هل تعلم أنك تمضي معظم حياتك تقلِّد وتنقل كينونات تعرف بالمحاكيات؟ إن المحاكي meme (وتلفظ ""meem) هو «فكرة أو سلوك أو أسلوب أو طريقة استعمال تنتقل من فرد إلى آخر عبر الثقافة.» فكلما صافحت أحد معارفك، أو غنيت «ميلادا سعيدا»، أو أدليت بصوتك في انتخاب ما، فإنك تهب الحياة للمحاكيات.

إن الموضوع لم يستثر حتى الآن المناقشة، ولكن الاقتراح الذي تقدمت به هنا العالمة النفسية <S. بلاكمور> أثار عاصفة من الجدل، ويتمثل هذا الاقتراح في أن مقدرة البشر الخارقة على التقليد (ومن ثم نقل المُحاكيات) هي التي فصلت نوعنا عن الأنواع الأخرى. وترى بلاكمور أن المحاكيات كانت (وماتزال) قوة جبارة تعمل على صياغة تطورنا الحضاري والبيولوجي. ولإعطاء هذا الجدل أبعاده الضرورية، فلقد أضفنا إلى الاقتراح ثلاث مقالات تمثل وجهات نظر مختلفة، كتبها عالم البيئة السلوكية <A .L. دگاتكين> وباحث الأنثربولوجيا التطورية <R . بويد> وبيولوجي التجمعات (الجمهرات) السكانية < J .P . ريشرسون> والمختص في علم النفس< H . پلوتكين>.

 

البشر حيوانات غريبة. ومع أن النظرية التطورية قد فََسَّرت على نحو مثير للإعجاب السمات التي نشترك بها مع المخلوقات الأخرى ـ من الكود الجيني الذي يوجه بناء أجسامنا حتى تفاصيل الكيفية التي تعمل وفقا لها عضلاتنا وعصبوناتنا ـ فإننا مانزال ننفرد بخصائص لا حصر لها. فدماغنا استثنائي في ضخامته، ونتفرد بلغة صارمة في قواعدها، ونتميز بمفردنا في تأليف السيمفونيات، وقيادة السيارات، وتناول السباگيتي بوساطة الشوكة، والتساؤل عن أصول الكون.

وتتمثل المعضلة هنا في أن هذه القدرات تبدو فائضا لا تستلزمه متطلبات البُقيا(2) نفسها، بعيدة جدا عما نحتاج إليه كي نبقى أحياء. وكما يجزم <S.پينكر> [من معهد ماساتشوستس للتقانة] في كتابه كيف يعمل العقل(3)، «فإننا إذا ما أخذنا السبب البيولوجي والنتيجة بالحسبان، فإن الموسيقى ستغدو عديمة الجدوى.» ويصدق القول نفسه على ما يتعلق بالفن وبالشطرنج وبالرياضيات البحتة.

إن النظرية التطورية الكلاسيكية (المدرسية) التي تركز على الصفات المتوارثة للكائنات الحية، لا تقدم تبريرا مباشرا لهذا الثراء. وإذا ما استعملنا تعابير عصرية لإيضاح ذلك فإننا نقول إن هذه النظرية تقرر أن الجينات تضبط صفات الكائنات الحية عبر أجيال عديدة. وإن الجينات التي تمنح حاملها ميزات أفضل للبُقيا، وتحابي إنتاج أنسال كثيرة (تملك الجينات نفسها)، تنزع إلى التكاثر على حساب الآخرين. فالجينات إذًا تتنافس أصلا فيما بينها. ويزدهر منها تدريجيا ما هو أكثر براعة في الانتقال من جيل إلى آخر.

وقد ترغب قلة من العلماء في التخلي عن النظرية الداروينية. ولكن إذا كانت هذه النظرية لا توضح لماذا نحن البشر استطعنا توزيع هذا القدر الوافر من تراثنا الطبيعي على هذا العدد الكبير من القدرات غير الضرورية لإنجاز المهمة البيولوجية المركزية الخاصة بتكثير انتشار جيناتنا، فأين يمكننا في غير ذلك أن نبحث؟

إنني أرى، والحالة هذه، أن الإجابة تتمركز في المُحاكيات. والمُحاكيات هي أقاصيص وأغان وعادات ومهارات واختراعات، وهي أيضا الطرائق التي ننجز بوساطتها أعمالنا، هذه التي نستنسخها من فرد إلى آخر بالتقليد. وليس بالإمكان تفسير طبيعة الإنسان على أساس النظرية التطورية فقط إلا عندما ننظر إلى تطورنا كمُحاكيات تماما، كما ننظر إلى تطورنا كجينات.

وقد يكون من المُغري أن ننظر إلى المُحاكيات ببساطة على أنها «أفكار»، ولكن الأكثر ملاءمة هو أنها شكل من أشكال المعلومات. (إن الجينات نفسها هي أيضا معلومات: تعليمات كُتبت في الدنا DNA لبناء الپروتينات.) وهكذا، فإن المُحاكي للنغمات الموسيقية الثماني الأولى لمقطوعة نطاق الشفق Twilight Zone يمكن حفظها ليس فقط في عصبونات شخص ما (الذي سيتعرف النغمات عندما يسمعها)، بل أيضا كنموذج مغنطيسي على شريط ڤيديو، أو برموز من الحبر على صفحة من صفحات الملزمة الموسيقية.

ولادة المُحاكيات(4)

إن فكرة وجود المُحاكيات وتطورها كانت هنا وهناك منذ 25 عاما تقريبا، ولكنها اجتذبت الانتباه حديثا فقط كقوة فعالة في تطور الإنسان. وابتكر التعبير <R.داوكينز> [من جامعة أكسفورد] عام 1976 في كتابه الأكثر رواجا الجينة الأنانية The Selfish Gene. لقد وصف داوكينز في هذا الكتاب المبدأ الأساسي للتطور الدارويني استنادا إلى ثلاث سيرورات عامة: عندما تُنتسخ المعلومات مرة تلو الأخرى، وتصاحبها تغايرات، يُنتقى بعضها تفضيليا على بعضها الآخر، فإن التطور سيحدث لا محالة. وبمعنى آخر، في إثر تكرر الدورة عددا كبيرا من المرات، فإن المجموعة التي احتفظت بهذه النُّسَخ التي حالفتها البُقْيا ستكتسب تدريجيا خاصيات جديدة، تنزع لأن تجعل من مكتسبيها في هذا التنافس المتنامي أفضل حظا في التكاثر. ومع أن الدورة تصادفية (غير موجهة)، فإنها تولِّد من الغموض تصاميم ذات معنى.

لقد أطلق داوكينز على المعلومات المستنسخة تعبير المُكرِّر(5) replicator، وأشار إلى أن أكثر المكررات المعروفة هو الجينة. ولكنه رغب في تأكيد أنه بالإمكان أن يستند التطور إلى أي مكرر من المكررات. وبناء على ذلك، وكمثال، ابتكر داوكينز فكرة المُحاكي. إن تنسُّخ المُحاكي من شخص إلى آخر هو تنسخ ناقص، تماما كتنسخ جينة ما من  الأبوين إلى طفلهما. إن هذا التنسخ يكون هو الآخر غير دقيق. فقد نزخرف قصة، أو ننسى كلمة من أغنية، أو نلائم تقانة قديمة، أو نبتكر نظرية جديدة بدءا من أفكار قديمة. ويستمر من بين جميع هذه المتغايرات بعضها فقط، ليُستنسخ عددا من المرات؛ في حين أن بعضها الآخر يموت. فالمُحاكيات هي إذًا مكرِّرات واقعية، تمتلك الخاصيات الثلاث كلها: التكرار (التنسّخ) والتغاير والانتقاء، وهذه نحتاج إليها كي ننشئ سيرورة تطورية داروينية جديدة.

