لعبة المعرفة 

من أنت؟ ماذا تريد؟ وماذا يجب أن تفعل؟".. 

 

تأليف : نبيل حاجي نائف 

"من أنت؟ماذا تريد؟وماذا يجب أن تفعل؟"..  إشكاليات طرحها الباحث نبيل حاجي نائف وتناولها بالبحث في أحدث مؤلفاته.. 

في "لعبة المعرفة: من أنت؟ماذا تريد؟وماذا يجب أن تفعل؟"، يلخص نبيل حاجي نائف، ويصنف، ويقيم، أهم الأفكار والمفاهيم الفكرية، والفلسفية، والعلمية عما يجب أن يعرفه الإنسان عن نفسه. 

ولعل أحد أبرز ميزات هذا الكتاب هو انه ليس مكتوبا من أجل أن يظهر كبحث أكاديمي، ولكنه أعد ليكون كتابا شعبيا قارئه عليه أن يستوضح الطرق التي يختارها لنفسه في الحياة وأن يفهمها ويفهم خياراته معها، وذلك بمقدار ما يفهم نفسه أيضا. 

ويقول المؤلف في تقديمه للكتاب، الصادر  عن "دار e-kutub" للنشر الالكتروني، : كنت أريد عرض أهم المعارف وخاصة الفكرية والفلسفية الأساسية - في رأيي-، وذلك بعد تصنيفها وتنظيمها وتقييمها، وتحديد وتصنيف وتقييم أهم دوافعنا ومطالبنا وحاجاتنا وغاياتنا. 

"ماذا نريد؟ وماذا لا نريد؟ و ماذا يريد كل واحد منا". 

ثم تحديد سبل وطرق وكيفية تحقيق ما نريد وما نسعى إليه، وتوقع وتنبؤ نتائج ذلك، وهذا هو ما أراده كانت: 

ماذا نعرف، وكيف نعرف؟ 

ماذا يجب أن نفعل؟ 

ماذا يمكن أن نأمل؟ 

لكنني وجدت أنني سوف أقدم كتاباً فلسفياً يكرر ما قيل آلاف المرات، ولا يقبل عليه إلا المختصون وبعض القراء، وهؤلاء قرؤوا الكثير ويعرفون الكثير. 

"وهدفي هو السعي إلى المختصر والعملي، وتقديم ما يمكن أن يطبق في مجالات الحياة الواقعية". 

وهذا ما دفعني إلى تغيير طريقة العرض التي تبدأ بالتسلسل الزمني وتشرح نشوء الأفكار وتسلسلها وتطورها من الماضي إلى الحاضر. 

انطلقت من الواقع العملي المعيش، وسعيت لنظم أهم الأفكار والمعلومات- المتوفرة لدي- في سلسلة مترابطة، مصنٌفة ومنظٌمة ومقيمة، ويسهل التعامل معها - تناولها وهضمها-، وأنا أتوقع أن تكون مفيدة. 

ويقول المؤلف: ان هذا الكتاب ليس كتاباً في علم النفس أو الاجتماع أو الاقتصاد...، بل يمكن أن نقول إنه وسيلة لكي يعرف الإنسان نفسه وذلك من خلال البسيط والعملي. 

فأغلبنا يسعى إلى المعارف المختصرة، السهلة، المفيدة، كالأمثال الشعبية، التي تقدم مقاربة للفهم بأفضل وأقصر السبل، لذلك يعتمدها أغلب الناس كمرجع من مراجع الحكمة العامة. فالأمثال الشعبية نموذج واضح عن المعارف المختصرة المفيدة الجاهزة للتطبيق، فهي بمثابة العلم، وهي سهلة الفهم والتعلم والانتشار السريع بين الناس، ولها أكبر مردود عملي - في الحياة العادية - وهي تشمل الكثير من المجالات الحياتية. وهي تتفوق على المعارف المدرسية في سهولة تعلمها وانتشارها،- ولكن ليس في دقتها وترابطها مع بعضها-. 

ويضيف المؤلف: نحن نلاحظ في أغلب العلوم والمعارف، وبشكل خاص في العلوم الإنسانية، إننا بصدد الكثير من المعلومات والخيارات، والتي قد تكون متضاربة أحيانا، ومحيرة وغير واضحة أحيانا أخرى، فهناك الكثير من المعارف والنظريات والآراء والمدارس والتصنيفات المتنوعة، وهناك الكثير من الأفرع والاختصاصات. قال فلان كذا وقال آخر كذا وقال ثالث ما يشبه ذلك ولكن يختلف بكذا، وكذا، وقال رابع ما يختلف عن ذلك...، أين الرأي النهائي الأفضل لكي يتم اعتماده أو يراد الوصول إليه؟ إنه غير واضح وغير محدد. هذا الأسلوب يعتمد غالباً لإظهار مدى اتساع الأفكار والمعارف الموجودة وكثرتها، وللتعرف عليها. فالمعارف والمعلومات بحاجة إلى معالجة ومقارنة وتقييم باستمرار لتناسب الحالات والأوضاع المتعامل معها، وهي كثيرة ومتنوعة ومتضاربة أحياناً، وهذا لا يناسب من يريد استثمار وتطبيق هذه المعارف، فهي موجهة إلى من يسعى ليكون مختصاً أو محترفاً. 

