المستقبل كيف سيكون ؟

 

لقد كان التفكير في المستقبل أحد أهم الهواجس التي شغلت فكر الإنسان منذ بداية ظهوره على سطح الأرض في العصور المبكرة جدا وخلال كل مراحل التاريخ. فقد كان تفكير الإنسان يرصد دائما الأحداث التي تدور حوله, ويعمل على استشراف التغيرات المستقبلية الناجمة في معظم الأحيان عن أنشطته هو نفسه, في مختلف مجالات الحياة, ويستعين بالمستجدات التي تلازم ظهور هذه التغيرات في إحداث تغيرات ومستجدات أخرى وهكذا.

أن الاهتمام باستشراف المستقبل ليس مقصورة على المجتمعات الغربية أو على العصر الحديث. فقد كانت كافة المجتمعات  شديد الولع دائما بتعرف مستقبلها وما يخبئه القدر لأعضائها, وكانت لها وسائلها البسيطة, التي تعتبر الآن وسائل ساذجة وغيبية مثل التنجيم والسحر والشعوذة وغير ذلك من الوسائل التي لا تتفق مع العلم الموضوعي الحديث, ولكنها تعتبر في نظر أصحابها نوعا من (العلم) , خاصة أن قدراً من التنبؤات التي يصل إليها استخدام هذه الوسائل قد يتحقق بالفعل على مستوى الواقع.

ما هو المستقبل ؟  

يرى "فرنسيس جاكوب" الحائز على جائزة نوبل أن "المستقبل هو أحد الملكات التي ينفرد بها البشر عن سائر الكائنات الأخرى" رغم أن فكرة المستقبل فكرة غامضة ومراوغة إلى حد كبير، بل ثمة آراء متعارضة ومتضاربة حولها , ويمكن تعريف المستقبليات بأنها "التاريخ التطبيقي" فهي تنشط وتتقوى حيث يتوقف التاريخ . والمستقبليون لا يقنعون بمجرد فهم ما حدث في الماضي ، فهم يريدون أن يستخدموا معرفتهم لتنمية فهم المستقبل ، ويؤكدون أن المستقبل ، لا الماضي هو بؤرة الفعل الإنساني ، وأن قيمة الماضي هي امكان استخدامه لإنارة المستقبل.

" مستقبليات " futuribles  هذا الاصطلاح كان وليد اجتهاد المؤرخ الألماني " اوسيب  ك فليتشتايم " الذي استخدمه عنوانا لكتابه (التاريخ وعلم المستقبل) الصادر عام 1949 فاتحا بذلك المجال أمام الدراسات التي حاولت بناء استراتيجيات شاملة بعيدة المدى في مختلف المجالات . قبل هذا التاريخ كان أعضاء رابطة رواية الخيال العلمي في انجلترا قد اقترحوا وزارة للمستقبل ومنذ الثلاثينيات كانت مجلتهم الغد منبرا للدراسات المستقبلية , وثمة كتابات - يرجع معظمها إلى القرن الثامن عشر في أوربا - كانت تتوقع أو تتنبأ بوقوع أحداث معينة في القرون التالية, وفي القرن العشرين على وجه الخصوص, وبعض هذه الكتابات له طابع منهجي وشبه علمي واضح. ومن أطرف هذه الكتابات كتاب أصدره أحد رجال الدين في بريطانيا ويدعى " صامويل مادن" تحت عنوان (ذكريات القرن العشرين ) , ويعتبر الكثيرون من المهتمين بالدراسات المستقبلية, أن كتاب مادن هو البداية الحقيقية الممهدة لظهور (علم المستقبل).

وقد ظهر بعد ذلك عدد آخر من الكتب التي سارت على المنوال نفسه, ولكن بطريقة أكثر دقة ومنطقية وأشد تطلعا , ومن الطبيعي أن يدخل في هذه الكتابات المبكرة كثير من الخيال الذي لم يتحقق بعد. 

وقد انتشر هذا النوع من الخيال المستقبلي انتشارا كبيرا خلال القرن التاسع عشر, بفضل كتابات الفرنسي " جول فيرن " والأمريكي " جودمان كرولي "   وغيرهم .

الفرنسي " غاستون بيرجيه " الذي افتتح عام 1957 المركز الدولي للمستقبل المنظور وفي حينها أطلق على علم المستقبل اصطلاح علم الريادة prospestive وأصدر مجلة بالاسم نفسه وقد حدده بيرجيه بالقول انه تأمل في المستقبل  القصد منه أبراز معالمه بهدف التوصل إلى عناصر منهج لكي يمكن تطبيقه على عالمنا المنطلق بسرعة متزايدة .