 الأبوين إلى طفلهما. إن هذا التنسخ يكون هو الآخر غير دقيق. فقد نزخرف قصة، أو ننسى كلمة من أغنية، أو نلائم تقانة قديمة، أو نبتكر نظرية جديدة بدءا من أفكار قديمة. ويستمر من بين جميع هذه المتغايرات بعضها فقط، ليُستنسخ عددا من المرات؛ في حين أن بعضها الآخر يموت. فالمُحاكيات هي إذًا مكرِّرات واقعية، تمتلك الخاصيات الثلاث كلها: التكرار (التنسّخ) والتغاير والانتقاء، وهذه نحتاج إليها كي ننشئ سيرورة تطورية داروينية جديدة.

 

وكما يقول داوكينز، فإن أهدافه في ما يتعلق بتعبيره الجديد هي أهداف متواضعة، القصد منها إبعاد قُرّائه عن التفكير بأن الجينة هي «التطور ككل وكمنتهى، إنها الوحدة الأساسية للانتقاء.» أما واقع الأمر، فإن فكرته هذه كانت قنبلة جاهزة للتفجير. فإذا كانت المُحاكيات هي مُكررات، فهي كالجينات تتنافس كي تُنتسخ تحقيقا لمصلحة ذاتية (البُقْيا والانتشار). ولكن هذا الاستنتاج يتناقض تناقضا مباشرا مع الافتراض الذي يتشبث به معظم علماء النفس التطوريين، ويرى أن الوظيفة النهائية للحضارة البشرية تتمثل في خدمة الجينات بمساعدتها على البُقيا. ونذكر هنا فحوى القول الشهير لمؤسس البيولوجيا الاجتماعية sociobiology ا<O .E. ويلسون> بأن الجينات تمسك الحضارة بِرَسَن. وقد تتنامى الحضارة مؤقتا في بعض الاتجاهات التي تخالف إنتاجيا انتشار الجينات، ولكنها على المدى البعيد تُعاد إلى خط التساوق وذلك بوساطة الانتقاء الطبيعي القائم على الجينات، تماما كما يعاد الكلب الشارد بالرسن الذي يُمسك به. ووفقا لهذا المفهوم، فإن المحاكيات هي مُستَعبِدات الجينات التي بنت الدماغ الذي يستنسخ المُحاكيات. وتزدهر المُحاكيات بمجرد مساعدة الجينات على التكاثر والانتشار. ولكن إذا ما صح تفكير داوكينز بأن المُحاكيات هي مُكرِّرات، فإن على هذه المُحاكيات أن تعمل لمصلحتها الأنانية الذاتية: تتنسخ كلما وجدت إلى ذلك سبيلا. إنها باستمراريتها تصوغ عقولنا وحضاراتنا (ثقافاتنا) أيَّما كان تأثيرها في الجينات.

 

ونتلمس الأمثلة الأكثر وضوحا لهذه الظاهرة بالمُحاكيات «الڤيروسية». فسلسلة الأحرف (سواء كانت مكتوبة على الورق أو كانت بريدا إلكترونيا) تتألف من أجزاء صغيرة لمعلومات مكتوبة، بما في ذلك تعليمات «اجعل مني نسخة» التي يدعمها الترهيب (إذا ما قطعتَ السلسلة لازمك سوء الخط)، أو الترغيب (ستتسلم دفعة نقدية، وستستطيع عندئذ مساعدة الأصدقاء). وليس مهمًا والحالة هذه إذا كان الترهيب أو الترغيب دون نتاج حقيقي، وأضحى الجهد الذي بذلته في نسخ الأحرف دون طائل. فهذه المُحاكيات تمتلك بنية داخلية ذاتية تضمن لها النماء والتوسع.

 

ويشير داوكينز إلى أن الأمر نفسه يمكن أن يقال في ما يتعلق بالديانات الكبرى السائدة في هذا العالم. فمن هذا العدد الهائل من الطوائف الدينية وقياداتها التي ظهرت عبر مراحل التاريخ البشري، وافتتنت بها الجماهير، قلة منها فقط امتلكت ما يؤهلها للبقيا ـ تعليمات «اجعل مني نسخة» يدعمها الترهيب أو الترغيب. فالترهيب الديني يتمثل بالموت أو اللعنة الأبدية، والترغيب بالنعيم الأبدي. أما تكلفة ذلك فتُحتسب كنسبة معينة من الدخل، أو حياة تُكرَّس بكاملها لنماء الكلمة وانتشارها، أو إنفاق الثروات على بناء معابد وكاتدرائيات فخمة، تعمل على تعزيز مُحاكياتها؛ حتى إن الجينات تكابد أحيانا من أمثال هذه المُحاكيات وذلك كما يحدث في الكِهانة العزباء(6) (الرهبانية).

المُحاكيات ومركّباتها(7)

 

 

القصص وخرافات المدن والأساطير

 

الملابس ونمط تصفيف الشعر وإحداث ثقوب في الجسم

 

أسلوب الطبخ وتدخين السگائر

 

التصفيق والابتهاج

 

اللغة واللهجة والتعابير المثيرة للاهتمام

 

الأغاني والموسيقى والرقص

 

الاعتقاد بالأجسام الطائرة المجهولة الهوية (UFO)، وبالأشباح وبسنتاكلوز (بابا نويل)

 

الشعارات العرقية، والنكات التي تميز أحد الجنسين عن الآخر

 

الأديان

 

الاختراعات والنظريات والعلوم

 

النظام القضائي والديمقراطية

 

قصة پروست حول كعكة مادلاين

 

 ليست محاكيات(8)

 

 

التجارب الشخصية والانفعالات والإدراك الحسي

 

الأكل والتنفس وممارسة الجنس

 

أنماط السلوك الفطري حتى ولو كان مُعْدِيًا (قابلا للتقليد)، كالتثاؤب والسعال والضحك

الاستجابات الشرطية: الخوف من صوت مِثْقَب طبيب الأسنان

 

الخرائط المعرفية: معرفة الطريق المحيطة بالجوار

 

الترابطات المقترنة بالأصوات والروائح

 

ملاحظة: إن عددا كبيرا من أنماط سلوك الإنسان هو مزائج معقدة من السلوك الفطري والمكتسب بالتعليم والمقلَّد، كاستعمال الدراجة مثلا.

وبطبيعة الحال، لن تزدهر عمليا أي طائفة من الطوائف الدينية (أو سلسلة الأحرف) حتى لو كان لها بنيانها الڤيروسي الملائم. فبعض الترهيب والترغيب أكثر فاعلية، أو أشد ضراوة من غيره، وتتنافس هذه الطوائف على موارد  محددة من الانتباه البشري في الوقت الذي تواجه التجربةَ والشك (اللذين يعملان في سيرورة التحوّل الڤيروسي كشكل من أشكال الجهاز المناعي).

والديانات ليست جدليا ڤيروسية بالكامل، فهي تهب مثلا الشعور بالراحة والانتماء. وعلى أي حال، علينا ألا نخطئ فنَعَدّ المُحاكيات كلها ڤيروسات. فمعظمها يشكل جوهر حياتنا، بما في ذلك اللغات والأنظمة السياسية والمؤسسات المالية والنظم التربوية والعلوم والتقانات. هذه كلها مُحاكيات (أو مزائج منها) لأنها تُنتسخ من شخص إلى آخر، وتعمل كأدوات تنافس على البُقيا في الحيز المحدود لذاكرة الإنسان وثقافته.