إن أغلبنا يسعى إلى الحصول على المطلوب بأسرع وأسهل السبل، فهو يريد من الطبيب إعطاؤه العلاج المناسب السريع الفعال دون الدخول في متاهات تفسير الأوضاع والخيارات الكثيرة وتحديدها، وكذلك يريد من مصلح الأدوات أو مصلح الأجهزة أن يقوم بالإصلاح دون الدخول في مبدأ عمل الجهاز، فهو يريد فقط معرفة الطريقة السهلة البسيطة المضمونة لحل أي مشكلة، فالمهم عند أغلبنا هو التطبيق العملي للمعارف والمعلومات، أما جمعها، وإيجادها، وتصنيفها، وتنظيمها فهذا شيء آخر. 

--------------------

                          

 

 

 

لقد كانت الطبعة الأولى  لكتابي الأول , صعبة على غالبية القراء , لأسباب كثيرة . أهمها كثرة المواضيع المعروضه وتشابكها واتساع نطاقها . وكانت بحاجة لتنقيح وترتيب وتعديل لتسهيل قرأتها . لقد كانت وجبة غير معدة بشكل جيد يسمح بتقبلها وتناولها .

في هذه الطبعة اختصرت كثير من الموضوعات التي رأيتها لا تنسجم مع عنوان الكتاب , وعدلت بعضها وأعد ترتيب بعضها , وحاولت تسهيل الأمور على القارئ  . 

 

 

 

                               ( تمهيد )

كانت الفكرة الأساسية وضع كتاب يلخص , ويصنف , ويقيم ,أهم الأفكار والمفاهيم الفكرية , والفلسفية , والعلمية, والعملية " التي أعرفها " . ماهي أفكارنا ومعلوماتنا و معارفنا عن الوجود بالنسبة لنا, وعن الوجود بصفة عامة, أي " نظرية المعرفة ". 

كنت أريد عرض أهم المعارف وخاصة الفكرية والفلسفية الأساسية - في رأيي- , وذلك بعد تصنيفها وتنظيمها وتقييمها, وتحديد وتصنيف وتقييم أهم دوافعنا و مطالبنا وحاجاتنا وغاياتنا.

" ما نريد ؟ وما لا نريد ؟ أي – شو بدنا- , و ماذا يريد كل واحد منا" . 

ثم تحديد سبل وطرق وكيفية تحقيق ما نريد وما نسعى إليه, وتوقع وتنبؤ نتائج ذلك , وهذا هو ما أراده كانت : 

ماذا نعرف, وكيف نعرف . 

ماذا يجب أن نفعل . 

ماذا يمكن أن نأمل  . 

لكنني وجدت أنني سوف أقدم كتاباً فلسفياً يكرر ما قيل آلاف المرات, ولا يقبل عليه إلا المختصون وبعض القراء, وهؤلاء قرؤوا الكثير ويعرفون الكثير .

(( وهدفي هوالسعي إلى المختصر والعملي , وتقديم ما يمكن أن يطبق في مجالات الحياة الواقعية )). 

وهذا ما دفعني إلى تغيير طريقة العرض التي تبدأ بالتسلسل الزمني وتشرح نشوء الأفكار وتسلسلها وتطورها من الماضي إلى الحاضر . 

فانطلقت من الواقع العملي المعاش, وسعيت لنظم أهم الأفكار والمعلومات- المتوفرة لدي- في سلسلة مترابطة, مصنٌفة ومنظٌمة ومقيمة, و يسهل التعامل معها - تناولها وهضمها- , وأنا أتوقع أن تكون مفيدة, وطبعاَ لن أتمكن من تصنيف سوى جزء محدود من الأفكار والمفاهيم والمعارف, فالموجود من المعارف أكبر بكثير من أن يحيط به عقل إنسان فرد  بل حتى مئات وآلاف العقول.

وهذا الكتاب ليس كتاباً في علم النفس أو الاجتماع أو الاقتصاد . . . , بل يمكن أن نقول إنه كتاب أسعى فيه للمختصر المفيد البسيط  و العملي - في نظري - . 

فأغلبنا يسعى إلى المعارف المختصرة , السهلة, المفيدة, كالأمثال الشعبية . فالمثل الذي يقول: " يلي بياكل العصي مو متل يلي بيعدها" يوضح مفهوم النسبية بأفضل وأقصر طريقة, لذلك يعتمده أغلب الناس كمرجع ومعلومة هامة . فالأمثال الشعبية نموذج واضح عن المعارف المختصرة المفيدة الجاهزة للتطبيق، فهي بمثابة العلم, وهي سهلة الفهم والتعلم, والانتشار السريع بين الناس, ولها أكبر مردود عملي - في الحياة العادية - وهي تشمل الكثير من المجالات الحياتية . وهي تتفوق على المعارف المدرسية في سهولة تعلمها وانتشارها,- ولكن ليس في دقتها وترابطها مع بعضها- . 

