بقلم غادة العشا

 

الغيبة والنميمة 

 

عن الحسن البصري رحمه الله ، أن رجلا ً قال له : إنك تغتابني ، فقال :

ما بلغ قدرُك عندي أن أحكّمك في حسناتي . 

 

وعن ابن المبارك رحمه الله قال : لو كنت مغتابا ً أحدا ً لاغتبت والدي ّ لأنهما 

أحق بحسناتي  ، والله أعلم .

 

فما هي الغيبة ؟ .......... وما هي النميمة ؟ ........

 

الغيبة هي : ذكرك غيرك فيما يكره ، في أخلاقه ، أو خلقه ، أو نسبه ، أو .............

سواء كنت صادقا ً ، أو غير صادق . 

وسواء ذكرته بلفظك أو كتابك ، أو رمزت أو أشرت إليه بعينك أو يدك أو رأسك .

وضابطه : كل ما أفهمت به غيرك نقصان مسلم ، فهو غيبة محرمة .

 

عن أبي هريرة َ رضيَ الله ُعنهُ ، أنّ رسولَ الله ِ صلى الله ُ عليه ِ وسلم ، قالَ : 

 

( أتدْرونَ ما الغيبة ُ ؟ ) قالوا : الله ُ ورسوله ُأعلمُ ، قالَ : ( ذكرُكَ أخاكَ بما يكرهُ )

قيلَ : أفرأيتَ إنْ كانَ في أخي ما أقولُ ؟  قالَ : ( إنْ كانَ فيه ِ ماتقولُ ، فقد ِ اغتبته ُ ،

وإنْ لمْ يكنْ فيه ِ ماتقولُ فقدْ بَهته ُ ) . 

                                   رواه مسلم .

معنى بهته : أي قلت عليه ما ليس صحيحا ً ،  أو افتريت عليه الكذب .

 

وأما النميمة : 

فهي نقل كلام الناس بعضهم إلى بعض على جهة الإفساد . 

فحقيقتها هي إفشاء السر ، وهتك الستر عما يُكره كشفه . 

وينبغي للمسلم أن يسكت عن كل ما رآه من أحوال الناس ، إلا ما في حكايته فائدة 

لمسلم أو دفع معصية .

وكل من حُمِلت إليه نميمة وقيل له : قال فيك فلان كذا ، لزمه ستة أمور :

1 _  ألا يصدقه لأن النمام فاسق وهو مردود الخبر .

2 _  أن ينهاه عن ذلك وينصحه ويُقبح فعله .

3 _ أن يبغضه في الله تعالى .

4 _  ألا يظن بالمنقول عنه السوء لقوله تعالى :

    (    اجتنبوا كثيرا ً من الظنّ إنّ بعضَ الظنّ ِ إثم ٌ  ) .

                               الحجرات  49: 12 

5 _  ألا يحملك ما حكى لك على التجسس ، والبحث عن تحقيق ذلك ، لقوله تعالى :

           (   ولا تجَسّسوا  ) .

                               الحجرات 49 : 12 . 

             معنى ولا تجسسوا : لا تتبعوا عورات ِ المسلمينَ .

 

6 _   ألا يرضى لنفسه ما نهى النمام عنه فلا يحكي نميمته . 

 

       وقد جاء أن رجلا ً ذكر لعمر بن عبد العزيز ، رضي الله عنه ، رجلا ً بشيء ، 

فقال عمر : إن شئت نظرنا في أمرك ،  فإن كنت كاذبا ً فأنت من أهل هذه الآية : 

  ( يأيّها الذينَ آمَنوا إنْ جاءَكمْ فاسِق بنبأ فتبيّنوا أن تصيبوا قوما ً بجهالة ٍ فتصبحوا 

   على ما فعلتمْ نادمِينَ . ) 

                                     الحجرات 49 : 6 . 

وإن كنت صادقا ً فأنت من أهل هذه الآية :

        ( همّاز ٍ مَشّاء ٍ بنميم ٍ ) . 

                                القلم 68 : 11

وإن شئت عفونا عنك ، قال : العفو يا أمير المؤمنين ، لا أعود إليه أبدا ً .

 

والغيبة والنميمة محرمتان بإجماع المسلمين ، وقد تظاهر على تحريمهما الدلائل 

الصحيحة من الكتاب والسنة و إجماع الأمة .

 

قال الله تعالى :

( وَيل ٌ لكلّ هُمَزَة ٍ لمَزَة ٍ ) . 

                          الهمزة : 104 : 1 

     معنى هُمَزة ٍ لمَزَة ٍ : طعّان ٍ غيّاب ٍ عَيّاب ٍ .