إن أسلوب التفكير بالمُحاكاة يهبنا رؤية جديدة للعالم، عالم إذا ما «فزت» به، يتبدل فيه كل شيء. فمن وجهة نظر المُحاكيات، كل إنسان آلة تصنع المزيد من المُحاكيات، أداة نقل للنماء والاتساع، سانحة للتكرار، وثروة يُنافس من أجلها. فنحن لسنا بأرقاء لجيناتنا، وكذلك نحن لسنا بعوامل عقلانية حرة ننشئ الحضارة والفن والعلم والتقانة لمجرد أن نكون سعداء؛ بل نحن جزء من سيرورة تطورية ضخمة تعمل فيها المُحاكيات كمكرِّرات تتطور باستمرار، ونعمل نحن كآلات لإنتاج المحاكيات. 

إن هذه الرؤية الجديدة مذهلة ومروعة في آن واحد: فهي مذهلة لأن بإمكاننا الآن صياغة نظرية مبسطة تحيط بحضارة الإنسان وإبداعه، وكذلك تشمل في الوقت نفسه تطوره البيولوجي. وهي مروعة لأنها تختزل البيانات الكبرى في إنسانيتنا وفي فاعلياتنا وفي حياتنا الفكرية، إلى ظاهرة آلية. ولكن هل هذه الرؤية صحيحة؟ وهل بإمكان المُحاكيات أن تساعدنا على فهم ذواتنا؟ وهل تقودنا إلى تنبؤات قابلة للاختبار، أو تؤدي أي نوع من العمل العلمي الحقيقي؟ إذا كانت الإجابة سلبية، فإن المُحاكيات تغدو عديمة الجدوى.

إن أفضل طريقة لفهم المُحاكيات ليس بمضاهاتها بالجينات، وإنما باعتبارها
مكررات جديدة، لها طرقها الخاصة لبُقْياها واستنساخها

أعتقد أن فكرة المحاكيات كمكرِّرات هي الشيء الأساسي الذي كان غائبا عن نظرياتنا الخاصة بتطور الإنسان، وأن المحاكاة ستثبت جدواها الكبير في تفسير خاصياتنا المتفردة، وازدهار حضاراتنا ومجتمعاتنا المعقدة. فنحن نختلف عن الحيوانات الأخرى كلها لأننا نحن وحدنا أصبحنا، في مرحلة ما من ماضينا، نمتلك المقدرة على التقليد الشامل الواسع الانتشار. لقد حرّر ذلك مكررات جديدة (محاكيات)، شرعت بالنماء والتوسع، تستعملنا كماكينة انتساخية، وتماثل إلى حد كبير استعمال الجينات لماكينة الانتساخ داخل الخلايا. ومنذ هذه المرحلة، تم تصميم هذا النوع البشري بالذات بمكررين، وليس بمكرر واحد فقط. وهذه هي نقطة اختلافنا عن ملايين الأنواع الأخرى التي تُعمِّر الأرض. ولهذا السبب بالذات فزنا بهذا الدماغ الكبير، وبلغتنا، وبكل تلك القدرات «الفائضة» والمتميزة.

رأي آخر
الحيوانات تقلد، أيضا

مكن حمل الشحارير على الخوف من مخلوقات لا تشكل تهديدا لها، لأنها تتعلم كيف تتعرف المفترسات بملاحظة ما يروِّع أقرانها.

إنني أستحسن محاولة <S. بلاكمور> إصابة عقول الناس بالمُحاكيات «كتقليد مهم». ولكنني لا أشاطرها الرأي في أن تأثير المُحاكيات ـ الكينونات المقلدة(1) ـ في تطور السلوك يقتصر على الإنسان وحده. إن الحيوانات (من الأسماك حتى الرئيسيات) ينتسخ بعضها بعضا في اتخاذ قرارات تتناول مثلا ما الذي عليها أن تأكله أو تتزاوج به. وفي هذه الحالة، يمكنني أن أبرهن على أن المُحاكيات تؤثر في طباع كثرة من الحيوانات بالطريقة نفسها التي توجّه فيها سلوك الإنسان. وتساعد الدراسة المتأنية للشحرور على إيضاح أن المُحاكيات لا تقتصر بالضرورة على الإنسان، أو حتى الرئيسيات الأخرى، كالشمپانزي وأنواع القردة العليا الأخرى. ولكن يتوجب، بادئ ذي بدء، أن أوضح تعريف كلمة «تقليد».

على ما يبدو، يجد علماء النفس متعة كبيرة في مناقشة معنى التقليد، وعشرات الأبحاث تقسم هذا المعنى إلى منظومة من الفئات. ولكن عند مناقشة المُحاكيات، قد يبدو استعمال تعريف «بلاكمور» أمرا منصفا. إن كتابها ماكينة المُحاكيات يقدم منظورين مختلفين. فالتعريف الأكثر صرامة ينص على أن التقليد ينطوي على ثلاث مراحل معقدة: تقرير ما يجب تقليده، وتحويل وجهة نظر محددة إلى وجهة نظر أخرى، والقيام بفعل جسدي مناظر. فوفقا لهذه المعايير الصارمة، يستحيل إيجاد حالات التقليد الحيواني على أساس متين. ويصعب كثيرا أن ندرك تماما هل بمقدور الحيوان تحويل وجهة نظر ما إلى أخرى. وإذا كان الأمر كذلك، فقد لا نعرف ما الذي يختاره الحيوان بدقة لكي يقلده.

وكذلك تدعو بلاكمور إلى مفهوم للتقليد شديد التحرر عندما تصف قصة ينقلها صديق إلى آخر. فهي تكتب: «إنك لم تقلد بدقة كل حركة قامت بها صديقتك وكل كلمة نَطَقَتْها، إنما شيئا ما (جوهر القصة) نُسخ من قبلها لينقل إليك ومن ثم إلى شخص آخر، وهكذا.» وبالتأكيد فإن هنالك مئات الأمثلة من التقليد الحيواني تندرج ضمن هذا التعريف الواسع، والطريقة التي تتعرف بها الشحاريرُ مفترساتها لا تشكل استثناء.

ففي عام 1978 أنشأ <E. كوريو> وزملاؤه [من جامعة روهر في ألمانيا] مسرحا صغيرا يستطيع فيه شحرور أن يرى شحرورا آخر يسقسق بصوت حاد وقاس، ويخفق بذيله كرد فعل منه على وجود مفترس قريب ـ بُوَيْمَة. ولكن سلسلة من الحواجز كانت تحجب البويمة عن نظر الشحرور الأول. وبفضل بعض المنابلات البارعة، فإن الشحرور المراقب (الأول) توهم بأن رفيقه (الشحرور الآخر) كان يستجيب لضجيج الطائر البريء(2) (آكل العسل والرحيق) الذي لا تنظر إليه الشحارير عادة كمصدر للتهديد. قام الباحثون بعدئذ بوضع الشحرور المراقب قرب طائر بريء، استجاب الشحرور المراقب هو الآخر بسقسقات حادة قاسية(3) وبخفقات من ذيله. فاكتشف كوريو وزملاؤه أن بوسع الرسالة الزائفة (أي إن الطائر البريء هو مفترس) أن تنتقل نُزلا على الأقل عبر سلسلة تتألف من ستة شحارير.

ومع هذا، فحقيقة أن شيئا ما قد انتُسخ لا يجعل منه مُحاكيا حقيقيا بمعنى الكلمة. وتجادل بلاكمور على أن الرسالة ينبغي أن تحقق ثلاثة معايير إضافية: يجب أن تنتسخ بدقة، وكذلك يجب صنع نسخ عديدة منها، وعلى النسخ أن تعمر طويلا. إن رسالة «الطائر البريء كمفترس» نقلت بدقة، وانتشرت نسخ من الرسالة من فرد إلى آخر، فأظهرت بوضوح درجة ما من الخصوبة(4). وليس من الممكن تخمين مدى الاستمرارية لهذا المُحاكي الذي بُني على تجارب مختبرية. ولكن لا يوجد من حيث المبدأ، سبب لعدم بقاء المعلومات المكتسبة فترة طويلة حبيسة مجموعات طبيعية معينة وذلك في إثر ترسخ هذه المعلومات فيها.