نحن نلاحظ في أغلب العلوم والمعارف, وبشكل خاص في العلوم الإنسانية , إننا بصدد الكثير من المعلومات والخيارات, والتي قد تكون متضاربة أحيانا , و محيرة وغير واضحة أحيانا أخرى , فهناك الكثير من المعارف والنظريات والآراء والمدارس والتصنيفات المتنوعة , وهناك الكثير من الأفرع والاختصاصات . قال فلان كذا وقال آخر كذا وقال ثالث ما يشبه ذلك ولكن يختلف بكذا,  وكذا, وقال رابع ما يختلف عن ذلك..., أين الرأي النهائي الأفضل لكي يتم اعتماده أو يراد الوصول إ ليه ؟ إنه غير واضح وغير محدد . هذا الأسلوب يعتمد غالباً لإظهار مدى اتساع الأفكار والمعارف الموجودة وكثرتها, وللتعرف عليها. فالمعارف والمعلومات بحاجة إلى معالجة ومقارنة وتقييم باستمرار لتناسب الحالات والأوضاع المتعامل معها, وهي كثيرة و متنوعة ومتضاربة أحياناً, وهذا لا يناسب من يريد استثمار و تطبيق هذه المعارف, فهي موجهة إلى من يسعى ليكون مختصاً أو محترفاً.

إن أغلبنا يسعى إلى الحصول على المطلوب بأسرع وأسهل السبل, فهو يريد من الطبيب إعطاؤه العلاج المناسب السريع الفعال دون الدخول في متاهات تفسير الأوضاع والخيارات الكثيرة وتحديدها, وكذلك يريد من مصلح الأدوات أو مصلح الأجهزة أن يقوم بالإصلاح دون الدخول في مبدأ عمل الجهاز, فهو يريد فقط  معرفة الطريقة السهلة البسيطة المضمونة لحل أي مشكلة، فالمهم عند أغلبنا هو التطبيق العملي للمعارف والمعلومات, أما جمعها, و إيجادها, و تصنيفها, و تنظيمها فهذا شيء آخر. 

نحن نلاحظ أن المشكلة في الوقت الحاضر ليست توفر المعلومات، فهناك كم هائل من المعلومات يشمل كافة المجالات و الأوضاع, وهناك دوماً المعلومات المناسبة لحل أغلب المشكلات، أو اللازمة لتحقيق أغلب الدوافع والأهداف والمشاريع, ولكن الصعوبة تكمن في الوصول إلى هذه المعلومات، وتحديد المناسب منها, وذلك لتوضعها في ملايين المراجع،  وبعشرات اللغات, وبأماكن كثيرة، وبتنظيمات وتصنيفات مختلفة, والوصول إليها ليس بالأمر السهل. 

أغلبنا- إن لم يكن كلنا- يسعى لما يفيده, أو ما هو في مصلحته ويحقق أهدافه وغاياته، أو ما يتفق وينسجم معها . ولكن المفيد والأهداف والمصالح ليست واحدة لدى الناس . فلكل فرد ولكل جماعة دوافعها ومصالحها وأهدافها التي تسعى لتحقيقها . وهذا يعني أن للأفراد وللجماعات أهدافاً ودوافع ليست فقط مختلفة بل متعاكسة ومتضاربة أحيانا ً, وكذلك لهم أفكار ومعتقدات و قدرات مختلفة , وهذا يجعل أي إنسان لا يستطيع أن يخاطب الجميع في نفس الوقت بما يلبي دوافعهم وأهدافهم ويجعلهم يتقبلون ما يقوله , ومهمته الأساسية السعي لعرض أفكاره بأفضل طريقة يرتئيها .

     " يقول الأستاذ بديع الكسم:إن الكاتب يسعى لينقل للقارئ ما يراه صادقاً وما يعتقد أنه قادر على إلزامه بقبوله, ولكن القارئ لا يقدم على القراءة وهو خال من المفاهيم والمعتقدات, وهذا يفرض عليه أن يفهم النص أو يؤوله له, مسترشداً بجهازه الفكري. وعمل الكاتب أو المفكر أو الفيلسوف ينتهي بكتابة النص, ثم يبدأ عمل آخر مستقل عن العمل الأول هو الالتقاء بين النص ومضمونه وبين القارئ, والقارئ غالباً ما يتصور أن المفكر يخطو خطوات مترابطة معتمداً على مبدأ موجه يفسر جملة النظريات والأفكار, ولكن ليس كل مفكر قادر على تحقيق الترابط والانسجام والقوة لكامل أفكاره والنظريات التي يعتمدها, فأغلب المفكرين يعتمدون عدة منطلقات ممكنة ولا يحققون الترابطات المرجوة وهنا يقع التصادم بين المنطلقات المختلفة, ويضطرون لإجراء عمليات تركيبية خفية لمعالجة الوضع وهنا يظهر الالتباس في فهمهم, وكلما كان المفكر أقوى وأعمق فكراً ومعرفة كانت منطلقاته أقل وتصادمات أفكاره أقل. "

أنا أتوجه بهذا الكتاب بشكل خاص إلى المثقف الشامل , وسوف أقدم ما يشبه المائدة المفتوحة المؤلفة من أنواع كثيرة من المقبلات والأطعمة الخفيفة والدسمة . هذه الطريقة لها ميزاتها وعيوبها، لكنني أجدها مناسبة لكي أقدم ما أريد بحرية وسهولة ترضي أغلب القراء.