 

قال الله تعالى :

( همّاز ٍ مَشّاء ٍ بنميم ٍ ) . 

                              القلم 68  : 11 .

   معنى همّاز ٍ : عيّاب ٍ أو مغتاب ٍ للناس  ،  مشاء ٍ بنميم ٍ : بالسعاية والإفساد بين الناس . 

 

و عن حذيفة رضيَ الله ُ عنهُ قالَ : قالَ رسولُ الله ِ صلى الله ُ عليه ِ وسلم :ُ 

                     (  لا يَدخلُ الجنّة َ نمّام ) . 

                                              متفق عليه .

 قال الله ُ تعالى : 

 (  ولا يَغتبْ بعضُكمْ بعضا ً ) .

                                الحجرات 49 :  12 .

 

وكما الغيبة محرمة ، كذلك الاستماع إليها وإقرارها ، فيجب على من سمع إنسانا ً 

يبتدئ بغيبة محرمة أن ينهاه عن ذلك ، فإن لم يستطع فعليه مغادرة المجلس ، فإن 

لم يستطع فعليه أن يُشغل تفكيره بأمور ٍ أخرى كذكر الله تعالى .

وفي هذا الزمان ، نسي الناس في غمرة حياتهم ومشاكلهم تحذير الله تعالى ورسوله

لهم ، وكثرت الغيبة والنميمة ، وكأن ذلك شيء عادي ، فعندما تجلس مع آخرين 

ففي أحيان كثيرة يتداخل في أحاديثهم التحدث عن إنسان ما ، ويتحدثون عنه بكل 

بساطة ، ودون تأنيب للضمير ، أو الخوف من الله عز وجل . 

وديننا نهى عن ذلك ، ونهى عن الغيبة والنميمة وأمر بالاقلاع عنهما ، والتوبة 

منها ، لأنهما من المعاصي والمحرمات .

عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ : 

 

(  إنّ العبدَ ليتكلم ُ بالكلمةِ مِنْ رَضوان ِ الله ِ تعالى ما يُلقي لها بالا ً يرفعُه ُ 

   الله ُ بها دَرَجاتٍ ، وإنّ العَبْد َ ليَتكلم ُ بالكلمة ِ مِنْ سَخط  ِ الله ِ تعالى لا يُلقي 

   لها بالا ً يَهوي بها في جَهَنم  ) . 

                                 رواه البخاري .

 

ولكن الغيبة تباح في أحوال للمصلحة ، والمجوّز لهذا غرض  صحيح شرعي 

لا يمكن الوصول إليه إلا بها ، نذكر منها ما يلي : 

1 _  التظلم ، فيجوز للمظلوم أن يتظلم إلى الذي له ولاية أو له قدرة على إنصافه 

   من ظالمه .

2 _  الاستعانة على تغيير المنكر ورد المعاصي إلى الصواب ، فيقول لمن يرجو 

      قدرته على إزالة المنكر ويكون قصده هذا ، فإن لم يقصد ذلك كان حراما ً.

 

3 _  الاستفتاء ، بأن يقول للمفتي ٍٍ عمن ظلمه لمشورته قي كيفية دفع الظلم عنه ،

       ويمكن أن يعين هذا الشخص ، فهذا جائز للحاجة ، ولكن الأحوط أن يقول ماتقول 

       في رجل كان من أمره كذا وكذا ، أو في زوجة أو زوج كان من أمره كذا وكذا .... 

      أو نحو ذلك .

 

4 _  تحذير المسلمين ونصيحتهم ، ومن ذلك :

       إذا استشارك أحدهم في مصاهرته لشخص ما أو مشاركته أو إيداعه أو الإيداع 

      عنده أو معاملته أو غير ذلك ، وجب عليك أن تذكر له ما تعلمه عن هذا الشخص

    على جهة النصيحة ، فإن حصل الغرض بمجرد قولك لا تصلح لك معاملته ، أو 

    مصاهرته ، أو لا تفعل هذا ، أو نحو ذلك ، لم تجزئه الزيادة بذكر المساوئ ،

وإن لم يحصل الغرض إلا بالتصريح بعينه فاذكره بصريحه . 

 

وأخيرا ً نقول اللهم أبعد عنا كل ما فيه معصية لك ، و اجعلنا من عبادك الصالحين .

والحمد لله ربّ العالمين . 

والصلاة على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين إلى يوم الدين .

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته .

 

المراجع :  الأذكار المنتخبة من كلام سيد الأبرار صلى الله عليه وسلم ،

                و رياض الصالحين .

              للإمام محيي الدين أبي زكريا يحيى بن شرف النووي الدمشقي .