إن المُحاكيات تؤثر في عادات الكثير من الحيوانات
بالطريقة نفسها التي تُحفز فيها سلوك الإنسان

ومن خلال دراساتي كعالم للبيئة السلوكية، فقد تعاملت مع عشرات من أمثلة أخرى للسلوك الحيواني، تطابقت تماما مع تعريف المُحاكي، ولن يفاجئني أن يكون العدد الإجمالي لهذه الأمثلة كبيرا جدا. وقد تكون المُحاكيات أكثر قِدما وأشد رسوخا في ما يتعلق بالتطور البيولوجي مما عرضت له حتى الآن بلاكمور، أو أي باحث آخر. وبتخصيص أعمق، قد يكون الفرق بين مُحاكيات الحيوان والإنسان كميا أكثر منه كيفيا. وقد يتمسك مختصو المُحاكيات بفكرة أن المُحاكيات الحيوانية هي مُحاكيات حقيقية، فيستعملوها لتدعيم ادعائهم بأن المُحاكيات هي فعلا قوة مهمة وشاملة تؤثر في التطور. ولكن إذا كانت المُحاكيات لا تميزنا عن الحيوانات، كما تقترح بلاكمور، فإنها لا تستطيع بمفردها أن تفسر لماذا تفردت الحضارة البشرية في تحقيق هذا التقدم.

 


إن نشوء حضارة ربما بدأ عندما تعلم أسلافنا من أشباه الإنسان hominid تقليد الواحد منهم للآخر (اليسار). وسيزدهر الأفراد ذوو القدرة الأفضل على تقليد المهارات الجديدة ذات العلاقة بالبُقيا (كإيقاد النار)، فتُحابى الجينات التي تجعلهم أفضل تكيفا للتقليد القابل للتعميم. وفي مرحلة تالية، ومع تزايد الانتقائية الجينية لأفراد يحبذون التقليد (الوسط)، فإن الجينات ستحتاج إلى تطوير استراتيجيات تكفل تقليد أنماط السلوك الأكثر نفعا. وسَتُنسخ أنماط نهج محددة (مثل «تقليد المقلدين الأفضل») انتساخًا أفضل مهاراتٍ جديدة ذات علاقة بالبُقيا، ولكن أيضا لأنماط سلوك  دخيلة كزخرفة الثياب. وسيتبوأ المقلدون الأكثر نجاحا منزلة اجتماعية رفيعة، ويتزاوجون أكثر بأفراد ينجذبون إليهم، فتتكاثر ذراريهم، الأمر الذي يدفع الجينات أكثر فأكثر لتبني دماغ أكبر، قادر على إنجاز تقليد معقد. ويصبح التقليد آنئذ قسما جوهريا من طبيعة الإنسان، وستنتج المُحاكيات التي لا تتوقف عن التطور (وعلى نحو تدريجي) نظما كاملة من الحضارة (اليمين)، وسيكتمل ذلك بممارسة أنشطة محددة، كتشييد الأبنية الضخمة، وتقديم التضحيات البشرية التي ليس لها تأثير حاسم في الجينات، ولكنها تساند عملية نقل المُحاكيات المترابطة بها.

أدمغة كبيرة خاصة بالمُحاكيات(10)

وتقدم دراسة المحاكيات(12) تفسيرا دقيقا لسرّ ضخامة الدماغ البشري. إن هذا الدماغ كبير بقدر ما تستطيع الجينات صنعه، فحجمه يفوق ثلاث مرات (منسوبا إلى وزن الجسم) حجم أدمغة الثدييات الأكثر قرابة إلى الإنسان، ونعني بذلك القردة الكبرى. إنه من المكلف حقا بناء دماغ كبير والحفاظ عليه، وكثرة من الأمهات والرضع تموت بسبب مضاعفات ولادية ترجع أساسا إلى ضخامة حجم الرأس. ولكن لماذا سمح التطور للدماغ بالنمو نموا واسعا ينطوي على المجازفة؟ إن النظريات التقليدية تبحث في الميزة الجينية مثل تحسين المهارات الخاصة بالصيد وجني الثمار، أو القدرة على تدعيم مجموعات تعاونية أكبر ذات مهارات اجتماعية معقدة. ولكن المُحاكيات تقدم تفسيرا مختلفا كل الاختلاف.

وكان الانتقال الحاسم إلى أشباه الإنسان مع بزوغ فجر التقليد، ربما منذ مليونين ونصف مليون عام، قبل حلول عصر الأدوات الحجرية ومرحلة توسع الدماغ. فالتقليد الحقيقي يعني انتساخ سلوك جديد أو مهارة غير مألوفة تستعار من حيوان آخر. إن إنجاز ذلك صعب، ويتطلب الكثير من القوة الدماغية، ومن ثم نادر في المملكة الحيوانية. فمع أن كثرة من الطيور تنتسخ الغناء وبمقدور الحيتان والدُلفينات أن تقلد أصواتا وأفعالا، فغالبية الأنواع الأخرى تعجز عن ذلك. وغالبا ما يقتصر «التقليد» لدى الحيوانات. كتعلم الاستجابة لمفترس جديد، على مجرد ملاءمة السلوك الفطري لوضع جديد طارئ؛ حتى إن التقليد لدى الشمپانزي لا يتعدى مجالا محدودا من أنماط السلوك، كطرائق اصطياد النمل الأبيض. وعلى العكس، فإن تعميم التقليد الذي يتناول أي فاعلية تُشاهد ـ ويبدو للإنسان وكأنه أمر طبيعي ـ أصعب بكثير. وبالمماثلة، فالتقليد عمل بارع وقيم، يتيح للمقلد جني فوائد التعلم أو اكتساب المهارة الموجودة لدى شخص آخر، وبالقدر الذي تتيحه الفرص. فمثلا، في تجربة أجريت عام 1995 في مركز يِرْكِز الإقليمي لأبحاث الرئيسيات في جورجيا، عندما وُضِعَ الأورانگوتان (إنسان الغاب) والأطفال من البشر في مواجهة بعض المشكلات كان البشر فقط يلجؤون فورا إلى التقليد لحل هذه المشكلات.

رأي آخر
إن نظرية المُحاكيات مفرطة في تبسيط الكيفية
التي تتغير وفقا لها الثقافة

lالجينات مُكرِّرات. إنها تنتقل على نحو مطابق للأصل من الأبوين إلى الأبناء، وتتحكم في ماكينة الحياة. إن هذا الانتقال المطابق للأصل يتيح للانتقاء (الانتخاب) الطبيعي أن يفعل فعله: إن الجينات التي تمنح حامليها بُقيا أفضل، أو توالدًا أسرع من حَمَلة الجينات الأخرى ستنتشر في التجمع السكاني. وتؤدي السيرورات الأخرى، كالطفر(1)، أدوارا حاسمة في عملية التطور، ولكن يمكن تفسير التلاؤم الأفضل بتعرف الجينات التي تتنسخ بأعلى معدل ممكن. إن لهذه القاعدة البسيطة قوة مذهلة، وتتيح للبيولوجيين فهم ظواهر متباينة جدا بدءا من شكل الحوض في الإنسان إلى توقيت تغير الجنس في الأسماك الخنثى(2).

 

وترى < S.بلاكمور> أن المعتقدات والأفكار، التي تطلق عليها اسم المُحاكيات، هي أيضا مكرِّرات. إنها تنتسخ بأمانة من عقل إلى آخر، وتتحكم في سلوك من يكتسبها من الناس. وإذا كان الأمر كذلك، فإن تطور الأفكار ـ كما تقترح بلاكمور ـ أخذ شكله هو الآخر بوساطة الانتقاء الطبيعي. وكذلك يمكن فهم تغير الثقافة بتعرف المُحاكيات التي تتنسخ بأعلى معدل ممكن.