إنني سوف أحاول اختصار أواختزال أوضاع وعلاقات فكرية , ونفسية , واجتماعية , واقتصادية ، وأسعى إلى تصنيفها وتنظيمها في مجموعات و مفاهيم بسيطة أتعامل معها بسهولة . لكي أبني أوأكون بعض الأحكام بحيث تكون دقتها عالية . وسوف أقوم بالنظر إلى نفس الأوضاع والعلاقات النفسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية, من زوايا مختلفة, وأحاول تقييم هذه الأحكام من عدة منطلقات ومراجع . سأختزل أغلب تصرفاتنا وعلاقاتنا ودوافعنا ومشاعرنا وأفكارنا إلى أشكال وآليات ومفاهيم أساسية وهي: 

اللعبة- الصفقة – الصراع- الوجبة - النمو– الممتع – المفيد – والمفروض -......الخ, وسوف يكون لهذا الاختزال سلبياته وإيجابياته التي لابد منها, فبعض هذه التصرفات أو العلاقات المختزلة إلى أحد هذه المفاهيم يمكن أن يكون اختزالها غير دقيق ويحتمل التشكيك فيه, وهذه نتيجة متوقعة لكل تعميم أو اختزال . و سوف أسعى للتبسيط قدر الإمكان بعدم الدخول في متاهات المعارف الهائلة . إنني سأستخدم بعض المفاهيم التي يمكن أن تكون غير واضحة للبعض مع أنها بسيطة, وهذا لأنني أستخدمها بمعنى خاص. 

إن غالبية ما سوف أذكره , ذكر, أو ذكر شبيه به  من قبل الكثيرين , وذكر في كثير من الأحيان بشكل أوضح أو أفضل أو أدق . لكن يظل ما يقوله أحدنا مختلف وجديد , لأن اختيار الأفكار والمعلومات وطريقة ربطها وتصنيفها وتقييمها, خاص بكل منا. وكل كاتب يسعى إلى ذكر ما يظنه أو ما يعتبره صحيحاً وهاماً ومفيداً, ولكن يظل القارئ في النهاية هو الذي يقبل أو يرفض مما يقدم إليه.

                

إن عقل كل إنسان يقوم ببناء الأفكار والمفاهيم "البنيات الفكرية " لتمثل الواقع وتأثيراته " كل ما هو موجود بالنسبة له"  بطريقة تشبه لعبة "الليغو" . 

فلكل عقل لعبة "ليغو" وأحجارها التي تمثل الواقع " الوجود " الخاصة به , و قطع لعبته تختلف عن قطع ألعاب العقول الأخرى وكذلك طريقة الصف والتركيب , وطريقة اللعب . 

كل عقل تتشكل القطع الخاصة به وطريقة الصف وطريقة اللعب بالوراثة والتعلم والتفاعل أثناء الحياة . ولعبة الليغو التي يستعملها عقل كل منا ذات أحجار كثيرة متنوعة خاصة به, وتبنى باستمرار قطع جديدة . فالوجود بالنسبة لعقل كل منا , يمثل بصف وربط وتنظيم ومفاعلة هذه القطع . 

تتشابه بعض الأحجار لدى كثير من الناس وكذلك تتشابه آليات وطرق الربط , نتيجة التشابه الوراثي وتشابه البيئة والظروف " ونتيجة تشابه الحواس والمشاعر وآليات التفكير والأوضاع المادية والاجتماعية...." . لذلك تتشابه نماذج الوجود الممثلة في العقول . وكذلك تتشابه هذه القطع " الأفكار " بسبب اللغة , فاللغة التي قامت وتقوم بتمثيل الأفكار والأحاسيس المنقولة بين العقول , ساعدت على التواصل بين العقول وعلى توحيد البنيات الفكرية وعلى نموها وانتشارها, فالبنيات الفكرية " الأفكار " مثًلت ببنيات لغوية عندما خرجت من العقول وهي موحدة ومتطابقة عند الذين يتكلمون نفس اللغة.

عقل كل إنسان يتعامل مع الوجود كأنه بزل كبير واسع مؤلف من قطع كثيرة جداَ " قطع الليغو الخاصة به " ويحاول أن يركب هذه القطع ويشكل نموذج "أو بزل " يممثل الوجود  "نموذج أو ببنية واحدة متماسكة مترابطة" . فهو يضع ما يصادفه من قطع في المكان المناسب أو ما يظنه أنه المكان المناسب , وبما يتفق مع باقي القطع المجاورة, وسوف يصادف القطع التي يضعها في مكان يجده غير مناسب , أوغير متفق معها تماماَ , وهو مجبر على ذلك, فليس لديه القطعة المناسبة تماماَ, ولا يجد مكاناً آخر مناسباً لتلك القطعة . وبذلك ينشئ نموذجاً للوجود خاص به , ممثلاً بواسطة ذلك البزل الذي أنشأه. 

