إبراهيم غرايبة

 

يتتبع هذا الكتاب المسار التاريخي للتكنولوجيا، بدءا من العصر الحجري، وبدايات الزراعة، مرورا بالثورة الصناعية ووصولا إلى الثورة الإلكترونية، والمؤلف هو البروفيسور دانيال آر. هيدريك، أستاذ كرسي في التاريخ وعلم الاجتماع في جامعة روزفلت في شيكاغو، وله مؤلفات عدة مثل ''عندما بلغت المعلوماتية سن الرشد'' و''مجسات التقدم'' و''أدوات الإمبراطورية'', وتتركز اهتماماته وبحوثه على تاريخ نظم المعلوماتية، تاريخ التكنولوجيا، وتاريخ البيئة، والعلاقات الدولية.

يمكن النظر إلى مسار التكنولوجيا بأنه مسار التاريخ الإنساني بعامة، فالبشر منذ وجدوا وهم يحاولون أن يطوروا معرفتهم في استخدام الموارد المحيطة بهم استخداما فاعلا، وقد بدأ الإنسان باتخاذ الحجارة أدوات، ونحتت بذكاء وبراعة لزيادة كفاءتها، واستخدمت النار للبقاء، ثم أنشأ البشر نظما معقدة لاستخدام الماء في الري، ثم استخدام الماء في توليد الكهرباء، وبتطور تكنولوجيا الاتصالات صار الناس أكثر تواصلا بعضهم ببعض، وأسهمت تقنيات الطب والزراعة في إطالة المعدل العام للأعمار ومعالجة الأمراض، واستخدمت التقنية لأجل سعادة الإنسان، وكذلك لقهر الشعوب الأخرى واحتلال أراضيها، وفي تدمير البيئة وتلوثها.

إن تاريخ التقنية هو تاريخ الإنسانية الحقيقي، إذا يعرض كيف تشكلت المجتمعات حول الموارد والتقنيات، وكيف طورت أدواتها ومؤسساتها مع تطور التقنية، ويمنح الدارسين فهما أعمق وأشمل للتاريخ بدلا من دراسة تاريخ بلد أو منطقة بالتحديد، واليوم في مرحلة العولمة يبدو النظر إلى تاريخ العالم باعتباره وحدة واحدة ضروريا ومتطابقا مع طبيعة العولمة نفسها، ويشكل استجابة منطقية، تؤثر في الدراسات والمناهج وفي وعي الإنسان لذاته وعالمه المحيط به.

 

البداية ثم الثورة الزراعية

تبدو في المعرفة الإنسانية المتاحة أقدم الأدوات المصنوعة بتخطيط مدروس في وادي أومبو في إثيوبيا، وتبين أنها صنعت قبل 2.5 مليون سنة، وتمثلت في حصى نهرية أعدت لاستخدامها في تشذيب الخشب ونخر العظم للوصول إلى نخاعه، وتقطيع لحوم الحيوانات وجلودها، ثم بدأ الإنسان يصنع من الحجارة فؤوسا وسواطير لأغراض متعددة، وبإنتاجه للنار استطاع الإنسان أن ينشئ حياة جديدة ومختلفة، فقد بدأ يدفئ نفسه وأطفاله وبيته، ويخيف الحيوانات المفترسة، ويطهو طعامه، ويطور أدوات الصيد، وبدأت صناعة الأواني الفخارية قبل 12 ألف عام، وبدأ الإنسان أيضا بتدجين الحيوانات ورعيها أو استخدامها في العمل، ثم زراعة النباتات.

يعتبر الشرق الأوسط من الأمكنة الأولى التي بدأ فيها الناس بتنمية الطعام، خاصة المنطقة التي تعرف باسم ''الهلال الخصيب'', حيث استفاد الناس من الطقس والأمطار والأنهار في العناية بالقمح والشعير ثم بدأوا بزراعتهما، وطحنهما لأجل الغذاء، ثم تسارعت الابتكارات .. كانت الزراعة ثورة أتاحت للبشر الاستقرار وإنشاء القرى والمدن، وتعتبر بدلة أريحا في فلسطين من أوائل تلك القرى، وظهرت قبل بالميلاد بــ 10500 سنة، وزرع أهلها القمح والشعير والبازلاء والعدس، وربوا الأغنام والمواشي، وبادلوا منتجاتهم بالزجاج البركاني والأصداف البحرية والفيروز، لصنع المجوهرات والأدوات الحادة، وأحيطت المدينة لحمايتها بسور وخندق، وبدأت صناعة النسيج لإعداد الملابس بدلا من الجلود، فنشأت عمليات استخراج الخيوط من القطن والصوف والكتان، ثم نسجها بـ ''النّول''.