 

إننا نعتقد أن بلاكمور محقة على الأقل حتى نصف الطريق. وبالتأكيد، فإن الأفكار البيولوجية مفيدة في دراسة تطور الحضارة. والثقافة لا تتألف من أفكار مختزنة في الدماغ لمجموعة بشرية، بحيث يمكن لآليات مضاهئة للانتقاء الطبيعي أن تحدد أي الأفكار سينتشر وأيها سيختفي. ولكن قد تكون بلاكمور مخطئة في الاعتقاد بأن التطور الحضاري يمكن تفسيره بلغة الانتقاء الطبيعي وحدها. وعوضا عن ذلك يحتاج العلماء إلى أن يجمعوا بين بيانات بحوث علم النفس والأنثروبولوجيا (علم البشريات) وعلم اللغات كي يوضحوا السيرورات العديدة التي تعطي فعلا الثقافة البشرية شكلها.

 

وخلافا للجينات، فإن الأفكار لا تنقل عادة بكاملها من شخص إلى آخر. فالمعلومات في دماغ شخص ما تولد سلوكا، فيحاول شخص آخر أن يستدل على المعلومات المطلوبة ليقوم بالعمل نفسه. وقد يحدث تعطل في النقل الدقيق للأفكار، ذلك أن فروقا في الجينات أو الثقافة أو الخلفية الشخصية للفردين تجعل أحد الشخصين يأتي بافتراضات خاطئة عن الأسباب التي دفعت الشخص الآخر إلى ذلك السلوك. ونتيجة لذلك، فإن المُحاكيات غالبا ما تتحول منهجيا في أثناء عملية النقل، وهذه سيرورة تغاير كليا الانتقاء الطبيعي، الذي يعتمد على محاك واحد ينتشر بسرعة تفوق سرعة المُحاكيات البديلة المنافسة. ومن ناحية أخرى، فإن التحول قد يكسب الناس في جيل من الأجيال محاكيا يختلف عن المُحاكي الذي ترسخ في كل فرد من أفراد الجيل السابق.

 

لا يمكن تفسير التطور الحضاري
بلغة الانتقاء الطبيعي وحدها

لقد اكتشف < D.ويلكنز> [من معهد ماكس پلانك لعلم النفس اللغوي(3) في هولندا] مثالا بسيطا عن تحوّل المُحاكيات عندما وجد أن الأمريكيين الذين تحدروا من أجيال مختلفة تباينوا في فهمهم للكلمات التي تنتهي بالمقطع -gate (بوابة). فالأشخاص الذين تجاوزا الأربعين افترضوا أن گيت -gate تدل ضمنا على فضيحة حكومية حدثت في واشنطن، وتنطوي عادة على التورية، واستشعروا كبالغين لهم أُسرهم رئاسة <ريتشارد نيكسون>، وفسروا أبنية مثل تراڤلگيت travelgate على أنها فضائح تضاهئ ووترگيت Watergate. أما الأمريكيون الأصغر سنا، فقد سمعوا أن گيت -gate تستعمل للدلالة على تشكيلة من الفضائح تحدث في واشنطن. ولكن بسبب معارفهم المحدودة جدا بفضيحة ووترگيت، فإنهم لم يتمكنوا من الكشف عن الطابع العام الذي يميز هذه الكلمات، ومن ثم قدروا أن اللاحقة گيت يمكن إضافتها لأي كلمة لتشير إلى فضيحة ما. وتجدر الملاحظة هنا أن هذا التحوّل حدث دون تنافس مع مُحاكيات بديلة. إن بإمكان كل مُحاك يوجد في دماغ أي رب عائلة أن يعين أن اللاحقة گيت تعني فضيحة حكومية مماثلة لووترگيت. ومع ذلك، فبإمكان أي شخص أصغر سنا أن يستنتج من اللاحقة گيت أنها تعني أي فضيحة من الفضائح.

غالبا ما تتغير الأفكار تغيرا عميقا وعلى نحو منهجي عند انتقالها من شخص إلى آخر، أو من جيل إلى آخر يليه.

وكما تلاحظ بلاكمور، فإن بوسع الجينات أن تعاني تحولا بتغير تلقائي هو الطفر. ولكن الطفر الجيني نادر، يحدث مرة واحدة كل مليون عملية تكرر (تَنَسُّخ). ونتيجة لذلك، فإنه يمكن إغفال تأثيره عندما نتحدث عن التلاؤم. ولو كان الطفر يحدث بوتيرة أعلى [كل عشرة تكررات (أو تنسخات) مثلا]، فسيكون له تأثير مهم في الجينات الأكثر شيوعا. ونعتقد أن هذا ما يحدث تماما للأفكار التي بإمكانها أن تتحوّل بسرعة في أثناء انتشارها من شخص إلى آخر. فإذا كنا على حق، يمكن عندئذ فهم التغير الحضاري فقط عندما يتداخل تأثير هذا التحول ويتوافق مع تأثير الانتقاء الطبيعي.

وقد يتأثر تطور الأفكار بعدد آخر من السيرورات اللاانتقائية. فمثلا، يمكن لشخص ما أن يتعلم فكرة معينة من شخص آخر، ثم يحور في هذه الفكرة على أمل تحسينها. وكذلك هناك سيرورات لاانتقائية أخرى تصادف عندما يعمل الناس على بناء معتقداتهم، بعد أن يكونوا قد تعاملوا مع عدد من الناس يسلكون سلوكا مختلفا. ونعتقد أن التفسيرات الناجحة للتغير الحضاري تحتاج إلى انتباه استثنائي يركز على السيرورات العديدة التي توجه مراحل خاصة من التطور الحضاري. ولقد حقق العلماء الاجتماعيون فعلا بعض التقدم فيما يخص هذا المشروع. فمثلا < W.لابوڤ> [من جامعة پنسلڤانيا] وصف سيرورات نفسية واجتماعية تتسبب من جيل لآخر بتغيرات تدريجية تصيب اللهجة. وكذلك درس < A.باندورا> [من جامعة ستانفورد] كيفية تأثير التقليد في صياغة اكتساب الأفكار.

خلال القرن الماضي طور البيولوجيون عددا كبيرا من المفاهيم والوسائل الرياضياتية التي يمكن أن توضح ما يحدث عندما تتآثر سيرورات متنوعة لتعطي تطور التجمعات السكانية شكله. فبضم هذه الأفكار إلى الدراسات التجريبية، ربما يغدو بمقدور العلماء أن يفهموا كيف تتطور الثقافة.

إذًا يغدو من السهل أن نتصور أن أسلافنا الأوائل قلدوا المهارات الجديدة المفيدة بإيقاد النار وبالصيد وبحمل الطعام وتحضيره. ومع انتشار هذه المُحاكيات الأولى، فإن القدر ة على اكتسابها من أجل البُقيا تعاظمت من حيث الأهمية. وباختصار، إن الناس الأقدر على التقليد تكاثروا وازدهروا، وإن الجينات التي منحتهم هذا الدماغ الكبير (الذي يتطلبه هذا التقليد) انتشرت نتيجة ذلك في العتاد الجيني(11). وأجاد كل شخص التقليد، معززا بذلك الحاجة إلى تطوير حجم الدماغ أكثر فأكثر في شكل من أشكال سباق التسلح الدماغي.