وبما أن عناصر وخصائص الوجود لانهائية ويمكن أن تمثل بقطع لانهائية التعدد والتنوع, لذلك يكون كل بزل يركبه أي عقل ليمثل به الوجود محدوداً ومختزلاً ومختلفاً عن الآخر , وخاصاً به . وكذلك نجد الجماعات تبني البزل الخاص بها, وبذلك تظهر الخلافات والفروق بين العقول في تمثلها للوجود .

    " يقول الأستاذ بديع الكسم: نحن نقتطع من الواقع المختلط المتشابك, حوادث معينة, مدفوعين في ذلك بحاجتنا العملية وبنزعتنا إلى التبسيط والفهم, ونحن نمزج بين هذه الحوادث التي نثبتها في مجراها وندخلها ضمن منظومات معقدة ثم ندرجها, طوعاً أو كرهاً في أطر واضحة بسيطة "

    " ويقول دوهم و إدوارد لوروا: أن المعارف والعلوم لا توصلنا إلى معرفة الواقع نفسه ولا تقدم لنا صورة حقيقية عنه, إنما هي تصوره من بعد وفقاً لاهتمام النشاط الإنساني, بحيث نستبدل بتشابكه الحقيقي رموزاً كمية تكفي لأن نتنبأ بصورة وسطية مجملة"

 " و يقول برغسون : أن العقل قام بخلق عالماً من التصورات المحددة على غرار الكلمات التي تعبر عنها وعلى صورة الأشياء الجامدة التي نعيش بينها, ولهذا كان عاجزاً عن فهم الواقع المتحرك"

ولكن الفكر العلمي الدقيق  قد أنشأ بزلاً- أو نموذجاً- يمثل الوجود يعتبره الكثيرون أدق وأوسع من أي نموذج آخر ركبه أي عقل بشري بمراحل كثيرة, في مشابهته ودقته بتمثيل الوجود, فهو- أي الفكر العلمي الدقيق- يمثل الوجود بدقة عالية ويزداد هذا التمثيل دقةً واتساعاً باستمرار .

 

كي يتواصل عقل إنسان مع عقل إنسان آخر يجب أن تستعمل نفس البنيات اللغوية التي تمثل نفس البنيات الفكرية بين الاثنين . فلن يستطيع عقل إنسان أن يدرك أفكار عقل إنسان آخر إلا إذا استعملت كلمات " بنيات لغوية " موحدة تمثل بنيات فكرية متشابهة أو موحدة بين الاثنين, عندها يمكن نقل ما يدركه أو ما يشعر به أو يفكر به أحدهما , إلى الآخر.  

إن آليات التواصل بين البشر تشابه كافة آليات الإرسال و الاستقبال تماماَ, فهناك بنيات لغوية تمثل البنيات الفكرية تقوم بنقل مضمون الإحساسات والأفكار والمعاني من عقل إنسان لآخر, وهذه تنقل على شكل أصوات أو رموز بصرية أو غيرها من وسائل الترميز, وتحمل المعلومات من عقل إلى آخر. 

يجب أن تتطابق آليات أو دارات الإرسال مع مثيلتها في الاستقبال، لكي يتم نقل الرموز وبالتالي الأفكار والمعاني . 

فأنا لا أستطيع نقل مفهوم أي إحساس إلى إنسان آخر إذا لم يكن لديه نفس الإحساس أو شبيه به, أي يجب وجود  بنية أو جهاز إحساس لدى الآخر تشابه جهاز الإحساس الموجودة لديً لكي يستطيع استقبال ما أرسله له, وبالتالي يشعر بشبيه ما أشعر. 

فالتواصل البشري بكافة أشكاله يعتمد على الأحاسيس والأفكار المتشابهة بالدرجة الأولى, وعلى البنيات الوسيطة المتشابهة " اللغة أو الرموز الموحدة " , وعلى تشابه بنيتي الاستقبال والإرسال, أي يجب تشابه بنية وآليات العقلين المتواصلين  مثل أجهزة الراديو وكافة أنواع أجهزة التواصل, والتواصل الإنساني طبعاَ أعقد بكثير من أي تواصل آخر .

" قال برغسون:هناك شيء واحد أمام الفيلسوف يستطيع أن يفعله, وهو أن يعين الآخرين على الشعور بحدس مشابه لحدسه، وذلك بواسطة التشبيهات والخيالات والصور الموجهة بالأفكار "

إذاَ فلكي ندرك ما أدركه وما شعر به أفلاطون أو أرسطو أو فيثاغورس... وباقي الفلاسفة والمفكرين والعلماء, أو ما يقوله الأدباء والشعراء- بشكل خاص- يجب علينا أن نستخدم بنيات لغوية نبني بها بنيات فكرية خاصة بنا, تشابه البنيات الفكرية التي توصلوا إليها وأعطتهم الإدراك والشعور ذاك, عندها يمكن بذلك أن ندرك ونشعر بشبيه ما أدركوه وما شعروا به. 

