نعم كلنا مثله . 
إنه السكران الذي راح يبحث عن مفاتيحه الضائعة تحت عامود النور , فشاهده الشرطي يبحث فجاء وسأله عن ماذا يبحث , فقال له إنه يبحث عن مفاتيحه التي أضاعها , فسأله أين أضاعها , فقال له هناك في الظلام . فتعجب الشرطي وسأله لماذا تبحث هنا ؟
فرد عليه السكران منتهراٌ أتريدني أن أبحث عنها في الظلام .
إن هذه النكتة وردت معي في عدة كتب علمية واجتماعية , وكانت تستخدم لمضمونها العميق .

إننا كلنا بالفعل مثل هذا السكران , لا نستطيع أن نبحث عن أي نوع من المعارف إلا في المجالات التي يستطيع عقلنا أن ينيرها بما لديه من معلومات سابقة عنها .
فإذا اعتبرنا هذه المعارف هي المفاتيح الضائعة والتي نبحث عنها .
فإننا دوماٌ نبحث عنها بما لدينا من معلومات اكتسبناها خلال حياتنا من الواقع ومن الثقافة التي اكتسبناها أو ورثناها من مجتمعنا .
وهذا يماثل تماماٌ ما يحصل في أي معالجة معلومات على الكومبيوتر , فنظام التشغيل و الذاكرات المخزنة فيه , هم ما يقرّوا نتيجة المعالجة , ولا يستطيع الكومبيوتر أن يستخدم أي معلومات ليست مخزنة في ذاكرته .
فقد فسّر المطر والرعد وحوادث الوجود الأخرى بما كان يملكه العقل من معلومات ومعارف . 
وتم اعتماد ما تم تفسيره مع أنه كثيراً ما كان بعيداً عن الدقة . 
وتم تفسير أغلب الحوادث الطبيعة باعتبارها أعمال آلهة أوأناس خارقين لهم دوافع وغايات , وأن لكل حادثة قصد وغاية . 
فقد كان يتم البحث في المجالات التي يستطيع العقل إنارتها , وليس في المجالات المناسبة التي يمكن أن تسمح بالتفسير الدقيق .
فقد ارتكبت غلطتان : 
الأولى البحث في المجال غير المناسب . 
والثانية اعتماد التفسيرات والتبريرات التي تم الوصول إليها مع أنها غير دقيقة . 
وهذا كان . لأن التفسير والتبرير كانا مطلوبين بإلحاح لكي يتم اعتمادهم والتصرف بناء على ذلك. 
والآن وبعد نشوء المعارف العلمية العالية الدقة و التكنولوجيا المتطورة وأجهزة الفحص والقياس والمراقبة والاختبار . . . استطعنا أن نضيء الكثير من المجالات , وبالتالي حققنا إمكانية كبيرة في البحث في المكان المناسب .
صار بامكاننا الوصول إلى تفسيرات و تنبؤات عالية الدقة , أو مفاتيح تستطيع فتح الكثير من أبواب المعرفة و التفسير الدقيق لأغلب حوادث الوجود التي تعترضنا . 
فالمعارف الدقيقة والوسائل الفعالة التي نشأت حديثاٌ , هي التي سمحت لنا بالبحث عن المفاتيح الأفضل والفعالة أكثر, في الأماكن المظلمة , لأنها استطاعت إنارة تلك الأماكن .
وبعض الناس تختلفون عن هذا السكران فهو حتماٌ لن يجد مفاتيحه , أما هم فإنهم يجدونها أو يجدون ما يعتبرونه مفاتيحهم الضائعة ويؤكدون أنها هي المفاتيح الصحيحة 
يقول هانز ريشنباخ
" إن الأمر الواقع المؤسف هو أن الناس يميلون إلى تقديم إجابات حتى عندما تعوزهم وسائل الاهتداء إلى إجابات صحيحة. 
فالتفسير العلمي يقتضي ملاحظة واسعة النطاق وتفكيراً نقدياً فاحصاً 
وكلما كان التعميم الذي نسعى إليه أعظم , كانت كمية المادة الملاحظة التي يحتاج إليها أكبر, وكان التفكير النقدي الذي يقتضيه أدق. 
أما في الحالات التي كان التفسير العلمي يخفق فيها نظراً لقصور المعرفة المتوفرة في ذلك الوقت عن تقديم التعميم الصحيح فقد كان الخيال يحل محله . 
ويقدم نوعاً من التفسير يشبع النزوع إلى العمومية عن طريق إرضائه بمشابهات ساذجة وعندئذ كان يشيع الخلط بين التشبيهات السطحية , ولاسيما التشبيهات بالتجارب البشرية , وبين التعميمات , وكانت الأولى تؤخذ على أنها تعميمات . 
وهكذا تتم تهدئة الرغبة في الوصول إلى العمومية , عن طريق تفسيرات وهمية. 
وعلى هذا الأساس نبتت الفلسفة . "