وما إن بدأ كل فرد بالتقليد، حتى أُعتق المكرِّر الثاني من قيده، لينطلق في العالم، وليغير التطور البشري وإلى الأبد. وشرعت المُحاكيات بالسيطرة على سيرورة التطور. فإلى جانب المهارات النافعة (كإيقاد النار)، استنسخ الناس مُحاكيات أقل نفعا كتزيين الجسد، ومحاكيات التقليد المكلفة على نحو صريح كرقص المطر(12) المليء بالحيوية ولكنه عبثي. لقد واجهت الجينات عندئذ مشكلة: كيف يمكن لها أن تضمن أن حامليها يستنسخون أنواع السلوك المفيد فقط؟ إن المُحاكيات الجديدة تنتشر في جيل واحد من أجيال التجمعي السكاني بوساطة التقليد بسرعة تفوق مقدرة التطور الجيني على الاستجابة. وعندما يصبح بمقدور الجينات أن تطور نسخة ثابتة للنزوع لإشعال النار والتحول إلى أداء رقص المطر، قد تظهر بدع مختلفة كليا وتبقى. فالجينات تطور فقط استراتيجية أساسية وطويلة الأمد في محاولة منها لجعل حامليها أكثر تمييزا لما يقلدون.

إن التوجيه العام النافع الذي يمكن للجينات أن تهبه لحامليها يتمثل بتأهيلهم لاستنساخ مُحاكيات أفضل المقلدين ـ أي الناس الذين يرجح أن يمتلكوا تحويرات دقيقة للمُحاكيات النافعة في ذلك الزمن. ولعل التعبيرين الأكثر شيوعا في الحياة العصرية «لأفضل المقلدين»: «مرسخو القيم» trendsetters» أو «النماذج الوظيفية» role models. وإضافة إلى ذخيرتهم من الأعمال البارعة المعززة للبُقيا، فإن أفضل المقلدين قد يحتل (والحالة هذه) منزلة اجتماعية رفيعة، فيُحسِّن أكثر فأكثر فرص بُقياه، ويساعد على ازدهار الجينات وتوسعها، تلك الجينات التي صنعت منه ومن أقرانه مقلدين موهوبين، تلك الجينات التي منحتهم أدمغة كبيرة تخصصت في تعميم التقليد المتقن.

وتستمر الجينات في الاستجابة لِتُحسِّن من أفضليات الناس الفطرية في ما يتعلق بما عليهم أن يقلدوه. ولكن استجابة الجينات ـ التي تتطلب أجيالا من الناس لتبدي فعلها فيهم ـ تتخلف باستمرار وراء تطور المُحاكيات. إنني أطلق على السيرورة التي تتحكم بها المُحاكيات في الانتقاء الجيني تعبير الدافع المُحاكي memetic drive. فالمُحاكيات تتنافس فيما بينها، وتتطور بسرعة في اتجاه ما، وعلى الجينات أن تستجيب بتحسين التقليد الانتقائي، وذلك بزيادة حجم الدماغ ومضاعفة القوة على طول الطريق. وهكذا، فإن المحاكيات السائدة تحدّد نوعية الجينات الأكثر تفوقا، فتمسك المُحاكيات بزمام المبادرة.

وفي المنعطف الأخير سيكون من الملائم للناس أن يتزاوج أكثر المقلدين براعة، ذلك أن المقلدين الناجحين لديهم على العموم أفضل المهارات للبُقيا. ومن خلال هذا التأثير، يمكن للانتقاء الجنسي (موجها من قبل المُحاكيات) أن يؤدي دوره في بناء أدمغة كبيرة. وباختيارهن المقلدين الأفضل للتزاوج، فإن النسوة سيساعدن على انتشار الجينات الضرورية لانتساخ الطقوس الدينية، والثياب الغنية بالألوان، والغناء والرقص والتصوير الزيتي وغير ذلك. ومن خلال هذه السيرورة، فإن ميراث الماضي لتطور المُحاكيات يصبح جزءا لا يتجزأ من بنية أدمغتنا، ونغدو بشرا موسيقيين وفنانين ودينيين. إن أدمغتنا الكبيرة هي أدوات التقليد الانتقائي، بُنيت بوساطة المُحاكيات ومن أجلها، وعلى قدم المساواة مع الجينات.

أصل اللغة(13)

وقد تكون اللغة محصلة رائعة أخرى للسيرورة نفسها المتمثلة بالتطور المشترك (المزدوج) للمُحاكيات والجينات. وتقليديا، كانت الأسئلة حول أصل اللغة ووظائفها مثار جدل ونزاع مستمر، حتى إن الجمعية الباريسية للغات حظرت عام 1866 أي تخمين جديد بهذا الشأن. وحتى الآن، لم يتوصل العلماء إلى إجماع عام بهذا الخصوص، غير أن أكثر النظريات شيوعا تحبذ التفضيل الجيني. فمثلا، يرى عالم النفس التطوري < R.دنبار> [من جامعة ليڤرپول] أن اللغة تؤدي وظيفة تهيئة الأفراد بغرض الحفاظ على تماسك مجموعات اجتماعية كبيرة بعضها مع بعض. ويقترح عالم الأنثروبولوجيا التطورية والمختص بالأعصاب < T.ديكون> [من جامعة بوسطن] أن اللغة جعلت من تبادل التواصل الرمزي أمرا ممكنا، وأتاح هذا بدوره تحسين مهارات الصيد وقيام روابط أوثق وتعزيز الدفاع عن المجموعة.

وبالمقابل، إن نظرية الدافع المحاكي تفسر اللغة بكونها تمنح أفضليات البُقيا للمحاكيات. وإذا كان علينا أن نفهم الكيفية التي أوجبت ذلك، فلا بد من استيضاح أنواع المحاكيات التي كانت أقدر من غيرها على حسن البُقيا، وتكاثرت في الجَميعة نفسها التي انبثق منها أسلافنا الأوائل. وتتمثل الخصائص العامة لأي مكرر من المكررات الناجحة بالخصوبة والدقة والتعمير: تلك المحاكيات التي تستنسخ نفسها استنساخا دقيقا ومديدا.

والأصوات أخصب من الإيماءات، ومنها على وجه التخصيص ما هو مضاهئ للتعبيرين مرحبا hey واحذر look out اللافتين للانتباه. ويسمع كل منا، إذا كان موجودا في مرمى السمع، صرخة بغض النظر عن كونه ينظر إلى المتحدث أو لا. وكذلك تكون دقة المُحاكيات الملفوظة أعلى في المُحاكيات التي تبنى من وحدات صوتية منفصلة (أو ما يعرف بالفونيمات phonemes)، وتتألف من كلمات مستقلة (شكل من أشكال الترقيم الذي يقلل الأخطاء عند الانتساخ). وكما أن الأفعال والألفاظ المختلفة تنافست في جَميعة مُحاكيات ما قبل التاريخ، فإن الكلمات ستزدهر مسببة اندثار المُحاكيات غير اللفظية(16) الأقل تلاؤما في التواصل. إن ربط الكلمات بعضها ببعض وبتراتبات مختلفة وإضافة السوابق وكذلك تغيرات مقامات الصوت، يخلق بيئة خصبة لنشوء مُحاكيات لفظية أكثر تعقيدا. وخلاصة القول إن الأصوات الأعلى جودة والقابلة للاستنساخ ستفوق عددا الأصوات الأخرى.

ولنتدبر الآن تأثير ذلك في الجينات. فنجد هنا مرة أخرى أن أفضل المقلدين (الأفراد الأكثر دقة في لفظهم) سينالون مكانة أفضل، فيكونون الأكثر تزاوجا والأكثر نسلا. وسينعكس ذلك على العتاد الجيني، فتزداد فيه أعداد الجينات الخاصة بالقدرة على تقليد الأصوات الناجحة. وأرى أنه بهذه السيرورة حفَّزت الأصوات الناجحة ـ أساس اللغة المنطوقة ـ الجينات تدريجيا إلى أن تنشئ دماغا لم يكن كبيرا فحسب بل تكيف تكيفا خاصا لاستنساخ التعابير الأكثر دقة ووضوحا من حيث اللفظ. وتمثلت نتيجة ذلك بالمقدرة البشرية الاستثنائية الخاصة باللغة. لقد حددها تنافس المُحاكيات، وكذلك تأثير التطور المشترك للمُحاكيات والجينات.

