات وقوانين اجتماعية _  ويجب علينا توضيح تلك القوى , وعوامل نشوئها والعلاقات والآليات التي تحكمها, واتجاهاتها وأهدافها أو دورها ووظيفتها , لنفهمها بشكل أفضل وبالتالي نتعامل معها بشكل أفضل.

والآن لدينا أشكال كثيرة من العقوبات , فهناك العقوبات الجسمية والعقوبات النفسية والعقوبات المالية والعقوبات الاقتصادية والعقوبات السياسية والعقوبات العسكرية . . الخ , وهناك العقوبة والمكافأة الاستباقية , والعقوبة والمكافأة اللاحقة , والتهديد أو الإنذار بالعقوبة أو الوعد بالمكافأة .

إن المفيد والضار _ الربح والخسارة _ الممتع والمؤلم _ المكافأة والعقوبة , هم مفاهيم متقاربة المعنى وكلهم لهم دور أساسي في توجيه تصرفات الإنسان 

إن العقوبة أو المكافأة تكون موجه من قبل مستخدمها أو واضعها , وحسب مصلحته وغاياته . 

مثال : معاقبة العبد من قبل سيده ( قديماً ) , فحسب رأي السيد في تصرفات عبده يقرر معاقبته أو مكافأته .

مثال آخر معاقبة الطفل من قبل والديه أو مربيه , يكون حسب تقييمهم وأهدافهم وغاياتهم .

مثال آخر الدول والشركات  تعاقب أو تكافئ بعضها كل بطريقتها الخاصة .

والعقوبة أو المكافأة ليست تابعة ضرورةً  لخطأ أو صواب تصرف , أو مصلحة من تطبق عليه . فيمكن أن يكون العكس .

مثال : العقوبة نتيجة الغيرة والحسد . إن الغيرة والحسد انفعالان موجودان لدى بعض الحيوانات الراقية , وهما في الواقع نشآ نتيجة تأثير المكانة وأسباب أخرى , وهما قويان بشكل خاص لدى البشر, وهما من أهم مولدات التنافس والصراع . فكل منا يسعى ( وفي الواقع هذا مفروض عليه غريزياً واجتماعياً) ليكون الأفضل . وعندما لا يتحقق ذلك ويظهر الفشل أو الخسارة بوضوح , عندها تحدث انفعالات الغيرة والحسد . فهنا يمكن أن يحدث توجه القوى والإمكانيات لإعاقة المتفوق أو الإضرار به ومنعه من متابعة تفوقه , أي معاقبته , أي عندما لا أكون أنا الأفضل فيجب أيضاً أن لا يكون غيري هو الأفضل . وهنا نجد أن الذي تجري معاقبته  لم يرتكب ذنب أو خطأ , فهو عوقب لأنه تفوق .

إن استخدام العقوبة أو المكافأة يعتمد على معرفة المستقبل أو توقع للمستقبل , فهما توجيه استباقي يسعى لتحقيق التكيف مع ما سيحصل . فالعقوبة أو المكافأة بالنسبة لنا تعتمدان على السببية وعلى المعرفة . 

والمعاقبة هي الوسيلة الأولى والأهم التي تستخدمها غالبية الكائنات الحية  لتوجيه تصرفات الكائنات الحية الأخرى . فهما تعتمدان الطرد أو الكف أو الردع , وهذا كثيراً ما يؤدي إلى انتظام وتوافق بينها نتيجة لذلك.

هل يمكن توجيه أو تصحيح تصرفات الناس وانتظامها في علاقات مناسبة وجيدة عن طرق التزامهم بالأنظمة والقوانين والتشريعات  دون استخدام العقوبة ؟

طبعاً لا

 

وكانت المكافأة تستخدم بدل العقوبة عند تعذر المعاقبة . فالآلهة  لا يمكن أن تعاقب لذلك كانت تقدم لها الهدايا والقرابين والنذر , وكذلك مكافأة الأقوياء بالهدايا عند استحالة أو صعوبة معاقبتهم .