إن كل إنسان يجد أحاسيسه وأفكاره وحقائقه واضحة وصحيحة ومدركة بسهولة, ولكن عندما ينقلها لإنسان آخر يجد في أغلب الأحيان عدم تقبل أو تفهم أو إدراك لهذه الأفكار, وذلك بسبب اختلاف البنيات الفكرية أو اللغوية أو طريقة المعالجة الفكرية التي استعملت من قبل الاثنين, بالإضافة إلى اختلاف الدوافع والأهداف والأهميات والمراجع بينهما . وفي النهاية يظل الصحيح أو الحقيقي أو المهم بالنسبة لكل منا هو ما يحسه ويدركه, ويفيده و يساعده هو، ولا تهمه حقيقة أي إنسان آخر مهما كانت هامة- بالنسبة لصاحبها- إن لم يكن لها أهمية بالنسبة له. 

 

كما ذكرت إن الدافع لاستعمال مفهوم اللعبة والصفقة والصراع والوجبة, هو السعي للتوحيد والتبسيط باستعمال مفاهيم أساسية ضمن تصنيف اختزالي واضح وسهل وبسيط , فالهدف تنظيم المعارف والعلاقات بشكل يسهل التعامل معها وإصدار الأحكام أو التنبؤات بسهولة وسرعة ودقة .  

فعندما نعتبر تناول الطعام وكذلك كسب المال وسماع الموسيقى والأغاني وقراءة الكتب والمجلات.. وكل تغذية تحقق نمواً أو إحساساً مرغوباً , هو وجبة معتبرين أن الوجبة تهدف إلى  تحقيق  النمو أو المفيد أو تحقيق المشاعر والأحاسيس المرغوبة , عندها نستطيع أن نطبق قوانين وآليات واحدة على كافة هذه العمليات التي صنفناها على أنها وجبة . 

وكذلك عندما نعتبر أن اللعبة هي التعامل والتحكم في الخيارات المتاحة, و أنها أساس التفكير, وأنها تهدف إلى الجديد والتجديد, وأن اللعبة تقاوم التقييد والجبرية والتكرار والتقليد, وأن النمل والنحل لا يلعبون إلا بمقدار الخيارات القليلة المتاحة لهم وكذلك العمال في المصنع, فهم ينفذون برامج وآليات – خيارات- محددة ومعينة مسبقاً وثابتة وليس هناك أي خيارات متاحة للتغيير إلا بمقدار ضئيل جداً . وأن التاجر في أغلب صفقاته يقوم باللعب لأن أغلب الصفقات غير متطابقة فهو يقوم بالتعامل مع الخيارات المختلفة الكثيرة في كل صفقة, وأنه عندما لا يكون للإنسان خيارآخر يتوقف عن اللعب, عندها يمكن أن نصنف الكثير من العلاقات والتفاعلات البشرية وغير البشرية على أنها لعبة إذا كانت تتصف بخصائص اللعبة, وبالتالي نتعامل معها بفاعلية وسهولة. 

وكذلك عندما نعتبر الصفقة أنها تبادل المواد أو الحاجات سواء كانت مادية أو غير مادية بعد مشاورات القائمين بها, وأن الصفقة هي نقيض الصراع . وأن أغلب العلاقات البشرية هي صفقات وصراعات, وكذلك العلاقات بين الكائنات الحية هي صفقات وصرا عات, نحقق الكثير من الفهم للعلاقات البشرية, وبالتالي نستطيع التعامل معها بفاعلية وسهولة.

ومفهوم اللعبة وكذلك الصفقة والوجبة والصراع  يستخدمه أغلب الناس, وأنا لا آتي بجديد, ولكنني أسعى إلى التركيز على هذه المفاهيم لأنني أعتبرها أساسية وتشكل أهم الآليات المستعملة في العلاقات البشرية, سواء كانت علاقات اجتماعية أم علاقات مع الطبيعة أو الواقع.

بما أنني أقدم ما يشبه المائدة المفتوحة , لذلك يمكن للقارئ أن يبدأ من أي فصل أو أي فقرة, ولكن هناك تنظيم وتصنيف لكل ما أقدم, فأغلب التصرفات البشرية صنفت إما من ناحية آلياتها الأساسية, إلى لعبة – صفقة – صراع – وجبة - أومن حيث دوافعها أو قواها المحركة _ إلى الممتعة أو المؤلمة – المفيدة أو الضارة – المفروضة أو غير مفروضة , وسوف أتكلم عن علاقة  اللعبة و الصفقة والوجبة  بمفاهيم مثل الحرية والعدالة والحق والخير والظلم ...  .

إن التصنيف له علاقته الهامة بالمعرفة وإطلاق الأحكام, والتصنيف ضروري للعلم, بل إنه أساسي كذلك للبقاء في هذا العالم فإذا لم تصنف الظواهر إلى أنماط عامة, فسيكون علينا أن نتعامل مع كل منها على أنها نسيج لوحده, وسيؤدي إلى خلط لا مخرج منه, لذلك أننا لن نستطيع أن نصل إلى أبسط التعميمات. 

إن دقة التصنيف أو" التكميم" الجيد للتصنيف, يكون بخفض درجة التداخل بين البنيات التي يجري تنصنيها في أصناف مختلفة, وذلك بتحديد وتعيين كل صنف من البنيات بدقة عالية, لكي يسهل التعامل معها فكرياً, و لتناسب الهدف الذي وضع من أجله التصنيف. 