من وجهة نظر المُحاكيات، فإن كل إنسان آلة تصنع
المزيد من المُحاكيات، وهي ثروة يُنافس من أجلها

وليست سيرورة دافعية التقليد سوى مثال عن مكرِّرات (محاكيات) تطورت بالتزامن مع ماكينة استنساخها (الدماغ). وليس ظهور المُحاكيات هو الحدث الأول في التطور المتزامن: فأمور كثيرة مماثلة توجّب حدوثها في المراحل المبكرة للحياة على الأرض وذلك عندما نشأت الجزيئات المكرِّرة الأولى في العتاد البدئي، وتطورت في الدنا DNA وفي ماكينة التكرارية الخلوية المرافقة له. وبالمماثلة مع تطور هذا الجهاز المعقد لتنسخ الجينات، يمكننا أن نتوقع ظهور ماكينة لتنسخ المُحاكيات ذات أداء أفضل، وبالفعل ظهرت هذه الماكينة. لقد قدمت اللغة المكتوبة انتقالا تقدميا وضخما في تدعيم الاستمرارية والدقة، كما عززت الصحافة المطبوعة الخصوبة. فمن البرقيات إلى الهواتف الخلوية، ومن البريد السلحفاة (البطيء) إلى البريد الإلكتروني، ومن الحاكي (الفونوگراف) إلى التسجيل الڤيديوي الرقمي، ومن الحاسوب إلى الإنترنت، كان يتم باستمرار تحسين ماكينة الانتساخ، لتنشر أبعد فأبعد وعلى نحو أسرع عددا وافرًا ومتناميًا من المحاكيات. إن انفجار المعلومات الحالي هو ما ينبغي أن نتوقع نتيجة تطور المحاكيات.

إن صحة نظرية المُحاكيات هذه منوطة بجملة من الافتراضات الحدسية التي يمكن اختبار حقيقة وجودها، ولا سيما الافتراض بأن التقليد يحتاج إلى مقدار كبير من القدرة الدماغية، مع أننا تقبلنا هذا الأمر بسهولة كبيرة. ويمكننا بالدراسة التي تستخدم تقنيات التصوير الحديثة للدماغ أن نقارن أشخاصا وهم يؤدون أفعالا معينة بأشخاص يحاكون ببساطة هذه الأفعال. وعلى النقيض من الآراء البديهة، فإن هذه النظرية تفترض أن التقليد يمثل القسم الأصعب في العملية، وكذلك تفترض أن على أجزاء الدماغ الأحدث تطوريا أن تكون (على وجه التخصيص) ذات علاقة بذلك. وإضافة إلى هذا، وضمن أي مجموعة من الأنواع الحيوانية المتقاربة تطوريا علينا أن نجد في الأفراد الأقدر على التقليد أضخم الأدمغة. ولكن ندرة التقليد لدى الحيوانات يحد بالتأكيد من كمية البيانات (المعطيات) المتاحة، هذا مع أنه بالإمكان تحليل أنماط سلوك أنواع من الطيور والحيتان والدُّلفينات، ومقارنة بعضها ببعض بناء على هذا التنبؤ.

اختبارات تجريبية(17)

وإذا كانت اللغة قد تطورت لدى الإنسان نتيجة للتطور المشترك للمُحاكيات والجينات، فعلى اللغويين أن يجدوا ما يدل على أن علم النحو والصرف أصبح أقرب ما يكون إلى الكمال كي ينقل المُحاكيات بأعلى درجة من التنوع والدقة والاستمرار، أكثر من كونه وسيلة لنقل المعلومات الخاصة بموضوعات محددة، كالصيد أو التواصل الاجتماعي. وعلى التجارب التي يجريها علماء النفس الاجتماعي أن توضح أن الناس يستنسخون تفضيليا الأشخاص الأفصح، وعلى هذه التجارب أن تجد أيضا أن هؤلاء الأشخاص من الناحية الجنسية أكثر جاذبية من الناس الأقل فصاحة.

ويمكن اختبار تنبؤات أخرى بوساطة نماذج رياضياتية وبمحاكاة حاسوبية استعملها كثير من الباحثين في نمذجة السيرورات التطورية. إن مجرد إضافة مكرر ثان أشد سرعة إلى نظامٍ ما سيُدخل تغيرا جوهريا على هذا النظام مماثلا لظهور المُحاكيات، ولزيادة حجم الدماغ البشري. وعلى المكرر الثاني أن يكون قادرا أيضا على ضبط المكرر الأول، أو حتى إيقاف تطوره. ويمكن، والحالة هذه، استعمال هذه النماذج لفهم تفاصيل أوسع عن التطور المشترك للمحاكيات والجينات. وعلاوة على ذلك، فإنه يجب أن يغدو بالإمكان اختبار فكرة انبثاق اللغة انبثاقا تلقائيا في جماعة بشرية تتألف من أفراد تحسن التقليد بالمحاكاة مقارنة بإنسالات(18) robots تقلد الضجيج.

رأي آخر
الناس يتصرفون أكثر مما يقلدون

إنني ألحظ مشكلتين رئيسيتين في نوعية محاكيات < S. بلاكمور>؛ الأولى منهما اقتراحها أن الحضارة لا تعدو كونها مجموعة من المحاكيات. وهي تُدخل ضمنا كل شيء، بدءا من الحركة البسيطة كاستعمال أداة حجرية، إلى المؤسسات المعقدة كالمصارف(1). أما المشكلة الأخرى، فتتمثل بفكرتها أن المحاكيات كلها، ومن ثم مظاهر الحضارة كافة، تنتشر بالتقليد. ولكن من منظوري الاختصاصي في علم النفس فإن كلا التوكيدين ليس صحيحا.

في مطلع القرن العشرين عَرَّف عالم النفس الأمريكي < E.ثورندايك> التقليد بأنه تعلُّم القيام بفعل ما بمشاهدة الكيفية التي يتم فيها ذلك، إن هذا المعنى مايزال سائدا في أبحاث علم النفس حتى الآن. فإذا كانت كلمة تقليد تستعمل بهذه الطريقة، فإن توكيدات بلاكمور تغدو بلا قيمة، لأن أفعال التقليد لا تكاد تنقل شيئا مهما للحضارة. فعقد رباط الحذاء وطريقة رمي الكرة، ليسا مهمين بحد ذاتهما في ما يتعلق بالشؤون البشرية.

وإذا كانت كلمة تقليد(2) قد استعملت، كما تفضل بلاكمور، لتعني أي نوع أو أي طريقة من التواصل بين الناس، بدءا من المرور على جوهر قصة معينة، إلى تذكر التعليمات التي قُرئت في كُتيب ما منذ أسبوع، فإن تعبير (التقليد) يغدو على درجة من الغموض بحيث يصبح خلوا من المعنى. ولكن حتى باستعمال هذا التعريف الفضفاض للتقليد، فإنه لا يستطيع تفسير وجود الحضارة وتطورها، التي هي أعمق بكثير من التكرار اللاواعي للأفعال الفيزيائية. إن الحضارة البشرية تقوم على تشارك المعرفة والمعتقدات والقيم.