في أميركا نشأ علم المستقبل محكوما بمنظومة المعايير البراجماتية التي حكمت الفضاء الأميركي فكان طبيعيا ولادة هذا المجال البحثي داخل المؤسسة العسكرية لاستغلاله في مجال تطوير الاستراتيجيات والأسلحة المتطورة وقد عززت الحرب الباردة هذا المجال ودفعته إلى الأمام , وقد برز في هذا المجال الجنرال ( هـ.هـ. ارنولد ) القائد العام لسلاح الطيران بإنشائه ( مصنع الفكر ) الذي ضم نخبة مختارة من الدارسين وكان الدور الأكبر لـ( ثيودور فان كارمان) إذ أجرى استطلاعا عن قدرات أميركا التكنولوجية في تقريره ( نحو آفاق جديدة ) قاد إلى تشكيل إنشاء مركز التنبؤ التكنولوجي بعيد المدى للجيش , وبين أيضا من خلاله أن التنبؤ بالقدرات التكنولوجية ليس ممكنا فحسب بل ضروريا , ثم جاء مشروع تنبؤ القوات الجوية ) عام 1963 إذ اجتمعت فيه جهود سبعين مؤسسة بحثية وأربعين هيئة فضلا عن ست وعشرين جامعة ليخرج المشروع لـ” بأربعة عشر مجلدا “ حول الخصائص التكنولوجية للقوى التي يمكن أن تقدم الدعم لوزارة الدفاع الأميركية لمرحلة ما بعد 1970 .

ثم كان لأعمال مؤسسة رائد وما قدمه عالم الرياضيات " اولان هيلمر" في بحثه نظرية المعرفة للعلوم غير الدقيقة دور كبير في بناء قاعدة (غطاء نظري) فلسفية للدراسات المستقبلية بالاعتماد على تقنية دلفي التي تذهب إلى ضرورة اخذ رأي كل خبير بصورة غير معلنة بحيث لا يعرف من يستكتب أن غيره أيضا استكتب ثم تتم  مقارنة الآراء وتحليلها .

وكان الدور الأبرز لهذا المعهد يتمثل بالتخلي عن الحتمية والقول بان هناك العديد من أشكال المستقبل المحتملة، وان التدخل الملائم يمكن أن يخلق اختلافاً في أرجحيتها، وهذا يحدد السبل الدقيقة لعملية ارتياد المستقبل واستكشافه، والبحث عن طرق للتأثير في اتجاهه .

ولقد ظهرت خلال العقود الثلاثة الأخيرة من القرن الماضي أسماء كثيرة لها شهرتها في مجالات متنوعة من المعرفة, ولكن كان لها أيضا في الوقت ذاته آراء وأفكار ناضجة عمّا سيكون عليه الوضع العالمي في المستقبل, وبخاصة في مجالات تخصصاتهم, وذلك بالإضافة إلى كتابات العلماء المتخصصين أصلا في علم المستقبل أو الدراسات المستقبلية. وربما كان أشهر هؤلاء المفكرين المهتمين بالموضوع - على الأقل بالنسبة للقارئ العربي - هو " ألفين توفلر" صاحب كتاب (صدمة المستقبل) الذي صدر عام 1970 وكان له صدى واسع في الأوساط العلمية والإعلامية, سواء بالنسبة لآرائه وتصوّراته المستقبلية, أو بالنسبة للنظرة المنهجية الكلية الشاملة التي تناول بها المشكلات التي يدور حولها الكتاب. ولم يذهب أحد من هؤلاء الكتاب المفكرين, أو من المتخصصين في علم المستقبل, إلى ادّعاء أن ما يصدر عنهم من آراء أو توقعات هي (نبوءات) وأحكام أخيرة قاطعة, بل كانوا يدركون دائما أنها مجرد احتمالات أمكن الاستدلال عليها من القراءة العقلانية المتأنية لسير الأحداث ومتابعة الأوضاع والظروف العامة المحيطة بالمجتمع العالمي, وانعكاس هذه الأوضاع والظروف على الأنشطة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والعلمية المختلفة. فالباحث أو العالم المتخصص في علم المستقبل يعيش بذهنه في ذلك المستقبل وينظر إلى الغد على أنه تاريخ يمكن قراءة اتجاهاته الرئيسية, كما أنه (أي العالم المستقبلي) يعمل جاهدا وبأسلوب علمي دقيق على اللحاق بالغد, والسيطرة عليه وتوجيهه قبل أن يفاجئه ذلك الغد بحقائقه ووقائعه فيتحكم في حياته ويسلبه حريته في التفكير والعمل. كذلك يتمتع الباحث أو العالم المستقبلي بقدرة فائقة على الإحاطة الشاملة بالأوضاع السائدة في المجتمع الذي يعيش فيه, وفي فرع تخصصه المعرفي الدقيق وتحليل هذه المعطيات في ضوء الاتجاهات العالمية, حتى يمكنه إعداد الأذهان للمتغيرات والمستجدات المتوقعة, ووضع الخطط الملائمة للتعامل معها على المدى القريب والمدى البعيد, مع الاستناد إلى دراسات ميدانية دقيقة وعدم الركون إلى الظن والتخمين إلا في الحدود التي تسمح له بها المعلومات المؤكدة اليقينية.