وهناك تصنيفين أساسيين:

الأول هو: التصنيف البنيوي وهو تصنيف البنيات

والثاني هو: التصنيف الوظيفي وهو تصنيف الأدوار والوظائف لتلك البنيات. 

والتصنيف البنيوي يكون للخصائص , والخصائص لها علاقة بالوظائف لذلك هناك علاقة أساسية بين التصنيفين . 

ومرجع التصنيف هام جداَ فهو الأساس للتصنيف والهدف من التصنيف، فالغاية أو الهدف من التصنيف تقرر طبيعة وخصائص التصنيف 

لقد صنف الأقدمون بنيات الطبيعة إلى أربعة عناصر فقط  الماء  والتراب  والهواء  و النار , وصنفوا الأشياء إلى جماد وحيوان ونبات, و مادة وروح, وهذه التصنيفات ضعيفة في دقتها أودرجة تكميمها , وغير فعالة في بناء أحكام دقيقة .

إن دقة التصنيف هامة جداً لبناء الأحكام أو التنبؤات أو المعارف الدقيقة .  

نأخذ تصنيف الأفعال إلى خير وشر - وهو تصنيف وظيفي- إن هذا التصنيف غير دقيق وغير كاف , فالمرجع للخير أو الشر غير محدد وغير معين ولا يحقق الهدف بشكل جيد وفعال, والأفضل منه تصنيف الأفعال إلى مفيد وضار أو محايد، وتحديد درجة الإفادة أو الضرر بالإضافة إلى تحديد الإفادة أو الضرر لمن ومن قبل من . 

ويجب أن يهتم التصنيف " البنيوي" بالوظيفة أو الدور الذي تقوم به البنيات, عند دراسة وضعها كبنية جزئية في بنية أشمل منها, أوكبنية شاملة لبنيات جزئية، ففي تحديد الدور أوالوظيفة يتم دراسة وتعيين التأثيرات المتبادلة بين البنيات, وهذه الطريقة من الدراسة والتصنيف توضح وتكشف آليات وطرق التغير، وبالتالي القوانين والنظريات. 

ويجب أن يراعي أي تصنيف جيد وفعال التمييز الواضح بين البنيات الفكرية التي تمثل الأشياء " أي الهويات أو الأسماء " من جهة, والبنيات الفكرية التحريكية " أي الأفعال والآليات " من جهة أخرى . 

ويجب أن يميز بين البنية الجزئية والبنية الشاملة لها أي منهما البنية الجزئية وأي منهما البنية الشاملة, و يجب كما قلنا أن يحدد في كل تصنيف المرجع والأساس الذي يبنى عليه التصنيف, ويجب أن يحدد الهدف أو الدور – الوظيفة- لكل تصنيف لماذا ولأي غاية نصنف ؟ 

وتبقى طريقة التصنيف بنموذج الشجرة " أصل وفروع " هي الأكثر استعمالا وفاعلية والأنسب لعمل العقل البشري, لأنها تناسب آليات عمل العقل . 

وخاصة ًفي تنظيم و تخزين واسترجاع الأفكار والمعارف, وهذا يظهر أن تخزين الكم الهائل للمعلومات في العقل البشري إذا لم يكن منظماً أو مصنفاً بطريقة نموذج الشجرة أو شبيه بهذا النموذج لن يحقق فاعلية في استرجاع المعلومات مع أنها موجودة ومخزنة بقوة ووضوح في الذاكرة . 

فآليات الترابط والتداعي العاملة لا تستطيع الوصول إليها لاستدعائها إلى سبورة الوعي ,إن هذا يشبه تخزين الأشياء في مستودع أو سقيفة بعضها فوق بعض وبشكل عشوائي, فيكون الشيء المطلوب موجوداً ولكن الوصول إليه واستخراجه صعب وشبه مستحيل وخاصةً إذا كانت هناك أشياء كثيرة متراكمة فوقه, فعندها يفضل شراؤه بدلاً من البحث عنه, وهذا ما يحدث للمعلومات المخزنة في الذاكرة عندما لا تكون منظمة ومصنفة بطريقة مناسبة. 

ولكن تصنيف كافة المعارف بنموذج شجرة واحدة يشملها كلها ليس بالأمر السهل, ولابد من عدة نماذج, وهذا راجع لعدم معرفة كافة الترابطات التي تسمح ببناء نموذج وحيد يضم كل تلك المعارف. 

أما طريقة المعجم مع أن لها وظيفتها في تخزين المعارف خارج العقول, فهي غير مناسبة أبدًا لتخزين واسترجاع المعلومات بالقدرات العقلية فقط , فهي لا تساعد على الحفظ واسترجاع المعلومات الموجودة في الذاكرة. 

وقد كانت طريقة التصنيف التي اتبعتها الموسوعات لا بأس بها, فهي اعتمدت تصنيف الشجرة أو الأصول والفروع بالإضافة إلى طريقة المعجم. 

وقد اعتمدت طريقة الخرائط  " أو الجغرافيا " والبيانات والجداول والمخططات المصورة, والنظرة الشاملة , ثم الخاصة , بكل فرع , أو قسم , أو مجال . والتي تظهر العناصر , والعلاقات بينها . كطريقة لتنظيم وتصنيف المعلومات وتوضيحها , حيث ثبت أنه الأفضل . 