إن الحضارة البشرية تقوم على تشارك المعرفة والمعتقدات والأفكار. أما التقليد، كما يُعرف أصلا، فلا ينضوي تحت هذا المفهوم

ويتمركز التفاهم المشترك حول نظامية سير العالم في لب أي حضارة من الحضارات، ويطلق أحيانا على هذه النظامية تعبير المخططات(3). فالقواعد التي تنظم العمل في المطاعم تمثل مخططا معهودا: ففي تلك الأمكنة، يُحضِّر لك أحدهم طعامك، فيؤتى به إلى مائدتك، ثم تنظف المائدة بعد تناول الطعام، ويتم ذلك كله مقابل قيمة نقدية معينة. ويكتسب الأطفال كثرة من المخططات التي تميز ثقافتهم الخاصة بهم من خلال مزيج من التوجيه غير الرسمي الذي يقوم به البالغون والأقران، وبآليات نفسية معقدة تمكن الشخص من استخلاص معنى مفيد للأفكار المجرّدة. أما التقليد، كما يُعرَّف أصلا، فلا ينضوي تحت هذا المفهوم.

إن المعرفة المشتركة، كالقواعد التي تنظم العمل في المطاعم، غير قابلة للتقليد.

إن المعتقدات والقيم المشتركة، أو ما يعرف أيضا بالبنية الاجتماعية(4)، تصلنا هي الأخرى بطريقة معقدة وغير مفهومة. وخلافا للمخططات التي تصف كينونات ملموسة (كالمطاعم)، فإن إقامة البنى الاجتماعية قد تمت حصرا لأن الناس أجمعوا على ذلك. إن العُملة هي بنية اجتماعية، وكذلك العدالة. إن لبعض هذه البنى مجسدات مادية، كالأوراق والقطَع النقدية المعدنية، ولكن كلها تتجاوز مجرد الوجود المادي، وتدخل في نطاق الإجماع الفكري للناس على ما يجب أن تعنيه هذه الأشياء. ومن دون إجماع عام على أن للأوراق والقطع المعدنية النقدية قيما محددة، فإن العُملة تغدو عديمة القيمة. وكذلك إن كثرة من المعتقدات والقيم تُنَظِّم التفاعل الاجتماعي. فمثلا، تقوم العدالة في معظم الثقافات الغربية على مفاهيم المشروعية والملكية. وتُعرِّف حضارات أخرى العدالة من خلال أفكار معينة كالمساعدة أو الثأر. وتتخطى العدالة في الحالات كلها المحاكم القضائية والقضاة والسجون.

ومما يلفت النظر أنه لا تتوفر لدى العلماء سوى قلة من الدراسات المفصلة عن الكيفية التي يحقق بوساطتها الأطفال فهمهم لهذه التجريدات المعقدة، وكيف تترسخ في حياتهم. ومن الواضح أن للغة علاقة بذلك. ومما هو ذو مغزى أيضا مقدرتنا على أن ندرك بوضوح أن للآخرين مقاصد ورغبات، هذه القدرة يطلق عليها علماء النفس اسم «نظرية العقل». إن الاستجابة للقوة الاجتماعية (خاصّة نفسية أخرى يتفرد بها نوعنا) تمثل دافعا قويا إضافيا للالتزام بالمعتقدات والقيم المشتركة. ومرة أخرى، فالتقليد هنا ليس بذي علاقة. فنحن لا نقلد العدالة، وليس بمقدورنا فعل ذلك. وعلى الأصح نحن نفهم العدالة ببطء عبر المحادثات، ومن التدريس المعتمد (الرسمي) وقراءة الكتب ومشاهدة الأفلام وكل ما يماثل ذلك.

وترى بلاكمور أن هذا التراكم البطيء للفهم منوط بالتقليد، ولكن الأمر ليس بهذه البساطة. فالدراسات البيولوجية العصبية الحديثة تشير إلى أن التقليد يتطلب رسائل نوعية تجب حوسبتها في مناطق متخصصة من الدماغ. إن هذا يعني أنني عندما كنت طفلا توصلت إلى فهم ما هو المطعم، أو ما هي العدالة. لقد توصلت إلى ذلك باتباعي تسلسلا من الخطوات النفسية تختلف كليا عن الخطوات التي تعلمت بها كيفية عقد رباط حذائي.

وتنشأ المخططات والبنى الاجتماعية من فعالية الذاكرة والتجريد(5). ولا علاقة لهما «بتعلم إنجاز فعلٍ ما بمشاهدة كيف ينجز». إن قبول هذه الأفكار وانتشارها عبر المجتمع ـ ولاسيما نظام (إديولوجية) مثل العدالة ـ يتمان ببطء، وغير قابلين للتنبؤ بهما، كما يصعب قياسهما، ولا يتفقان بالتأكيد مع النظرية الاختزالية(6) للمُحاكيات. والحضارة (كالتعاون بين الأدمغة والعقول البشرية) هي أكثر الظواهر تعقيدا على الأرض، فنحن لن نفهمها على الإطلاق إذا ما تمت مقاربتنا لها بطريقة ساذجة.

وغني عن البيان أن فن المُحاكيات هو علم جديد، يسعى لإيجاد موطئ قدم له في جو يكثر فيه الانتقاد. لقد أخفقت بعض هذه الانتقادات لعجزها عن إدراك فكرة المكرر. وعلينا أن نتذكر أن المحاكيات (كالجينات) هي مجرد شدف من المعلومات قد تفلح في استنساخ نفسها أو قد تخفق. وبهذا المعنى حصرا، يمكن القول إن المُحاكيات «أنانية» وإنها تمتلك قوة التكرر. وليست المُحاكيات كينونات سحرية أو مثاليات أفلاطونية عائمة الوجود، بل هي معلومات تقطن ذاكرة بشرية نوعية وأفعالا وآثارا. وكذلك ليست محتويات العقل البشري كلها مُحاكيات، ذلك أنها لم تُنسخ كلها عن شخص آخر. فإذا ما تمت إزالة جميع المُحاكيات الخاصة بك، فإنه سيظل لديك بعض الإدراك والانفعال والتخيل، وكذلك المهارات المكتسبة بالتعلم، وهذه كلها تخصك وحدك، ولم تكتسبها من أي شخص آخر، وليس بإمكانك أبدا أن تتقاسمها مع أي فرد من الأفراد.

تشير الانفعالات التي أثارتها الرموز الإيدولوجية إلى الدور المهم الذي تؤديه المُحاكيات في حياتنا، وإلى القوة التي تتمتع بها في التأثير في سلوكنا.

 

والاعتراض العام هنا هو أن المُحاكيات تختلف جدا عن الجينات. إنها كذلك فعلا. فهي تعاني (أو تستفيد) من معدلات التغيير العالية جدا، وكذلك فإنها غير مغلقة في نظام صارم في توصيفاته، كما في تكرر الدنا وتركيب الپروتين. وأفضل طريقة لفهمها ليس بمضاهاتها بالجينات، بل باعتبارها مُكررات جديدة، لها طرقها الخاصة للبُقيا واستنساخها. ويمكن للمُحاكيات أن تنتسخ حيثما وجدت، بدءا من الكلام إلى الورق والكتاب والحاسوب، وكذلك فإنها تُنتسخ من شخص إلى آخر.

ومع هذا، سيظل هنالك احتمال كبير للانتقاد، وكذلك يبقى عمل ضخم ينتظر الإنجاز. وأخيرا، فإن دراسة المحاكيات تستحق النجاح فقط إذا ما قدمت تفسيرا أفضل مما تقدمه النظريات المنافسة، وتزودنا بتنبؤات صحيحة وقابلة للاختبار. وخلافا للأديان، فإن مركّب المُحاكيات الكبير للعلوم يشتمل على طرائق تمكن من استبعاد الأفكار أو المعايير غير اليقينية. وإذا كان لا بد من الحكم على المُحاكيات حكما صحيحا، فعلينا أن نفعل ذلك في مقابل تلك المعايير.