لماذا الكون على ما هو عليه من خصائص؟

نشرت مجلة "سكبتيك" الاميركية المهتمة بشؤون العلم مقالة تلخص النظريات و الفرضيات و الفلسفات المختلفة التي يعتنقها الناس لتفسير وجود الكون بخصائصه الحالية. بعض هذه التفسيرات هي علمية بطبيعتها، و بعضها ديني و بعضها فلسفي. الكاتب لم يرد أن ينقد أي منها او يبدي رأيه فيها، فكل ما يريده هو وضعها أمام القارئ، و ان كان هناك تفسيرات أخرى لم يلخصها هنا، فالسبب هو انه لم يعثر عليها اثناء بحثه في هذا الموضوع. المقالة الاصلية أطول من هذه الترجمة الملخصة، و هي غير متوفرة على الانترنت.

الكاتب قسّم الاجابات المطروحة الى اربع مجموعات كما يلي، و هذا التقسيم لا يعني ان هذه الاجابات متساوية في صحتها او قوتها من ناحية علمية او منطقية، و انما هو مرآة لما طرحه البشر من محاولات للاجابة على السؤال. و كل الطروحات الموجودة نشر الكاتب لها مراجع و مصادر كثيرة لن أقوم بنقلها هنا. شرح كل نقطة هو ايضا محاولتي المتواضعة لترجمة و تلخيص الفكرة الاصلية، و كل خطأ فيها هو خطئي. كل من التفسيرات السبعة و العشرين، حتى تلك التي تبدو بسيطة و قصيرة، هي في الواقع اطروحات معقدة و كبيرة يمكن كتابة المراجع و المؤلفات لشرحها و الجدل في تفاصيلها.

 

نماذج الكون الواحد:

---------------------

1- السؤال لا معنى له: مجرد اننا قادرون على طرح سؤال مثل "لماذا الكون على ما هو عليه؟" لا يعني بالضرورة ان السؤال هو سؤال منطقي له اجابة. يقول مناصروا هذا الموقف ان هذا السؤال هو مثل ان نسأل، "ماذا حدث قبل بداية الوقت؟" طبعا لا يوجد معنى لمفهوم "قبل" الوقت لأن مفاهيم "قبل" و "بعد" هي مفاهيم وقتية بطبيعتها. و هناك أسئلة كثيرة كهذه لا معنى لها و هي غير منطقية. السبب في ذلك هو طبيعة اللغة البشرية المحدودة و عدم امتلاكنا لمفاهيم تعبر عن اشياء مثل هذه بشكل دقيق.

2- واقع محض: السؤال له معنى و لكن من المستحيل الاجابة عليه. كل شيء له تفسير يعتمد على شيء آخر، و يمتد الامر في سلسلة طويلة، و كل السلاسل في النهاية تقود الى الكون نفسه الذي هو واقع محض لا تفسير له. مثلا لو قلنا ما هو تفسير "أ"، و كانت الاجابة "ب"، و قلنا ما هو تفسير "ب" و كانت الاجابة "ج"، فإن الكون هو بمثابة الظاهرة الاخيرة التي يمكن الوصول اليها و التي لا يوجد لها تفسير.

3- الضرورة، اي الطريقة الوحيدة: هذا التفسير يعتنقه عدد من الفيزيائيين. حين نسأل لماذا يمتلك الكون الخصائص التي يمتلكها، و التي نعتبرها نحن أمرا فريدا، فإننا نفترض مسبقا أنه من الممكن للكون ألا يمتلك هذه الخصائص. الواقع هو ان هذا افتراض خاطئ. بمعنى آخر، الاجابة على السؤال هي: الكون هو ما هو عليه لأنه لا يمكنه أن يكون غير ذلك. على سبيل المثال، اذا سأل سائل: لماذا للمثلث ثلاث أضلاع؟ فإن اذا السؤال يفترض انه من الممكن ان يكون للمثلث ضلعان فقط، او اربع اضلاع، مع ان الواقع انه من المستحيل للمثلث ألا يكون بثلاث اضلاع، و هذه هي الاجابة على السؤال. الكون هو ما هو عليه بالضرورة.

4- الضرورة تقريبا: هذا التفسير يعتنقه ايضا عدد من الفيزيائيين، و هو بدل ان يقول ان الكون هو ما هو عليه بالضرورة (كما ورد في "3") فإنه يقول ان هناك عدد محدود ممكن من الطبائع و الخصائص التي يمكن للكون ان يمتلكها، و لذلك فإن كونه على ما هو عليه الان هو أمر ليس بقليل الاحتمال.