لقد تخطت عمليات استشراف المستقبل في الوقت الحالي تلك المرحلة الأولية المليئة بالخيال الذي لم يكن يستند في معظم الأحيان إلى حقائق ووقائع مدروسة بطريقة علمية دقيقة, كما هو الشأن الآن, بل ولم تعد هذه العمليات تقنع بالتنبؤ بما سوف يحدث اعتمادا على رصد الواقع, ثم تهيئة الأذهان للتغيرات المحتمل حدوثها, وإنما أخذت تهتم إلى جانب ذلك بالتخطيط العلمي السليم لمواجهة هذه التغيرات بإجراءات حاسمة وفعّالة, أي أنه أصبح لها أهداف عملية أو تطبيقية تتجاوز مرحلة المعرفة النظرية البحتة, وتعنى بوضع الخطط ورسم السياسات التي تكفل حسن الإفادة من هذه التغيرات مع الاستعانة في ذلك بقراءة التاريخ ورصد مسار الاتجاهات العامة السائدة في المجتمع, بل وفي العالم كله, والنظر إلى الأحداث من منظور شامل وكلي يأخذ في الاعتبار مختلف الاحتمالات و الإمكانات. 

وقد ساعدت هذه الخطوات على اعتبار عمليات استشراف المستقبل دراسة علمية, أو حتى (علما) قائما بذاته , وله مقوماته التي تبرر الإقبال المتزايد على التخصص فيه. وإن كان هذا لا يمنع من أن الأحداث المفاجئة قد تأتي مغايرة لكل التوقعات في بعض الأحيان. ويرى الكثيرون أن ذلك يفرض بعض المحاذير على اعتبار دراسة المستقبل (علما) بالمعنى الدقيق للكلمة. إنما المهم هو أن استشراف المستقبل لم يعد مجرد مسألة إشباع الرغبة الطبيعية لدى الإنسان في تعرف المجهول, وإنما أصبح مطلبا أساسيا وضروريا لتحقيق التواؤم مع المتغيرات المرتقبة في مختلف مجالات الحياة, سواء في ذلك العلاقات السياسية بين الدول بعضها بالبعض الآخر, واحتمال ظهور أيديولوجيات جديدة مناوئة, أو الأنشطة الاقتصادية المختلفة مثل مستقبل الصناعة والإنتاج, أو الجهود العلمية المتعلقة بحياة الإنسان وتكوينه البيولوجي, وما قد يتعرض له من أمراض نتيجة للتغيرات البيئية وإفرازات النشاط الصناعي واستخدام أنواع معينة من الطاقة, أو الأحداث الكونية الكبرى التي قد تؤثر في علاقة البشر وعلاقة كوكب الأرض بالكواكب والأجرام السماوية الأخرى وغير ذلك كثير.

تتوزع مناهج الدراسات المستقبلية بين أربعة اتجاهات رئيسة . 

الاتجاه الأول يقوم أصحابه بانتقاء بعض المتغيرات التي يعتقد بوجود أهمية خاصة لها، وتتبع مساراتها كالمتغير السكاني ومتغير الموارد . 

فيما ذهب أصحاب الاتجاه الثاني إلى القول بأن اعتماد التنبؤات هو الأساس لبناء قاعدة صلبة من المقدمات تبنى عليها نتائج مستخلصة منها، وبهذا يكون اقرب إلى”الخططية “ التي شاعت في المعسكر الاشتراكي.

وهناك اتجاه الاستعانة بالدراسات التي تركز على ما تشهده التقنية من تقدم . 

فيما ركز أصحاب الاتجاه الأخير على منهج التحليل المستقبلي ألاستشرافي ، الذي لا يسعى إلى نبوءة أو تخطيط ، بل يقوم بمجموعة من التنبؤات المشروطة (احتمالات متعددة ممكنة ) التي تفترض الواقع تارة أو المأمول فيه تارة أخرى من دون أن تنتهي إلى قرار بتحقيق أي من هذه الصور.