فهذه الطريقة " الجغرافيا " تتعامل مع المعارف بطريقة ومنهج فكري بصري ولغوي معاً لتوضيحها وإظهار العلاقات بينها باستعمال الصور والبيانات التي تتضمن الكثير من المعلومات والعلاقات التي لا يمكن توضيحها باللغة فقط  بالإضافة إلى أنها توضح خصائصها بشكل أفضل. 

والمنهج الجغرافي يمكن استعماله حتى بدون استعمال صور, كما في الجغرافيا الاقتصادية أو السياسية..., وذلك باستعمال اللغة في توضيح صورة الوضع الإجمالي العام والخاص بالأصول والفروع, وميزات المنهج الجغرافي كثيرة جداً. 

هل هذا كل شيء ؟ 

طبعاً لا , إن كل ما ذكرنا أصبح غير كافي الآن, فهو يتعامل مع صيرورة الواقع بطريقه السببية العادية البسيطة المختزلة وهي محدودة. 

وقد نشأت طريقة جديدة أفضل لمعرفة و فهم الواقع وصيرورته, إنها " السيناريو" فهذه الطريقة تتجاوز السببية العادية وتستعمل السببية العامة أو الموسعة, بالإضافة إلى أنها تفتح الخيارات والاحتمالات الممكنة وتعددها, وتقارن وتفاضل بينها لاختيار الأفضل والأدق . 

وقد كانت الأساطير والملاحم والأديان والعقائد هي السيناريوهات التي وضعها البشر لتفسير وتوضيح الوجود, ونحن دوما نضع سيناريوهات لأغلب ما نصادفه من أوضاع ونتبنى هذه السيناريوهات كأنها وقائع سوف تحدث فعلاً  ونتصرف غالباً على أساس ذلك.

 

إنني أطلق الكثير من الأحكام - والمعارف كلها أحكام, والحكم هو دوماً تنبؤ-  وإطلاق أي حكم يعرض صاحبه للمساءلة والتدقيق, سواء في دقة حكمه أو في دقة مرجع وأساس هذا الحكم, أو في احتمال وجود تناقض داخلي في هذا الحكم, أو تناقضه مع أحكام أساسية معتمدة قبله, والأمر الأهم اتفاق أحكامه مع ما هو متعارف عليه ومنتشر بين الناس فالمختلف دوماً يقاوم ولا يتم تقبله بسهولة – وهذا له مبرراته وأسبابه - , وهذا يصعٌب الأمر كثيراً على الكاتب لأن عليه الانتباه و مراعاة الكثير من الأمور, والتدقيق في ترابط الأحكام مع بعضها وعدم تناقضها بالإضافة إلى دقتها وتقبل الجمهور لها و توافقها مع ما هو موجود ومنتشر بين الناس, وهو يتحمل مسؤولية أحكامه. 

لقد سعيت ما أمكنني إلى تقليل التناقضات والأخطاء في أحكامي , ومع ذلك يبقى الكثير منها, وهذا لأنني غالباً لا أعتمد المتعارف عليه والشائع  فأنا أجرب وألعب وأحاول التجديد وهذا ينتج الكثير من الأخطاء, وقد ضربت الأمثلة البسيطة والتي كانت ساذجة في بعض الأحيان لتوضيح أحكامي . 

وطبعاً كل هذه الأحكام أو المعلومات معروفة وهي في الواقع ليست أحكامي وهي موجودة سابقاً فأنا إما أنقلها أو أعود وأقوم ببنائها من جديد, وأنا أقوم بتصنيفها وتنظيمها بشكل يساعد في التعامل معها. 

في هذا الكتاب أسعى لأقدم معارف مختصرة ومركزة وواضحة, وجبة فكرية يمكن أن يتناولها القارئ بسهولة- ولكن هل نجحت في ذلك ؟؟؟؟؟ 

فكمية المعارف التي أوردها واسعة النطاق وكثيرة التشعب, وهناك بعض الأفكار التي يصعب تقبلها مع أنني بذلت جهدي لتكون واضحة ومقبولة. 

إنني أطرح وأعدد خيارات كثيرة على شكل ملاحظات وأحكام ومعارف أسعى بكل جهدي لكي تكون عالية الدقة, وكما قلت في البداية أقدم ما يشبه المائدة المفتوحة من الملاحظات والمعارف, والتي من وجهة نظري يمكن أن تكون هامة ومفيدة , وأظن أنه سوف يتقبلها ويتذوقها أغلب المجددين وغير المحافظين, أما المحافظون فهؤلاء على الأغلب لن يتقبلوا مثل هذه المائدة الفوضوية في رأيهم. 

ولابد من الإشارة إلى أن أغلب كلامي عن المواضيع التي تكلمت عنها كان بصورة مختصرة جداَ وسريعة وضمن مساحة محدودة , فأغلب هذه المواضيع يحتاج كل منها إلى كتاب وأحياناً إلى عدد من الكتب لكي يعطى الموضوع حقه من الشرح . 

 

 

                                                   25 – شباط  - 2011