5- الانتقاء المؤقت: باختصار، فإن خصائص الكون كلها تتغير و تتنوع و تتموج ببطئ على مدار مليارات السنين بشكل او بآخر، و نحن في وقتنا هذا نعيش في فترة معينة تصادف فيها تطابق تشكيلة مناسبة لهذه الخصائص التي جعلت وجودنا ممكنا.

6- الكون يفسر ذاته: حسب الفيزيائي الشهير Paul Davies، فإن الكون خالق لنفسه و مُوَجّه لذاته، و بالتالي فهو يفسر ذاته. يرتكز هذا التفسير على نظريات فيزيائية رياضية و تجارب تثبت امكانية انعكاس قانون السببية في الفيزياء الكمية، بحيث تكون الحالة المستقبلية هي سبب الحالة الماضية و ليس العكس دائما. في الحقيقة، انا قرأت عدة كتب لهذا الفيزيائي و هي ليست سهلة الفهم. لب الموضوع هو أن ما يسبب اندهاشنا من حقيقة ان خصائص الكون مناسبة لوجود الحياة هي اننا (بسبب عقليتنا المحدودة) نفترض اسبقية الماضي للمستقبل، ونفترض تسبيب ظواهر الماضي لما يحدث في المستقبل (مثلا خصائص الكون هي سبب الحياة)، بينما قد يكون خط الوقت ذات اتجاهين و ليس اتجاه واحد.

نماذج الاكوان المتعددة:

-----------------------

7- الاكوان المنفصلة: هذا الطرح يقول بأن هناك مجال "زمكاني" لا نهائي infinite spacetime continuum تنتج عنه باستمرار أكوان منفصلة عن بعضها البعض بطريقة الانفجارات العظيمة، ثم تتمدد و تحصل على مجموعات لانهائية من الخصائص و القوانين الفيزيائية. الاغلبية الساحقة لهذه الاكوان لا تمتلك من الخصائص ما يسمح لها بالاستمرار، ناهيك عن تطوير ظواهر مثيرة للاهتمام (مثل الحياة)، و لكن البعض منها يقدر على الاستمرار و تظهر فيه بعض الظواهر. الكون الذي نعيش فيه هو احد هذه الاكوان النادرة.

8- الدورات الكونية، او الكون النابض: احد واضعي هذا التفسير، روجر بنروز، اعتمد على النموذج القائم على كون يبدأ بانفجار عظيم، ثم يتمدد، و بعد ان تقل سرعته، ينكمش، حتى يصل مجددا الى نقطة معينة، فينفجر مرة اخرى. كل دورة من هذه الانفجارات تمتلك خصائص مختلفة، معظمها غير مثيرة للاهتمام و لا تنشأ عنها اي ظواهر مهمة، و لكن القلة القليلة منها، كتلك التي نعيشها حاليا، تظهر فيها الحياة.

9- الانتقاء المتوالي: العالـِم "لي سمولين" يشرح هذه الفرضية بقوله أن الاكوان تنتج عما يُعرف بالثقوب السوداء، ينتج عن كل واحدة منها انفجار عظيم، يؤدي الى ولادة كون جديد. كل كون جديد يمتلك خصائص تسمح له بتكوين ثقوب سوداء سيتمكن أيضا من توليد اكوان جديدة، و هكذا. تنشأ هنا عملية انتقائية معينة، حيث تتمكن الاكوان القادرة على انتاج ثقوب سوداء، تتمكن من الاستمرار و التوالد، بينما تنقرض الاخرى. فإذا كانت الخصائص التي تسمح للثقوب السوداء بالوجود هي نفسها الخصائص التي تسمح لظواهر اخرى مهمة بالوجود (مثل الحياة)، فلا بد أن يكون هناك عدد كبير من الاكوان التي تطورت فيها الحياة. على هذا الأساس فالكون الذي نعيش فيه هو وليد ثقب أسود في الكون الأم.