إن أبسط التوقعات أو التصورات للمستقبل هي أنه سيبقى مثل الماضي، والافتراض التالي هو أن الأمور سوف تتغير بالطرق نفسها التي تغيرت بها في الماضي ، أي أن التغيير الذي لوحظ في الماضي سوف يستمر في المستقبل على نفس الشكل والوتيرة. فإذا عرف أن عدد سكان مدينة يتزايد بمعدل 2% سنوياً نفرض أنه سيستمر كذلك في المستقبل، أي نسقط طريقة تغير الأحداث التي حدثت في الماضي سوف تكون نفسها في المستقبل، ولقد ظهر أن هذه الطريقة غير دقيقة.

والمبدأ الثاني الذي يمكن أن ندعوه "مبدأ القياس"، وهو مبنى على ملاحظتنا أن نماذج معينة من الأحداث تتكرر أو تتشابه من وقت لآخر "الاستقراء والتعميم" أي أن هناك مؤشرات رئيسية تدل على ما سيحصل مثل: حين حدوث انخفاض في مقياس الضغط الجوى نتنبأ أن عاصفة قادمة. ونحن جميعنا نستخدم القياس في تكهناتنا وتنبؤاتنا اليومية. وبعض المجتمعات وبخاصة في الشرق بالنموذج ألدوراتي - أي تكرار دورات الحوادث أو التاريخ باستمرار.

إن معرفة الماضي لا تصبح آلياً معرفة للمستقبل، فهذه الثانية يجب أن ينشئها استخدام المعطيات المتوفرة عن الماضي كمادة خام لصياغة أفكار وتنبؤات عن المستقبل، ونحن نستخدم من أجل هذه الصياغة عددا من الأدوات العقلية وخبرتنا في استخدام تلك الأدوات وهى المفاهيم والنظريات. وتلعب رغباتنا دوراً رئيسياً في تشكيل أفكارنا عن المستقبل، فنحن نشعر بالعطش ونطور فكرة للحصول على الماء، ونحس بالملل ونطور فكرة للقيام بنزهة، وكثيراً ما تخفض مرتبة التفكير بما يسرّنا إلى مرتبة أحلام اليقظة، ولكن أحلام اليقظة يمكن أن تساعدنا على كشف ما نريد، فهي بذلك قد تلعب دوراً رئيسياً في مساعدتنا على اتخاذ القرارات الصائبة، إذ باستكشاف الأفكار المرضية السارة وغير السارة قد ننمى مفهوماً عن الأهداف التي نريد تحقيقها. أي نعتمد السببية البسيطة في تنبؤاتنا , وتدخل رغباتنا ودوافعنا وغاياتنا في تلك التنبؤات وتحرفها .

إذا كان العلم هو البوابة التي تفضي إلى المستقبل . فالخيال العلمي هو مفتاحها الذهبي الذي يرسم صورًا حقيقية لأشياء حديثة وأفكار متفردة ومخترعات مفيدة.

الخيال العلمي هو محصّلة الخيال البشري في ضوء ما تتيحه الإمكانات العلمية واحتمالات تطورها يتناول جميع الحقائق التي يقدمها العلم ثم يضيف إليها الخيال. فهو الضوء الكاشف للعلم، يبدأ من النقطة التي يقف عندها العلم، ممهدًا الطريق للمستقبل.

ولعل من أهم أدوار أدب الخيال العلمي، هو أنه يعمل كمترجم للعلوم لدى البشرية، وهذا بالطبع سلاح ذو حدين، فالعلم يبني ولكنه قد يدّمر، والتكنولوجيا ربما تنهي الحضارة أو ترفعها إلى أبعد زوايا خيالنا!!

وتحقيق الخيال العلمي له مغزى، فالعلم حقق تقريبًا كل ما تنبأ به الخيال العلمي، وفي المقابل فإن العلم كشف آلاف الحقائق الجديدة المذهلة التي يمكن اعتبارها أجنحة يحلّق بها عقل كاتب الخيال العلمي الجيد إلى آفاق علمية مستقبلية قد تطلق تحذيرًا مهما تكن ضآلته عن الطريقة التي يحتمل أن يسير بها العالم، إذ إن لدى كاتب الخيال العلمي قدرة على التعرف على أصل التطور المستقبلي، والإضافة إليه من زوايا عديدة وبطريقة خيالية مستندة إلى العلم والتكنولوجيا.

إن الخيال العلمي يروّض المستقبل ويقرّبه من أذهان العامة بحيث يطمئن القارئ إلى أن أشكال الحياة الاجتماعية والفنية والعلمية سوف تستمر، ويبشّر بأنها ستخضع لوسائل السيطرة العقلانية، وهذه نتيجة منطقية لانشغال أدب الخيال العلمي بمجموعة معينة من المعتقدات، ولافتراض أن اتساع أنماط العلم المعروفة لنا تقوي وتزيد من مصداقيته في عالم الغد.