 

حضارات الطاقة المائية

بدأ السومريون في العراق قبل الميلاد بأربعة آلاف عام ببناء السدود، لتخزين المياه واستخدامها في الري، بدل الاعتماد الكلي على المطر، وحفرت القنوات والخنادق لنقل الماء وتصريفه، وبنيت الخزانات، وجففت المستنقعات، وبدأ الإنسان ينتج فائضا من الطعام عن حاجته، وبدأت بذلك الحضارة، بمعنى المجتمعات الكبيرة التي يرتبط أفرادها بدولة من خلال الضرائب أو العمل أو إعلان الولاء، كما يبدون احتراما لقادتهم، وبدأت بذلك الكتابة والرياضة والتقويم الزمني والآداب والفلسفات، وبدأ بعض الناس يمارسون أعمالا أخرى غير الرعي والزراعة، مثل القادة السياسيين والعسكريين والدينيين، وبتطوير تقنيات الري والرصد والمساحة والبكرات والطواحين استطاع المصريون في الألف الثالثة قبل الميلاد التحكم في الفيضانات والاستعداد لها, بل الاستفادة منها وتوظيفها، وأمكن بذلك إنشاء حضارة آمنة ودائمة، استمرت لأكثر من ثلاثة آلاف سنة.

وفي وادي المكسيك ظهرت أكثر نظم السيطرة على الماء إثارة للإعجاب، فقد تعامل الناس هناك مع تدفق الأنهار من الجبال إلى المحيطات بإنشاء جزر صناعية من الطمي المحمي بأشجار القصب والصفصاف، وإقامة مزارع تقدم سبعة محاصيل في السنة، وإنتاج غلة من الطعام تفوق أي مكان آخر، وعندما وصل الأسبان الغزاة إلى المكسيك بهروا بقنوات الماء وممراته لتأمين الشرب لمدن يبلغ عدد سكان الواحدة منها 100 ألف شخص، والري، والتخلص من المياه المالحة.

ونقل التعدين الحضارة نقلة جديدة ومهمة (العصر النحاسي والبرونزي والحديدي)، فعندما بدأ الإنسان باستخراج المعادن وصهرها وتشكيلها بدأت صناعة السيوف والخناجر والدروع وأسنة الرماح، والمحاريث.

وتمثل الكتابة إحدى أهم التقنيات التي ورثناها من الحضارات الأولى، وابتكر السومريون أول نظام للكتابة، وبدأ استخدام الكتابة للأنظمة الإدارية والمالية والتوثيق، ثم تحولت إلى وعاء للآداب والفنون والنصوص الدينية والقانونية.

كان الحديد مع تدجين الخيل بداية لمرحلة جديدة ومهمة، أسهمت في نشوء الدول والإمبراطوريات الكبرى، مثل الفرس والروم، وتبع ذلك الطرق والعربات وقنوات الماء والسفن، والحرف والهندسة الميكانيكية.

وأنشئ نظام بريد مدهش ومعقد يتيح اختصار المسافة التي تحتاج من القوافل التجارية إلى ثلاثة أشهر إلى أسبوع، وذلك من خلال شبكة من الطرق والحصون والفرسان الذي يطوفون الإمبراطوريات ويتسلمون الرسائل ويسلمونها على نحو متواصل في الليل والنهار.

كانت الطرق المرصوفة التي اخترقت العالم القديم، مثل طريق الحرير والطريق الملكي، بداية لمرحلة من التواصل وازدهار التجارة وتبادل السلع والمنتجات، وجهزت هذه الطرق بمحطات للبريد ونزل لراحة المسافرين والتزود باحتياجات القوافل والسفر، واحتل مهندسو الطرق وبناتها مكانة مرموقة في المجتمع الروماني، حيث شق الرومان 50 ألف ميل من الطرقات في إمبراطوريتهم.

وبدأت بحلول الألفية الثالثة قبل الميلاد القوارب الصغيرة تبحر عبر البحر المتوسط والبحر الأحمر والخليج العربي، وبدأ الفينيقيون يجوبون البحر المتوسط ينقلون القمح والزيت والنبيذ بين الموانئ، وبدأت صناعة السفن الكبيرة والأشرعة والمجاديف لخوض البحار وزيادة سرعة السفن ومضاعفة حمولتها.

 

العصر ما بعد الكلاسيكي والقرون الوسطى

حدثت أشد التغييرات قوة عندما حرك الإسلام شعب الجزيرة العربية ليفتحوا شمال إفريقيا وجنوب غرب آسيا، وأبدى العرب رغبة عارمة في التعلم وتبادل الأفكار من الشعوب التي تغلبوا عليها، وأظهروا اهتماما بنظم الري والصرف، وأدخلوا تحسينات على السواقي، وجلبوا محاصيل من الصين والهند وشرق آسيا ونشروها في بلادهم، الخضار والفواكه وقصب السكر والقطن، وطوروا صناعة الورق والبوصلة، وعلوم الفلك والرياضيات والكيمياء والطب.