10- نظرية الخيوط او الاوتار superstring theory: هذه النظرية تطرح وجود ست او سبع أبعاد (أو اكثر) يمكن فيها انبثاق مجموعات مختلفة و متنوع للخصائص الكونية، و يكون بعضها مناسبا لتطور الحياة. لتبسيط هذا المفهوم، لنفترض فقط وجود بعدين، "س" و "ص". لو فرضنا ان "س"، تساوي 1، و وضعنا كل الاحتمالات لـ "ص"، نحصل على (1،1)، (2،1)، (3،1)، الخ. و هكذا، كل احتمال لـ "س"، له احتمالات لا نهاية لها في "ص". تصور بدل البعدين، وجود عشرة أبعاد، نختار منها أي مجموعة ابعاد معينة، تكون الاحتمالات كثيرة. نحن نعيش في مجموعة معينة الخصائص فيها تسمح بوجود الحياة.

11- نظرية الابعاد الكبرى: هذا تفسير مشابه لما ورد في "10"، و لكنه لا ينبثق من نظرية الاوتار او الفيزياء الكمية، بل هو أبعاد بمعناها التقليدي (أي الابعاد الثلاثة اضافة الى بُعد الوقت) و ليس أبعاد تذبذب الاوتار السابق ذكرها.

12- نظرية التفرع الكمي: هذا التفسير ناتج عن عمل عدد من الفيزيائيين مثل هيو افيريت و جون ويلر و غيرهم، و يعتمد على الفيزياء الكمية. الموضوع باختصار هو أن تفرعا جديدا يحدث باستمرار يضم كل امكانية. لو فرضنا مثلا انك تسير في الشارع، و وصلت الى مفترق طرق، فاتخذت الطريق الى اليسار، فهنا يحدث تفرع كوني جديد فيه أنت (او "الأنت" الاخرى) تأخذ فيه الطريق الى اليمين. نطبق نفس المبدأ على كل الحوادث و الامور في الكون كله. قد تبدو هذه النظرة غريبة و لكن ستيفن هوكنج (الفيزيائي العالمي الشهير) يعتبرها ممكنة. هناك ظواهر كثيرة تمت معاينتها و اثباتها في مجال الفيزياء الكمية التي تؤيد هذه النظرة، على الاقل على مستوى الذرة.

13- نموذج الاكوان الرياضية: الرياضي ماكس تجمارك طرح فرضية أن كل نموذج رياضي ممكن هو بالضرورة يعبّر عن واقع موجود، ان لم يكن في كوننا هذا، ففي كون آخر. هذا يضم بالضرورة اكوانا فيها من الخصائص ما يسمح بتطور الحياة. حسب هذه النظرة، كل شيء موجود لمجرد امكانية وجوده رياضيا، و لو لم يكن موجودا، لما كانت الرياضيات عبّرت عنه.

14- نموذج الاكوان المنطقية: حسب ديفيد لويس و روبرت نوزيك و غيرهما، فإن أي كون يمكن وجوده منطقيا هو موجود فعليا. هذه النقطة شبيهة بالرقم "13".

النماذج اللامادية:

-----------------

15- نموذج الذات الإلهية: الكيان الخارق حسب الفلسفة المسيحية و اليهودية و الاسلامية هو كائن كامل القدرة و المعرفة و الاخلاق و الحرية، و هو في نفس الوقت شخص يمتلك خصائص شخصية مثل الحب و الكره و الآراء و النية.

16- العقل الاقصى: وعي خارق يمتلك صفات شخصية تشابه بعض الشيء الذات الالهية الوارد ذكرها في "15" اضافة الى صفات لاشخصية. البعض يقول ان هذا الوعي الخارق هو عبارة عن مجموعة كل الكائنات الواعية و العقول الموجودة التي تنبثق منه و تعود اليه. اذن بالمعنى الدقيق، فهو ليس كائنا واحدا إلا اذا اعتبرناه بحرا فيه الكثير من قطرات الماء المختلفة.

17- النموذج الإلوهي: شبيه بعض الشيء برقم "15"، و لكن هنا هذا الكيان قام بتحديد الصفات الاولى للكون، و بعدها تخلى عنه أو تركه يتطور بمفرده و لم يتدخل في شؤونه و لا يكترث به. بعض فلاسفة عصر التنوير و فلاسفة الثورة الامريكية اعتنقوا هذه الفكرة.