ولعل أفضل مدخل لدراسة علوم المستقبل، يستلزم أخذ أدب الخيال العلمي مأخذ الجد خاصة من حيث منهجيته والتصور العام له ومحتواه ودوره الاجتماعي لأنه يمثل خريطة بديلة للمعرفة يمكنها تطعيم «خبير المستقبل» بالخيال ألابتكاري الذي يرتبط بشكل ما باستخدام المنطق الحدسي وأنماط التصور غير المباشرة والتفكير الشامل في شخصية الإنسان .

يعزى التغير الشامل والسريع الذي نتعرض له الآن إلى تقدم التكنولوجيا . وكثيراً ما يظن أن التكنولوجيا تتألف من أشياء مثل الآلات والكيماويات، ولكنها، وبالمعنى الأوسع، تشمل كل المعرفة العلمية ومنها معلومات عن أي النباتات هي الأصلح للأكل، وأي الحشرات تحمل أمراضاً، وكذلك الكلمات والبنى القواعدية التي نتواصل بها، ونماذج الواقع التي نفكر بها، و الترتيبات الاجتماعية التي وجدناها فعالة. وبالمعنى الأوسع يمكن تعريف التكنولوجيا بأنها القدرة على فعل الأشياء، ولا يستثنى إلا المعرفة غير العلمية وقيمنا وتقييماتنا.

وكثيراً ما يوصف العالم الحالي بأنه خرج على السيطرة نتيجة تقدم التكنولوجيا ، أو بأنه حالة فوضى عالمية، وهذه الرؤى المفزعة تبدو منحازة ، لأننا نشهد أيضاً زيادة مستمرة في مستوى التعليم على نطاق العالم، وكذلك نشهد تقدم بمستوى دخل الفرد بشكل عام، وثقة محدودة بالهياكل الاجتماعية المحددة، وصعود العقلانية في تنظيم العمل والتمويل والسياسة والأخلاق والدين. وكان استخدام المنتجات التكنولوجية المختلفة على مستوى العالم هو اتجاه لتشكل ظاهرة العولمة التي باتت تحيط بكل شيء.

إن التغيرات المتسارعة والمستجدات الطارئة التي يشهدها العالم في العقود الأخيرة, تثير كثيرا من علامات الاستفهام والتساؤلات عما سيكون عليه مستقبل المجتمع الإنساني, بل وعن مصير الإنسان نفسه إزاء ارتياد العلم الحديث مجالات من البحث, كان محرّما عليه الاقتراب منها بحكم التقاليد المتوارثة, والقيم الأخلاقية والعقائد الدينية, ولكنه استطاع في الآونة الأخيرة أن يحطم كثيرا من تلك القيود, ويتدخل في أدق عمليات التكوين الفسيولوجي والبيولوجي لدى الكائنات الحية, لكي يستنسخ منها كائنات جديدة لها مواصفات وقدرات مختارة, على أن تمتد هذه التجارب إلى الإنسان نفسه بعد التغلب على الاعتبارات الأخلاقية والدينية, التي لا يزال الكثيرون يثيرونها احتراما لقداسة الكائن البشري. ويبدو أن العلم قد أسقط أخيرا من حسابه هذه الاعتبارات أيضا.

إن الاتجاهات التي تعمل على تغيير العالم الآن هي المعارف والعلوم الجديدة، والتقنية أو التكنولوجيا الجديدة , ونتائجهم . وإذا أردنا أن نستشف المستقبل يجب النظر إلى دوافعنا وغاياتنا والقوى والغرائز الأساسية التي توجهنا ، بالإضافة لكافة التأثيرات التي نتعرض لها نتيجة حياتنا الاجتماعية والثقافية والعقائدية . فكل هذا هو الذي يقرر كيف سيكون المستقبل .

من المنطقي توقع التغيرات المستقبلية في العلم بعد التغيرات الواسعة في كل مجال من مجالاته، بعض هذه التغيرات سوف يكون امتدادًا للجهود والإنجازات التي تتم في الوقت الحاضر، إلا أن بعضها الآخر سيكون عبارة عن " تطورات جذريّة " بما في ذلك تصميم فكرة ما يستطيع العلم أن يفسرها ويسبر غورها.

ويشير كورزويل في كتابه "حين يتسامى البشر" إلى اقتراب حدوث انكسار تاريخي جذري بالغ العمق من شأنه تغيير كل ما يؤلف طبيعة الكائن البشري. فهو يتوقع نتيجة التطور السريع لقدرات الكومبيوتر والذكاء الصناعي المترافق مع التقدم هائل في مجال التحكم في المورثات، أن يؤثر ذلك على عملية التطور البيولوجية، وأن يصبح التحكم في التطور البيولوجي بيد المعارف العلمية.