وشكل قياس الوقت مجالا تفوق فيه الأوروبيون، وصنع المصريون أول آلة لقياس الوقت حملت اسم جنومون أو ساعة الشمس، وفي القرن الثالث عشر الميلادي صنع العالم العربي أبو الحسن المراكشي ساعات شمس قسم فيها اليوم ساعات متساوية، لكن الأوروبيين سبقوا بصناعة الساعات الميكانيكية التي تحركها الأثقال.

وعرف الصينيون طرقا لرفع الحرارة في الأفران باستعمال مضخات هواء تدار بطاقة الماء، واستعملوها لتحويل حجارة خام المناجم إلى حديد خام، وبأثر من الحاجة إلى الاحتفاظ بالأخشاب صار عمال الصين أول من استخدم الفحم وقودا للأفران.

ودُجّن الجمل في جنوب شبه الجزيرة العربية أولا، في الألفية الثالثة قبل الميلاد، وبالتدريج انتشرت تربية الجمال في الصحراء، وصارت عماد القوافل التجارية، وأسهم الجمل في صعود قوة العرب اقتصاديا وعسكريا، وأمكن عبور الصحاري الإفريقية وإقامة تواصل بين السودان وشمال إفريقيا والشرق الأوسط.

استطاع الربان البرتغالي فاسكو دي جاما عام 1498 الإبحار بأربع سفن إلى الهند مستفيدا من الخبرات والتقنيات العربية في الملاحة البحرية، وبفضل تقنيات الإبحار والأنواع الجديدة من السفن تغير العالم، وظهرت في ذلك الوقت أيضا تقنيات غيرت العالم، أهمها البارود والأسلحة النارية والطباعة.

 

الثورة الصناعية

مع حلول القرن الثامن عشر صارت بريطانيا أمة تجارة، إذا انخرط معظم سكانها في التجارة والسفن والاقتصاد، وشجع مجتمعها الابتكار والاستثمار ومراكمة الثورات.

يعتبر إنتاج القطن أهم الصناعات في القرن الثامن عشر، وتحول القطن من سلعة مترفة مقتصرة على الأغنياء إلى النسيج الاقتصادي المتعدد الاستخدامات، وفي عام 1764 ابتكر جيمس هارجريفر مغزلا ميكانيكيا، وتواصل تطوير آلات النسيج الميكانيكية، وفي عام 1794 اخترع الأمريكي إيلي ويتني آلة نسيج تفصل بذور القطن عن الخيوط, وبفضلها صارت الولايات المتحدة تنتج 80 من القطن المنتج عالميا، وبين عامي 1801 ـــ 1805 ابتكر نساج الحرير الفرنسي جوزيف ماري جاكار نولا يقدر على نسج أنماط معقدة ومتداخلة باستعمال خيوط حرير مختلفة الألوان، وأدى منتجان آخران هما الفحم الحجري والحديد دورا أساسيا في تحويل بريطانيا إلى أمة صناعية، وقبل الثورة الصناعية قادت بريطانيا العالم في إنتاج وتصدير مدفع الحديد والبنادق وقطع الغيار.

وبدأ عام 1712 إنتاج المحرك البخاري باستخدام قوة الضغط الجوي، وفي عام 1769 استطاع جيمس واط ابتكار جهازا ينشئ حركة دائرية بدلا من الصعود والنزول، وكان ذلك أساس الآلات الصناعية، وبدأ استخدام واط في المصانع والطواحين ومحالج القطن، وفي مطلع القرن التاسع عشر أمكن صنع محرك بقوة 100 حصان، أي ضعفي قوة محرك جيمس واط، ويمكن اعتبار المحرك البخاري الرمز الأكثر بروزا للتقدم التقني في مستهل ثورة الصناعة، وفي عام 1807 استخدم المحرك البخاري في دفع السفن، وأحدث ذلك ثورة هائلة في النقل البحري والنهري.

وتمثلت الثورة الثانية في النقل في قطارات سكة الحديد التي بدأت تعمل في بريطانيا عام 1825، وانتقلت التجربة فورا إلى الولايات المتحدة، ففي عام 1840 مدت الولايات المتحدة قرابة خمسة آلاف كيلو متر من السكك، وفي عام 1870 امتلكت الولايات المتحدة 85 ألف كيلو متر من السكك.