18- النموذج الوحدوي: هو النموذج القائل بأن الكون بما فيه من مادة و عقول هو كله كيان واحد لاشخصي و غير واع ككائن مفرد، و لكن الوعي موجود فيه على اشكال كثيرة (مثل البشر). هذا النموذج طرحه الكثير من الفلاسفة مثل سبينوزا و بعض فلاسفة اليونان، اضافة الى الى الكثير من لاهوتيي الغرب المسيحي (مثل سبونج و تيليش)، و طبعا الكثير من الاديان الشرقية مثل الطاوية و الهندوسية و البوذية و غيرها. هذا النموذج يجد الوحدة في كل شيء.

19- نموذج المجالات الروحية: الارواح و الوسائط و القوى السحرية و المجالات الروحية المختلفة و الطقوس التي يمارسها الكثير من الصوفيين و الوثنيين و الكثير من الاديان خصوصا بين القبائل الافريقية و الاسترالية و الهنود الحمر.

20- نموذج الوعي كمادة أولية: الوعي المحض هو أساس كل شيء، و منه تنتج المادة و القوى والطاقة و الخصائص و كل شيء آخر. الكثير من الفلسفات الشرقية و بعض الجماعات البوذية و غيرهم يعتنقون هذه الفكرة.

21- الكينونة و اللاكينونة: هما حالاتان ثنائيتان تعبران عن وحدة واحدة، كوجهي العملة. الفلسفة الطاوية تقول أن الكينونة هي أصل كل الاشياء، و أن اللاكينونة هي أصل الكينونة. في هذا النموذج، فإن الوجود و اللاوجود ليسا مجرد صفتين، و انما هما أساس تنبثق عنه الاشياء. مثلا، تيليش قال، "اللـه ليس موجود و انما هو الوجود ذاته." أي أن الوجود هو "اللـه"، او هو "خالق الاشياء". و بالتالي فإن أي شيء "موجود" هو يحوي بالضرورة على صفة إلهية. الخالق ليس كائنا بل هو الكيان نفسه.

22- الاشياء المجردة، او النماذج الافلاطونية: أفلاطون كان يقول ان كل شيء له نموذج كامل في عالم النماذج و الافكار. فكل الخيول أصلها فكرة او نموذج الحصان الازلية.

23- المبدأ الخارق: هذا الطرح يقول ان هناك مبدأ عالمي كوني كلي الوجود، هو بذاته سبب الوجود. هذا المبدأ قد يكون مبدأ "السببية" مثلا، و هو مبدأ كامل الطاقة و القوة و القدرة، بحيث يكون هو ذاته سبب الوجود. ديريك بارفيت شرح قائلا، "الواقع هو ما هو عليه، لأنه يحوي هذا المبدأ الذي هو جزء من هذا الواقع و ملازم له."

النماذج التصورية:

-------------------

24- المثالية: الكثير من الفلاسفة قالوا ان كل الاشياء المادية هي تجليات للعقل او الوعي، أي أن المادة غير موجودة و انما هي تصورات عقلية. كل ما نراه و نلمسه من مادة هو في الواقع أفكار.

25- المحاكاة التقليدية: وجودنا برمته هو جزء من خيال عقل واع. تصور مثلا انك نائم و تحلم بأشخاص يتكلمون و يتحركون. هؤلاء الاشخاص لا وجود لهم في الواقع و انما هم جزء من الحلم الذي تحلمه. قد نكون كلنا جزءا من حلم او احلام كثيرة.

26- المحاكاة التقنية: قد نكون كلنا جزءا من محاكاة تقنية مثل فيلم The Matrix الذي يضم عالما مُسيّر بالكامل في اجهزة حاسوب توفر البرامج الكافية للذكاء الاصطناعي و المعطيات الكافية لخلق بيئة كاملة يعيش فيها هذا الذكاء على شكل وحدات كثيرة (اشخاص).

27- Solipsism: أنت الحقيقة الوحيدة الموجودة في الواقع، و كل شيء آخر هو مجرد افكار في عقلك، بما فيه الكون كله، و كل الناس الذين تعرفهم، و حتى هذه المقالة.

و من الجدير ذكره ان هذه التفسيرات الـ 27 هي فقط ما نستطيع تخيله حاليا، فقد تكون هناك الكثير من التفسيرات الاخرى الممكنة. قبل مئة عام، كان العلماء يعتقدون ان ما نسميه اليوم "مجرة درب التبانة" هي الكون برمته! اليوم نعرف ان الكون فيه ما لا يحصى من المجرات. فإن كنا اليوم قادرين على تصور هذه التفسيرات فقط للكون، ماذا سيكون الحال بعد مئة عام؟