وكذلك كان فون نويمان قد تنبأ بأن الجنس البشرى سوف يتطور بشكل سريع وغير متوقع نتيجة نمو التكنولوجيا وتطور الكومبيوتر. 

وقال ستيفن هوكنج ما معناه: أدى نقل المعلومات عن طريق غير بيولوجي إلى أن يسيطر الجنس البشرى على العالم، فقد حدث منذ حوالي سبعة آلاف سنة أن أنشأ الإنسان اللغة المكتوبة وهذا يعنى انتقال المعلومات دون الاتصال المباشر أو الشفاهية، فقد توضعت المعلومات خارج عقل الإنسان وصارت هذه المعلومات تسير عبر الزمن وتنتقل إلى الآخرين بدقة وبعد موت منتجها بزمن طويل. لذلك نحن الآن على مشارف عصر جديد سوف نتمكن فيه من زيادة تعقيد سجلنا الداخلي من دون أن نحتاج إلى انتظار عمليات التطور البيولوجي البطيئة والتي تحتاج إلى عشرات الآلاف من السنين. ومن المرجح أننا سنتمكن من إعادة تصميم الإنسان بالكامل في  الألف العام القادمة. 

هذا بعض ما قيل عن المستقبل .

يا ترى ما هي القوى التي تتحكم بنا , وإلى أين توجه مسار الأحداث ؟؟؟

هناك أولاً القوى البيولوجية , الغرائز والدوافع والأحاسيس والانفعالات الموروثة بيولوجياُ .

وهناك قوى الموروث الاجتماعي , العادات والتقاليد , والانتماءات والدوافع والغايات , والعقائد والأديان , وكل أشكال الثقافة التي يطبعها مجتمعنا فينا فتوجه غالبية تصرفاتنا.

وهناك تأثيرات المنجزات في كافة مجلات العلوم والمعارف , وتأثيرات المنجزات التكنولوجية بكافة أشكالها وبشكل خاص الأجهزة الإلكترونية ومجلات الاتصالات والذكاء الصناعي . . . الخ .    

إن معرفة كل هذه يمكن أن يمنحنا القدرة على توجيه مسار الحوادث وبالتالي التحكم في نشوؤها , بالاعتماد على المعارف والتنبؤات المستقبلية الدقيقة . فننظر إلى أوضاع معينة ونتعرف على خصائصها ثم نقوم بالتنبؤ والتوقع لما ستؤول إليه مستقبلاً , ثم نسعى للتأثير على مسار تطورها لنجعله يتجه إلى الوضع الذي نريده . وتكون نتيجة عملنا هذا تابعة لدقة المعارف التي نعتمدها ولدقة التحليل الذي نجريه لبناء تصورتانا , وتابع أيضاً لمدى قدرتنا على التحكم في سير الحوادث , ولباقي الظروف والقوى الأخرى الموجودة . 

هناك سؤال أخر : هل يمكن أن تنشأ بنيات جديدة متطورة أكثر منا ولها خصائص جديدة مختلفة ؟

نعم ممكن .

لقد تشكلت البنيات الفيزيائية فالكيميائية أولاً , ثم تشكلت البنيات الحية , ثم تشكلت البنيات الفكرية مترافقة مع تشكل البنيات التكنولوجية البسيطة , ثم تشكلت البنيات الحضاري والثقافية المتطورة مترفقة مع تشكل البنيات التكنولوجية المتطورة مثل الآلات والأجهزة والمنشأة المتطورة والذكاء الصناعي .

وقد بدأ فتح الزمن منذ تشكل الأفكار والذاكرة لهذه الأفكار , فنشاء الماضي والحاضر والمستقبل وهذا بمثابة فتح للزمن . وحدث تواصل واسع للعقول وتناما وتطور . 

يمكن اعتبار الإنسان , والمعارف والأفكار, والبنيات التكنولوجية الآن هم البنيات الأكثر تطوراً في هذا الكون , فهم على قمة سلسلة البنيات التي تشكلت حتى الآن . فبنشوء الكائنات الفكرية المتطورة , ودخولها في التفاعلات متبادلة مع البنيات التكنولوجية المتطورة والتي يتم نشوء المتطور منها باستمرار , وبمشاركة الإنسان وما يملك من دوافع وغايات ورغبات , صار كل منهم يساعد وينمي الآخرين , وتسارع نمو وتطور الثلاثة معاً . وهذا أحدث أو سوف يحدث قفزة في سلسلة تطور بنيات الوجود لا يمكن لنا تصور أبعادها . فهذه القفزة يمكن تشبيه تأثيراتها  بانفجار من حيث تأثيراتها الكبيرة , على سرعة تطور بنيات الوجود وتشكل البنيات الجديدة . وبالنسبة لنا فالمستقبل سوف يكون مختلف وهائل الاختلاف عن كل ما يمكن أن نتوقع , وعلى كافة المستويات والمجالات , ولكن غالبيتنا لا تدرك ذلك وحتى أنها لا يمكن أن تتخيله .