وابتكر أول تلغراف بصري على يد كلود شابب، الذي استخدم على نطاق واسع في إدارة الجيوش وفي نقل الرسائل، وبابتكار البطارية على يد أليساندرو فولتا في عام 1800 نشأت أنظمة اتصال تستخدم نبضات الكهرباء، ولتنشأ شبكات الاتصال السلكية، وصار العالم متصلا ببعضه لاسلكيا بحلول عام 1870.

وبدأ تأثير التصنيع في البيئة تأثيرا واضحا، من التلوث والتدمير والنزف.

بدأ استعمال الكهرباء عام 1879 للإضاءة، وبدأ أيضا استخدام الهاتف على يد ألكسندر جراهام بل، وتوسع استخدام الكهرباء في النقل والصناعية، وفي عام 1866 صنع الكيماوي السويدي ألفرد نوبل الديناميتن, وهي مادة متفجرة أساسها مادة النيتروجليسرين، وفي عام 1909 اكتشف الكيماوي الألماني فريتز هابر طريقة لإنتاج الأمونيا، وهي مادة خام تستعمل في صناعة الأسمدة والمتفجرات، وبعد الحرب العالمية الأولى نجح اختصاصيو الكيمياء في تركيب المطاط والنايلون والبولي إثلين صناعيا، إضافة إلى مواد بلاستيكية أخرى ومنتجات صيدلانية مثل الإسبرين والفيتامينات والهرمونات. وابتدأ الإرسال الإذاعي عام 1920 ثم تكاثرت محطات الراديو في الولايات المتحدة وأوروبا، وتلقى البث الإذاعي معونة مادية من رجال الأعمال مقابل إعلانات عن منتجاتهم وخدماتهم، وبذا أسهموا في صنع ثقافة المستهلك، التي شجعت الناس على الإنفاق لشراء السلع التي تروجها الإعلانات، وفي معظم البلدان سيطرت الحكومات على البث الإذاعي ومولته من الضريبة، وأذيعت برامج ثقافية وأخبار تقبل الحكومة ببثها.

وكانت تقنية الاختراق الداخلي أكثر التقنيات تأثيرا في القرن العشرين على حياة الإنسان، فقد فتحت المجال لصناعة السيارات والطائرات.

 

عالم ما بعد الصناعة (1939 – 2007)

في عام 1945 ألقيت قنبلة ذرية على مدينة هيروشيما، وقتل على الفور نحو 80 ألف شخص، وكان هؤلاء أحسن حظا من الذين نجوا ليموتوا فيما بعد بأثر الحروق والإشعاعات السامة، لقد أسست الحرب العالمية الثانية لعمليات بحوث وتجارب كثيرة جدا أطلقت سلسلة من المنجزات التقنية المدهشة، مثل الرادار لتقصي الطائرات، والطائرات النفاثة، والكمبيوتر، والصواريخ، والمضادات الحيوية، والمركبات الفضائية، والترانزستور، والتقنيات الزراعية والحيوية.

وكانت العقود الستة التي تلت الحرب العالمية الثانية تدهش من حيث العلاقة بين تلك الحروب والابتكارات التقنية التي تلتها، ومن دون تلك الحرب كانت تلك التقنيات ستتأخر حتما، وعلى رغم ذلك يثور جدال حول قيمة الكثير من تلك التقنيات، إما لأنها شديدة التدمير، مثل القنابل النووية والصواريخ العابرة للقارات، وإما لأنه يتبين أنها تتضمن الكثير من المخاطر والتكاليف غير المتوقعة، مثل الطاقة النووية، فقد استفادت الإنسانية أو ثلثها الغني على الأقل من الرادار والكمبيوتر والمضادات الحيوية، وبرهنت التقنية في زمن ما بعد الحرب العالمية الثانية، مثل الترانزستور والإنترنت والتلفزيون والكمبيوتر الشخصي والمحاصيل المعدلة جينيا أنها عميقة الفائدة.

وفي المقابل وعلى غرار التقنيات الأخرى التي أدخلت منذ الثورة الصناعية، تستهلك تلك التقنيات الكثير من الطاقة المواد الخام والأرض، وتلوث البيئة وتدمرها وتستنزفها، وتلحق الضرر بالعالم الطبيعي، ولم تعد التكنولوجيا وسيلة للبقاء في وجه طبيعة مادية، بل صارت رحلة سعيدة على حساب الطبيعة، إلى متى تستطيع هذه الرحلة السعيدة أن تدوم؟ يتساءل المؤلف ويقول إنه سؤال لن يجيب عنه سوى الجيل المقبل.

 

تأليف: دانيال آر. هيدريك

ترجمة: أحمد حسن مغربي

كلمة (هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث) ــ أبو ظبي

206 صفحات

قد يعجب