فالسوبرمان قادم ونحن أجداده إن لم نكن آباؤه ، وهو على الأغلب لن يكون سوبرمان بيولوجي فهو سوف يكون إلكتروني-بيولوجي .

 

وهذه بعض التصورات مستقبلية للمئة أو مائتين سنة القادمة .

الطاقة وحل مشكلتها , باستثمار الطاقة الشمسية من الفضاء وهذا كان توقعه الكثير من المفكرين أمثال  إسحاق عظيموف , أو بالدمج البارد للهدرجين وتكوين الهليوم , وهذا ما يعمل على تحقيقه الكثير من العلماء وإن كان تحقيق ذلك صعب جداً. وتصبح القضية توزيع ونقل للطاقة .

التحكم بالطقس عن طريق عواكس وسواتر  فضائية .

غزوا الفضاء واستيطان بعض كواكب وأقمار المجموعة الشمسية , واستصلاحها .

تطور العلاقات التجارية والاقتصادية والسياسية . وتطور الصراعات والتنافسات لكي تصبح غير خطرة على البشرية , أي تصبح كألعاب الكومبيوتر .

حتمية توحيد العالم . وهذا توقعه " وياز " فقد توقع توحيد العالم في حوالي منتصف القرن 21 .

تطور العقائد والأديان والانتماءات في اتجاه مجهول .

 

ويمكن أن نتصور نشوء تكنولوجية الجديدة نتيجة الذكاء الصناعي وتطوره , مثل صناعة الوعي . وتطوير الأحاسيس والانفعالات , والفنون . 

إن كل منا يريد بالدرجة الأولى تحقيق أحاسيس معينة وتحاشي أحاسيس معينة أي يريد شعور وأحاسيس التي ترغب بها , والجنة ( إن كانت في الدنيا أو الآخرة ) وما تنتجه من أحاسيس هي هدف الأغلبية . هذا هو الطلب الأول أو الدافع الأول لي ولكل منا " الأحاسيس" . فغياب الشعور والوعي هو غياب الذات أو الأنا , وبالتالي غياب المرجع وانعدام كل شيء , فإذا أطفئ الوعي وبقيت جميع التفاعلات والتأثيرات فإنه لن يكون هناك شيء بالنسبة لهذا الوعي .

إن المرجع الأساسي لكل منا هو الوعي والشعور الفردي الذاتي , وهذا مقيم وله اتجاه وله أفضلية ودرجات. فالأحاسيس هي مطلب كل منا , فوعينا و ذاتنا هي أحاسيس .

فالشيء الهام بالنسبة لنا نحن البشر هو الأحاسيس والمشاعر والإدراك والوعي, فالمعارف وكذلك الأحاسيس وظيفتهم خدمة بنية الجسم بشكل عام, وقد نشأت الأحاسيس أولاً, ثم تطورت ونمت وأصبحت على شكل أفكار وأحكام ومعارف ولكنها ظلت تابعة لأصلها الحسي . فالأحاسيس بالنسبة لكل منا هي في النهاية مرجع قياس وتقييم كل شيء .

إن هدف الفنون هو قرع الأحاسيس والانفعالات, والناس يطلبون من الفنانين منحهم أحاسيس وانفعالات الحب والحنان والعطف والمواساة والسلوى والمرح والضحك والفخر والاعتزاز والإخاء والانتماء والتشويق والهدوء والجمال واللذة والمفاجأة, وأحاسيس الخوف والرعب المسيطر عليه . كما يطلبون التمتع بالألحان والنغمات والإيقاعات الموسيقية المرغوبة والممتعة, ويطلبون الروائح والأطعمة وكافة الأحاسيس والانفعالات الممتعة . 

فهدف ودور الفن الأساسي هو الممتع, ولا يهتم كثيراً بالمفيد أو الواجب, لذلك يمكن أن يلتقي الدين والسياسة والعلم مع الفن عند تعرضهم للأحاسيس والانفعالات.

والأدب بشكل خاص يمتاز عن باقي الفنون في قدرته على تنويع وتوسيع الأحاسيس التي يقدمها كوجبات فنية, فالأحاسيس التي يستطيع الأدب أن يحدثها لدى متلقيه هائلة التنوع والاتساع وعالية التطور, فحتى السينما وقدراتها الهائلة لا تستطيع أن تنافس الأدب في مجالات كثيرة, وهي لابد أن تستعين بالأدب .

فللأدب قدرة على كشف وتمثيل أعقد الأحاسيس والمشاعر والأفكار الإنسانية ونقلها إلى الآخرين, وقد بلغت قدرات الأدب الآن مستويات عالية جداً في إحداث الأحاسيس والمشاعر المتطورة والمعقدة, إن المشاعر والأحاسيس والانفعالات التي يخلقها الأدب لا يمكن أن تبزها أية مشاعر أخرى, فحتى الواقع الافتراضي – الآن- لا يمكنه أن يتفوق على الأدب, إلا إذا استعان بالأدب نفسه .

إن قراءة رواية أو مسرحية... هو بمثابة أن نعيش ونشعر أحداثها وحياة شخصياتها , فالأدب ليس هدفه الأساسي المعرفة أو الإصلاح والإرشاد فهو يتجاهل الكثير من المعارف الأساسية في أحيان كثيرة, وذلك في سبيل عزف الأحاسيس والانفعالات المطلوبة لدى متلقيه. والدين من أهدافه أيضاً عزف الأحاسيس الجميلة والسعيدة .

هناك فن بدأ يتشكل وينمو بسرعة إن هذا الفن سوف يمكننا مستقبلاً- وهذا ليس ببعيد- من تذوق وعي وأحاسيس تماثل ما نعيشه أثناء الأحلام ولكن في المجالات التي نريد ونرغب بها وبالخصائص والمقدار والشدة التي نريد , فالأحاسيس التي يمكن تذوقها من عيش  قصص ألف ليلة وليلة أو غيرها من القصص والملاحم والأساطير وما يمكن تذوقه من أحاسيس ومشاعر وانفعالات من ممارسة الأحلام , كل هذا سوف يكون متاحاً مثله وأكثر بواسطة فن الواقع الافتراضي . 

فهذا الفن سوف يمكننا من عزف الأحاسيس والمشاعر والانفعالات التي نريد لدى أي إنسان . فالجهاز العصبي للإنسان والقدرات الهائلة على الإحساس والوعي التي يملكها تمكننا من ذلك , إذا كنا نملك القدرات اللازمة للتحكم بالمداخل الحسية الذاهبة إلى دماغه. 

وإن الأحاسيس والانفعالات التي يتذوقها المتصوف أو المتعمق في الدين والإيمان ,أو الفيلسوف , أو الفنان , أو العالم ...., سوف لن تكون مستحيلة في الواقع الافتراضي , صحيح أن الأدب والسينما استطاعا عزف كمية هائلة من أنواع الأحاسيس والانفعالات لدى المتلقين, ولكن الآتي أعظم بكثير .

وبالإضافة إلى كل ذلك فسوف يتم توسيع و تنويع جديد لأحاسيسنا وانفعالاتنا التي نملكها الآن بواسطة التقدم الذي سوف يحصل في العلوم الفسيولوجية والتكنولوجية, فسوف يخفف الألم وتتم السيطرة عليه وتلغى أشكاله القوية, وسوف تصنع أو تشكل أحاسيس جديدة بواسطة التحكم الفسيولوجي والعصبي  في المستقبل.

 

امكان حل مشكلة الموت : لقد بحث الكثيرون عن إكسير الحياة وبذلت ملايين من ساعات التفكير والعمل والتجارب , ضمن الخيارات المتاحة المتواضعة للوصول إلى إكسير الحياة وقهر الموت ولم يتحقق شيء, والآن ما زال الكثيرون يعتبرون أن الموت يمكن تأجيله أو القضاء عليه, فقد جرب التبريد للاحتفاظ بالجسم أو الدماغ فقط , لمدة طويلة دون تلف ريثما يتم التوصل إلى معالجة أسباب الموت, وفكر آخرون بنقل وعي وأحاسيس وذاكرة الإنسان إلى الأجهزة والبنيات الإلكترونية التي يمكن إصلاحها أو تبديل الذي يتلف منها وبالتالي الإبقاء على ذات الإنسان متوضعة ضمن هذه الأجهزة وإلى أزمان غير محددة . 

والكثير من علماء البيولوجيا يعتبرون أن الموت له دور ووظيفة هامة يؤديها وأنه كان من الممكن أن لا تموت الكائنات الحية أو تعيش لأي فترات طويلة, وقد لوحظ أن غالبية الكائنات الحية تعيش فقط للفترة الكافية للنضوج والإنجاب والكافية لاستمرار النوع, وكذلك وجد أن الخلايا الحية تموت بعد فترة زمنية محددة فهي مبرمجة فزيولوجياً على ذلك, ويمكن من الناحية النظرية التحكم بهذه البرمجة وجعلها تعيش لفترات زمنية غير محدودة .

 

 

.